راعي الغَنَم

تَخِذَ الوفاءَ١ رفيقَهُ ودَلِيلا
ومَضَى وما خَشِيَ الضَّلالَ سَبِيلا
يرعاه كلبٌ بالوَلاءِ وحِذْقُهُ
يرعى له غنمًا تُرِكْنَ طويلا
مَثَلُ التعاوُنِ لا يشوبُ جمالَهُ
ضجَرٌ فلا يُشقِي الخليلُ خليلا
أَعْجِبْ بإنسانٍ يُقادُ بكَلْبِه
نفعًا، ويُخدَم بُكرةً وأَصِيلا٢
وينام ملْءَ النفسِ مِن أحلامِه
أنَّى يشاءُ ولا يَخافُ مَقِيلا
كلُّ الْمُرُوج٣ السَّامِحاتُ مقامُه
كلُّ الغُصُون له تُعِدُّ ظَلِيلا
يَكْفِيه بعضُ حشائشٍ تَرْضَى بها
أغنامُه٤ ليَرَى الهناءَ جَزِيلا
يَكْفِيه مِن أنسٍ تحيةُ عابِرٍ
أو٥ مِن نسيمٍ قد يَمُرُّ بَلِيلا
وإذا تَمَلَّكَه الخيالُ لبرهةٍ
فحدُودُه أن يَسْتَطِيبَ رَحيلا
كالحظِّ ليسَ له مقامٌ ثابتٌ
ويَظَلُّ بالوَعْدِ الصَّدُوقِ بَخِيلا!
ولقد أتَيْتُ له وفَيْضُ خواطري
شَغِفٌ بمرْأًى يُستَحَبُّ جَمِيلا
وعصاهُ مِن خَلْفٍ على كتفَيْه لا
تَعْنِي سوى سِحرِ الهَنِيء أُحِيلا!
قلتُ: «السلامُ عليكَ» قال: «… ورحمةٌ»٦
وأخذتُ أسمعُ للبَساطةِ قِيلا٧
لغةُ الحكيمِ يَرَى الحياةَ جليلةً
للمَرْءِ إنْ عَرَفَ الإلهَ جَلِيلا
متنعِّمًا بنَعِيمِه عن فِطْرةٍ
لا عن مَظاهِر كم رمتْهُ مَهِيلا٨
وإذا بصاحبِهِ الوَفِيِّ٩ وجمْعِهِ
غادُون١٠ وهْو الفيلسوفُ أَصِيلا!
ولهم بمدرسةِ الطَّبيعة وعظُها
وَعْظًا بإسداءِ الحُبُورِ كَفِيلًا
١  قوله «تَخِذَ الوفاء»: تسميةٌ للكلب بالصفة الغالبة فيه، وهي الوفاء، وعادة الرَّاعي أو الغَنَّام الاعتماد على كلبه رفيقًا ومساعِدًا ودليلًا.
٢  البُكْرة: الغَدْوة، أو ما بين الفجر وطلوع الشمس.
٣  مروج: جمع مَرْج، وهي الأرض الواسِعة فيها نبتٌ كثيرٌ. تَمْرُج: «أي تَرْعَى» فيها الدَّوابُّ.
٤  أغنام: جمع غَنَم. وحشائش: جمع حشيشة.
٥  أيْ تحية مِن نسيم …
٦  يعني: ورحمة الله …
٧  قيلًا: قولًا.
٨  مَهِيلًا «مجازًا»: بمعنى مُحَقَّرًا مَدْفُونًا.
٩  يُشِير إلى عودةِ الكلب والغَنَم من المرعى.
١٠  الضمير عائد إلى الكلب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠