الفصل العاشر

نهاية رجل الجزيرة

كانت وجبتنا تبعث على السرور؛ فلدى هولمز القُدرة على أن يكون متحدِّثًا بارعًا إن أراد ذلك، وقد أراد ذلك تلك الليلة. بدا أنه في حالة نشاطٍ ذهنيٍّ عالٍ. لم أعهده قط يتحدث بهذه البراعة من قبلُ. تحدث عن عدة موضوعات في تتابعٍ سريع عن مسرحيات المعجزات، وعن الخزف في العصور الوسطى، وعن آلات الكمان من صنع ستراديفاريوس، وعن البوذية في سيلان، وعن سفن الحرب المستقبلية، وتحدَّث عن كلٍّ منها كأنه درسه بتمعُّن وتخصُّص. حلَّ حسه الفكاهي المتَّقد محلَّ أثر حالة الاكتئاب العميق التي انتابته في الأيام السابقة. واتَّضح أن أثيلني جونز رجلٌ اجتماعي في ساعات استرخائه، وكان يتعامل مع طعام العشاء بحسِّ ذواقة. أما أنا فقد كنت أشعر بالسرور إزاء فكرة أن مهمَّتنا قاربت على الانتهاء، وانتابني شيء من سعادة هولمز. لم يتطرَّق أيٌّ منا أثناء تناول العشاء إلى السبب الذي اجتمعنا من أجله.

بعد أن رُفعت الأطباق من المائدة، نظر هولمز إلى ساعته، وصبَّ ثلاثة كئوس من النبيذ القوي، وقال: «نخب نجاح مهمَّتنا الصغيرة. والآن، حان وقت الانطلاق. هل معك مسدس يا واطسون؟»

«لديَّ مسدس الخدمة القديم في درج مكتبي.»

«أرى أن تأخذه معك إذن، فمن الأفضل أن نكون مُستعدِّين. أرى عربة الأجرة تنتظر أمام الباب؛ لقد طلبتُ أن تأتي في الساعة السادسة والنصف.»

كانت الساعة قد تخطَّت السابعة بقليل عندما وصلنا إلى مرفأ ويستمنستر، وهناك وجدنا الزورق بانتظارنا. نظر إليه هولمز متفحِّصًا وقال: «هل توجد أية علامة تدل على أنه زورقٌ تابع للشرطة؟»

«أجل، ذلك المصباح الأخضر على جانبه.»

«أَزلْه إذن.»

نُفِّذ ذلك التغيير البسيط، ثم صعدنا على متنه، وفُكَّت الحبال. جلست أنا وجونز وهولمز في مؤخرة الزورق. وكان هناك رجل يتولى الدفة، ورجل يتولى تشغيل المحرِّكات، وجلس مفتِّشا شرطة ضخما البِنية في المقدمة.

سأل جونز: «إلى أين نتجه؟»

«إلى البرج، اطلب منهم أن يُوقِفوا الزورق قبالة ترسانة جاكوبسون للسفن.»

كانت مركبتنا سريعة للغاية. فمررنا بسرعة بجانب الصفوف الطويلة من الصنادل النهرية المحمَّلة بالبضائع كما لو كانت متوقِّفة. ابتسم هولمز ابتسامة رضا عندما أدركنا باخرةً نهرية وسبقْناها.

قال: «يُفترض أن نستطيع اللحاق بأي مركبة في النهر.»

«ليس تمامًا، لكن ليس هناك زوارقُ كثيرة بإمكانها أن تسبقنا.»

«ينبغي أن نَلحق بالزورق «أورورا»، وهو معروف بسرعته. سأشرَح لك الوضع الحالي يا واطسون. هل تذكر كم كنتُ منزعجًا من أن تعترض طريقي عقبةٌ صغيرة كتلك؟»

«نعم.»

«حسنًا، لقد منحت عقلي راحةً تامة بأن انغمستُ في إجراء تحليلٍ كيميائي. يقول أحد رجال السياسة ببلدِنا إنَّ تغيير طبيعة العمل هو أفضل راحة، وهو محقٌّ فعلًا؛ فعندما نجحتُ في إذابة الهيدروكربون الذي كنت أعمل عليه، عدت إلى قضية آل شولتو وفكرت في الأمر بأكمله بمنظورٍ جديد. لقد بحث صبياني في جميع أنحاء النهر ولم يجدوه. فلم يكن الزورق راسيًا في أي رصيف إنزال ولا مرفأ، كما أنه لم يَعُد إلى مرفئه الأصلي. ومع ذلك ليس من المرجح أن يكون المجرمون أغرقوه لإخفاء أثرهم، مع أن تلك الفرضية كانت ستظل قائمةً حال انتفاء جميع الاحتمالات الأخرى. كنت أعرف أن سمول ذلك يتمتع بدهاءٍ إجرامي، لكني لم أتصور أن يكون قادرًا على القيام بشيء على ذلك المستوى العالي من المكر؛ فذلك عادة ما يكون نتاج مستوًى تعليميٍّ أفضل. ثم فكرت في أنه إن كان موجودًا بلندن منذ بعض الوقت — إذ لدينا دليل على أنه كان يراقب بونديتشري لودج باستمرار — فسيكون من الصعب أن يغادر على الفور؛ كان سيحتاج بعض الوقت، حتى وإن كان يومًا واحدًا؛ لترتيب أموره. هذا ما كانت تُرجِّحه كفَّة الاحتمال على أيِّ حال.»

قلت: «يبدو لي احتمالًا ضئيلًا؛ فعلى الأرجح أنه رتَّب أموره بالفعل قبل أن يبدأ حتى في مهمَّته.»

«لا أظن ذلك؛ فإن وكره هذا سيكون مخبأً قيمًا حال اضطرَّ إلى أن يتوقَّف قليلًا فيه حتى يتأكد من أنه يستطيع الاستغناء عنه. ومع ذلك تبادرت إلى ذهني فكرةٌ أخرى. لا بد أن جوناثان سمول شعر بأن مظهر رفيقه المميز، مهما حاول إخفاءه، سيُثير الأقاويل، وقد يربط الناس بينه وبين مأساة نوروود. كان يمتلك ما يكفي من الذكاء لإدراك ذلك. فقد انطلَقا من وكرهما في ظلام الليل، وكان يريد أن يعود قبل ضوء النهار. لكن حسبما قالت السيدة سميث، كانت الساعة قد تخطَّت الثالثة صباحًا عندما انطلَقوا بالزورق، وكان أمامهم ما يقرب من ساعةٍ واحدة قبل أن يسطع ضوء النهار ويكون الناس حولهم في كل مكان؛ لذا توصَّلت إلى أنه لا يمكن أن يكونوا قد ابتعدوا كثيرًا. لقد اشتريا صَمْت سميث بثمنٍ جيد، واحتفَظا بزورقه للهروب الأخير، وأسرعا عائدين إلى مسكنهما ومعهما صندوق الكنز. وبعد بضعة أيام، بعد أن يتسنَّى لهما أن يطَّلعا على الآراء التي تبنَّتها الصحف تجاه القضية، ويتأكدا من أنه لم تطلهما أيُّ شبهة، سوف ينطلقان تحت ستار الليل في طريقهما إلى سفينة في جريفسيند أو داونز، ولا شك أنهما قد رتبا للسفر على متنها إلى أمريكا أو أيٍّ من المستعمرات.»

«لكن ماذا عن الزورق؟ لا يمكن لهما أن يأخذاه معهما إلى مسكنهما.»

«هذا صحيح، فقد توصَّلت إلى أن الزورق لا بد أنه ليس ببعيد، مع أنه غير ظاهر. ثم وضعتُ نفسي مكان سمول ونظرتُ للأمر من وجهة نظر رجل بنفس قدراته. سيُفكِّر على الأرجح في أن إعادة الزورق أو الاحتفاظ به في مرفأ سيُسهِّل على الشرطة مطاردته حال تعقَّبتْه. إذن كيف يمكنه إخفاء الزورق مع إبقائه تحت تصرُّفه حين يحتاجه؟ تساءلت ماذا كنت سأفعل لو كنت في مكانه؟ ولم تخطر على بالي إلا طريقة واحدة. كنت سأوقف الزورق عند مُصنِّع أو مصلح مراكب، وأطلب منه إحداث تغييرٍ طفيف به. حينها سيأخذه إلى ورشته أو ترسانته، وبذلك سيختفي عن الأنظار تمامًا، لكن في نفس الوقت يمكن الحصول عليه في وقتٍ قصير عند طلبه.»

«يبدو هذا بديهيًّا جدًّا.»

«عادة تكون تلك الأشياء البديهية هي الأكثر عرضة لإغفالها. لكني أصررتُ على التصرف بناءً على تلك الفكرة. فانطلقتُ على الفور بزي البحار المسالم هذا، وسألت جميع ترسانات السفن على طول النهر. فشلتُ في إيجاده في خمس عشرة منها، لكن في السادسة عشرة — وهي ترسانة جاكوبسون — عرفت أنهم استلموا الزورق «أورورا» من رجلٍ له ساقٌ خشبية طلب بعض التغييرات الطفيفة في دفَّته. قال كبير العمال هناك: «لا يوجد مشكلة في دفته. ها هو هناك، ذلك الزورق الذي به خطان أحمران.» وفي تلك اللحظة دخل موردكاي سميث، المالك المفقود للزورق بذاته. كان مخمورًا وبالتأكيد لم أكن لأعرفه لولا أنه صاح باسمه واسم زورقه بصوتٍ أجشَّ وقال: «أريده الليلة في الساعة الثامنة؛ في تمام الثامنة لأن معي رجلَين لا يُطيقان الانتظار.» كان من الواضح أنهما دفعا له جيدًا؛ فقد كان مدجَّجًا بالمال، وكان يوزِّع الشلنات على العمال. تبعتُه قليلًا لكنه دخل إلى حانة؛ لذا عدت إلى الترسانة وقابلت صدفة أحد صبياني في طريقي وكلَّفته بمراقبة الزورق. فهو سيقف على حافة النهر ويُلوِّح لنا بمنديله عندما ينطلقون بالزورق. سنكون مختبئين في النهر، وسأستغرب إن لم نستطع الإمساك بالرجلَين والكنز وكل شيء.»

قال جونز: «لقد خططت للأمر بطريقةٍ جيدة جدًّا، سواء كانا هما الرجلَين المطلوبَين أم لا، لكن لو كان الأمر بيدي لأرسلت قوة شرطة إلى ترسانة جاكوبسون وألقيتُ القبض عليهما عندما يذهبان إلى هناك.»

«في هذه الحالة لن يذهبا أبدًا؛ فسمول هذا رجلٌ شديد الدهاء، فهو سيُرسِل شخصًا للاستطلاع أولًا، وإذا وجد ما يريبه فسيبقى مختبئًا لأسبوعٍ آخر.»

قلتُ: «لكن كان بإمكانك أن تتعقَّب موردكاي سميث حتى يَدلَّك على مخبئهما.»

«كنت سأُضيِّع يومي هباءً إن فعلتُ ذلك. فأعتقد أن احتمال أن يعرف سميث أين يقيمان ضئيلٌ جدًّا. فما دام لديه خمر وأجرٌ جيد، فلمَ يطرح الأسئلة؟ إنهما يرسلان له رسائل بالأوامر. لقد فكَّرتُ في كل الخطط الممكنة، وهذه أفضلها.»

في أثناء ذلك الحديث، كنا نمرُّ بسرعة تحت سلسلة الجسور الطويلة المبنية فوق نهر التيمز. كانت آخر أشعة للشمس في سبيلها إلى الاختفاء خلف الصليب الموجود على قمة كاتدرائية سانت بولس ونحن نمر بمدينة لندن، وكان الغسق قد حل عندما وصلنا إلى البرج.

قال هولمز وهو يشير إلى مجموعةٍ كبيرة من الصواري والحبال على جانبٍ سُوريٍّ من النهر: «هذه هي ترسانة جاكوبسون. لنُبحرْ بهدوء جيئةً وذهابًا مُستَتِرين خلف صفِّ مراكب الشحن تلك.» أخرج نظارةً ليلية من جيبه وتفرَّس الشاطئ مطوَّلًا ثم علَّق قائلًا: «أرى مُراقبي في مكانه لكنه لا يلوِّح بالمنديل.»

قال جونز بحماس: «ألا يمكن أن نُبحِر لمسافةٍ قصيرة باتجاه التيار ثم نتوقف بانتظارهم؟» فقد كنا جميعًا متحمِّسين حينها، حتى رجلا الشرطة والوقَّادان الذين لم يكن لديهم فكرةٌ واضحة عما يحدث.

أجاب هولمز: «لا ينبغي أن نأخذ أي شيء على أنه أمرٌ مُسلَّم به؛ فبالتأكيد من المرجَّح جدًّا أن يُبحِروا باتجاه مجرى التيار، لكننا لسنا متأكدين تمامًا من ذلك. فمن موقعنا هذا، يمكننا رؤية مدخل الترسانة، ويصعب عليهم هم رؤيتنا. ستكون السماء صافية الليلةً وسيكون هناك ضوءٌ كافٍ. يجب أن نبقى في مكاننا. أترون كيف يحتشد أولئك الأشخاص هنالك في ضوء مصابيح الغاز؟»

«إنهم يغادرون عملهم في ترسانة السفن.»

«يبدون صعاليك رثِّي المظهر، لكني أعتقد أن كلًّا منهم يحمل في داخله شرارةً أبديةً صغيرة. لن تستشفَّ ذلك أبدًا من مظهرهم؛ فلا يوجد ما يُستدل به على ذلك. الإنسان حقًّا لغزٌ غريب!»

علَّقت قائلًا: «يصفه البعض بأنه روح تسكن جسدًا حيوانيًّا.»

قال هولمز: «يتناول وينوود ريد ذلك الموضوع ببراعة؛ فهو يقول إن كل إنسان بذاته لغرٌ محيِّر، لكنه وسط الجماعة يُصبح حقيقةً رياضيةً مؤكدة. فعلى سبيل المثال، لا يمكنك أبدًا التنبؤ بتصرف شخصٍ واحد، لكن يُمكنك بدقة معرفة كيف سيتصرف متوسط عددٍ معين من الأشخاص؛ فالأفراد يختلفون فيما بينهم، لكن النِّسَب تظلُّ ثابتة. هكذا يقول ذلك الإحصائي، لكن هل أرى الآن منديلًا؟ بالتأكيد أرى شيئًا أبيض يرفرف هناك.»

صحت: «أجل، إنه الصبي التابع لك، أنا أراه بوضوح.»

هتف هولمز: «وها هو الزورق «أورورا» ينطلق بسرعةٍ كبيرة. انطلقْ بأقصى سرعة أيها المهندس خلف ذلك الزورق ذي الضوء الأصفر. يا إلهي، لن أسامح نفسي أبدًا إن لم نستطع اللحاق به!»

كان القارب قد انسلَّ دون أن يراه أحد من باب ترسانة السفن ومرَّ من وراء مركبَين أو ثلاثة صغار الحجم؛ فوصل إلى سرعةٍ عالية قبل أن نراه. والآن انطلق في اتجاه التيار بالقرب من شاطئ النهر بسرعةٍ هائلة. نظر جونز إليه بأسًى وهزَّ رأسه قائلًا: «إنه سريعٌ جدًّا، أشكُّ أننا سنستطيع اللحاق به.»

صاح هولمز وهو يكزُّ على أسنانه: «لا بد أن نلحق به! زيدوا كمية الفحم أيها الوقَّادون! اجعلوا الزورق ينطلق بأقصى طاقته. يجب أن نصل إليهم، حتى لو كان ذلك يعني احتراق الزورق!»

كنا نقترب من الزورق الآن، وارتفع هدير الأفران، وأصدرت المحركات القوية أزيزًا وصليلًا كأنها قلبٌ معدنيٌّ ضخم، وشقَّت مقدمة الزورق الحادة المائلة صفحة النهر صانعة موجتَين هائلتَين عن يميننا ويسارنا. ومع كل خفقة تصدر من المحركات، كان الزورق يهتزُّ ويقفز بنا مثل كائنٍ حي. كان ثمة كشافٌ أصفرُ كبيرٌ في مقدمة السفينة يرسل شعاعًا من الضوء المتلألئ أمامنا. وأمامنا مباشرةً كان ثمة رقعةٌ داكنة على سطح الماء تظهر موضع الزورق «أورورا»، وكانت دوامات الزَّبد الأبيض التي يُخلِّفها وراءه تتحدث عن سرعته. أما نحن فقد مررنا كالبرق بجوار صنادلَ وبواخرَ ومراكبَ تجاريةٍ، من بينها أو من خلفها أو ندور حولها. تعالت من حولنا أصوات الهتاف الصادرة من الظلام، لكن الزورق «أورورا» تابع الانطلاق بسرعة، ونحن في إثره.

صاح هولمز وهو ينظر إلى الأسفل داخل غرفة المحرك، بينما يَلفح الوهج الشديد الصاعد منها وجهه التواق الذي يشبه في ملامحه النسر: «زيدوا الفحم يا رجال! زيدوا الفحم! لنحصل على أكبر قدرٍ ممكن من البخار.»

قال جونز وعينه على الزورق «أورورا»: «أعتقد أننا بدأنا نقترب قليلًا.»

قلت: «أنا متأكد من ذلك، وفي غضون بضع دقائق حتمًا سنكون قد أدركناه.»

لكن في تلك اللحظة، لسوء حظنا، قطع زورق يقطر ثلاثة صنادل الطريق بيننا وبينه. اضطررنا لأن ندير دفتنا بحدة باتجاه الريح كي نتفادى الاصطدام وعندما أدرناها مرةً أخرى لنكمل السير في طريقنا كان الزورق «أورورا» قد ابتعد مسافة مائتي ياردة، لكنه كان لا يزال في مجال رؤيتنا. وكانت السماء حينها تتحول من ضوء الغسق المعتم الذي تكون فيه الرؤية غير واضحة، إلى ظلام الليل الصافي الذي تُنيره النجوم. كانت مراجل زورقنا تعمل بأقصى طاقتها، والقشرة الهشَّة التي كنا نجلس فيها كانت تهتز وتُطقطق جراء الطاقة المفرطة التي كانت تدفعنا للأمام. مررنا بمنطقة ذا بول من نهر التيمز، وعبرنا بجوار رصيف ميناء ويست إنديا دوكس، ثم مرَرنا بمنطقة ديتفورد ريتش الطويلة من النهر، ثم اتجهنا لأعلى النهر مرةً أخرى بعد أن دُرنا حول رأس جزيرة الكلاب. والآن أصبحنا نرى بوضوح أمامنا الزورق «أورورا» الأنيق بعد أن كنا نراه مجرد كتلةٍ معتمة. وجه جونز كشاف زورقنا نحوه كي نتمكَّن من رؤية الأشخاص الموجودين على متنه بوضوح. كان ثمة رجل يجلس في مؤخرة الزورق منحنيًا فوق شيءٍ أسودَ بين ركبتَيه. وبجواره رأينا كتلةً داكنة تبدو ككلب من سلالة نيوفاوند لاند. كان الصبي يُمسك بذراع الدفة بينما رأيت سميث العجوز في وهج الفرن الأحمر يقف عاري الصدر يملأ الفرن بالفحم بكل ما أوتي من قوة. ربما لم يكونوا متأكدين في البداية من أننا نُطاردهم، لكن الآن ونحن نتبع كل تعرجاتهم والْتفافاتهم أصبح الأمر لا يحتمل الشك. عندما وصلنا إلى جرينتش كان يفصلنا عنهم حوالي ثلاثمائة خطوة. وعند بلاكوال أصبحت المسافة بيننا لا تزيد على مائتين وخمسين خطوة. لقد طاردتُ كائناتٍ عديدةً في بلادٍ عديدة خلال حياتي المهنية الحافلة، لكن لم تمنحني الرياضة من قبلُ تلك الإثارة الجامحة التي شعرت بها في أثناء تلك المطاردة السريعة للمجرمين الهاربين في نهر التيمز. كنا نقترب منهم بثبات ياردة بياردة. وفي سكون الليل، كنا نستطيع سماع صوت هدير محركاتهم وصلصلتها. كان الرجل في مؤخرة الزورق لا يزال جاثيًا على الأرضية، ويحرك ذراعَيه كما لو كان مشغولًا بفعل شيءٍ ما، بينما كان بين الحين والآخر يرفع رأسه ليقيس ببصره المسافة التي تفصله عنا. ظللنا نقترب منهم أكثر فأكثر. صاح فيهم جونز يأمرهم بالتوقف. فقد أصبحنا خلفهم بمسافة لا تزيد عن أربعة قوارب، وكلا الزورقَين ينطلق بسرعةٍ جنونية. كنا قد أصبحنا في جزءٍ مكشوف من النهر، على أحد جانبينا كان سهل باركينج، وعلى الجانب الآخر مستنقعات بلامستيد الكئيبة المنظر. وعلى إثر صيحة جونز، هبَّ الرجل الجاثي على الأرضية في مؤخِّرة الزورق واقفًا، ولوَّح بقبضتَيه لنا، وهو يُطلق السباب بصوت عالٍ مبحوح. كان رجلًا ضخم الجسد وقويًّا، وعندما وقف مباعدًا بين ساقيه ليوازن نفسه، رأيت أنه من تحت فخذه الأيمن لم يكن هناك سوى طرفٍ خشبي. وعلى إثر صرخاته الحادة الغاضبة، تحركت الكتلة المكوَّمة على أرضية الزورق، اعتدلت لتصبح رجلًا أسود اللون صغير الحجم — أصغر رجل رأيته في حياتي — له رأسٌ مشوَّهٌ ضخم وكومة من الشعر الأشعث المتشابك. كان هولمز قد استلَّ مسدسه بالفعل، وأخرجت أنا أيضًا مسدسي عندما وقعت عيني على ذلك الكائن المتوحِّش المشوَّه. كان ملتحفًا بشيء يُشبه المعطف الواسع أو البطانية، لا يكشف إلا وجهه الذي كان كافيًا ليُفزع من يراه. لم أرَ قط ملامح تحمل تلك القسوة والوحشية البالغة. كانت عيناه الضيقتان تلمعان وتحترقان بوهجٍ سوداوي، وشفتاه الغليظتان تنحسران عن أسنانه التي كانت تكزُّ وتصطك وهو ينظر إلينا بغضبٍ شبه حيواني.

قال هولمز بهدوء: «أطلِقِ النار عليه إن رفع يده.» كنا حينها قد أصبحنا على بُعد قاربٍ واحد نكاد نلامس طريدتنا. كنت أستطيع الآن رؤية الرجلَين بعد أن وقفا، الرجل الأبيض يقف مباعدًا بين قدميه، يصرخ مطلقًا السباب، والقزم الشرير ذو الوجه الدميم، ينظر إلينا مصرًّا أسنانه الصفراء القوية في ضوء مصباحنا.

كان من الجيد أن نراه بذلك الوضوح الشديد. فبينما نحن ننظر إليه أخرج من تحت غطاء جسده أداة خشبية أسطوانية قصيرة، مثل المسطرة المدرسية، ووضعها بين شفتيه. دوَّى صوت مسدسَينا في الوقت ذاته. دار حول نفسه، ورفع ذراعَيه، ثم سقط جانبًا في التيار وهو يُطلِق سعالًا مختنقًا، ولمحتُ عَينه الحاقدة المتوعِّدة بين الدوامات البيضاء في مياه النهر. وفي اللحظة ذاتها، ألقى ذو الساق الخشبية بنفسه على الدفة وأدارها بحدة بحيث اتجه زورقه ناحية الضفة الجنوبية، بينما كنا نُطلِق النيران على مؤخرة الزورق وأخطأناها ببضعة أقدام فقط. في غضون ثوانٍ كنا نسير في نفس الاتجاه، لكنه كان قد أوشك على الوصول إلى الضفة بالفعل. كان المكان موحِشًا ومنعزلًا، وكان ضوء القمر يسطع فوق مساحةٍ شاسعة من أراضي المستنقعات، تنتشر بها برك من المياه الراكدة ورقع من النباتات المتعفِّنة. بصوت ارتطامٍ مكتومٍ ضعيف، صعد الزورق على الضفة الطينية؛ فارتفعت مقدمته في الهواء وغمرت المياه مؤخرته. قفز المجرم الهارب منه، لكن سرعان ما غاص طرفه الخشبي بطوله في التربة المشبعة بالماء. قاوم وتلوى ألمًا لكن دون جدوى؛ فلم يكن باستطاعته التحرك خطوة واحدة للأمام أو الخلف. كان يصرخ بغضبٍ عاجز، ويركل الطمي بقدمه الأخرى باهتياج، لكن محاولاته للمقاومة لم تنجح إلا في جعل طرفه الخشبي يغور أكثر في طمي الضفة اللزج. وعندما رسا زورقنا بجانبه كان قد أصبح عاجزًا تمامًا عن الحركة لدرجة أننا اضطررنا إلى لفِّ حبلٍ حول كتفَيه كي نتمكَّن من سحبه من الطمي وجرِّه ناحيتنا مثل سمكةٍ شريرة. جلس كلٌّ من سميث الأب والابن متجهمَين داخل زورقهما، لكنهما صعدا على متن زورقنا دون اعتراض عندما أُمِرا بذلك. سحبنا أيضًا الزورق «أورورا» وربطناه بإحكام بمؤخرة زورقنا. وعلى سطحه، وجدنا صندوقًا حديديًّا هنديَّ الصنع. كان هذا بلا أدنى شك هو الصندوق الذي يحوي كنز آل شولتو الملعون. لم يكن له مفتاح، لكنه كان ثقيل الوزن؛ لذا نقلناه بحرص إلى مقصورة زورقنا الصغيرة. وبينما أبحرنا ببطء عائدين أدراجنا عكس اتجاه التيار، وجَّهنا ضوء كشافنا في جميع الاتجاهات، لكن لم نجد أي أثر لرجل الجزيرة الشرس. ففي مكانٍ ما في قاع نهر التيمز المظلم، ترقد عظام ذلك الزائر الغريب للبلاد في الطين.

قال هولمز وهو يشير إلى الكوَّة الخشبية في سطح زورقنا: «انظر إلى هذا، بالكاد أطلقنا مسدسَينا بسرعةٍ كافية.» وخلف الموضع الذي كنا نقف به بالضبط، استقر أحد تلك السهام القاتلة التي نعرفها جيدًا. لا بد أنه مرق بيننا في اللحظة التي أطلقنا فيها النار. نظر إليه هولمز مبتسمًا وهزَّ كتفَيه بلا مبالاة، لكني أعترف بأني قد أصابني الغثيان لمجرد تخيُّل تلك الميتة الشنيعة التي نجونا منها بأعجوبة هذه الليلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠