الفصل الرابع

قال الراوي: لم يتجاوز الساحر عتبة باب الدار حتى بادره الخادم بقوله: القاعة مزدحمة بالزائرين يا سيدي، ويظهر أنهم من الكبار الكبار، وكان الخادم يقول ذلك والدهشة تعقد لسانه.

إنه تعود أنْ يرى في دار سيده أناسًا من السوقة، وأكثرهم من الفقراء، يأتون لمعرفة بختهم أو لكشف الغيب أو المستقبل، وقد يقصدونه لمحاولة استهواء حبيب أو للإيقاع بعدو إذا لزم الأمر، أو للحصول على رقْيات وتمائم وتعاويذ وأحراز، يعتقدون أنها تقيهم من العين أو المرض، أو تشفيهم من الأدواء والعلل، أو تحفظهم من السحر ومن تعديات الناس، ومن الأحراز ما يكون للمحبة، فيصبح حاملها محبوبًا لدى الآخرين، إلى غير ذلك من أغراض ومطامع قد تواجهها بعض المصاقبات أو تلائمها بعض المصادفات في بعض الحوادث، أو في وهْم بعض الناس ممن في نفوسهم ضعف ومرض، وممن في تفكيرهم الْتواء، فيبنون من الحبة قبة، ويصلون لخوارق العادات بخوارق الانحراف في الفكر وفي الشعور، فتستقر في نفوسهم صور الشعوذة حقائق راهنة يؤمنون بها، ولا يقبلون فيها أي تأويل، والغريب أنهم ينسون أو يتناسون في إيمانهم هذا العدد الكبير، وهو الأكثر حكمًا، مما لم تواجهه مصاقبة أو تلائمه مصادفة أو وهْم من الرقى والتعاويذ والأحراز، وقد أعمى المشعوذون قلوب الناس بإلقاء هذه العبارة الساحرة ونفثها في الصدور: من لا يؤمن لا يشهد. فإذا لم تواجهك مصاقبة أو صدفة اتهموك في إيمانك، وكفى الله المؤمنين القتال، فأنت في حلقة مفرغة ليس لها أول ولا آخر.

وكان إذا ما جاء الكبار فإنهم كانوا يأتونه فرادى ومتنكِّرين في أكثر الأحيان، أما الكبار الكبار فإنهم كانوا إذا أثَّر سخف الشعوذة في نفوسهم، يستقدمونه خفية إلى قصورهم أو دُورهم، وفي الانخداع بالشعوذة صَغار، وفي الاعتقاد بها عارٌ وأيُّ عارٍ، وقد لا يشعر بذُلِّ ذلك الصَّغار وبحقارة هذا العار إلَّا من ارتفع مستواه عن السوقة من الناس وجاهة أو علمًا أو خبرة، فإذا ما انطلى سحر الشعوذة على أحد هؤلاء التجأ إلى التغطية والتلبيس، وإلى التنكر والتدليس، وفي ذلك كله، سواء كان ذلك في السوقة أم في الكبار أو الكبار الكبار، دلالة واضحة على ضعف في النفس وخئور في العزيمة، وجبن عن مواجهة الحوادث بتفكير ذاتي واستقلال في التأمل.

ولا تكون هذه الظاهرة إلا في عصور الانحطاط في الأمم، وهي من أولى أمارات التأخر والانهيار.

فلا تستغربن — أيها القارئ الفطن — دهشة الخادم، وقد رأى الكبار والكبار الكبار يغْشون الدار بهذه الكثرة دون تنكُّر ولا استخفاء.

ولم يسِر الساحر بضع خطوات حتى هرع إليه تلميذه، وقد كان في القاعة يؤانس الزائرين، وأسرَّ في أذنه أن بعضًا من رجال الدولة ومن الوجهاء والحكام أتوا للسلام عليه، وهم في انتظاره منذ وقت طويل، فابتسم الساحر ابتسامة خبيثة ماكرة وخاطب تلميذه بقوله: أي منذ شرفني جلالة الملك بالخلوة معه، أيوه، إنَّ هؤلاء هم الشمامون، فاستغرب التلميذ الكلمة، وسأله: ما معنى كلمة «الشمامون»؟ وردت في كلامه، فابتسم الساحر وقال: سأعلمك عن معناها في جلسة السهرة، أما الآن فقل لهم: إن الأستاذ قد دخل غرفته ليؤدي صلاة الشكر لله تعالى، ثم يعود إليكم. وانتبِه لكل ما يقول هؤلاء لتنبئني خبرهم بالتفصيل، فإنك ستشاهد العجب العجاب، فلا تعلِّق أنت على كلامهم بشيء مطلقًا.

عاد التلميذ إلى مقعده في القاعة، وأبلغ من كان من رجال الدولة ووجهاء العاصمة وحكام المملكة بأن الأستاذ سيجتمع بهم بعد أن يؤدي صلاة الشكر لربه، فما سمع هؤلاء هذه العبارة، حتى اهتز المجلس وجدًا وإعجابًا، وقالوا بصوت واحد: الله الله! نفعنا الله ببركته، ومتعنا بطول حياته، ثم استولت على المجلس لحظات صمت وقور قطعه أحدهم ويظهر أنه كان أعظمهم مكانة بقوله: إنَّ رجال الله يُشغلون بربهم فلا يقدِّمون على عبادته أي عمل، فأكد آخر بأنهم مشغولون بالله عن الناس، فثبت من بجانبه هذا الرأي بقوله: إنهم أحباب الله يا أخي، وهل يشغل قلب الحبيب بسوى حبيبه؟ فإذا في آخر القاعة رجل يتواجد فيهتز طربًا ذات اليمين وذات الشمال ويردد ما عناه الشاعر بقوله:

ما أحسنَ الدينَ والدنيا إذا اجتمعا
وأقبحَ الكفرَ والإفلاسَ بالرجل

ولكن الجالس في الزاوية المقابلة رد عليه بقوله: ما لك وللدنيا الآن؟ فهل لرجال الله بها أي مأرب؟ إنَّ أستاذنا الجليل أعظم من أنْ يفكر فيها، أو أنْ يُخدع بسراب مظاهرها، فوالله لولا وجود هؤلاء ينصرفون لعبادة الله أمثال أستاذنا الجليل لما رزقنا الله في هذه الحياة، فنحن إنما نُرزق ببركتهم. نعم نعم، أحسنت والله يا أخي. بهذا عبَّر الجارُ عن استحسانه لقول جاره وهو يهز رأسه هزات متزنة متوالية إشارة للتصديق على كل ما قيل مع الإعجاب الشديد، فانبرى لهم رجل كان يتصدر القاعة بجانب ذاك الذي افتتح الحديث، وأخذ يتكلم بصوت أجش عريض، ودون أنْ يفارقه سمت الوقار قال: إنَّ أهل التقى والورع هم السعداء وحدهم، وإنما يسعد غيرهم بتقربه إليهم، فوجود أستاذنا الجليل التقي الورع القديس في هذه العاصمة سيكون، ولا شك مصدر سعادة للجميع.

وهنا تطور أحد الحاضرين تطورًا صوفيًّا، فأخذه الحال وأنشد يقول بعد تنهد عميق، وكأنه في حالة الغيبوبة ما معناه:

لي سادة من عزهم
أقدامُهم فوق الجباه
إنْ لم أكن منهم فلي
في حبهم عزٌّ وجاه

وما بلغ الحديث هذا الحد مع ما فيه من انجذاب وغيبوبة وتواجد، حتى أوشك التلميذ وهو من الشبان الواعين أنْ يختنق من الغيظ والغضب، وقد اشتد حَنَقُه لدرجة انقلب معها في نفسه سخرية حانقة كادت تتفجر ضحكًا هازئًا صاخبًا، لولا أنْ دخل الأستاذ على سمت خاص ووضع مفتعل، فأنقذ الموقف وأوقع الرهبة والوقار في نفوس الجميع، فوقف الجميع إجلالًا وكادت انحناءات بعضهم تبلغ الركوع أو السجود، وما أشد ما يتقن هؤلاء المراسيم الملكية، وما أعظم مهارتهم في تحقيق شكلياتها على أتم وجه.

أمَّا التلميذ الحانق فقد اغتنمها فرصة خرج فيها لوقت قصير فَثَأَ فيه عن نفسه حِدَّتها، وعاد ليقدم إلى أستاذه هؤلاء الذوات بأسمائهم يعاونه بذلك أكبرهم منصبًا، مبينًا رتبة كل منهم وعمله.

كان هذا التلميذ شابًّا لم يتجاوز العشرين، وكان ذكيًّا واعيًا وفطنًا، صحب الساحر منذ سنوات بأمر والده، وقد كان مأخوذًا بعلم الأستاذ وفضله، فأراد أنْ يفيد ولده من مهارته وخبرته وقوة عارضته. اطلع هذا التلميذ النشيط بفطنته ووعيه على أسرار المشعوذ ومآسيه، وأدرك أساليب الشعوذة وأضرارها، وكاد يترك أستاذه حانقًا ثائرًا لولا أن هذا قرر الانتقال إلى العاصمة ليتصل بالملك، فأراد الشاب أنْ يشاهد أدوار هذه المأساة الجديدة علها تكون مصدر ثورة للإصلاح.

إنَّ هذا التلميذ يعرف إذن حقيقة أستاذه، وهو يعلم أن مزج الشعوذة بمظاهر الدين وشكلياته، وهي الطريقة التي يستخدمها هذا الساحر، هو من أشد أنواع الشعوذات ضررًا وخطرًا، إنه واثق أن أستاذه لا يصلي ولا يتعبد الله إلا رياءً ونفاقًا أمام الناس، فهو إذن لم يدخل غرفته للصلاة كما ادعى، بل لاستكمال عناصر طريقته في شعوذته؛ لتتخذ شكلها الديني ذا الأثر العميق في نفوس السذج من الناس وغيرهم على ما شهدنا في الفترات السابقة، ولكن هل تأثر هؤلاء الكبار والكبار الكبار بشعوذة هذا الدجال؟! أم هم شعوذوا عليه بدورهم؟! هذا ما ستظهر لنا حقيقته في ما سيأتي.

أمَّا الآن، فإن الراوي يؤكد أنَّ الساحر حين دخل إلى غرفته لم يقُم بأي واجب في عبادة الله، إنما انتقل منها إلى غرفة صغيرة أخرى بجانبها، وهي غرفة خاصة حرام، لا يدخلها غيره حتى ولا تلميذه، وقد اصطنع فيها وسائل تمكنه من مشاهدة ما يجري في القاعة ومن سماع ما يقال، وإنه كان يود أنْ يستمر الحديث لولا ما لاحظه من تميز تلميذه من غيظه، فوجد من الحكمة أنْ ينقذ الموقف، ففعل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠