الفصل الخامس

عودة المكبوت

قصة مسعودة والعفريت حديث القرية، لم يكن عفريتها مثل العفاريت الأخرى، يتحدى أولياء الله الصالحين، ربما يكون هو الشيطان ذاته، «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عبارة تجري على ألسنة أهل القرية من المهد إلى اللحد، لا تكف أم إبراهيم عن الاستعاذة بالله من الشيطان والجن والعفاريت، أصبحت أطارد هذه الكائنات داخل عقلها، وعقول النساء والرجال في القرية، يوم الخميس كان المرور على البيوت، الحكيمة زينات والممرضات والمثقف الصحي جبهة واحدة ضد الخزعبلات، «ما فيش حاجة اسمها عفاريت يا ناس، ما عفريت إلا بني آدم.» هذه العبارة سمعتها من جدتي وأنا طفلة «ما عفريت إلا بني آدم.»

لم يكن سهلًا مقاومة هذه الأرواح الخفية، وردت في كتاب الله الكريم، أيمكن لعلوم الطب أن تحارب كلمة الله؟! أكثر الناس مقاومة لنا هو العمدة وأصحاب الأراضي الكبيرة، وشيخ الجامع، وحلاقو الصحة ورجال الأمن من الخفراء، وشيخ الخفر، والشيخ حمدان، كانوا جبهة واحدة، الطبقة الحاكمة في القرية مثل أختها في المدينة، لا يمكن أن تعيش دون وجود العفاريت.

تملكتني إرادة التحدي، أصبحت أمشي في الليل عيناي تشقان الظلمة، أيمكن أن ألتقي بالعفاريت وجهًا لوجه؟ في طفولتي كنت أخاف السير في الظلام، اليوم أصبحت طبيبة في السادسة والعشرين من عمري، أحمل في يدي كشافًا صغيرًا، أضرب في الظلام ضد القوى الغيبية.

– قوليلي يا مسعودة العفريت ركبك إمتى وفين؟

– ما اعرفش يا ضكطورة وحياة ربنا ما اعرفش.

كانت راقدة في صحن الدار، أبوها الحاج زيدان يؤمن أن الله هو الشافي وليس الأطباء، أمها الحاجة فطنة ترى أنها ورثت الجنون عن عمتها شقيقة أبيها، ركبها العفريت ولم يغادرها حتى حرقت نفسها، سكبت صفيحة الجاز فوق رأسها ثم أشعلت عود الكبريت، صورة مسعودة تؤرقني في الليل، تطاردني في النوم، أراها تجري فوق الجسر والنار مشتعلة فيها، صراخها يأتيني من تحت الوسادة، كالطنين في أذني، كالأنين الممدود يناديني، يذكرني بأنين جدتي وأنا طفلة، وأنين أمي وطنط نعمات وكل امرأة سمعتها تئن في الليل.

– أنا رايحة لمسعودة في بيتها لازم أسمع منها حكاية العفريت ده!

– يا ضكطورة الشغل عليكي بيزيد وطوابير العيَّانين مالهاش نهاية، بلاش زيارة البيوت ما ينوبك منها إلا البراغيث.

– يا أم إبراهيم حكاية العفاريت دي مش داخلة مخي، المسألة فيها سر لازم أكشفه.

– يا ضكطورة حاتكشفي على إيه والعفاريت دول ربنا يكفيكي شرهم، مالهومش إلا الأقوى منهم.

– أنا رايحة لمسعودة يا أم إبراهيم، لا يمكن أكون الدكتورة هنا وأسيبها وحدها للعفاريت.

في أعماقي صوت يدفعني إلى مسعودة، صوت عميق بعيد يأتي من الطفولة، فوق شاطئ البحر أراها تمشي، سعدية الخادمة تكبرني ببضع سنوات قليلة، طفلة جسمها نحيف كالبوصة، هربت من البيت بعد أن ضربتها أمي، أرادت العودة إلى أمها في كفر الشيخ، تاهت على شاطئ الإسكندرية وفي أذنها حلق من الصفيح.

– قوليلي يا مسعودة العفريت ركبك إزاي؟

– مش عارفة يا ضكطورة.

– حاولي تفتكري يا مسعودة.

– مش فاكرة حاجة يا ضكطورة.

صوتها يذكرني بشلبية الخادمة الصغيرة في بيت المرحوم جدي، لهجتها وملامحها، نحيفة الجسم سمراء البشرة، عمرها كان أربعة عشر عامًا، ترتدي جلبابًا واسعًا، متكورة حول نفسها، تشد أطراف الجلباب حول جسمها، عيناها سوداوان واسعتان ترفعهما نحوي ثم تخفي رأسها بين ركبتيها، أخذتها طنط فهمية إلى محطة القطار، ثم عادت بدونها.

– يا مسعودة حاولي تفتكري أنا ممكن أساعدك.

– مش فاكرة حاجة يا ضكطورة.

– العفريت جالك منين يا مسعودة، من قدامك ولا من وراكي؟

– من ورايا يا ضكطورة.

– من وراكي إزاي يا مسعودة؟

– كنت راكعة يا ضكطورة بعد ما صليت العشا جه من ورايا وركبني.

انتفضت أمها الحاجة فطنة، كانت جالسة إلى جوارها متربعة داخل جلبابها الأسود، أخفت نصف وجهها بطرف طرحتها السوداء: «إلهي يخزيكي يا بت يا مسعودة، العفريت يخاف من ربنا يا بت ويخاف من سجادة الصلا، إلهي يخليكي يا ضكطورة شوفيلها دوا أصلها مجنونة زي المرحومة عمتها.» نهضت مسعودة فجأة كادت تضرب أمها: «إنتي المجنونة يامه ربنا ياخدك!» رنت العبارة في أذني، أضاءت شيئًا في رأسي، ماذا فعلت الأم حتى تتمنى لها الابنة الموت؟ لم يكن للابنة أن تنطق في حضور أمها، حاولت التخلص من الأم، تلازم ابنتها كظلها، إن دخلت المرحاض تدخل وراءها: «خايفة تعمل في نفسها حاجة يا ضكطورة، المرحومة عمتها حرقت نفسها.»

حالة مسعودة تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، تنهض أحيانًا من النوم وتجري هاربة فوق الجسر، يمسكها خفراء الليل، يعودون بها إلى أهلها، أركبها أبوها الحمارة ذات يوم وجاء بها إليَّ: «خديها عندك في المستشفى يومين يا ضكطورة يمكن ربنا يشفيها.»

في القسم الداخلي أعطيتها غرفة خاصة، تحت رعاية الحكيمة زينات، أمرُّ عليها في الصباح قبل العيادة الخارجية، وفي الظهر بعد الانتهاء من فحص المرضى، قبل أن أنام أزورها في غرقتها، أتحدث معها، أحاول أن أعرف حكايتها، زينات تحنو عليها أكثر من الأم، تعطيها جرعات صغيرة من المهدئات، «هذه الحالات يا زينات لا تعالج بالعقاقير، أو الصدمات الكهربية، لا بد من البحث عن السبب الحقيقي للأزمة.» تفرغت زينات لمسعودة، تشاركها الغرفة، تنام فوق السرير الآخر، تأكل معها، تسهر معها في الليل، «احكي لها عن حياتك يا زينات يمكن تتشجع وتحكي لك عن حياتها.»

في إحدى الليالي جلسنا نحن الثلاث في غرفة مسعودة، كانت زينات تحكي عن طفولتها، هربت من أبيها في حي الشرابية، أراد أن يزوجها من جزمجي عجوز، له حفيدة من عمرها، احتضنتها امرأة من عائلة أبيها كانت ممرضة في قصر العيني، بلا زوج ولا أطفال، أصبحت هي ابنتها، أدخلتها مدرسة التمريض «أنا عمري دلوقتي واحد وتلاثين سنة عاوزة أبقى حكيمة في القصر العيني زي المرحومة خالتي والناس كلها تقول لي اتجوزي يا زينات عشان يكون لك طفل ولا اتنين، لكن الدنيا مليانة أطفال على قفا من يشيل، وياما أطفال اتولدوا على إيديا دول، وياما أطفال في الملاجئ، وإذا كنت عاوزة أطفال أقدر أتبنى طفل منهم، ولا إيه رأيك يا دكتورة؟»

– طبعًا تقدري يا زينات لكن يمكن تقابلك مشكلة من الناحية القانونية أو الشرعية؛ لأن التبني ممنوع في الإسلام.

– ممنوع ليه يا دكتورة، ده كله خير وبركة، لولا خالتي الحكيمة كان زماني عند الراجل العجوز الجزمجي يعمل فيَّ اللي هو عاوزه، كان أكبر مني بخمسين سنة وأنا يدوبك كده من عمر مسعودة أربعتاشر سنة، وكان جسمي يتنفض لما أشوفه يا دكتورة كأنه عزرائيل الموت.

انتفضت مسعودة فوق سريرها لحظة، انفرجت شفتاها عن صوت مبهم، ثم أطبقتهما بإحكام، عيناها ثابتتان فوق زينات وهي تحكي، «لكن يا دكتورة ليه التبني ممنوع في الإسلام، ده سيدنا محمد كان دايمًا يعطف على اليتامى والأطفال، والملاجئ يا دكتورة حالتها تصعب على الكافر، أنا عشت فيها شهرين قبل ما أعرف طريق بيت خالتي الحكيمة، كان عندنا مشرف بعين واحدة نقوله يا فندي، أخدني مرة في الأوضة بتاعته وقفل الباب، وهات يا ضرب بالخيزرانة، وبعدين لقيته فوقي راكبني زي الحمارة و…»

أطبقت زينات فمها حين انطلقت الصرخة من فم مسعودة، حادة ممدودة ثم انقطعت فجأة، أخفت رأسها تحت الملاءة، جسمها يرتعد، همستُ في أذن زينات: «كلامك مس وترًا في حياتها، كفاية كده إديها نص قرص في اليوم.»

قبل أن أنام تلك الليلة دلكت أم إبراهيم قدمَي المتورمتين، ثلاث ساعات قضيتها جالسة في غرفة مسعودة، الكرسي من القش غير مريح وحكاية زينات غير مريحة، تملؤني بالحزن الغامض، في طفولتي فكرت في الهرب من الأهل والعريس، كنت أنام وأحلم أنني أمشي في الليل وحدي، أتوه في الطريق اللانهائي كما تاهت سعدية، يقابلني في الظلمة رجل تناديه البنات في المدرسة يا أفندي، يغلق عليَّ الباب، يقترب بجسده من جسدي، تخرج من فمه رائحة غريبة ودخان، ويزحف شيء بين فخدي كالإصبع الغليظ: «يا ضكطورة إنتي تاعبة نفسك مع البت مسعودة ما فيش لها علاج إلا الزار، أصل العفاريت يا ضكطورة تخاف من الطبل والرقص.»

– «اسكتي يا أم إبراهيم، زار إيه وكلام فارغ إيه.»

– «أنا يا ضكطورة ياما ركبتني العفاريت وما في حاجة تطردها من جتتي إلا الزار، اسأل مجرب ولا تسأل طبيب.»

العبارة تسري في أذني وهي تدلكني، اسال مجرب ولا تسأل طبيب، يداها مدربتان تعرفان موضع الألم، تمشي أصابعها فوق سلسلة العمود الفقري، تتوقف فوق ظهري عند فقرة معينة، تضغط بإصبع واحد فوق نقطة محددة، تعرفها بحكم الخبرة والتجربة: «هي دي الحتة اللي بتوجعك يا ضكطورة؟»

– «أيوه يا أم إبراهيم هي دي بالضبط.»

تدور يداها تبحث في مؤخرة القدم، والكتفين، والذراعين، والساقين، والقدمين، وبطن القدم، وغضاريف الأصابع: «يا ضكطورة إنتي جواكي تعب كتير أوي.» هذه العبارة ذاتها سمعتها بعد ثمانٍ وثلاثين سنة باللغة الإنجليزية، في مدينة «سياتل» على الشاطئ الشمالي الغربي للمحيط الهادي «الباسيفيك» في أمريكا الشمالية، قضيت ستة شهور من ١٩٩٤م أستاذة زائرة في جامعة واشنطن، كانت لي زميلة صينية تجاوزت الستين مثلي، سمعتني أتحدث عن آلام الانزلاق الغضروفي، جاءت إلى بيتي معها علبة صغيرة مستطيلة داخلها مجموعة من الإبر الصينية، بأصابعها الرفيعة المدببة حددت مواضع الألم، فوق كل موضع غرزت إبرة في اللحم، كانت هي بالضبط المواضع التي حددتها أم إبراهيم بأصابعها في قرية طحلة وصوتها يكاد يشبه صوتها رغم اختلاف اللغة: You have a lot of pain inside you Nawal ومياه البحيرة من نافذة بيتي في ضاحية «كوين آن» تبدو في حركتها الهادئة كنهر النيل.

في طفولتي شهدت بعض حفلات الزار مع ستي الحاجة وعماتي، منذ السادسة من عمري لم أشهد الزار، ذهبت إليه وأنا طبيبة القرية مع أم إبراهيم، ومسعودة وأمها وخالاتها وعماتها كلهن أصبحن داخل حلبة الرقص وأنا معهن، دقات الطبول ترج الجسد، ترج الروح، يذوب الجسد في الروح، دقات الطبول ترج الأرض والسماء، تذوب الأرض في السماء، الأجساد كلها تذوب في جسد واحد، لا أكاد أعرف أم إبراهيم من أم مسعودة، ولا مسعودة من شلبية، الأبخرة تتصاعد مع البخور المحروق، والشبة تتشكل داخل النار، تصبح جسدًا من الدخان، هو العفريت أو الشيطان بعينه، الصراخ ينطلق من الحناجر كالزغاريد، «شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر!»

الأجساد انطلقت من عقالها، تتلوى حول ألسنة النار كالثعابين الحمراء، الأثداء والأرداف تنتفض مع انتفاضات الطبول، الشعور الطويلة انفكت ضفائرها تتطاير منكوشة كرءوس جنيات البحر، الأفواه مفتوحة عن آخرها يصرخن في نفس واحد: شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر! حضرت كل العفاريت وكل من ركبهم العفاريت، والعرق أصبح يتصبب والأنفاس تلهث كأنما في سباق الزمن، الصراخ والعويل يختلط بدقات الطبول، العرق يختلط بالدم، من أين جاء الدم؟ ربما هو ديك أو فرخة ذُبحت، أو امرأة غرزت أظافرها في لحمها أو لحم آخر، لا يمكن التمييز بين اللحم واللحم، ذابت النسوة في جسد واحد، الشعر الأسود المنكوش يقذف نفسه إلى الأمام فيغطي النهدين، ثم يقذف نفسه إلى الخلف فيغطي الظهر تضرب أطرافه الردفين، الجلباب أصبح مشقوقًا من الصدر حتى الذيل، القدم اليمنى تضرب الأرض فينفتح الجلباب، تظهر استدارة الفخذ، ترتفع الساق في الهواء، تضرب الأرض بالقدم اليسرى، يتسع الشق في الجلباب، تظهر من الجانب استدارة الثدي هابطة إلى البطن، ترتعش البطون مع ارتعاشات الطبلة، تتهاوى الرءوس إلى الأرض تلامس الأرض، تلعق التراب ثم تنهض من جديد: شيخ محضر يا شيخ محضر واللي عليه عفريت يحضر!

انفلت الجسد من سياج العقل، وانفلت العقل من سياج الجسد، صدمة النقاء المطلق في مواجهة الفساد المطلق، صدمة الشيطان يلتقي وجهًا لوجه مع الله، صدمة الحرية تواجه الاحتباس كالصدمة الكهربية، كالأسياخ المحمية، والأفواه مفتوحة عن آخرها تصرخ من الألم واللذة، بالفرح بالخلاص الأبدي، بالحزن الأزلي، منذ وُلدن من بطون أمهاتهن، منذ امتدت الموسى تقطع في أجسادهن، منذ ضُربن ليلة الزفاف ونزفن الدم حتى الموت، منذ حرقت الأرض أقدامهن، وحرق الملح بطونهن، وكوى المر أكبادهن، منذ امتصت الدودة دماءهن، وأكلت الحرب أولادهن، والتهم الموت صبيانهن وبناتهن.

اصرخي يا بت يا مسعودة خلي العفريت يطلع من جتتك يا بت! اصرخي بأعلى صوتك يا مسعودة اصرخي!

تصرخ أم إبراهيم بصوت أعلى من مسعودة وجميع النسوة، صراخها يعلو في الكون، يخترق السموات واحدة وراء الأخرى حتى السماء السابعة، يخترق أذان الملائكة والشياطين، تنادي على رب الكون الله الواحد الأحد، تنادي على الأنبياء واحدًا وراء الآخر من سيدنا إبراهيم حتى سيدنا محمد آخر المرسلين، تنادي على السيدة خديجة والسيدة زينب والسيدة مريم العذراء، أم المسيح، تطلب منهم جميعًا أن يعيدوا إليها ابنها الغائب في الحرب منذ ثماني سنين، تفرد ذراعيها عن آخرهما تحتضن ابنها الهابط من السماء، يمسك بيديه الاثنتين مظلة مفتوحة أشبه بالبراشوت، قدماه ثابتتان فوق بساط الريح، يتحول الصراخ إلى زغاريد، تنطلق الزغرودة من حلق أم إبراهيم، أعلى من كل زغاريد النسوة: «باب السما مفتوح وابني إبراهيم نازل أهو بالبراشوت تعال يا حبيبي تعال في حضن أمك!» دموعها تنهمر من عينيها يكسوهما بريق الفرح، تعانق ابنها بذراعيها تضمه إلى صدرها، تضم الحلم والحقيقة، الروح والجسد، الوعي واللاوعي، تضمهم جميعًا بين ذراعيها الاثنتين.

هل فقدت أم إبراهيم عقلها أم أنها بلغت العقل؟ السؤال يلازمني، يروح ويجيء في رأسي، في الليل تحت ضوء الفانوس أفتح مفكرتي السرية وأكتب: أيكون العقل الحقيقي هو القدرة على فقدانه؟

في هدأة الليل، تحت ضوء القمر المكتمل بدرًا، تمددت مسعودة قرب الفجر، نام الجميع، كانت تهذي بصوت خافت يشبه حفيف الهواء، وجهها مغسول بالعرق الغزير، أوراق الشجر تلمع بقطرات الندى، العصافير في أعشاشها لم تنهض بعد، صوت مسعودة يسري في أذني من بعد الزمان والمكان كالحلم:

كان عمري عشر سنين، وكنت في المدرسة شاطرة ونفسي أبقى ضكطورة، مسكوني أبويا وأمي، وجوزوني غصب عني من ابن عم العمدة، راجل كبير أكبر من سيدي أبو أبويا، والناس كلها تخاف منه، أصله كان حرامي وقتال قتلا، قتل مراته، وعنده أولاد وبنات في مصر متجوزين ومخلفين، وكنت أقوله يا سيدي، وكان ينادي عليَّ في الظلمة وأنا نائمة ويقول قومي يا بت قامت قيامتك، أعمل نفسي مش سامعاه، وأهرب بره الدار في المزارع، كان زي العفريت يعرف أنا فين، يجيبني من سابع أرض، يشدني من ذراعي ويقول: لما سيدك ينادي عليكي يا بت تيجي على طول، قولي حاضر يا سيدي، يناولني كف على صدغي ويركب فوقي زي ما يركب الحمارة، ويكتم فمي بإيده عشان صوتي ما يطلعش، وكنت أموت يا ضكطورة وروحي تطلع وهو فوقي زي الجبل، وكان لازم قبل ما ينام أدلكه من فوق لتحت، يتمدد فوق الفراش وأنا تحت رجليه، يحط قدمه في بطني وأنا قاعدة متربعة، أدلك صوابعه صباع صباع، ومشط القدم أدلكه، يضربني بكعبه في بطني ويقول: ادعكي يا بت أوي، مالك خرعة كده؟ فين الأكل اللي بوكلهولك يا بت؟ يضربني بكعبه في بطني ويقول: الأكل بينزل يروح فين يا بت؟ افتحي يا بت رجليكي عشان أشوف الأكل بيروح فين؟ كان يغمي راسي بالجلابية ويقول: انطقي يا بت قولي الأكل بيروح فين، وأقول له ما اعرفش يا سيدي والنبي ما اعرفش، ربنا يخليك ويطول عمرك فيه حاجة بتحرقني زي النار، يقول لي بتحرقك فين يا بت انطقي، ما اعرفش يا سيدي والنبي ما اعرفش، كنت يا ضكطورة أحس حاجة زي النار في جسمي، ما اعرفش كان يمسك إيه في إيده، زي ما يكون عمود حديد أو رجل الكرسي الخشب، يضربني في بطني، لما أصرخ يضربني بكفه على فمي، يكتم نفسي بإيده، ويقول مش عاوزة تقولي الأكل بيروح فين يا بت، لازم أشوفه بيروح في أنهي داهية، لازم أجيبه يا بت من الحتة التايهة، عارفاها الحتة التايهة فين يا بت؟!

لم تكن مسعودة تصل إلى هذا الحد من حكايتها حتى يصيبها الإغماء، تفقد الوعي، تفقد النطق، تكسو عينيها نظرة مرعبة، تتلفت حولها، ناحية السماء، ناحية الأرض، ترفع ذراعها وتشهق: حوشوا عني العفريت! تتصلب عضلات وجهها، أشبه بنوبة صرع، تهدأ بعد قليل وتغط في النوم العميق مبللة بالعرق، في تشخيص المرض كتبت هذا التقرير:

المريضة مسعودة زيدان مصابة بمرض عصبي وتحتاج البقاء بالقسم الداخلي حتى يتم لها الشفاء تحت الرعاية الطبية، أنصح بعد شفائها ألا تعود إلى بيت زوجها، فهو سبب المرض، يكبرها بواحد وخمسين عامًا، يضربها كل ليلة ويغتصبها جنسيًّا من الخلف وهي ساجدة تصلي لله، أرغمها أبوها على الزواج منه وهي في العاشرة من العمر، كانت تظن أنه الإله، بعد أن كبرت قليلًا تصورت أنه الشيطان أو العفريت الذي يركب النسوة في القرية، بالكشف الطبي عليها اتضح أنها مصابة بالتهابات مزمنة وقروح في فتحة الشرج، ناتجة عن العنف في إدخال العضو الذكري لرجل كبير داخل جسد طفلة صغيرة، وتكرار هذا العنف كل ليلة لمدة ثمانية أعوام، لم تعرف الزوجة وهي في الثامنة عشرة من عمرها كيف تخرج من أزمتها إلا عن طريق المرض العصبي إذ ارتد الخوف المكبوت على شكل عفريت.

– «والنبي يا ضكطورة تخليني هنا على طول، إلهي ربنا يطول عمرك.»

هذا هو صوت مسعودة بعد أن تماثلت للشفاء، القروح والجروح التأمت، أصبحت تمشي في ردهات القسم الداخلي تتحدث مع الممرضات، لأول مرة يرينها تبتسم، أشرق وجهها بالأمل، جاء زوجها يستلمها من المستشفى، أغلقت على نفسها باب غرفتها، هددت أن تحرق نفسها، زوجها سمين الجثة له كرش تحت الجبة من السكروتة، يلف رأسه بعمامة خضراء، في يده مسبحة صفراء، يبسمل ويحوقل ويسعل بصوت المصابين بالربو، يخرج من جيبه بخاخة يلصقها بفتحتي أنفه الواسعتين.

– مسعودة مراتي يا ضكطورة لازم أخدها في إيدي ع الدار.

– اعقلي يا مسعودة وارجعي مع جوزك أنا أبوكي وقلبي عليكي.

– يا حاج زيدان البنت مش عاوزة ترجع، خليها على راحتها.

– على راحتها إزاي يا ضكطورة دي مراته على سنة الله ورسوله وإذا مارجعتش بالذوق يرجعها بالعافية ده راجل عارف ربنا والآنون.

كلمة الآنون باللغة العامية تعني القانون، زوجها كان يعرف حقه الشرعي، لم يكن للزوجة أن تخرج من بيت زوجها بدون إذن، إن خرجت يمكن أن يعيدها حسب قانون الأحوال الشخصية، إن رفضت العودة يمكن أن يطلب مركز الشرطة، يحملها رجال البوليس إلى بيت زوجها، يسمونه بيت الطاعة في القانون.

تحصنت بالطب لأبقي مسعودة بعيدًا عن زوجها، القانون أقوى من الطب، يستند إلى شرع الله، أصبحت كمن تصارع الله والشرع، لم يكن لي أن أتخلى عن مسعودة، سبق أن تخليت عن سعدية وشلبية، كنت طفلة بلا حول ولا قوة، اليوم أنا طبيبة الوحدة المجمعة، فهل أتخلى عن المسئولية؟!

لم تخرج مسعودة من المستشفى إلا بمجيء رجال البوليس، أخذوها بالقوة إلى بيت زوجها، كان معهم رئيس الوحدة الأستاذ خير الله، أرسل شكوى ضدي إلى المجلس الأعلى بالقاهرة، ثلاث صفحات فولسكاب، بالآلة الكاتبة، من ثلاث نسخ، واحدة لمكتب رئيس المجلس الأعلى فؤاد بك جلال، الثانية لمكتب الدكتور عبده سلام، أمين عام المجلس، الثالثة لمكتب رئيس الجمهورية، قرأت الشكوى بعد عام كامل في القاهرة بمكتب الدكتور عبده سلام، ملخصها الآتي: «الدكتورة نوال السعداوي طبيبة وحدة طحلة المجمعة بمحافظة القليوبية تظهر ازدراء للقيم والآداب العامة وتحرض النساء على التمرد على الشريعة الإسلامية والقانون.»

•••

هذه العبارة أصبحت هي التهمة الموجهة إلي، تحاصرني في كل عمل أقوم به، تَنْقَضُّ عليَّ في كل كلمة أكتبها، تطاردني في كل خطوة، تنتقل في دهاليز الحكومة من عهد إلى عهد، العام وراء العام، أربعين عامًا حتى اليوم.

لم أعرف حينئذ أن المدافعين عن القيم والآداب والشريعة هم المنتهكون لها في الواقع والحقيقة.

في بيت زوجها المطل على النيل عاشت مسعودة أسبوعًا واحدًا، في الأسبوع الثاني اختفت، بحث عنها البوليس أسبوعًا كاملًا، في القرى المجاورة والحقول، في محطات القطارات، في أقسام الشرطة، في المستشفيات والملاجئ، في بيوت الغوازي والعوالم، جاءوا إلى الوحدة فتشوا ركنًا ركنًا، دخلوا بيتي فتشوه، ثم ظهرت مسعودة طافية فوق سطح النيل، عثروا على جثتها عند الحدود ما بين قرية الرملة ومدينة بنها.

كان يومًا ترابيًّا أغبر، وقفت فوق الجسر داخل معطفي الأبيض، يداي إلى جواري مشلولتان، واقفة مثل النسوة المقهورات داخل الجلاليب السود، أرقب مسعودة ينتشلونها من مياه النيل، كالعروسة الصغيرة كانوا يلقونها للإله العجوز، عمره عشرة آلاف عام، لا يشتهي إلا العذراوات الصغيرات، تُزَفُّ الواحدة منهن إليه تحت اسم «عروس النيل»، يبتلعها كما ابتلع سيول المطر بعد ذوبان الثلوج في العصر الجليدي الأخير، يشق قلب أفريقيا عبر الصخور والصحاري والقفار، يجري مسافة ٦٨٢٥ كيلومترًا، يرتفع بالفيضان ليلة الثاني عشر من شهر بئونة، يسمونه يونيو، تسقط من السماء نقطة مطر واحدة فيفيض النيل، يسمونه ليلة النقطة، كانوا ينقشونها على الجدران منذ خمسة آلاف عام، باللغة الهيروغليفية يكتبون: «هذا هو الإله الذي يخرج من النيل ولا يجرؤ أحد على الكلام عنه.» كانوا يسمونه أوزوريس الطلسم ملك الموتى، يشعلون له المصابيح في الليل، يسجدون بين يديه، يبنون له البيت يسمونه المعبد، يقدمون الطعام ويذبحون له الوز والبط والحمام.

انتشلوها من بين ذراعيه العجوزين، رأيتها محمولة بين أذرع الرجال، جلبابها ملتصق بجسدها النحيف كالبوصة، أبوها وأمها وزوجها وأهالي القرية كلهم واقفون، من أين جاء كل هؤلاء الناس؟ سماء القرية رمادية، الرياح محملة بالغبار، أنا واقفة داخل معطفي الأبيض أنتظر، إلى جواري زينات والممرضات، رجال ونساء جالسون فوق الجسر ينتظرون، صوت الطاحونة ونباح كلاب من بعيد وعويل، نتف سحب رمادية تعبر سماء ميتة، كل شيء نائم شبه مخدر، صياد وحيد كان يرمي شبكته، يلمها يشمر جلبابه يأتي إلى الجسر يقف وينتظر، النسوة تَرَكْنَ الحقول والبيوت وجئن سائرات على أقدامهن المشققة، وقفن عند الجانب الخلفي من الجسر، عجوز تتكئ على عكازها، حزامها حول جلبابها، قدماها مسودتان، امرأة وحيدة تعيش في خص من قش تشد طرحتها حول رأسها، تسير نحو الجسر وهي تعصر عينيها الذابلتين، يلوح من تحت جلبابها كعبان ملطخان بالطين، رجال بالجلابيب الكاشمير والصداري الحرير أقبلوا يسيرون بكبرياء، أيديهم معقودة خلف ظهورهم، العيال الأولاد والبنات فضوا ألعابهم وجاءوا من الحارات والأزقة، وقفوا بعيدًا واجمين ذاهلين ينتظرون ظهور الجثة الطافية فوق النيل، كأنما ينتظرون ظهور العذراء مريم فوق قبة الكنيسة، أو ظهور المهدي المنتظر، جاءوا وأنا أيضًا جئت، واقفة داخل معطفي الطبي بلا حراك، في أعماقي أشعر بالذنب، عجزت عن إنقاذ مسعودة كما عجزت عن إنقاذ شلبية منذ اثني عشر عامًا، تركتها وحدها تواجه العالم، في بطنها الجنين السفاح، هل قذفت بنفسها من القطار؟ هل عادت إلى أهلها في الصعيد فقتلوها؟ أتتسول طعامها في شوارع القاهرة فوق كتفها طفلها؟ في أحد البارات أو بيوت الدعارة؟ في زنزانة بسجن النساء؟ في عنبر بمستشفى الأمراض العقلية بالعباسية؟

في ذاكرتي تعيش مسعودة وشلبية، توءمان متشابهان، أراهما من بعد الزمان والمكان، تطلان عليَّ من فرجة في السحب، الوجه النحيل الشاحب، البشرة السمراء بلون طمي النيل، العينان المملوءتان بالخوف وحزن الطفولة، الجسم الصغير الممصوص كالبوصة، راحت شلبية ضحية الاغتصاب غير الشرعي، وسعدية ضاعت من ذاكرتي كما ضاعت على شاطئ البحر الأبيض منذ سبعة وخمسين عامًا.

في المدرسة الابتدائية في منوف وقفت على خشبة المسرح، كنت في العاشرة من عمري ألعب دور الإلهة إيزيس، كانت ربة الحكمة والمعرفة، أعادت الحياة إلى جسد زوجها الميت أوزوريس، أمها الإلهة نوت كانت إلهة السماء، كتبت لها في الوصية قبل أن تموت: «لا أوصي ابنتي التي ستلي العرش من بعدي أن تكون إلهة لشعبها تستمد سلطتها من قداسة الألوهية بل أوصيها أن تكون حاكمة رحيمة عادلة.»

هذه العبارة منقوشة على الحجارة منذ سبعة آلاف عام، بالضبط عام ٤٩٨٨ قبل الميلاد، كيف انقلب الوضع في كتاب التوراة وأصبح الإله يستمد سلطته من قداسة الألوهية والوحدانية وليس من العدل والرحمة؟! وفي كتاب الله توقفت عند هذه الآية: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا، وبدأت أفكر كيف انقلب النظام في العالم ليصبح الشرك بالله أكبر الجرائم وليس الظلم؟

وجاءت الإشارة العاجلة من المجلس الأعلى للخدمات بالقاهرة مطلوب حضور الدكتورة طبيبة الوحدة المجمعة بقرية طحلة، وصدر القرار بلا تحقيق بنقل الدكتورة من وحدة طحلة إلى قسم الأمراض الصدرية بوزارة الصحة، لم يكن يذهب إلى القسم إلا الأطباء الراسبون في الامتحانات أو ذوو العاهات، تقذف بهم الوزارة إلى قسم أمراض الدرن الرئوي أو قسم الجذام أو الأمراض العقلية.

حملت طفلتي وحقيبتي وغادرت القرية، لم تودعني أم إبراهيم، حزمت متاعها القليل داخل صرة من الدمور: «أنا معاكي يا ضكطورة لآخر العمر.» فرحت أمي بعودتي إلى جوارها، لزمت الفراش بعد أن أقعدها المرض: «أيوه يا نوال خليكي معايا عشان تعالجيني.» فرح أبي بعودتي إلى البيت: «افتحي عيادة في ميدان الجيزة مستقبلك هنا مش في الوحدات الريفية.» فرحت صديقتي صفية: «أيوه يا نوال عشان نروح النادي سوا ونلعب تنس زي زمان.» حوطتني بطة بذراعيها تكركر بالضحك: «فلاحين إيه وزفت إيه خليكي هنا معانا نروح السينما والمسرح.» وسامية جاءتني في زيارة إلى بيتي: «وإنتي بعيدة يا نوال حسيت إني وحيدة، رفاعة هربان من البوليس؛ عاوز الوحدة الفيدرالية بين مصر والعراق، وعبد الناصر عاوزها اندماجية، وأنا وحدي في الأجزخانة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠