الفصل السابع

قال الراوي: كانت هذه الزمرة — زمرة الموظفين وأرباب المناصب — أوفر الزُّمَر عددًا؛ لأن أصحاب المصالح من الناس يدورون في فلك الموظف، ويتملقونه نفاقًا ورياءً ما دامت لهم مصالح ترتبط به، أو ما داموا يتوهمون إمكان الاحتياج إليه يومًا، إنهم شمامون بارعون، لا تفوتهم الروائح مهما لطفت، فيتجهون إلى حيث تقودهم روائح تلك المصالح، لا يلوون على شيء، ولا يراعون للحياة ناموسًا ولا للمجتمع حقوقًا، إنهم يهزءون بالحقوق وبالنواميس وبالمُثل وبالقيم، فلا غرابة إذا ما كثر العدد في هذه الزمرة.

وقد كان بين هؤلاء رجل كهل ممن تعودوا الدوران في فلك الموظفين، ظل هذا الكهل صامتًا كل الوقت في مجلس الأستاذ الجليل، وفي أثناء المناقشة في الشارع، ولكنه لم يسمع تعليل رجل الزاوية لسكوته باهتمامه بتعيين أحد المقربين، حتى ظهرت عليه بوادر الحدَّة، وقال: إنك تشبه في موقفك هذا أبا حمشو، ذلك المرائي المداهن لا يفتأ محاولًا استغلال سذاجة الناس، هنا حملق الجميع بالرجل الكهل وقالوا: من هذا الأبو حمشو؟ فاستدرك أحدهم قائلًا: يظهر أن لهذا الرجل قصة، تشبه قصة الحق والباطل، فليرْوِها لنا الصديق العزيز إذا شئتم وأراد، فأنصت الجميع واقفين، وبدأ الرجل الكهل يروي القصة عن ابنه الشاب، عن أستاذه الحكيم، وهو الفيلسوف العالم الذي ألصق به الأستاذ الجليل نعت الشعوذة وصفة التدجيل على الوجه الآتي: يُحكى — والله أعلم — أنه كان في إحدى القرى فلاح اشتهر بالتحمس والشهامة، وبالشجاعة والكرم، وبالغيرة والنجدة، لكثرة ما يروي عن نفسه من حوادث غريبة ومن أفعال عجيبة، وكان يفتعل أوضاع الفتيان (القبضايات) وطرق أحاديثهم، ويصطنع لهجاتهم وحركاتهم برشاقة ومهارة وعنفوان، فهاب أهل تلك القرية، وكلهم من السذج البسطاء، الذين يصدقون كل شيء، ويؤمنون بكل شيء، أبا حمشو هذا، وخشوا سطوته، ورجوا نجدته وكرمه، فاختاروه شيخًا للضيعة، لم يكن أبو حمشو غنيًّا ولكن الاعتقاد السائد في القرية هو أنه لو كان غنيًّا لكان أكرم الناس.

قصد القرية جماعة، انتدبتهم إحدى الجمعيات الوطنية الخيرية لجمع التبرعات باسمها؛ لتحقيق مشروع وطني جليل، فكان من الطبيعي أن يقصدوا دار الشيخ أبي حمشو، وقد أصبح مشهورًا في المنطقة؛ ليجمعوا فيها وجوه الضيعة وأغنياءها، وهكذا كان.

اجتمع الأهلون في تلك الدار المتواضعة، وأراد أحد المندوبين ممن يعرفون أبا حمشو، أن يحمسهم بإثارة حماسة شيخهم ونجدته؛ فوجَّه إليه الحديث سائلًا: عُرفتَ — أيها الشيخ أبا حمشو — بالكرم والنجدة والشهامة وبالغيرة على المصالح الوطنية، فلو كنت تملك ألف ليرة ذهبية، وكان هناك مشروع وطني جليل، أفلا تتبرع لهذا المشروع بنصفها؟

لم يسمع أبو حمشو كلام السائل حتى تواجد متمايلًا والدموع تكاد تَطْفِر من عينيه رقَّةً وحنوًّا، ثم قال: بل أتبرع بها كلها، ألسنا للوطن؟ وأي خير ننتظر إذا لم يكن الوطن بخير؟! وما فائدة المال إذا كان الوطن متأخرًا؟! حياتنا للوطن، يحيا الوطن.

صفق الجميع لأبي حمشو، وأخذوا يهزون رءوسهم، وشفاهم تفترُّ عن ابتسامة الإعجاب، وكأنهم يقولون متباهين: لم يَخِبْ ظننا بالشيخ.

أثر جواب أبي حمشو بالمندوبين فتحمس مندوب آخر، وسأل أبا حمشو بقوة وشدة: ولو ملكت قصرين عظيمين واحتاج الوطن لأحدهما فماذا تفعل أيها الوطني الغيور؟

– أُقَدِّم القصرين، وهل لنا عز إلَّا بعز الوطن؟! ومن يقدم حياته لوطنه لا يبخل بالقصور.

فازداد الإعجاب، وازداد التصفيق، واشتد الهتاف بحياة أبي حمشو الشهم الجواد.

وما زالت الأسئلة المماثلة تتوالى، وأجوبة أبي حمشو لا تتبدل بل تزداد قوة بنسبة ازدياد الإعجاب والتصفيق والهتاف، إلى أن خطر لأحدهم، ويظهر أنه لم يكن من المؤمنين بما يبذل الشيخ، ولعله كان خبيثًا من الأذكياء، فسأله: ولو كنت تملك عشر دجاجات سمان، واحتاج الوطن لدجاجة منها، فهل تمتنع عن العطاء؟

هنا وقف الشيخ أبو حمشو حانقًا، وقال: والله لا أتبرع ولا ببيضة من بيضها، يا هؤلاء، أرى أنكم لصوص تحاولون سرقة أموال الناس، فتعجب الحاضرون لا سيما عندما رأوا أبا حمشو يزداد انفعالًا وغضبًا، وسأله أحدهم قائلًا: كيف تبرعت بالليرات الذهبية وبالقصور والضِّيَع والكروم، ولا تتبرع ببيضة دجاجة من عشر دجاجات؟

ابتسم الشيخ أبو حمشو ابتسامة صفراء مُرَّة، وأجاب: إنني لا أملك الليرات ولا القصور ولا الكروم ولا الضِّيَع، فأتبرع لكم منها بقدر ما تشاءون، أما الدجاجات العشر فإنني أملكها وأستفيد منها، فهل أنا مجنون حتى أتبرع ببيضة من بيضها؟

لم يصل الكهل إلى موقف أبي حمشو على الوجه المبيَّن آنفًا حتى التفت إلى رفيقه الواعظ قائلًا: وهل من فرق بينك وبين أبي حمشو هذا في موقفك منا؟! إنك تتألم لانخذال الحق وانتصار الباطل، ثم لا تتورع عن السير في ركاب الباطل عند أول بادرة تتعلق بفائدة ترجوها لأحد المقربين؟ وأبو حمشو تبرع بكل ما لا يملك على وفرته، ثم تراجع تراجعًا مخزيًا عندما توهم إمكان التبرع بما يملك على ضآلته، فما هو الفرق بينكما؟

فاندفع آخَر من الرفاق، وقال: لا تختلفا فيما بينكما، ولنكن منصفين، فكلنا أبو حمشو، نتاجر بالكلمات، ويخدع بعضنا بعضًا بسحر الألفاظ والحروف، وكل يفتش عن صيده.

كل من في الوجود يطلب صيدًا
غير أن الشباك مختلفات

هذه هي الحياة، وهذا هو الإنسان الحي.

فلم يقبل الكهل الصامت كلام هذا الأخير على علاته، فأوضح المشكلة بقوله: صدقت في قولك: «كلنا أبو حمشو»، ولكنك أخطأت في اعتقادك أن هذه الحالة هي ناموس الحياة على إطلاقها، وأنها هي التي تعبر عن إنسانية الإنسان في مطلق وجوده؛ إن للحياة نواميس، بها تتم النهضات، ونواميس بها يتحقق الانهيار، ونحن الآن في دور انهيار مخيف، مظهره هذه السجايا والصفات، والخطر محدِق بنا إذا استمرت هذه الحالات مسيطرة، نتلهى بتعليلها لنجد مبررًا لها، وشدَّاد على الأبواب.

ما لك لا تذكر حالنا عندما نزعنا عن أعناقنا نِيرَ هذا الملك؟ أكنا نتاجر بالكلام، ونخدع الناس بتزويقه، ونأخذهم بسحر ألفاظه وحروفه؟ والله، لو كان أمر الأمة في ذلك الدور كما تقول لما نزع عنا نِيرٌ، والآن نحن مهددون بعودة هذا النير إذا لم نعُد لسجايا النهضة وأخلاقها، ولا منفذ لشدَّاد إلينا إلَّا بسجايا أدوار الانهيار.

لم يُخلق الإنسان عبثًا، وللحياة فينا أهداف، لا تطمئن نفوسنا إلَّا بها، إنها تستهدف مُثلًا عليا وقِيمًا سامية ما خُلِقَ الإنسان إلا لتحقيقها في تفاعله مع مجتمعه؛ لسعادة ذلك المجتمع، فتتحقق سعادته بسعادة الآخرين، هذه هي غاية الغايات في تطورات الحياة، وهذا هو الهدف الذي يجب أنْ يرمي إليه الإنسان في استكمال إنسانيته وحضارته، فإذا ما انحرف عنهما، انتقمت منه الحياة، فيُبتلى بالاضطراب والبلبلة في تفكيره وشعوره، وتتكون في نفسه وفي مجتمعه أزمات يختل معها التوازن، ولا ينقذه منها سوى اختمار نفسه الإنسانية بخميرة مجتمعه ليستعيد توازنه، وإلا اضطر لإعلان إفلاسه، فيكون كالساعي إلى حتفه بظِلْفه.

وإنني أرى أننا بين تيارين: تيار صالح باستطاعته إنقاذنا، وهو التيار الذي يدفعنا به ذلك الأستاذ الحكيم لننهض، وتيار فاسد نخشى أن يعيد النير إلى أعناقنا، هو تيار الشعوذة، ينضم لتأييدها وتقويتها هذا المشعوذ الذي تلقبونه بالأستاذ الجليل، وما هو إلا دجال مكار، أنقذنا الله من شره وبلائه!

وهكذا تفرق الرفاق كل إلى منزله بعد نقاش وحوار وجدال، لم تُسفر نتائجها عن أية خطة مشتركة أو تصميم جدِّي، سوى ما قرره كل فرد في نفسه ولنفسه.

فسبحان من أودع في كل قلب ما أشغله!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠