الصحراء

تَمْتَدُّ كالأملِ الجميلِ النَّائِي
تَقْسُو عليه عواصِفُ الهَوْجاءِ١
وتَحُدُّ «وادي النِّيل» غيرَ جَزُوعةٍ
بسلاحِها المتألِّقِ الوَضَّاءِ
حِصْنُ الطبيعة قد حَبَتْه وَفِيَّةً
لسَلامةِ الْمُلْك العَزيزِ الماءِ
كالكَوْثَرِ المأمول ليس يَنالُهُ
إلَّا الصَّبُورُ على جِهادِ ظَماءِ٢
فإذا تهاونَّا بحفْظِ سِياجِها
فقُلِ السلام إذنْ على الخَضْراءِ!٣
ولرُبَّما شاقتْ عواطِفَ مُغْرَمٍ
وسَمَتْ بَدائِعُها لعينِ الرَّائِي
فلها صِفاتٌ غيرَ قَيْظِ ظَهيرةٍ
في الصَّيْف أو قُرٍّ بليلِ شِتاءِ٤
في وَحْشةِ الليلِ البَهِيمِ أنيسةٌ
بالرَّاقِصات: الأنجُمِ الزَّهراءِ٥
والبدرُ أجملُ مَن يُطِلُّ مُسَوَّدًا
يدعو مُجابًا أَلْسُنَ الشُّعراءِ٦
ومتى أتَى الفجرُ الجريحُ وبعدَه
جيشُ الشُّروقِ مُضَرَّجًا بدِماءِ
بزغتْ ذُكاءُ وللسلام بُزوغُها
فتُعيدُ للأحياءِ نُورَ رجاءِ٧
فإذا الرِّمالُ من النَّدَى وشُعاعِها
ما بين دمعِ هوًى ونارِ حياءِ!
مُتَأَلِّقاتٌ كالجَواهِرِ إنَّما
تُوحِي القناعةَ: نعمةَ السُّعَداءِ
وتمرُّ قافلةٌ فتحسبُ أنَّها
حقًّا تُفتِّش عن خَفِيِّ هَناءِ!٨
تَمْشِي على ثِقةِ المُؤَمَّرِ ما له
جَزَعٌ ولا يَخْشَى هبوبَ شقاءِ
وإذا الزَّوابعُ روَّعتْ لم تعتبر
هجماتِها أقْسَى مِنَ الأحياءِ!
حتى إذا حان الغروبُ تجَلْبَبَتْ
للنابِهِين بفِتنة الأضواءِ
ودَعَتْ عقولَ المبصِرين لسجدةٍ
لله مُحْيِي الكونِ بالآلاءِ!٩
١  الهوجاء — كما ورَدَ في «فقه اللغة» للثعالبي: هي الريح التي تحمل المور وتجرُّ الذَّيْل، وبعبارة أخرى: الريح التي لا تستوي في هبوبها، وتقلع البيوت. وفي هذا إشارة إلى أنَّ الصحراء تُشْبِه فُسْحةَ الأمل الجميل المضطرب المُهدَّد.
٢  الظَّماء كالظَّمَأ: العَطَش الشديد. والمقصود أنَّ النيل كنهر الكَوْثر في الجنة لن يَصِلَ إليه إلَّا الصَّبورُ العَفيف الجِهاد، فسِياجُ الصحراء لوادي النِّيل يُمثِّل هذا الصَّبرَ والجهادَ لِمَن يُريد أنْ يبلُغَ النِّيل.
٣  السِّياج: السُّور أو الحائط، والمقصود بالخضراء الأرض الخِصْبة المزروعة من وادي النيل.
٤  القَيْظ: شدة الحَرِّ. الظَّهيرة: حدُّ انتِصاف النهار. والقُرُّ: البَرْد.
٥  البهيم: الأَسْود. والزَّهراء: المتلألِئة.
٦  مُسوَّد: مُؤَمَّر.
٧  ذكاء: اسم الشمس عند الشروق.
٨  القافلة: الرُّفقة المُسافِرة.
٩  الآلاء: النِّعَم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤