ألمانيا لا تتجزأ!

استسلمت ألمانيا في ربيع عام ١٩٤٥ بلا قيد ولا شرط، فنتج من ذلك تقسيم ألمانيا إلى ثلاثة أجزاء، جزء شرقي احتله البولونيون بعد اقتطاع الاتحاد السوفييتي لقسم كبير من أراضيهم، وجزء أوسط احتله الاتحاد السوفييتي وقامت فيه حكومة «الجمهورية الديمقراطية الألمانية»، وجزء غربي كان قد تم انسحاب قوات الدول الغربية إليه، وأصبح يعرف اليوم بالجمهورية الفيدرالية، وهذا الجزء يتكون عدد سكانه من أكثر من ٥٠ مليون نسمة، وينتج وحده من الصلب ما يفوق إنتاج بريطانيا العظمى.

أما برلين عاصمة ألمانيا القديمة، فإنها تقع في منطقة النفوذ الشيوعي، وقد حدث في عام ١٩٤٤ أنْ تم الاتفاق بين الدول التي انتصرت على ألمانيا، على أنْ تدار برلين بواسطة الدول الأربع، وذلك إقرارًا باتفاق الجميع على وحدة ألمانيا، وكان قد تسنى للقوات السوفييتية خلال مرحلة الحرب الأخيرة أنْ تسبق باقي الدول الحليفة إلى دخول برلين.

ولما دخلت قوات الدول الغربية برلين بعد شهرين من ذلك التاريخ، تطبيقًا لنصوص الاتفاق السابق أصبحت برلين مقسمة إلى أربع قطاعات على رأس كل منها حاكم عسكري.١

وبالرغم من هذا الوضع، فقد اختار البرلينيون هيئة لإدارة مدينتهم، واستتب النظام والقانون، وأزيلت الأنقاض من جزء منها، وكوفحت الأمراض والأوبئة التي كانت متفشية فيها، وفجأة حاول الشيوعيون في عام ١٩٤٨ القضاء مرة واحدة على تلك الجهود، وذلك طمعًا في الوصول إلى إدماج برلين في منطقة ألمانيا الوسطى، فأغلقوا في يوم واحد جميع الطرق المؤدية من ألمانيا الغربية إلى برلين، سواء كانت طرق السكك الحديدية، أم السيارات، أم الأنهار.

واضطرت الدول الغربية بإزاء هذا التصرف إلى تموين برلين الغربية عن طريق الجو مدة تزيد على العام، أما صناعة برلين الغربية فلم تعد تنتج في ذلك الوقت سوى النذر اليسير من المواد، واضطر السكان إلى احتطاب أشجار الشوارع واتخاذ الوقود منها لاتقاء برد الشتاء.

وأيقن البرلينيون بأن الغاية من كل ذلك هي مجرد الضغط عليهم لإرغامهم على اعتناق مبادئ الشيوعية، ولكن فشلت هذه المناورات، وثبت أنَّ البرلينيين يفضلون تحمل ضروب الحرمان والتقشف، حتى البطالة المرة التي سببها حصار برلين عن الانقياد للشيوعية، ونتج من ذلك أنْ فصل الشيوعيون قطاعهم نهائيًّا عن برلين الغربية، وأغلقت الحدود المؤدية إلى غرب برلين إغلاقًا محكمًا، وقام سكان برلين الغربية في نفس العام بانتخاب برلمان جديد لهم بعد أنْ صح عزمهم على العيش في «جزيرتهم» أحرارًا، وهم في صميم منطقة النفوذ الشيوعي، وفي عام ١٩٤٩ رفع السوفييت حصارهم عن برلين، وعادت السيارات والقطارات تجتاز الطرق الموصلة بين ألمانيا الغربية وبرلين، وبدا في بادئ الأمر أنَّ الشيوعيين قد ارتاحوا للنتيجة التي حصلوا عليها باقتطاعهم قسمًا من برلين، وتمكنهم بعد ذلك من اعتباره عاصمة «للجمهورية الديمقراطية الألمانية».

ومرت فترة هدوء، إلى أنْ جاء عام ١٩٥٨.

وكأن مناسبة الذكرى العاشرة لحصار برلين في عام ١٩٤٨ قد أوحت للشيوعيين بضرورة شن هجوم جديد على برلين.

ولكن الهجوم في هذه المرة كان هجومًا مقنعًا، فقد أعلن أنَّ قوات الاتحاد السوفييتي سوف تنسحب من برلين، وإنَّ على قوات دول الاحتلال الثلاث الأخرى أنْ تقتدي بها فتنسحب هي الأخرى، وتسلم مقاليد الأمور في المدينة لحكومة ألمانيا الشرقية، وحدد الإنذار أو الهجوم المقنع الموعد الذي يجب أنْ تنسحب فيه قوات الغرب بيوم ٢٧ مايو من عام ١٩٥٩.

وبالطبع: رفض الحلفاء قبول هذا الإنذار، وأعلنوا أنهم لن ينسحبوا ولو أدى ذلك إلى نشوب الحرب.

وهكذا كادت برلين خلال فترة من عام ١٩٥٩ أنْ تكون السبب في اشتعال نار حرب عالمية ثالثة. وكان موعد هذه الحرب التي أوشكت أنْ تنشب بين الشرق والغرب قد تحدد بمنتصف ليل يوم ٢٧ مايو سنة ١٩٥٩، حتى لقد أخذ الألمان أنفسهم يشيرون إلى ذلك اليوم الموعود فيقولون «دير تاج»؛ أي اليوم الموعود!

ولكن مر يوم ٢٧ مايو بسلام، ولم يتخلله إلا حادث واحد اهتم به أهل برلين اهتمامًا شديدًا، وكان هذا الحادث هو افتتاح الموسم الموسيقي للفرق الإسبانية التي استدعيت للعزف في فندق هيلتون!

ووقع حادث آخر في تلك الفترة أثار سخرية سكان برلين، فقد آثر بضع مئات من رجال الأعمال الذين قدموا من ألمانيا الغربية لمسائل تتعلق بأعمالهم وتجارتهم ومصانعهم، آثروا أنْ يجلوا عن برلين قبل يوم ٢٧ مايو ١٩٥٩، فغادروا برلين بسرعة وعادوا إلى بلادهم قبل أنْ تنشب الحرب المزعومة، عادوا وتركوا أهل برلين يسخرون منهم!

وفي يوم ٢٧ مايو بالذات سار كل شيء في طريق المرسوم، ولم يحدث في المدينة شيء غير عادي بالمرة، فقد انتظمت الأعمال، ولم يبد على الوجوه أي أثر من أثار الخوف، وعمل مصنع «زيمنز» كالعادة، وظهرت الغادات الحسان في «الكورفورستندام» وهن يرتدين أحدث الأزياء، كما تناثر المصورون في هذا الشارع، وفتحت في شرفات المنازل الحديثة مظلات الشواطئ الملونة حتى يستظل بها عشاق الحمامات الشمسية.

أما الصحف فلم تُشِرْ منها صحيفة واحدة إلى الأزمة السياسية التي كانت تجتازها برلين، أو تجتازها ألمانيا أو يجتازها العالم كله بسبب برلين.

ولم تكن الحالة في برلين الشرقية أقل هدوءًا منها في برلين الغربية — سواء في الثكنات الحربية أو في الطرقات — بل لقد شهد بعض عمال برلين الشرقية، وهم في نوافذهم على حدود المنطقة الغربية، شهدوا حفل وضع الحجر الأساسي لبناء ضخم يتكون من ٣٦ طابقًا قررت إقامته إحدى دور النشر الكبيرة في برلين الغربية، فأخذوا يلوحون بأيديهم ترحيبًا وديًّا للمحتفلين والمدعوين.

لقد كان هذا الحادث البسيط في حد ذاته، وهو تلويح بعض المواطنين في شرق برلين لإخوانهم في الغرب، دليلًا كافيًا على شعور هؤلاء بأنهم جميعًا ينتسبون إلى وطن واحد، بل إلى بلد واحد وإنْ فرقت بينهم تلك الحواجز والحدود الوهمية.

ففي وطنهم الذي انقسم إلى شطرين يواظب اليوم ٧٠ مليونًا من أنشط شعوب الدنيا على القيام بدورهم التاريخي كأكبر أمة في العالم لها مشكلاتها، بعد ١٤ سنة من التسليم الذي أعقب الهزيمة ها هم يقفون على أقدامهم ويعيدون صناعتهم وتجارتهم.

figure
صورة من الصور الكثيرة التي يراها زائر برلين في كل مكان، حتى في المنطقة الشرقية، وهي توضح مدى تمسك البرلينيين في الشرق أو في الغرب بوحدة عاصمتهم وتوحيد بلادهم، لقد رسم على هذه الشجرة صورة تمثل الحواجز التي تفصل بين شرق برلين وغربها على شكل أسلاك شائكة. كما ظهرت صورة يد ألماني من الغرب تمتد لمصافحة يد مواطنه الألماني في الشرق من خلال هذه الحواجز والأسلاك الشائكة، وقد كتب على الصورة: «رغم أنف الحواجز، ألمانيا لا تتجزأ.» ولننظر إلى الجانب الآخر من الصورة ولنأخذ فردناند جلوكنر مثلًا: إنه يعيش في الشرق حيث تعتمد الشيوعية على أنصارها ممن يعملون ٥٥ ساعة في الأسبوع، وهو رئيس لعمال أحد المصانع، ومع ذلك فإنه يقول: «إذا عملنا بكل ما في وسعنا فلن يستطيع شيء أنْ يوقف نهضتنا ووحدتنا.»

إنَّ إرادة الألمان التقليدية ومقدرتهم على العمل تعبر الحدود بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، وقد حققت معجزة البعث في الغرب كما خلقت قوة صناعية في الشرق بالرغم من انخفاض مستوى المعيشة هناك، وألفرد كروب يعتبر رمزًا للبعث في الغرب، ففي ١٩٤٨ حكمت محكمة عسكرية أمريكية على كروب بالسجن لمدة ١٢ سنة، ومصادرة مستعمرته الصناعية باعتباره مجرم حرب، وقد عدل الحكم في سنة ١٩٥١ وأصبح كروب اليوم أكبر رجل للأعمال في ألمانيا، وهو يقول «إنَّ الوسيلة الوحيدة للحد من نشاط الألمان وإيقافهم عند حدهم هي إبادتهم جميعًا.»

•••

وليست هذه هي أول مرة تتفكك فيها الدولة الألمانية إذ يذكر لنا التاريخ أنه عندما غزا نابليون أوروبا ووصل إلى ألمانيا، وجد فيها مئات الولايات والإمارات فقصرها على نحو ٤٠ ولاية، ومن العجيب أنَّ مؤتمر فينا الذي اجتمع ليعيد إلى أوروبا حالتها الطبيعية بعد سقوط نابليون اعترف بالنظام الذي فرضه نابليون على ألمانيا، فألغى الولايات الصغيرة والإمارات، ولم يبق إلا على فرانكفورت وهمبورج وبرمن وليوبيك.

وتأسس بعد مؤتمر فينا مجلس «الدايت»، الذي ضم جميع الولايات الألمانية وعلى رأسها النمسا وبروسيا، وكانت الرئاسة للنمسا التي كانت تقف إذ ذاك حجر عثرة في سبيل الوحدة الألمانية؛ لأنها كانت تعرف مقدمًا أنه إذا تمت الوحدة الألمانية فإنها لا بد أنْ تخرج منها!

وقيض الله إذ ذاك لألمانيا السياسي «بسمرك»، وهو الذي اقترن اسمه في التاريخ بالوحدة الألمانية؛ لأنه هو الذي حققها معتمدًا على سياسة عملية أساسها إخراج النمسا من «ألمانيا الكبرى»، والاقتصار على ألمانيا الصغرى بزعامة بروسيا.

وانتصرت سياسة بسمرك فعزل النمسا أولًا، ثم انتصرت عليها جيوش بروسيا في حرب الأسابيع السبعة، وعقد معها بعد ذلك صلح براج الذي خرجت فيه النمسا من الاتحاد الألماني واعترفت بتكوين اتحاد ألمانيا الشمالي بزعامة بروسيا، وكان هذا الاتحاد أول نواة للوحدة الألمانية.

وجاء بعد ذلك دور فرنسا التي كانت تحارب دائمًا فكرة الوحدة الألمانية، فلما التقت جيوشها بجيوش بروسيا في حرب السبعين (يوليو ١٨٧٠) هزمت فرنسا في موقعة «سيدان»، التي انتهت بسقوط نابليون الثالث وحصار باريس، ثم استسلامها في يناير من عام ١٨٧١.

وفي ١٨ يناير من عام ١٨٧١ احتفل لأول مرة بتكوين الدولة الألمانية بعد أنْ تحققت الوحدة!

١  راجع: مشكلة برلين لها تاريخ من هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠