الفصل الخامس

قال الراوي: وقف الجميع إجلالًا عند دخول الأستاذ الجليل — هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه الشمامون من الأعيان فلا مرجع عنه بعد الآن — وسبحته الطويلة في يده، ثم حيوه بالطريقة المألوفة في مراسم ذلك الزمن، ولا سيما في تحية الرجال العظام، وهو قد أصبح في نظرهم من هؤلاء، فأسدل كل منهم يده اليمنى إلى الأرض، وهي منفرجة الأصابع انفراجًا طبيعيًّا بارتخاء وأناة، مفتوحة إلى فوق مع شيء من التقعير ومع انحناءات تختلف باختلاف مكانة المنحني وحاجته؛ فمنهم من اكتفى بإحناء الرأس، ومنهم من ضم في انحنائه أعلى الجذع، ومنهم من بلغ درجة الركوع أو السجود، ومنهم من أسدل مع انحنائه اليدين معًا، أمَّا الأستاذ الجليل فردَّ عليهم التحية شأن العظماء، وقد أبدع في تمثيل الدور برفع يده قليلًا مبسوطة إلى جهة الصدر نوعًا، ومضمومة الأصابع ما عدا الإبهام مع إمالة رأسه إمالة خفيفة كادت ألَّا يشعر بها أحد، وأنعم عليهم — مع تحية العظمة — بابتسامة ناعمة هي علامة الرضى عن دهشة الإجلال والإعجاب، وقد أخذوا بها في تحيتهم له حين دخل على تلك الهيئة المهيبة الرصينة.

جلس الأستاذ الجليل، فجلس الجميع، وساد المجلس سكون رهيب بانتظار التحية الثانية تحية الجلوس، يبدأ بها الأستاذ الجليل، لتكون بعد الرد عليها مفتاحًا للحديث، فكأنها كناية فعلية عن الإذن بإدارة الحديث في حضرته، فسبحان ربي الحكيم ما أكرمه وما أحلمه! فقد أراد لحكمة خفية عنا أن يمر البشر بهذه التُّرَّهات من الشكليات في تقدم الحياة، وكأني بنا لا نزال ننخدع بها أو نحاول أن نخدع، وسيستمر البشر على الاهتمام بمثل هذه التُّرَّهات ما دامت التربية عاجزة عن استئصال جراثيم السخف والحمق من النفوس، فإن هذه التُّرَّهات ليست أصيلة في طبيعة الإنسان وفطرته، وإنما هي من مستحدثات المجتمع وبدعه، تدخل في النفوس على الشكل الذي تتسرب به إلى الجسم جراثيم الأوبئة والأمراض، اللهمَّ احفظ شبابنا واحمهم من جراثيم الترهات، آمين آمين.

وأخيرًا، وبعد صمت عميق وقور استمرَّ بضع لحظات، التفت الأستاذ الجليل رافعًا رأسه وابتسامته الماكرة تتغامز فيها عيناه بارزة على ثغره، ورحب بهم رافعًا يده على الصورة التي سبق وصفها، وقال: أهلًا بكم، شرَّفتم. فتهللت الوجوه، وانطلقت الألسنة تردد: تشرفنا يا سيدي الأستاذ الجليل، زدتنا عزًّا وشرفًا يا مولانا، أهلًا بكم أيها الولي القديس، أهلًا بالتقيِّ الورِع، أطال الله عمر مولانا صاحب الفضل والمنَّة، أهلًا بالعلم والدين يجتمعان، متَّع الله الأمة بحكمتكم وحسن تصرفكم في الأمور، نفعنا الله بمكانتكم السامية وببركة قداستكم، ولعل هذا كان أصدق الداعين لما في قوله من صراحة الرغبة في الانتفاع، فكان أقل تغطية من غيره، ولكن، أكان ذلك لسذاجته أم لذكائه وخبثه؟! لم يستطع الراوي التحقق من واقعية إحدى الحالتين، فكلتاهما تصلحان سببًا لمثل هذه التورية القريبة من التصريح.

وعلى كل فما استنفد الحاضرون هذه العبارات في تزلفهم وتملقهم، حتى تضرع الأستاذ الجليل إلى الله العلي القدير أنْ يحفظ الملك العظيم العادل، ويكلأه بعين عنايته وينصره على أعدائه أجمعين، وقد عبَّر عن ذلك بدعاء طويل، ألقاه بخشوع خادع بعد أن نهض قائمًا، ووقف الجميع، وما استقر بهم الجلوس ثانية حتى بدءوا يستفسرون عن راحته وعن حصوله على جميع حاجاته، وكل يعرض نفسه لخدمته مظهرًا استعداده القوي للتضحية بوقته وبما يملك في سبيل رفاهية الأستاذ الجليل وراحته؛ لأن رجال الله جديرون بأن يُضحَّى في سبيلهم بكل غالٍ ونفيس، وهنا أتم العبارة أحدهم، ويظهر أنه كان من الخبثاء الأذكياء بقوله: لا سيما إذا شملتهم بالعناية والرعاية عين المليك الساهرة، فشكرهم الأستاذ جميعًا مؤكدًا لهم بأن رعاية جلالة الملك وعنايته لم تتركا مجالًا لأية حاجة لأي شيء، فكرَّرُوا جميعًا الدعاء بطول حياة الملك العظيم، وباستمرار إقبال الخير عليه، فإنه خير للجميع.

عندئذ تحرك الرجل الذي في الزاوية، ولم يكن قد نطق ببنت شفة، ولعله كان من الأذكياء الخبثاء، فأراد تغيير مجرى الحديث فقال: نرجو ألَّا يكون حادث الشابين قد أزعج مولانا، ولم يتم كلامه هذا حتى انبرى من كان أمامه، وأظهر استخفافه بذلك الحادث بقوله: ومن هما هذان المأفونان حتى يكترث لهما مولانا الأستاذ؟! إنهما من السوقة، وسينالان جزاءهما بقسوة لا تعرف هوادة، يجب أنْ ننقذ المملكة من هؤلاء الغوغاء ومن شرورهم، فردَّ عليه ثالث قائلًا: علمت أنهما أرسلا إلى مستشفى المجانين لاعتقاد الناس أنهما مجنونان، إذ لا يُقْدم على ما أقدما عليه عاقل، فتنحنح الأستاذ وقال: إنَّ في الأمر سرًّا، فما تعودنا أنْ نسمع من صبية الغوغاء ولا من غيرهم مثل هذه العبارات، إنها لقضية حَرِيَّة بالاهتمام والدرس، نعم، إنها ظاهرة جديدة في هذه المملكة، وهي جديرة بالانتباه والدرس والتفكير، بهذا صدَّق كبير الحاضرين على رأي الأستاذ، وطلب إلى الجالس إلى جانبه أن يوضح لهم الأمر، وكان هذا عينًا من عيون وزير الميمنة، والكبير رئيس ديوانه وأمين سره.

فالتفت العين (أي الجاسوس) إلى الأستاذ، ووضح الأمر على الوجه الآتي: بُلينا منذ بضع سنوات برجل من السوقة يدَّعِي أنه يعرف العلوم، ويتظاهر بالفلسفة والزهد والتقشف، ومنذ سنتين بدأ الشبان يلتفون حوله ويتأثرون بأقواله، وقد اتصل بي أن بعض الشابات أيضًا يجتمعن إليه سرًّا، ويتلقنَّ منه مع الشبان آراء سخيفة ما سمعنا بها، ولا طرقت على آذان أبنائنا ولا أجدادنا الأولين، منها: أن الناس متساوون في الحقوق، ولا يحق لأحد أن يستعبد أحدًا، والشعب في نظره هو السيد، ولا يجوز أن يُحكم إلا بإرادته ولمصلحته، وهناك كلمة كثيرًا ما يرددها وهي جديدة علينا، آه مالي قد نسيتها؟! إنها … إنها على رأس لساني، إنها الديمو … قرا … طية، ويقول: هي حكم الشعب بإرادة الشعب لمصلحة الشعب، وهو يتوسع في أحاديثه في بيان معانيها وأهميتها وعلاقتها بكرامة الإنسان، لدرجة يدوخ بها سامعيه، فتدور رءوسهم ويفقدون حواسهم، فما قولكم بالشباب حين يسمعون هذه الأفكار المدوخة؟ ألا يكفيهم ما فيهم من دوخة الشباب ودواره؟ سمعته مرة يتكلم فدار بي رأسي، وما عدت أعرف إذا كنت على الأرض أم في السماء أم بينهما، إنه خطيب قوي العارضة، فصيح اللسان، جريء الجنان، صريح لدرجة الجنون، ولا أنكر عليكم أنني كدت أفتتن به، ولكن حبي للمليك ولوزير ميمنته حفظاني، والشكر لله ولحبهما من هذا السخف الذي يؤدي — ولا شك — إلى الجنون، فهذان الشابان هما دون ريب ممن فتنهم رجل السوء وأفسدهم، أما أنا فلم أعد إليه بعدها أبدًا، وصرت أستقي أخباره من الناس ولا سيما من الشباب.

وما انتهى الجاسوس من حديثه حتى شهق الجالس أمامه، وكان يستمع إليه بدهشة وجزع، وهو فاغر فاه، واستعاذ بالله من هذا الضلال المبين، وإذا الأستاذ الجليل قد انقبض وجهه، وتربَّد لونه، وأخذ يتمتم بعبارات وكلمات لم تُفهم، ثم أفصح غاضبًا حانقًا فقال: إنها الشعوذة المضللة والدجل المجرم، أسيادةَ الشعب يريد هذا الكذاب الجاهل؟ وهل يعني هذا سوى سيادة السوقة والغوغاء؟ وهل بلغ الغرور في الشباب حد الانهيار حتى يسقط في هوة هذه المفاسد وهذا الضلال؟ سيادة الشعب! سيادة الرعاع! وهل من سيادة صحيحة لغير صاحب الجلالة، وهو إنما يحكم بالحق الإلهي، ويستمد القوة من ربه، ولا فضل عليه لأحد، ولا يسود بعده من الناس إلا من يريد هو له هذه الرتبة من الأشراف والحكام، وهو ينزعها عنهم متى شاء، إن للكون إلهًا يدبره، وهو ملك الملوك ورب الأرباب، ولكل مملكة ملك يدبر شئونها، وهو ربها بإرادة الله لا بإرادة الناس، وهذا هو ولي النعم، ومالك رقاب العباد. الشعب، السوقة، الرعاع، الغوغاء، متى كان لهؤلاء حق الكلام؟ إنهم جميعًا عبيد الملك ورعيته، وليس لهم إلا ما يُمنحون من قِبَلِه من خير وحقوق، والله لولا التُّقى لقلت بما قال به الأقدمون: إن الملوك من أبناء الآلهة، بل هم آلهة بالفعل، أستغفر الله العظيم.

وهنا وقف الأستاذ الجليل، والغيظ آخذ منه مأخذه، والتفت إلى الحاضرين متكلفًا الابتسام والهدوء وقال: اطمئنوا، فلن يطول أمر هذا الدجل، وسيكون لهذه الشعوذة الضالة نتائجها المخزية، نعم، يجب أن نتعاون جميعًا للقضاء على الدجالين المشعوذين، حفظًا لنظام الدولة، وصونًا لهيبة السلطة والحكم، فانفرجت الأسارير، وكان وقوف الأستاذ إشارة إلى انتهاء المجلس، فودعوه على الشكل الذي به استقبلوه، وأخذوا يسيرون القهقرى، إذ لا يليق أن يديروا ظهورهم لهذا الجليل، إلى أن بلغوا باب القاعة، ومنه انصرفوا مأخوذين وفي نفوسهم أشياء وأشياء، بعد أن انقلبت الشعوذة حقًّا والحق شعوذة، وتبدل الكفر إيمانًا والإيمان كفرًا، فسبحان محير العقول!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠