الفصل السادس

المعروف

(١) حقيقة المعروف

ليس المعروف من لوازم السعي، وإنما هو من كمالات المبادئ الأدبية التي يجب على المرء أن يتجمل بها.

يمتاز الجنس البشري عن سائر الحيوانات بشدة تآلف أفراده، واضطرارهم الطبيعي إلى التعاون، على أنه ليس من الواجب أن يكون التعاون متكافئًا كما هو متبادل، أي أن يكون نفع الإنسان لغيره مساويًا لانتفاعه منه، وإلا أسرع العالم إلى الفناء؛ لطروء العجز الدائم أو الوقتي على جانب كبير من الأفراد فيحرمون الانتفاع لعجزهم عن النفع. فإذًا لا بد من أخذ القوي يد الضعيف، ومن إغاثة النشيط للعاجز؛ لكي «يحفظ البقاء».

وبما أن روح الجمهورية ومبادئ الحرية جعلت تنتشر في هذه الأيام أدرك العامة تفاوت الناس في القوة والإيسار والعمل، وعدم التناسب بين هذه الأمور الثلاثة، فنشأت الاشتراكية، وموضوعها سعي العامة إلى مقاسمة الخاصة الريع بالنسبة إلى العمل، وأصبحت هذه المسألة شغل علماء الاقتصاد الشاغل، ولم تزل حتى الآن عقدة صعبة الحل؛ ولهذا رأت بعض الممالك كفرنسا مثلًا أن يكون عمل المعروف اضطراريًّا، فأنشات الملاجئ ونحوها لإسعاف العجزة والفقراء.

إذا صنعت معروفًا مع عاجز فقد يكافئك أولاده أو يكافئون أولادك، وإلا فإن خانك الدهر — لا سمح الله — واحتجت إلى المساعدة؛ فيساعدك بعض الناس، فتكون قد كوفئت من جهة أخرى.

وقياسًا على ذلك اتفق كرام الناس أن يصنعوا المعروف مع الضعفاء والعجزة والفقراء والمتضايقين الذين لا ينتظرون منهم مكافأة، وعمموا هذا المبدأ ليكون المرء آملًا برحمة الرحماء إذا أعوزته الرحمة، ولهذا ترى الجمعيات الخيرية تُؤَلَّفُ وَأَكُفُّ الأسخياء مبسوطة، والمستشفيات الخيرية تؤسس وأعمال الخير مالئة العالم مع أن عامل الشر قوي.

نعم، إن كثيرين من المحسنين، وصانعي المعروف يعملون الخير عن تقوى الله، وطاعة أوامر الدين غير متوقعين أجرًا في هذه الدنيا، على أن صانع المعروف يشعر بارتياح نفسه إلى عمله، وهذا الارتياح خير مكافأة له، ثم ينال ثناء الناس ومدحهم، واعتبارهم له، وتوددهم إليه، وهذه مكافأة ثانية تفيده في السعي. وخير المعروف ما خلا من المن، وأشهر أنواع المعروف: «المروءة، والمؤاساة، والإحسان».

(٢) المروءة

المروءة أن تتبرع بصنع المعروف للصديق وغيره إذا وجدته في حاجة إليه وليس غيرك أمامه، كأن يكون في فاقة فتمده؛ ولو بقليل من المال، أو يكون في ضيق فتعينه، أو تحت خطر فتنجيه، أو في مشكل فتفضه.

ولا مشاحة أن المعروف الذي تصنعه مع من لا تعرفه، ولا ترجو أن يكافئك عليه إلا الشكر على الكثير هو أفضل أنواع المعروف، وأفضل منه المعروف مع العدو عند مسيس الحاجة؛ لأنك تغلبه به، وتحمله على الاستسماح منك، وإزالة العداء والجفاء، ولا سيما إذا كان كريم الأخلاق، ونفعُ المروءة يكون غالبًا ثناء الناس على صاحبها، وإذاعتهم لفضله.

(٣) الإحسان

وهو أن تكرِّس جزءًا من مالك لإغاثة الفقير والبائس والعاجز؛ لأن هؤلاء أعضاء سقيمة في جسم الهيئة الاجتماعية، فإذا لم يعتن بهم سائر الأعضاء فسد الجسم كله بعد حين. عاطفة الشفقة في الإنسان أقوى جدًّا منها في سائر الحيوان بدليل شعور الإنسان بشقاء البائس، وانعطافه إليه، ألا تشعر بانسحاق القلب إذ ترى فتاة لطيمًا تبكي من ألم الجوع، وتنتفض من شدة البرد وهي تتوسل إلى المارة أن يسدوا رمقها بكسرة، ويستروا بدنها بخرقة؟

فإذا أحسنت إليها أسكنت هياج عاطفة الشفقة فيك، وارتاحت نفسك إلى هذا العمل المبرور؛ فاذكر دائمًا أن في العالم كثيرين أقل سعادة منك؛ بل فيه كثيرين من البائسين الذين يشتهون أن يأكلوا الفتات الذي يسقط عن مائدتك، وأن يناموا حيث ينام كلبك، وأن فيه كثيرين من المرضى والسقماء الذين لا ملجأ لهم ولا معين يتحسرون على أصبع يرطب ألسنتهم بقطرة ماء، وكثيرين من الأحداث الذين لا أب يعولهم، ولا أم تربيهم، فمثل هؤلاء كلهم عالة على أمثالك، وإذا عينت جزءًا زهيدًا من مالك لإعانتهم شعرت بارتياح عظيم إلى عملك، وبسرور في نفسك؛ فاغتنم هذه اللذة بهذا السخاء.

ومهما تكن حالة الإنسان المالية يقدر أن يوفر جزءًا صغيرًا من كسبه لعمل الخير، ولا سبيل له إلى ذلك إلا التعود؛ لأن العادة ملكة، فمتى صار السخاء عادة سهل على المرء أمره مهما كانت حاله.

(٤) المؤاساة

المؤاساة أن تخفف كرب الصديق وغيره بالتعزية والتسلية، والنصح والهداية إلى وسائل الراحة والسرور. وذلك يقضي عليك أن تجامل صديقك في ضرائه كما في سرائه، وتصحبه في شقائه كما في سعادته، وأن تتنازل لمجاملة البائسين الذين هم دونك في أوقات غمهم، وتظهر شعورك بمصيبة كل من يحيط بك، وبذلك تخفف عنهم بعض غمومهم وهمومهم، وبرقة كلامك، وسداد نصحك، وحكمة إرشادك تزيل الباقي، وعليه، وجب أن تتقن صناعة المحادثة؛ لكي تقدر أن تلطف حزن الحزين، وتخفف بؤس البائسين … إلخ.

ولك من هذه المؤاساة جزاء الثناء عليك والميل إليك فضلًا عن ارتياح نفسك، وسرورك القلبي، وزوال ألمك النفساني عند شعورك بشقاء غيرك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١