رمز القوميَّة الألمانيَّة

يقول الوزير الألماني أرنست لجر:

تمتاز برلين العاصمة القديمة للرايخ الألماني على أية مدينة ألمانية أخرى، بأنها تعكس صورة لمصير ألمانيا منذ الحرب، ففي عام ١٩٤٥ بعد الهزيمة الساحقة التي لحقت بالاشتراكية الوطنية رغم المقاومة التي أبدتها، وبعد أن احتلها السوفييت، خضعت المدينة لإدارة الدول الأربع، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، وقسمت — كما قسمت ألمانيا نفسها — إلى المنطقة الغربية والمنطقة الشرقية، وأصبحت برلين بالنسبة لكل ألماني الرمز القومي للتقسيم الظالم الذي حل بأرض الآباء، ذلك الرمز الذي يذكر الألماني دائمًا بأن يعمل في سبيل توحيد ألمانيا.

وكل ألماني مقتنع بأن هذا الاتحاد سيصبح يومًا ما حقيقة مؤكدة داخل برلين نفسها، وذلك هو السبب في أنَّ الموقف السوفييتي الأخير بالنسبة للدول الأخرى في برلين، والذي هدد فترة بانفجار الموقف داخل العاصمة الألمانية؛ هذا العدوان أثار مشاعر الشعب الألماني بأسره في جميع أنحاء ألمانيا، ولم يجد الاقتراح السوفييتي الخاص بتحويل برلين الغربية إلى مدينة حرة أي صدى، لا عند الألمان الذين يعيشون في الجمهورية الاتحادية، ولا عند الذين يسكنون المنطقة الشرقية، يستثنى من ذلك الموظفون الشيوعيون الذين يحرصون على مناصبهم.

إننا نعلم جميعًا أنه بمجرد زوال مسئولية الدول الأربع عن برلين، فإن آخر الأوضاع السياسية التي تهدف إلى إيجاد فرصة للوحدة سوف تنمحي إلى الأبد، فلقد علمتنا الخبرة الطويلة التي حصلنا عليها في برلين، وفي ألمانيا الوسطى أنَّ مقترحات السوفييت الخاصة بتحويل برلين إلى مدينة «حرة» لا بد أنْ تكون خطوة أولى، وأنَّ إدماج برلين كلها في منطقة نفوذ الجمهورية الديمقراطية الألمانية سيكون الخطوة التالية، ولقد اعترف الموظفون في المنطقة الشرقية صراحة بهذه المطامع، كما تحقق سكان برلين من أنَّ المقترحات السوفييتية قد تشمل في الظاهر بعض المزايا؛ لكي تسدل ستارًا على عيون أولئك الذين لم تسنح لهم فرصة التعرف على «التكتيك» السوفييتي عن كثب، ولذلك أصبح من الضروري أنْ يبحث العالم في المصير الذي ينتظر برلين لو قدر — مثلًا — أن اعتمدت الصناعة في برلين وموارد الغذاء فيها على النظام الشيوعي، سيؤدي هذا إلى إهدار الحقوق السياسية والاقتصادية بدرجة لا تستطيع قوة أنْ تمنعها، فسكان برلين لا يمكن خداعهم حتى ولو منحوا مؤقتًا الاستقلال السياسي، والحق في تقرير المصير، وفي الدخول إلى برلين والخروج منها دون قيد.

وهم يذكرون جيدًا ما حدث بين عامي ١٩٤٦ و١٩٤٨، فقد كانت نتيجة أول انتخابات حرة في برلين يوم ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٤٦: ٢٦ مقعدًا للشيوعيين من بين ١٣٠ مقعدًا في برلمان المدينة، وقد حدث هذا مباشرة بعد محاولة سوفييتية فاشلة لإدماج الحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الشيوعي في برلين، وكان رد السوفييت على هذا التحدي السافر الذي تقدم به الناخبون في برلين لحزب الوحدة الاشتراكي، هو اعتراض (فيتو) ضد انتخاب البروفسور أرنست رويتر، عضو الحزب الديمقراطي الاشتراكي، كعمدة لبرلين الغربية.

وفي خلال الأشهر التالية قيد السوفييت أعمال الحكومة التي انتخبها السكان، كما قيدوا إدارتها بينما زادت حدة النزاع بين الحلفاء والاتحاد السوفييتي.

ووصل النزاع إلى ذروته عندما بدأ السوفييت حصار ألمانيا الغربية في يونيو سنة ١٩٤٨، وكان هذا التصرف يشمل أول محاولة لإجبار الدول الغربية على ترك برلين، ولكن المجهودات المتناسقة للشعوب الغربية وشعب ألمانيا الغربية هزمت الحصار بعد فترة دامت ١٢ شهرًا، وفي أثناء الحصار أدت المضايقات السوفييتية المنظمة إلى سقوط الحكومة المنتخبة لبرلين الغربية. وفي ٢٣ يونيو سنة ١٩٤٨ فض عدد من الغوغاء الشيوعيين اجتماعًا للمجلس البلدي، كان الهدف منه التداول في المشاكل السياسية والاقتصادية لإصلاح العملة. وفي أغسطس سنة ١٩٤٨ أعلن الشيوعيون أنَّ القضاء المنتخب لا يتمتع بثقة شعب برلين. وفي ٦ سبتمبر فض الغوغاء اجتماعًا آخر لحكومة المدينة عقد في القطاع السوفييتي، ولم يحاول رجال البوليس في القطاع السوفييتي حماية المندوبين الذين انتخبوا انتخابًا حرًّا.

ولذلك قرر الديمقراطيون الاشتراكيون والاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الحر أنْ يعقدوا اجتماعاتهم في برلين الغربية، وفي ٣٠ نوفمبر سنة ١٩٤٨ عقد الشيوعيون في برلين الشرقية — دون أي تفويض — اجتماعًا غير عادي لأعضاء الحكومة البلدية، وقرروا طرد المجلس المنتخب، وتعيين مجلس جديد كل أعضائه من الشيوعيين.

وبالرغم من هذا التصرف من جانب الشيوعيين والذي تم بدعاية كبيرة وعلى أساس القوة المادية أيضًا، فإن مجلس بلدي برلين برئاسة العمدة الحاكم دكتور فرد فرادنزبرج بقي في مكانه في القطاع السوفييتي من برلين أثناء أزمة الحصار مقاومًا الهجوم الموحد للسوفييت وحزب الاتحاد السوفييتي، وبالرغم من الخطر الذي كان يهدد أعضاء هذا المجلس شخصيًّا، فإن غرضهم من البقاء كان أنْ يظهروا للعالم من المسئول عن تقسيم برلين.

ولقد أيد هذا التصرف تأييدًا واضحًا ما قام به قومندان البوليس في القطاع السوفييتي يوم أول ديسمبر سنة ١٩٤٨ في الساعة الثامنة والربع صباحًا، حينما منع بالقوة عمدة برلين من الدخول إلى مكتبه في قاعة البلدية، وقد تم هذا التصرف تنفيذًا لأوامر السوفييت، وبذلك فرض التقسيم الإداري للمدينة على سكان برلين فرضًا وضد إرادتهم، وهو تقسيم لم يستطع أحد مقاومته حتى بعد انتهاء الحصار في مايو سنة ١٩٤٩.

ولم ينسَ ساكن برلين هذا العمل، فلقد اقتنع كل فرد أنَّ أية مدينة ألمانية «حرة» سوف تكون في وضع مشابه للوضع الذي مرت به برلين في سنة ١٩٤٨، إذا رفض سكانها أنْ يخضعوا للمطالب الشيوعية.

ولذلك فإن أي استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة لحل مشكلة برلين يجب أنْ يدور حول أحد الأوضاع الآتية:
  • وحدة كل برلين مع الجمهورية الديمقراطية الألمانية.

  • وحدة كل برلين مع الجمهورية الاتحادية الألمانية.

  • إنشاء مدينة حرة لكل برلين تحت إشراف الأمم المتحدة.

وشعب برلين الغربية يعلن عن رغباته في كل وقت، فهو يريد أنْ يحتفظ بحريته واستقلاله في الاتفاقية القائمة، وهذه الاتفاقية يجوز تعديلها بناء على اتفاق مشترك بين الجميع، وليس من جانب واحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠