الفصل الرابع والعشرون

قال الراوي: كانت الأشهر الستة أعجوبة من أعجوبات الدهر في سخريته بالناس واحتقاره لهم، فالأستاذ الجليل أو الساحر المشعوذ نسي التاج بل تناساه، وأخذ بالتفكير في طرق استغلال الدولة لمصلحته، فطلب إلى تلميذه أن يستدعي جميع التلاميذ المنتشرين في أرجاء المملكة، وقد كان هيأهم كما يهيئ تلميذه هذا إلى مثل هذه الفرصة تسنح، فيغتصب فيها حقوقًا لغيره، ويسلب الناس حريتهم أموالهم ما أمكنه ذلك، ويتمتع بالولائم والحفلات وبالتصفيق والتطبيل، ثم يمكن لنفسه مركزًا ومكانة، يستمر معهما استغلاله هذا وكبرياؤه وغطرسته وشعوذة التدجيل.

حضر التلاميذ، وقد تجاوزوا نصف المائة باثنين أو ثلاثة أو خمسة، تردد الراوي في إحصاء العدد، ولكنهم كانوا جميعًا من شياطين الإنس وعفاريت جهنم في فساد النية، وفغر الأفواه للزلع والبلع، وللنطق بما يرضي المحسنين، ولو سرقوا وسلبوا وخدعوا الحراس، ونقموا من المخلصين الصادقين، ولو شاهدت همزهم ولمزهم لاستعذت بالله من شياطين الإنس، يؤذون الناس أكثر من استعاذتك من شياطين مارج النار، ولا غَرْوَ في أنْ تكون هذه حال من يكون ذلك المشعوذ أستاذه.

أفهم الساحر المشعوذ تلامذته بأنهم قادمون على عهد كله خير وبركة، إذا ما أخلصوا له الخدمة والنصح، ووعدهم بالوظائف ذات الريع السمين، والموارد التي لا تنضب، مع سطوة ونفوذ ومكانة، فابتسموا ابتسامة عميقة، رفعوا معها الرءوس، وأغمضوا العيون مع ضم الشفاه في كل فم اثنتان، وكأنهم في غيبوبة مرحة، يعبرون عن فرحهم وابتهاجهم مع غبطة واطمئنان، ثم وعدوا أستاذهم بالوفاء والإخلاص والتضحية، فأوصاهم بما تجب ملاحظته وبما يفرض عليهم عمله لتأمين الدعاوة له ولمحاسيبه وأوليائه، مع موافاته دائمًا بما يتجسسون له من أخبار، وانصرفوا آملين، وقد صمموا على أنْ يتجنبوا كل ما يدعو إليه الوطن والدين من مبادئ وأخلاق ومناقب، في سبيل الوصول والانتهاز.

كان من مظاهر هذه الفترة من الزمن، أنَّ التجسس على أعراض الناس قد انتهى في الظاهر، ولكنَّ أمْرَ هَتْكِ تلك الأعراض قد استفحل إغراءً بالأموال أو احتيالًا بالوعود أو قسرًا بالتهديد والوعيد، أو إغراء واحتيالًا وقسرًا بأساليب الشعوذة والتدجيل، وتحايل الإنسان لا يحده إحصاء ولا حصر متى فسد، ولا سيما إذا ما استحكم مبدأ التغطية، فأصبحت ترى هؤلاء الفاسدين المفسدين، أو الراشين المرتشين، أو المستغلين السالبين يُصفَّق لهم ويزمَّر ويطبَّل، وتُلقى بين أيديهم مصالح الناس، ويُرفعون على الأكُفِّ، ويُنسب إليهم من الصفات والمناقب ما لا يتصف به سوى المصلحين من أنبياء وحكماء وأولياء قديسين، ولعل الأنكى في المجتمع ألَّا يكتفي هؤلاء بالتجارة بعواطف الناس، إذ يعملون على الانحراف بها، بل يلعبون بعقولهم أيضًا، فيتاجرون بالعلم لينحرفوا بتلك العقول وقد عمَّ الخطب في هذه الأشهر الستة، لدرجة أصبح الغافلون من الناس يقولون: ماذا تريد؟ هذه هي الحياة: شعوذة وتدجيل وخداع ومداورة، والغنم للأذكياء الذين يعرفون كيف تؤكل لحمة الكتف، ومتى استسلم الإنسان لمظاهر الفساد، وقبل به كتيار لا تمكن مقاومته، تهيأ بحكم نواميس الحياة ليكون لقمة سائغة للغير، فيستعبد ويصبح تابعًا لا يحق له أن يطالب بالتحرر والاستقلال، وقد يبلغ في انهياره هذا حدًّا يستلذ معه الاستعباد، ولا هَمَّ له سوى ترفه، فيشتد الخطر ويهدد بالتشرد عن الأوطان.

أمَّا المخلصون الصالحون فيصبحون هم الخائنين المفسدين، وهكذا تنقلب الأوضاع، فيبعد الصالحون عن الأعمال التي تهيئوا إليها، ويقوم بها الدخلاء.

هذه هي الأحاديث التي كان يتداول بها شبابنا الثلاثة، ويتناقشون منفردين أو مع رفاق لهم، أو في حلقة الأستاذ الحكيم في أوقات مختلفة من تلك الفترة، وكثيرًا ما تداولوا مستغربين الطرق التي استعملت لإيغار صدر الملك على مشيره الأول بعد أنْ سبق وسلمه كل أمره، فأصبح وليس له من الأمر شيء، يتعذر عليه أنْ يدخل على مليك أخلص له الخدمة كل حياته، وكانت في نفسه أشياء وأشياء ينقذ إعلانها الموقف، ولكن ذكاء الاستغلال حال بينه وبين مليكه.

والأستاذ الحكيم ماذا صنع؟ ولِم اشتدت عليه المراقبة؟ وهناك رجال مخلصون توعدهم أذكياء الاستغلال ثم منَّوهم، فإذا هم في حالة استهواء يترنح بين الترغيب والترهيب، فينقلبون على أستاذهم، وبلغت الوقاحة في لؤم البعض منهم أن وشى به، وألصق به ما أراده أولئك من تهم هو براء منها، ولكنه المشعوذ أخذ يحقق ما أوعد به من إرجاف؛ ليقتل الأستاذ الحكيم قتلًا أدبيًّا، قد يؤدي إلى التخلص منه دون ضجة ولا عنف، بل وبإرادة المغفلين من الشعب، فيصيبه ما أصاب الشهداء؛ شهداء المبادئ، شهداء حب الإنسان، شهداء التضحية والنصح من اضطهاد صارم خلدهم على الدهر، وكان الوسيلة لانتشار المبدأ، ولتحقق هدف الضحية في حب الإنسان، فكانوا الأحياء حقًّا بين أموات يتوهمون أنهم أحياء.

وفي انعطاف الحديث في هذا الاتجاه في يوم من أيام الشهر السادس الأخيرة، سأل أحد الشابين التلميذ قائلًا: والتاج، هل انتهى المشعوذ من صنعه؟

التلميذ : والله إنني في حيرة من أمر هذا الساحر وفي أمر تاجه.
أراه لا يفعل شيئًا، يقضي بعض أوقاته في استقبال أوليائه وأتباعه، يحدثهم عن مستقبل باهر قريب، ويعدهم ويمنيهم ليكونوا له من الصادقين، ويمضي القسم الآخر في الولائم والحفلات والدس والمؤتمرات في قصور بعض أركان الدولة، وفي دور المتنفذين المستغلين، ثم ينام ليله وغطيطه يملأ الدار، ولا يستيقظ إلَّا بعد الضحى، وقد أصبحت ردهة الاستقبال تعج بالمنتظرين، فيصبحونه بالتملق والتذلل وتكرار عبارات التأليه والولاء والاستعباد، جرًّا لمغنم أو درءًا لمغرم، وأكاد أُجنُّ مما يكال لي من هذا المديح والثناء والإطراء؛ لأسهل لهم شرف تقبيل يدي الأستاذ الجليل، أما مصالح الأمة ورفاه الناس وقطع دابر الظلم والإسراف والتحرير من العبوديات، وإيصال صاحب الحق إلى حقه، فهي من الكلمات التي يسرف في استعمالها في خطب يلقيها من وقت إلى آخر بمناسبة ودون مناسبة، ليخدع بها عقول الناس، ويستخدمها تغطية لآثامه، ولم أجد أي أثر لأي عمل يقوم به في صنع التاج المنتظر، وقد أصبح حديث الناس.
الثاني : لعله يعتمد على أحد مهرة الصاغة، ثم يلبسه ثوبه السحري، فيبهر عيون الناس.
أحدهما : بل لعله تاج مصنوع منذ القديم، يهتم في آخر يوم بتنظيفه وتلميعه، ويظهر له بريقًا متلألئًا بمواد يعرفها ويطمئن إليها، فلا يلبث أنْ يشع منه سحر أشبه ما يكون بدخان الشياطين.
التلميذ : كل افتراض ممكن في مثل هذه الأجواء، والمهم أنه لم يعمل شيئًا معينًا، وفي غرفته السحرية إلى اليوم، وكل همه منصرف لإلحاق الأذى بأستاذنا الحكيم وللنكاية به، ولا راحة له ولأوليائه وأتباعه على ما يبدو لي إلَّا بالتخلص منه ومن فكراته وتوجيهاته.
أحدهما : مسكين هذا الأستاذ، فلا يزال هو ومن يدين بآرائه عرضة لانتقام الانتهازيين المستغلين، ولكن الله ناصره، ألا ترى كيف يزداد المعجبون به على الرغم من خيانة الكثيرين؟ ألم تسمعه يردد دائمًا قوله: طريق الحقيقة مفعم بالأشواك، وليس لمن يدعو إليها سوى الصبر والثبات والتضحية.
الثاني : ما أسمى ثباته وصبره، وما أكبر تضحياته في سبيل المبدأ.
التلميذ : وما أشد عناد هذا المشعوذ في سبيل تحقيق المطامع.
أحدهما : وما أعظم صبر الملك في سبيل هذا التاج، ولكن ما دمنا من ليلة حفلة التاج قاب قوسين أو أدنى فلننتظر، ولكل حادث حديث، فما أقصر حبل الكاذب الخائن يلبِّس على مليكه وعلى الناس أنه الصادق الأمين! وما أشد حقارة من هذا شأنه! وما أشد انهيار الأمم إذا ما انخدعت به وبأمثاله من المنافقين!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠