الفصل الثاني

حياة سميث الشخصية والمهنية

كانت مارجريت دوجلاس حاملًا بالفعل عندما مات عنها زوجها المحامي ذو العلاقات الواسعة وضابط الجمارك السابق في يناير ١٧٢٣. وفي الخامس من يونيو، أضافت مارجريت في سجلات المواليد اسم طفلها الذي حمل اسم والده المُتَوَفَّى: آدم سميث. مرت الأعوام ليصبح هذا الطفل فيما بعدُ واحدًا من أهم مفكري عصره، ومؤلِّفًا لأحد أكثر الكتب تأثيرًا في التاريخ.

(١) كيركالدي وجلاسكو

لا نعلم إلا القليل عن طفولة آدم سميث، ومن ذلك أنه في سن الثالثة تعرَّض للخطف لمدة قصيرة على أيدي الغجر، حتى استطاع خاله أن يعيده سالمًا. لكن كل يوم مرَّ عليه في مسقط رأسه لا بد أنه قد زوَّده بالكثير من المعلومات التي استفاد منها في حياته العلمية فيما بعدُ. كانت كيركالدي ميناءً اسكتلنديًّا على لسان فورث البحري في إدنبرة، وكانت مركزًا تجاريًّا تَفِدُ إليه السفن المحمَّلة بالأسماك، وتخرج منه لتصدير الفحم المستخرَج من المناجم المحلية، وتعود بالحديد الخردة لصناعة الحديد.1 وهكذا ترعرع سميث إلى جانب البحارة وتجار السمك ومصنِّعي المسامير وضباط الجمارك والمهرِّبين، ووصف أنشطة هؤلاء جميعهم في كتابه «ثروة الأمم».
لكن الأحوال كانت تتغير؛ فالتجارة المتنامية مع الأمريكتين بسلعٍ كالتبغ والقطن كانت تفضِّل موانئ غربية منشأة حديثًا آنذاك — من أمثال جلاسكو — على الموانئ الشرقية القديمة مثل كيركالدي.2 وفي كتاب سميث العظيم تجد ذكرًا لأنماط الانتقال هذه التي شهدتها التجارة وحياة المجتمعات التي كانت تعتمد عليها.

أما في المدرسة، فقد لاحظ الجميع شغفه بالكتب وذاكرته الاستثنائية، كما أنه انخرط في الدراسة الجامعية في جامعة جلاسكو في سن الرابعة عشرة (وهو العمر الطبيعي لارتياد الجامعة في تلك الأيام)، وهناك درس على يد فيلسوف الأخلاق العظيم فرانسيس هاتشيسون، وهو مفكر عقلاني نفعي صريح يؤمن بحرية الإرادة، وكان مصدر إزعاج للسلطات، ويبدو أن سميث قد تأثَّر ببعض خصاله.

(٢) أوكسفورد والحوافز

كان سميث متفوقًا في دراسته الجامعية، ففاز بمنحة دراسية للدراسة في كلية باليول في جامعة أوكسفورد، وعندما بلغ السابعة عشرة في عام ١٧٤٠، امتطى فرسه وبدأ رحلته التي امتدت لشهر كامل. وبعد أن انفتحت عيناه على الازدهار التجاري لجلاسكو بالمقارنة مع تخلُّف كيركالدي، رأى حينها في إنجلترا عالَمًا مختلفًا، فكتب عن عظمة بنائها وبدانة مواشيها التي لم تكن تشبه أبدًا تلك الأنواع الهزيلة التي اعتاد رؤيتها في موطنه الاسكتلندي.

لكن منظومة التعليم في إنجلترا لم تَنَلْ إعجابه، بل إنها علَّمته درسًا مهمًّا في قوة الحوافز الضارة التي استعرضها باستهزاء في كتابه «ثروة الأمم». فقد كان أساتذة جامعة أوكسفورد يحصلون على أجورهم من عوائد الأوقاف الواسعة التابعة للجامعة، وليس من الرسوم التي يدفعها الطلبة؛ ولهذا كان «معظم الأساتذة العموميين قد تخلَّوا خلال هذه المدة الطويلة حتى عن التظاهر بالتعليم»،3 وكان الهدف من الحياة الجامعية «المصلحة، أو بعبارة أنسب: راحة الأساتذة».4 وفي خِضَمِّ ذلك كان سميث يواصل دراسته للاقتصاد بوتيرة سريعة.

على الرغم من تلك الأجواء، فقد تمكَّن سميث — بفضل المكتبة الهائلة التي احتوتها كلية باليول — من دراسة النصوص الكلاسيكية والأدب ومواد أخرى. وفي عام ١٧٤٦، ترك سميث أوكسفورد قبل نهاية المنحة الدراسية، وعاد إلى كيركالدي، حيث أمضى هناك عامين من الكتابة في الأدب والفيزياء والمنطق والأسلوب العلمي.

(٣) سنواته الأولى كمحاضر

بفضل الصلات العائلية، قام اللورد كامس — وهو محامٍ ومفكِّرٌ بارزٌ — بدعوة سميث لإلقاء سلسلة من المحاضرات العامة في إدنبرة حول الأدب الإنجليزي وفلسفة القانون. ومن هذه المحاضرات، يمكننا أن نستنتج أن سميث حتى في عشرينياته كان يستنبط العديد من الأفكار الرئيسية (كتقسيم العمل)؛ مما سيؤدي لاحقًا إلى تشكيل الأسس الجوهرية التي قام عليها كتابه «ثروة الأمم».

أحرزت المحاضرات نجاحًا عظيمًا، ومهَّدت الطريق للنَّقْلة اللاحقة في حياته المهنية. وعندما بلغ السابعة والعشرين في عام ١٧٥١، عاد سميث إلى جامعة جلاسكو لتدريس المنطق وفلسفة الأخلاق والأدب والبلاغة. (وفي ذلك الوقت، لم تكن البلاغة تعني شيئًا مما تجسده الآن، ولم يُقصَد بها حينها سوى دراسة أسلوب الحديث والتواصل.)

كان منهجه التدريسي في الفلسفة يغطي موضوعات اللاهوت والأخلاق وفقه القانون والسياسة العامة، وكانت محاضراته في فقه القانون والسياسة (والتي لم تصلنا إلا عبر ما دوَّنه الطلبة من ملاحظات) تحتوي على العديد من أفكاره (كآلية عمل منظومة السعر، وعيوب الحمائية، وتطور المؤسسات الحكومية والاقتصادية)، وقد ظهرت هذه الأفكار بعد أعوام بين دفتَي كتابه «ثروة الأمم» على نحوٍ مطابق تقريبًا.

لكن أفكار سميث التأملية حول الأخلاق كانت هي السبب في ذيوع صيته؛ ففي عام ١٧٥٩ نشر سميث هذه الأفكار في كتاب تحت عنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية»، وهو كتاب يتمتع ببراعة الأسلوب وأصالة المحتوى، وقدَّم فيه سميث شرحًا لتقييماتنا الأخلاقية من منظور علم النفس الاجتماعي. ويُذكر هنا أن صديق سميث، الفيلسوف والمؤرِّخ ديفيد هيوم، أرسل نُسَخًا من هذا الكتاب إلى عدد من أصدقائه، ومن هؤلاء كان السياسي تشارلز تاونسند، وأُعجب تاونسند بالكتاب أيَّما إعجاب، إلى الحد الذي دفعه إلى توظيف سميث فورًا بمرتب سخي قدره ٣٠٠ جنيه استرليني طيلة الحياة، وذلك كمعلم خصوصي لابن زوجته، الدوق الشاب لمدينة باكلو.

(٤) رحلاته

على الرغم من ذكائه اللامع، لم يكن سميث خيارًا متوقعًا عندما يتعلق الأمر بوظيفة المعلم الخصوصي، حيث يصفه الكاتب جيمس بوزويل بأنه كان يملك «ذهنًا تزدحم فيه كافة أنواع الموضوعات»؛ مما جعله شارد الذهن، حتى إنه أقدم ذات مرة — في غير وعي — على وضع الخبز والزُّبد في إبريق الماء الساخن بدلًا من الشاي، وسار في حينٍ آخر ثمانية أميال متفكرًا في إحدى المشكلات قبل أن يلاحظ أنه أصبح في مدينة دانفيرملين، وفي إحدى المرات سقط في مصرف مياه لعدم تركيزه في الطريق.

لم يمضِ وقت طويل حتى انطلق سميث مع تلميذه في رحلة إلى فرنسا، حيث كان السفر جزءًا من العملية التعليمية لكل شاب أرستقراطي في ذلك الوقت، واستمتع كلاهما في باريس بالصحبة الرائعة لديفيد هيوم الذي كان السكرتير الخاص للسفير هناك. لكن سميث لم يكن يتكلم الفرنسية بطلاقة، ووجد صعوبة في التواصل مع الآخرين؛ فبدأ الضجر يتملكه وأخبر هيوم: «لقد بدأت بتأليف كتاب من أجل تمضية الوقت.»5 ولم يكن هذا الكتاب إلا «ثروة الأمم».

وفي رحلاته التالية، عبر الجنوب الفرنسي، وإلى جنيف، والعودة إلى باريس، التقط سميث معلومة تلو الأخرى حول أوجه الحياة الأوروبية: ثقافيًّا وحكوميًّا وتجاريًّا واقتصاديًّا وفيما يتعلق بالقانون، وأعملَ فكرَه في الفوارق بينها وبين الأوجه السائدة في أرض الوطن. وكان للمناقشات التي خاضها مع عدد من الأسماء البارزة في أوروبا القارية فضل في تشذيب الأفكار التي وردت في كتابه العظيم.

(٥) «ثروة الأمم»

رجع سميث مع تلميذه إلى لندن في عام ١٧٦٦، وعاد سميث إلى كيركالدي ليقيم فيها، حيث استطاع توفير ما يكفي لشراء منزل فخم في شارع هاي ستريت، وعاش فيه مع والدته وابنة خاله جانيت. (ومن الجدير بالذكر أن سميث ظلَّ يخصِّص جهوده لخدمة والدته حتى وفاتها في عام ١٧٨٤، فلم يتزوج قط، لكن يبدو مما كتبه أنه كان على علاقة في وقت مبكر «بشابة على قدر كبير من الجمال واللباقة».)6

أمضى سميث أعوامًا كثيرة في كيركالدي وهو يكتب وينقِّح ويصقل مخطوطته على حساب صحته، لكنه تحسَّن بعد مدة طويلة أمضاها في لندن من ١٧٧٣ إلى ١٧٧٦، مستمتعًا بصحبة مفكرين عظماء آخرين، من أمثال الرسام السير جوشوا رينولدز، والمؤرخ الجليل إدوارد جيبون، والسياسي الراديكالي إدموند بيرك، وبوزويل، وحتى المعجمي الدكتور صامويل جونسون، رغم تعارض آراء سميث مع آراء الأخير.

نُشِر «ثروة الأمم» أخيرًا في مارس ١٧٧٦، وحقَّق نجاحًا تجاريًّا هائلًا، وطُبِع عدة مرات وبلغات متنوعة خلال بضعة أعوام فقط، كما أنه حقَّق نجاحًا تطبيقيًّا أيضًا؛ فالوصفات التي قدَّمها، كتحرير التجارة، أخذت تشق طريقها في السياسة العامة.

(٦) مفوض الجمارك

كوفئ سميث بحصوله على منصب مفوض الجمارك في إدنبرة، براتب سخي قدره ٦٠٠ جنيه استرليني. وهكذا، أصبح حينها أكبر المنتقدين لمنظومة الجمارك الاعتباطية الفاشلة في بريطانيا، متبوئًا لمنصب يمكِّنه من فعل شيء ما إزاء هذا الواقع، وقد أبدى سميث قدرًا كبيرًا من الجد في القيام بمهام منصبه.7 وكان يُدلِي بنصائحه في موضوعات أخرى أيضًا، محاربًا القيود المفروضة على التجارة في أيرلندا على سبيل المثال، كما تدخَّل بشأن «الاضطرابات» الاستعمارية الأمريكية. وفي وقت لاحق، استعان رئيس الوزراء ويليام بيت بمبادئ سميث في صياغة معاهدةٍ تجاريةٍ مع فرنسا، وفي تطبيق إصلاح واسع النطاق لمنظومة الضرائب في البلاد.

كان سميث يحب النقاش والجدل مع الأصدقاء، وفي يوليو ١٧٩٠، وبينما كان يقضي أحد أمسيات الجدل الكثيرة في إدنبرة، أحس سميث بالتعب وذهب ليرتاح في فراشه قائلًا بأن للنقاش بقية في مكان آخر. ولم يلبث بعدها إلا بضعة أيام حتى تُوُفِّيَ، ليُدفَن تحت نصب تذكاري فخم، وإن كان غير متكلَّف، في ساحة كنيسة بالقرب من منزله في كانونجيت.

هوامش

(1) E. G. West, Adam Smith: The Man and His Works, Liberty Fund, Indianapolis, IN, 1976, p. 31.
(2) R. H. Campbell and A. S. Skinner, Adam Smith, Croome Helm, London, 1982, pp. 9-10.
(3) The Wealth of Nations, Book V, ch. I, part III, article II, p. 761, para. f8.
(4) Ibid., Book V, ch. I, part III, article II, p. 764, para. f15.
(5) Letter to David Hume dated 5 July 1764.
(6) D. Stewart, ‘Account of the life and writings of Adam Smith LLD’, 1794, in The Glasgow Edition, vol. III, note K, pp. 349–50.
(7) Campbell and Skinner, Adam Smith, pp. 200–203.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤