الفصل الحادي عشر

قال الراوي: «إن العرش في خطر.» كلمة ملأت أُذُني الملك ورأسه وقلبه، وكانت لا تزال تدوِّي في صِماخَيْ أذنيه، ويهتز لها جميع كيانه، ولشدة ما أصابه من اضطراب وهلع، تحمَّل كثيرًا في إخفائها في المجلس، كان يشعر بأن صوت وزير الميسرة ما زال يُسمعه هذه العبارة الرهيبة القاسية، إن رنين ذلك الصوت ما فتئ داويًا في تلافيف دماغه يرافق هزات قلبه، وينسجم في دوي الصماخين مع جرْس خفي، كان يشتد بروزه في بصيرته، حتى أصبحت عبارة الوزير: «إن العرش في خطر» تتردد وتتكرر في نفسه دون انقطاع، وبإيقاع النذير الحكيم، إنها الخلوة تسيطر فيها على المرء هواجسه، وما أطل الحاجب بعد انصراف الأعضاء من القصر، حتى أشار إليه بالانصراف آمرًا بأن لا يستأذن لأحد، وأن لا يفتح الباب إلا إذا دعاه، إنه قوي الشكيمة، إنه ملك، فمن العار أن يستنجد بأحد.

اشتد ضغط هذا الشعور على نفس الملك، وكاد يتحول كابوسًا يخنقه، فخارت قواه، وكاد يغشى عليه، لولا أن انتبه إلى أن ما هو فيه لا يليق بالملوك، فوقف ثم اتجه إلى النافذة، يتنشق الهواء بقوة عله يملأ رئتيه فيدفع عنه أثر ذلك الضغط الشديد.

إنه العرش يضيِّع صواب صاحبه، ويضربه على صماخه إذا ما تعرض للخطر، ولا يزال صاحب العرش على غروره وغطرسته وصلفه، معتمدًا على جبروته وقوته حتى يسمع صوت الشعب داويًا صاخبًا؛ فترتعد فرائصه وتنحني هامته، ويكسر بأسه؛ لأنه يدرك أن مانح السلطة يستطيع أخذها، وأنَّ مصدر القوة يستطيع سلبها. وقديمًا انتبه عقلاء الملوك لهذه الحقيقة، فأوصوا عمالهم بهذه الحكمة الخالدة: «لا تدع الرعية تقول؛ فإنها إذا قالت فعلت»، ولا شيء يجرِّئها على القول مثل الظلم، الوخيمة عواقبه، ولكن أنَّى للملوك أن ينتبهوا إذا لم يكن للشعب رأي عام، يعرف كيف يعيد الغافل إلى وعيه، والغائب إلى صحوه، والضالَّ إلى رشده، ويعْلم الملوك أنَّ الرأي العام إذا ما تكوَّن يعرف كيف ينتقم من الظالمين، فهو صوت الحق، ينصف المظلومين، وصدق من قال: لا تُهِن الضعيف، فعلَّك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه.

نبهت كلمة وزير الميسرة حواس الملك وعقله وشعوره، فتمثل له الواقع شبحًا مخيفًا، فأخذ يتأمل في ما في نفسه، فتذكر أباه الملك الطاغية، ونقله خياله إلى عهد مضى، كان فيه وليًّا للعهد، وكان في مطلع العقد الثالث من عمره.

في هذه الحديقة ذاتها، وهو يطل عليها الآن من النافذة، في ذلك العهد من عمره ذاك، منذ ثلاثين سنة جلس بين يدي أستاذه، وكان حكيم ذلك العصر وفيلسوفه، واستمع إلى حديث كان له أعمق الأثر في نفسه، وإنه ليذكره، ويهتز له قلبه، وكأنه بين يدي ذلك الوقور في لحظته هذه. قال له ذلك الحكيم: يا بني، إنك موضع ثقتي، وأنت أمل الرعية، فيجب عليك أنْ تتصل بواقع الحياة، وأنْ تحاول إدراك الحقائق مجردة عن كل تغطية وتمويه، لا تخشَ الحقيقة، مهما كانت مُرَّة المذاق، فإنها لا يخشاها إلا الجبان، وليس الجبن من شيم الملوك، إنني أرى أن الواجب يقضي عليَّ بأن أصارحك بأمر شديد الخطورة، ولا أريد منك سوى وعد صادق بأن تكتمه، أعجبك أم لم يعجبك، وأنك تتحمله مهما آذاك في نفسك دون أن تحقد عليَّ.

فارتبك الشاب آنئذ ارتباكًا شديدًا، وللوعد عنده قيمة، ولم يكن يومًا ناكثًا للعهد، فشبابه كان شبابًا منطلقًا متفتحًا، وأستاذه هذا قد غذى نفسه بأروع الفكرات وأسمى المبادئ، وهو ما زال يُعنى به منذ عشر سنوات، وما علم أنه احتاط معه يومًا كل هذا الاحتياط، وبعد تأمل قصير، التفت إلى أستاذه سائلًا: وهل أكتمه عن والدي صاحب الجلالة، وعن والدتي صاحبة الجلالة، وقد تعودت ألَّا أكتم عنهما شيئًا؟

الحكيم : نعم، وأريد أنْ تكتمه حتى عن نفسك إذا لم يَرُقْ لك، فتحاول ألَّا تعيد ذكره مطلقًا.
ولي العهد : وهل هو سرٌّ يتعلق بك شخصيًّا تريد أن تفضي إليَّ به؟ أم هو أمر يتعلق بشئون المملكة، أو بالملك الوالد خاصة أو بالملكة الوالدة؟
ح : بل هو أمر يتعلق بالمملكة وبالمسئولين عنها.
و : عودتني الصدق، وربيتني على الوفاء بالعهود والوعود، ولا أدري لِمَ أجد نفسي عاجزًا عن تحمل سر أعد بكتمانه عن الملك والملكة؟ وماذا تبدَّل في نفسك وقد ربيتني على البر بهما والإخلاص لهما؟ إنني أحترمهما احترامًا كليًّا، ولا أسمح لنفسي أن يختلج فيها ما يتصل بانتقاد أحدهما مهما ساءني منهما من تصرف، فإن يكن قد صدرت عن الملك إساءة نحوك، فإنني على استعداد لتدارك الأمر بينك وبين الملك، فلا تكون إلا راضيًا.
ح : ليس بيني وبين الملك أو الملكة أي فتور، ولم يصدر عنهما أو عن أحدهما نحوي أي تقصير، فأنا أحفظ لهما كل وفاء وحب واحترام، ولا يتعلق الأمر بي شخصيًّا مطلقًا، فإني شيخ هرم، لم يعد لي مأرب في هذه الحياة، الأمر يتعلق بمصلحة المملكة وبك أنت، ويجب أن تتذكر أنك لست ابن الملك وحسب، ولكنك ولي عهد سيكون ملكًا يومًا.
و : ما لك تلتفت إلى الغائب وتقول: سيكون؟ لعلك تريد أن تقول ستكون؟
ح : بل قلت، وأعود فأقول: سيكون؛ لأنك بصفتك وليًّا للعهد غيرك ابنًا للملك، والولدان يختلفان، فالملك مع احترامي الكلي لأبوته لا يصلح أن يكون أباك بصفتك وليًّا للعهد، فأبوك بهذه الصفة هو مجتمع المملكة، وله عليك حق الوفاء أكثر مما لأبيك الملك إذا ما تعارضت الواجبات.
فأنت إذا لم تتفاعل مع مجتمع المملكة تفاعل أبوة وبنوة، وظللت لأبيك الذي كان سبب وجودك الأول وحده، لا تصلح وليًّا للعهد، ولن تكون الملك الصالح لخير رعية، وإنما تصبح إذا حصلت على الملك أنانيًّا طاغية، يستعبد الناس، ويترف على حسابهم، إنك تكون عندئذ فردًا ظالمًا يطغو ويجور، لا ملكًا يعدل في رعيته ويهتم بمصالحهم، عندئذ تهدد بالحرمان؛ لأن أطماع الملوك المجاورين تتحرك، وتستولي عليك وعلى بلادك.

إنني طلبت منك الكتمان، ولم أطلبه طمعًا بالاحتفاظ بمكانة أو بثروة أو بمظهر، أو خوفًا على حياتي، فأنا زاهد على ما تعلم، وحياتي أهون شيء لدي، وإنما مصلحة المملكة تقضي بالكتمان، وأنت بصفتك وليًّا للعهد يجوز لك — بل يجب عليك — أنْ تكتم أمورًا كثيرة عن والدك الملك الأب الأول، فللأب الثاني وهو المجتمع حقوقه، وهي فوق حقوق أبيك الملك، والكيِّس مَن يكون برًّا بالوالدين، يعطي كلًّا منهما حقه.

شعر ولي العهد بأنه أصبح في عالم غير عالمه، وكاد يضيق بذاته، وفيما كان يهم بإلقاء سؤال جديد حضر حاجب الملك، ودعا الحكيم الفيلسوف إلى الاجتماع بجلالته على جناح السرعة.

قام الحكيم ملبِّيًا الدعوة واعدًا تلميذه بالعودة إليه، فوعده هذا بأنه لن يبرح مكانه.

وها هو الآن واقف أمام نافذة ردهة الاستقبال، ينظر إلى مكانه ذاك مع أستاذه، ويتأمل في الحديقة وفيما سمع آنذاك، إنه واقف أمام النافذة وكأنه في الحديقة لا يزال ينتظر عودة الحكيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠