الأمير السعيد

في موضعٍ عالٍ فوق المدينة، على عمود طويل، كان تمثال الأمير السعيد يقف منتصبًا، مطليًّا بالكامل برقائق الذهب الخالص، ووُضِع له حجرا زفير برَّاقان في موضع العينَين، بينما كانت تلمع على مقبض سيفه ياقوتة حمراء كبيرة.

كان محطَّ إعجاب شديد حقًّا. علَّقَ أحد أعضاء مجلس المدينة، الذي كان يرغب في أن يُشتَهر بتذوُّقه الفني، قائلًا: «إنه يضاهي دوَّارة الرياح جمالًا.» ولكنه أضاف، خشية أن يحسبه الناس غير عملي، وهو في الحقيقة ليس كذلك، قائلًا: «ولكنه لا يضاهيها فائدةً.»

سألت أمٌّ عاقلة ولدها الصغير، الذي كان يطلب طلبات غير معقولة، قائلةً: «لِمَ لا تكون مثل الأمير السعيد؟ إنه لا يحلم أبدًا بالحصول على أي شيء.»

تمتم رجل مُحبَطٌ وهو يحدِّق إلى التمثال الرائع قائلًا: «يَسُرُّني أن يكون موجودًا في هذا العالم شخص سعيد هكذا.»

بينما قال أطفال المؤسسة الخيرية، وهم يخرجون من الكاتدرائية مرتدين عباءاتهم القرمزية الزاهية ومَرايلهم البيضاء النظيفة: «إنه يبدو تمامًا كمَلاك.»

فسألهم أستاذ الحساب قائلًا: «كيف تعرفون ذلك وأنتم لم تَرَوْا واحدًا من قبل؟»

ردَّ الأطفال قائلين: «أوه! ولكننا رأيناهم، في أحلامنا.» فعبس أستاذ الرياضيات وبدا شديد الصرامة؛ إذ لم يكن يستحسن أن يحلم الأطفال.

في إحدى الليالي حَلَّق فوق المدينة طائر سَنَوْنو صغير. كان أصدقاؤه قد غادروا إلى مصر قبل ستة أسابيع، ولكنه تخلَّف عنهم؛ إذ كان مغرَمًا بنبتة القيصوب الأجمل على الإطلاق. قابلها في بداية الربيع بينما كان يطير مع مجرى النهر مطاردًا فراشة صفراء كبيرة، فانجذب إلى خَصْر النبتة النحيل حتى إنه توقَّف ليتحدَّث إليها.

«هل لي أن أحبَّكِ؟» هكذا قال السَّنَوْنو الذي كان يحب الدخول في صُلْب الموضوع مباشرةً، وانحنت له نبتة القيصوب انحناءة كبيرة. فطار السَّنَوْنو حولها في دوائر، ولمس الماء بجناحَيه مُحدِثًا تموُّجاتٍ فضيةً على صفحته. كانت هذه هي مغازلته لها، والتي استمرت طوال فصل الصيف.

غرَّدت بقية طيور السَّنَوْنو قائلة: «إنها علاقة سخيفة؛ فهي لا تملك مالًا، ولها علاقات كثيرة للغاية.» وبالفعل كان النهر يَعجُّ بنباتات القيصوب. وعندما حَلَّ الخريف طارت جميعها بعيدًا.

شعر السَّنَوْنو بالوحدة بعدما طارت كل الطيور بعيدًا، وبدأ يسأم من معشوقته. قال: «إنها لا تتحدث أبدًا، وأخشى أن تكون لَعوبًا، فهي دائمًا ما تغازل الرِّيح.» وبطبيعة الحال، كانت النبتة تنحني برشاقة أخَّاذة كلما هبَّت الرياح. تابع السَّنَوْنو قائلًا: «أعترف أنها تفضِّل حياة الاستقرار، ولكنني أحبُّ السفر، وبالتبعية، لا بد أن تحب زوجتي السفر أيضًا.»

فقال لها أخيرًا: «هل تأتين معي؟» ولكن نبتة القيصوب هزَّت رأسها؛ إذ إنها كانت شديدة التعلُّق بموطنها.

صاح السَّنَوْنو قائلًا: «لقد كنتِ تعبثين بي! سأرحل إلى الأهرامات، وداعًا.» وطار بعيدًا.

ظلَّ يطير طيلة اليوم، وبحلول الليل وصل إلى المدينة. قال السَّنَوْنو: «أين سأبيتُ ليلتي؟ آمُلُ أن تكون المدينة قد اتَّخذت الاستعدادات اللازمة.»

ثم رأى التمثال على العمود الطويل.

فصاح قائلًا: «سأبيتُ هنا، إنه موقع جيِّد به الكثير من الهواء النقي.» وحَطَّ بين قدمَي الأمير السعيد.

حدَّث نفسه بهدوءٍ، وهو ينظر حوله، قائلًا: «لديَّ غرفة نوم ذهبية.» واستعدَّ للخلود إلى النوم، ولكن في اللحظة التي كان فيها يضع رأسه أسفل جناحه، سقطَتْ عليه قطرة ماء كبيرة. فصاح قائلًا: «يا له من أمر غريب! لا توجد سحابة واحدة في السماء، والنجوم واضحة وساطعة، ولكنها تمطر على الرغم من ذلك. إن الطقس في شمال أوروبا مُرِيع حقًّا. اعتادت نبتة القيصوب أن تحب المطر، إلا أن ذلك كان أنانية منها فحسب.»

ثم سقطت قطرة أخرى.

فقال: «ما نَفْع التمثال إن لم يقِ من المطر؟ لا بد أن أبحث عن أنبوب مدْخنة جيِّد.» وعَزَمَ على أن يطير بعيدًا.

ولكن قبل أن يبسط جناحَيه، سقطت قطرة ثالثة، فنظر إلى أعلى ورأى، أوه! ما الذي رآه؟

كانت عينا الأمير السعيد مُغرَوْرِقتَين بالدموع، وكانت الدموع تنهمر على وجنتَيه الذهبيتَين. كان وجهه شديد الجمال في ضوء القمر، حتى إن السَّنَوْنو الصغير شَعَرَ نحوه بالشَّفَقة.

سأله السَّنَوْنو قائلًا: «مَن أنت؟»

فردَّ التمثال: «أنا الأمير السعيد.»

فسأله السَّنَوْنو: «ولماذا تبكي إذن؟ لقد أغرقتني تمامًا بالماء.»

أجاب التمثال قائلًا: «عندما كنتُ حيًّا ولي قلبٌ بشريٌّ، لم أعلم كُنْه الدموع؛ إذ عِشْت في قصر «سان سوسي»، حيث لا يُسْمَح للحزن بدخوله. في النَّهار كنت ألعب مع رفاقي في الحديقة، وفي المساء أقود حفلات الرقص في القاعة الكبرى. كان يحيط بالحديقة جدار عالٍ للغاية، ولكنني لم أهتمَّ قطُّ بالسؤال عمَّا يقع خلفه، كل ما يخصُّني كان شديد الجمال. ولقَّبتني حاشيتي بالأمير السعيد، ولقد كنتُ بالفعل سعيدًا، إن كانت المُتَع تعني السعادة. هكذا عِشْتُ، وهكذا مُتُّ، والآن ها قد وضعوني هنا على ارتفاع شاهق بعد موتي، بحيث صِرْتُ أرى قُبْح مدينتي وكل شقائها، وعلى الرغم من أن قلبي مصنوع من الرصاص، فلا أملك خيارًا سوى البكاء.»

«ماذا! أليس مصنوعًا من الذهب الخالص؟» قال السَّنَوْنو مُحدِّثًا نفسه. كانت لباقة السنونو تمنعه من إبداء أي ملاحظات شخصية.

تابع التمثال حديثه بصوت موسيقيٍّ خفيض: «بعيدًا، بعيدًا، في شارع صغير، يوجد منزل فقير. إحدى نوافذه مفتوحة، ومن خلالها أرى امرأةً جالسة على طاولة. وجهها نحيل ومُنهَك، ويَداها محمرَّتان خَشِنتان تغطِّيهما وَخَزات الإبرة؛ وذلك لأنَّها تعمل حائكة. إنها تُطرِّز زهور الآلام على ثوب من الساتان لأجمل وصيفات الملكة؛ كي ترتدِيَه في الحفل الملكي الراقص القادم. في سرير في زاوية الغرفة، يستلقي ولدها الصغير مريضًا. إنه يعاني من الحُمَّى ويطلب بعض البرتقال، ولكن ليس لديها ما تمنحه سوى مياه النهر؛ ولذلك فهو يبكي. أيُّها الطائر، يا طائر السَّنَوْنو، أيُّها السَّنَوْنو الصغير، هل يمكنك أن تنتزع الياقوتة من مقبض سيفي وتجلبها إليها؟ فقدماي مثبَّتتان في هذه القاعدة ولا يمكنني التَّحرُّك.»

فقال السَّنَوْنو: «إن أصدقائي ينتظرونني في مصر، وهم يطيرون مع مجرى نهر النيل صعودًا وهبوطًا، ويتحدَّثون مع زهور اللوتس الكبيرة. سيخلدون للنوم عمَّا قريب في مقبرة الملك العظيم. يقبع الملك نفسه هناك داخل تابوته المُزَيَّن. إنه ملفوف بكَتَّان أصفر ومُطيَّب بالعطور. حول رقبته سلسلة من أحجار اليَشْم الخضراء الفاتحة، ويداه كأوراق الأشجار الذابلة.»

قال الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير، هل يمكنك أن تبقى معي ليلةً واحدة وتكون رسولي؟ إن الصَّبِيَّ عطشان للغاية، والأم تشعر بحزن بالغ.»

أجاب السَّنَوْنو قائلًا: «لا أعتقد أنني أحب الأولاد. في الصيف الماضي، عندما كنتُ أقيم على النهر، كان هناك ولدان وَقِحان، ابنا الطحَّان، وكانا دائمًا ما يرشقانني بالحجارة. لم يصيباني قطُّ بالطبع؛ فنحن طيور السَّنَوْنو نطير ببراعة شديدة؛ فلا تصيبنا الحجارة، وإلى جانب ذلك، فأنا أنحدر من عائلة تُشتَهر بخفَّة الحركة؛ ومع ذلك، فهذا الفعل كان علامةً على عدم الاحترام.»

ولكن الأمير السعيد بدا شديد الحزن، حتى إن السَّنَوْنو الصغير رثى لحاله. قال: «إن الطقس شديد البرودة هنا، ولكنني سأبقى معك ليلة واحدة، وسأكون رسولك.»

فقال الأمير: «أشكرك أيُّها السَّنَوْنو الصغير.»

وهكذا التقط السَّنَوْنو الياقوتة مُخرِجًا إيَّاها من سيف الأمير، وطار بعيدًا فوق أسطح المدينة، وهو يحملها في منقاره.

مَرَّ ببرج الكاتدرائية المنحوت عليه الملائكة الرخامية البيضاء. ومَرَّ بالقصر وسمع أصوات الرقص. خرجت فتاة جميلة إلى الشُّرفة مع حبيبها الذي قال لها: «كم هي رائعة تلك النجوم! وكم هي رائعة قوَّة الحب!»

أجابت: «آمُلُ أن يكون ثوبي جاهزًا لحفلة البلاط الملكي في الوقت المناسب. لقد أمَرتُ أن تُطرَّز عليه زهور الآلام؛ ولكن الحائكات كسولات جدًّا.»

مَرَّ فوق النهر ورأى الفوانيس مُعلَّقة على صواري السفن؛ ومَرَّ بحي اليهود، ورأى اليهود كبار السِّنِّ يتساومون، ويَزِنونَ النقود في موازين نحاسية. وأخيرًا، وصل إلى المنزل الفقير ونظر داخله. كان الصبي يهتزُّ من الحُمَّى على سريره، والأم قد غالبها النوم من شدَّة التعب. حجل السَّنَوْنو داخلًا المنزل، ووضع الياقوتة الكبيرة على الطاولة بجانب كُشتُبان المرأة. ثم طار برقَّة حول السرير، وهو يحرَّك الهواء على جبهة الصبي بجناحَيه. فقال الصبي: «كم أشعر ببرودة منعشة. لا بد أنني أتحسَّن.» واستغرق في نوم هانئ.

ثم طار السَّنَوْنو إلى الأمير السعيد، وأخبره بما فعل. وعلَّقَ قائلًا: «إنه أمر غريب، ولكنني أشعر بالدفء الشديد الآن، على الرغم من أن الجوَّ شديد البرودة.»

فقال الأمير: «ذلك لأنك قُمْت بصنيع طيِّب.» بدأ السَّنَوْنو الصغير في التفكير، ثم غفا. فدائمًا ما كان التفكير يجعله يشعر بالنعاس.

عند بزوغ الفجر طار السَّنَوْنو هابطًا نحو النهر وتحمَّم. قال أستاذ علم الطيور بينَما كان يعبر الجسر: «يا لها من ظاهرة رائعة، طائر سَنَوْنو في الشتاء!» وكتب مقالة طويلة حول هذا الموضوع للصحيفة المحلية. اقتبس الجميع منها، فقد كانت مليئة بالكلمات الصعبة التي لم يستطيعوا فهمها.

قال السَّنَوْنو: «الليلةَ سأذهب إلى مصر.» وكانت معنوياته مرتفعة؛ إذ كان يتطلَّع لهذا الأمر. زار السَّنَوْنو كل المعالم الأثرية العامة، واستقرَّ مدةً طويلة على قِمَّة برج الكنيسة. أينما ذهب كانت العصافير تزقزق، وتقول لبعضها الآخر: «يا له من غريبٍ متميِّز.» فكان يسعد بنفسه كثيرًا.

عندما صار القمر عاليًا في السماء طار السَّنَوْنو عائدًا إلى الأمير. وصاح قائلًا: «هل تريد أن أنفِّذ لك أي مَهَمَّة في مصر؟ سأشرع لتوِّي في رحلتي.»

قال الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير، هلَّا تبقى معي ليلةً أخرى؟»

فأجاب السَّنَوْنو: «أصدقائي ينتظرونني في مصر. غدًا سيطيرون إلى شَلَّال النيل الثاني. هناك ينام فرس النهر بين نباتات البردي، بينما يجلس الإله ممنون على عرش جرانيتيٍّ كبير يُراقب النجوم طوال الليل، وعندما تتألَّق نجمة الصباح يُطلِق صيحة فرح واحدة، ثم يصمت. عند الظهيرة، تهبط الأسود الصفراء إلى حافَّة الماء لتشرب. إن لها عيونًا خضراء كالزَّبَرْجد، وزئيرها أعلى من هدير الشَّلَّالات.»

قال الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير، بعيدًا في الطرف الآخر من المدينة أرى شابًّا في عُلِّيَّة أحد المنازل. إنه يجلس مَحنيًّا على مكتب مغطًّى بالأوراق، وفي كوب بجانبه صُحبَةٌ من ورود بنفسج ذابلة. شعره بُنيٌّ مُموَّج، وشفتاه في حُمرة الرُّمان، وعيناه كبيرتان وحالمتان. إنه يحاول الانتهاء من مسرحية يُعِدُّها للمخرج المسرحي، ولكنه يشعر ببرد شديد يعوقه عن متابعة الكتابة. لا توجد نار في الموقد، وقد فقد الوعي من الجوع.»

قال السَّنَوْنو الذي كان حقًّا ذا قلب طيِّب: «سأبقى معك ليلةً واحدة أخرى، هل آخذ له ياقوتة أخرى؟»

قال الأمير: «مع الأسف! لم يَعُد لديَّ ياقوت. كل ما تبقَّى لديَّ هو عيناي. إنهما مصنوعتان من الزفير النادر الذي جُلِب من الهند قبل ألف عام. اقتلِع واحدةً منهما وخُذْها إليه. سيبيعها للصائغ ويشتري طعامًا وحطبًا، وينتهي من كتابة مسرحيته.»

قال السَّنَوْنو: «لا يمكنني فعل ذلك يا عزيزي الأمير.» وشَرَع في البكاء.

قال الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير، افعل ما آمرك.»

اقتلع السَّنَوْنو عين الأمير، وطار بعيدًا متجهًا نحو العُلِّيَّة التي يسكن فيها الطالب. كان من السهل دخولها، إذ كان يوجد ثقب في السقف، اندفع من خلاله داخلًا إلى الغرفة. كان الشاب يدفن رأسه بين يدَيه، فلم يسمع رفرفة جناحَي الطائر، وعندما رفع رأسه، وجد حجر الزفير الرائع فوق زهور البنفسج الذابلة.

فصاح قائلًا: «لقد بدأتُ أصبح موضع تقدير، لا بد أن هذه من مُعجَب كبير. الآن يمكنني أن أنهيَ مسرحيتي.» وبدا في غاية السعادة.

في اليوم التالي، طار السَّنَوْنو إلى الميناء، وجلس على صاري إحدى السفن الكبيرة، يشاهد البَحَّارة وهم يسحبون صناديق كبيرة من مُستودَع السفينة بالحبال. كانوا يصيحون مع خروج كل صندوق قائلين: «هيلا هوب!» صاح السَّنَوْنو قائلًا: «أنا ذاهب إلى مصر.» ولكن لم يلتفت إليه أحد، وعندما صار القمر عاليًا في السماء، طار عائدًا إلى الأمير السعيد.

صاح قائلًا: «جئتُ لأودِّعَك!»

فردَّ الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير هلَّا تبقى معي ليلةً أخرى؟»

فأجاب السَّنَوْنو قائلًا: «إنَّنا في فصل الشتاء، وقريبًا ما ستحلُّ هنا الثلوج الباردة. أمَّا في مصر، فالشمس تبعث الدفء على أشجار النخيل الخضراء، وتستلقي التماسيح في الطين وتنظر حولها في كسل. يبني أصدقائي عشًّا في معبد بعلبك، ويراقبهم الحمام الوردي والأبيض ويُصدِر هديلًا لبعضه الآخر. لا بُدَّ أن أتركك يا عزيزي الأمير، ولكنني لن أنساك أبدًا، وفي الربيع القادم، سأعود إليك جالبًا جوهرتَين جميلتَين بدلًا من هاتَين اللَّتَين فقدتَهما. ستكون الياقوتة التي سأُحضرها لك أشدَّ حُمرةً من الورود، وسيكون حجر الزفير في زُرقَة البحر الكبير.»

قال الأمير السعيد: «في الميدان بالأسفل تقف فتاة صغيرة تبيع الثقاب. لقد وقع الثقاب منها في البالوعة، وتلف كلُّه. سيضربها أبوها إن لم تجلب بعض المال إلى المنزل، وها هي تبكي. إنها لا تملك حذاءً ولا جوارب طويلة، ورأسها الصغير حاسر. اقتلع عيني الأخرى، وأعطِها لها؛ حتى لا يضربها والدها.»

قال السَّنَوْنو: «سأبقى معك ليلةً واحدة أخرى، ولكن لا يمكنني اقتلاع عينك. ستصبح أعمى إن فعلتُ ذلك.»

قال الأمير: «أيُّها السَّنَوْنو، يا طائر السَّنَوْنو الصغير، افعل ما آمرك.»

وهكذا اقتلع السَّنَوْنو عين الأمير، واندفع طائرًا لأسفل وهو يحملها. مَرَّ بسرعة أمام الفتاة الصغيرة ودَسَّ الجوهرة خلسةً في كَفِّ يدها. صاحت الفتاة قائلة: «يا لها من قطعة زجاج جميلة.» ثم ركضت إلى المنزل وهي تضحك.

ثم عاد السَّنَوْنو للأمير، وقال: «لقد أصبحت أعمى الآن، لذا سأبقى معك للأبد.»

فقال الأمير المسكين: «لا أيُّها السَّنَوْنو الصغير. لا بد أن تذهب إلى مصر.»

فرد السَّنَوْنو: «سأبقى معك للأبد.» ثم نام عند قدمَي الأمير.

جلس السَّنَوْنو طوال اليوم التالي على كتف الأمير، وقَصَّ عليه حكايات عمَّا شاهده في الأراضي الغريبة. أخبره عن طيور أبي منجل الحمراء التي تقف في صفوف طويلة على ضفاف النيل، وتلتقط السمك الذهبي بمناقيرها؛ وعن أبي الهول، القديم قِدَم العالم، الذي يعيش في الصحراء، ويعلم كل شيء، وعن التُّجَّار الذين يمشون ببطء إلى جانب جِمَالهم، ويحملون حَبَّات الكهرمان في أيديهم؛ وعن ملك جبال القمر، ذي البشرة السوداء كخشب الآبنوس، ويعبد بلورةً كبيرة؛ وعن الثعبان الأخضر الضَّخم الذي ينام في نخلة، والذي يتولى عشرون كاهنًا إطعامه كعك العسل؛ وعن الأقزام الذين يُبحرون في بحيرة كبيرة على أوراق مُسطَّحة ضخمة، ودائمًا في حالة حرب مع الفراشات.

قال الأمير: «يا عزيزي السَّنَوْنو الصغير، إنك تحكي لي عن أشياء مدهشة، ولكن ما يُدهِشُ أكثر من أي شيء هو معاناة الرجال والنساء. لا يوجد لغز أعظم من البؤس. طِرْ فوق مدينتي، أيُّها السَّنَوْنو الصغير، وأخبرني بما تراه هناك.»

وهكذا طار السَّنَوْنو فوق المدينة الضخمة، وشاهد الأغنياء يمرحون في بيوتهم الجميلة، بينما كان المُتسوِّلون جالسين عند البوابات. طار في الأزِقَّة المظلمة، ورأى الوجوه البيضاء الشاحبة للأطفال الجائعين وهي ترمق الشوارعَ المظلمة بوهنٍ. وأسفل قنطرة أحد الجسور كان صبِيَّان صغيران يرقدان وهما يحتض أحدهما الآخر محاولَين أن يُبقيا الدفء في جسدَيهما. قالا: «كم نحن جائعان.» فصاح الحارس قائلًا: «لا يجوز لكما الاستلقاء هنا.» فخرجا هائمَين على وجهَيهما في المطر.

ثم طار السَّنَوْنو عائدًا إلى الأمير، وأخبره بما رآه.

فقال الأمير: «أنا مغطًّى بالذهب الخالص. لا بُدَّ أن تنزعه عني، رقاقةً تِلْو الأخرى، وتعطيه لفقراء قومي؛ فدائمًا ما يظن الأحياء أن الذهب يمكن أن يجعلهم سعداء.»

التقط السَّنَوْنو رقاقات الذهب الخالص منتزعًا إيَّاها واحدةً تِلْو الأخرى، حتى بدا الأمير السعيد باهتًا ورماديًّا للغاية. أعطى الفقراءَ رقاقة تِلْو الأخرى من الذهب الخالص، فتورَّدت وجوه الأطفال، وصاروا يضحكون ويلعبون في الشارع. وهلَّلوا قائلين: «لدينا خبز الآن!»

ثم جاء الثلج، ومن بعده حَلَّ الصقيع. بدتِ الشوارع وكأنها مصنوعة من الفضة؛ إذ كانت شديدة الإشراق واللمعان؛ بينما تدلَّت كتل ثلجية طويلة وكأنَّها خناجر بلورية من أفاريز المنزل، وكان الجميع يتحرَّكون هنا وهناك وهم يرتدون الفراء، وارتدى الصِّبْية الصغار قبعاتٍ قرمزيةً وتزلَّجوا على الجليد.

ازداد شعور السَّنَوْنو الصغير المسكين بالبرودة أكثر فأكثر، ولكنه لم يكن ليترك الأمير؛ فقد كان يحبُّه كثيرًا. كان يلتقط الفُتات من أمام باب الخَبَّاز عندما لا يكون منتبهًا، ويرفرف بجناحَيه محاولًا أن يُبقي نفسه دافئًا.

ولكنه عرف في النهاية أنه سوف يموت. كان يمتلك من القوة ما يكفي بالكاد لأن يطير مرتفِعًا إلى كتف الأمير مرةً واحدةً أخرى. همهم السَّنَوْنو قائلًا: «وداعًا عزيزي الأمير! هل تسمح لي بتقبيل يدك؟»

فقال الأمير: «أنا سعيد لأنك ستذهب إلى مصر أخيرًا أيُّها السَّنَوْنو الصغير. لقد مكثت هنا طويلًا. ولكن يجب أن تُقبِّلني على شفتَيَّ، لأني أحبك.»

قال السَّنَوْنو: «لستُ ذاهبًا إلى مصر، بل إلى دار الموت. الموت هو شقيق النوم، أليس كذلك؟!»

وقبَّل الأميرَ السعيدَ على شفتَيه وسقط ميتًا عند قدمه.

في تلك اللحظة، صدَر صوتُ تصدُّعٍ غريب داخل التمثال، كما لو كان شيء ما قد انكسر. الحقيقة أن القلب الرصاصي قد انفلق نصفَين؛ إذ كان بلا شك صقيعًا لا يُحتَمل.

باكرًا صباح اليوم التالي، كان العمدة يسير في الميدان بالأسفل مع أعضاء مجلس المدينة، وعندما مَرُّوا بالعمود، نظر إلى الأعلى نحو التمثال وقال: «يا إلهي! كم يبدو الأمير السعيد مُهْتَرِئًا!»

فصاح أعضاء مجلس المدينة الذين كانوا دائمًا ما يوافقونه في الرأي قائلين: «إنه مهترئٌ بالفعل.» وساروا نحو التمثال ليتفحصوه.

قال عمدة المدينة: «لقد سقطت الياقوتة من سَيْفه، واختفت عيناه، ولم يَعُد ذهبيًّا. إنه يبدو أفضل بقليلٍ من الشَّحَّاذين!»

ردَّد أعضاء مجلس المدينة قائلين: «أفضل بقليلٍ من الشَّحَّاذين!»

أردف العمدة قائلًا: «وها هو طائر ميت عند قدمه. في الواقع لا بُدَّ أن نُصدر بيانًا يفيد بأنه ليس مسموحًا للطيور بالموت هنا.» فدوَّن أمين سر المدينة ملحوظةً باقتراحه.

ومن ثَمَّ، هدموا تمثال الأمير السعيد. وقال أستاذ الفنون بالجامعة: «ما دام لم يَعُد جميلًا، فإنه لم يَعُد مفيدًا.»

بعد ذلك صهروا التمثال في فرنٍ، وعقد العمدة اجتماعًا لمجلس البلدية لتقرير ما سيُفْعَل بالمَعْدِن. وقال: «لا بُدَّ أن يكون لدينا تمثال آخر، بالطبع، وسوف يكون تمثالًا لي.»

فقال كل واحد من أعضاء مجلس المدينة وهم يتشاجرون: «بل لي.» وكان آخر ما سمعته عنهم أنهم ما زالوا يتشاجرون.

قال مُشرِف العُمَّال في مَسْبَك المعادن: «يا له من أمر غريب! هذا القلب الرصاصيُّ المكسور لا يذوب في نيران الفرن. لا بُدَّ أن نتخلَّص منه.» وهكذا ألقوا به على كومة من الغبار حيث كان يرقد السَّنَوْنو الميت أيضًا.

قال الرَّبُّ لأحد ملائكته: «أحضر لي أثمن شيئَين في المدينة.» فأحضر له الملاكُ القلبَ الرصاصيَّ والسَّنَوْنو الميت.

فقال الرَّبُّ: «لقد أصبتَ الاختيار؛ فهذا الطائر الصغير سيُغَرِّد في حدائق جَنَّتي إلى الأبد، وسَيُسَبِّحُ لي الأمير السعيد في مدينتي الذهبية.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠