الفصل السابع

ليس لأمي مكان في الجنة

الحزن على أمي هو أكبر حزن في حياتي، يزداد مع مرور الأيام لا يخف كالأحزان الأخرى، أدخل إلى البيت وأسير إلى غرفتها، فجأة ترتطم عيناي بسريرها الخالي، لماذا يعجز العقل عن إدراك الموت في حينه؟ أتسكن الروح المكان فترة من الوقت بعد غياب الجسد؟ لا أؤمن بانفصال الروح عن الجسد، مع ذلك أتجول في غرف البيت أبحث عنها كأنما سأجدها، أفتح باب المطبخ، ودورة المياه، والحمام، غيابها يصدمني مع أنني أعرف أنها ميتة، ملابسها معلقة في الدولاب، فستانها الحريري الأصفر ذو الحمالات، علبة البودرة، قلم الروج والمكحلة، المشط المربع من العاج، تمشط به شعرها وهي جالسة أمام المرآة، تستدير حين تراني، تميل نحوي، أمد لها ذراعي، تتحول فجأة إلى اللاشيء.

فوق الجدار صورتها داخل برواز أسود، عيناها مرفوعتان، نظرتها مستقيمة، أنفها عال، أسنانها الأمامية بارزة، جبهتها مرتفعة، خطوط وجهها واضحة محفورة لا يمسها الزمن.

كانت تحلم بالعزف على البيانو، ركوب الخيل، ركوب الطائرة واكتشاف العالم، تزوجت في الخامسة عشرة من عمرها، ماتت في الخامسة والأربعين، لم تحقق شيئًا من أحلامها، كانت تصوم رمضان وتصلي أيام الامتحانات، تؤمن أن الله موجود، حين تمرض تنسى الله وتؤمن بالأطباء.

•••

صوتها يناديني في ظلمة الليل: يا، يا، يا نوااال يا دكتورة مش عارفة تشوفيلي علاج، أصحو من النوم، أمشي على أطراف أصابعي حافية، لا أريد أن أوقظ أبي، كان ينام في الصالة، ترك لها السرير العريض وغرفة النوم، وجهها يطل من تحت الملاءة بلون الملاءة، أكل السرطان عظامها على مهل، الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة، لم تعد تستطيع تحريك ذراعيها وساقيها، أرفع جسدها لأغير الفراش المبلل.

– الموت أهون يا نوال.

– أنا بنتك يا ماما وجسمك هو جسمي.

– لكن البول ده! لو كنت أمشي بس لدورة الميه!

أصبحت كالطفلة تبول وهي نائمة، تتأذى من بلولة فراشها، لا تطيق رائحة المرض، كانت شابة جميلة تتزين وتتعطر، ترى نفسها في المرآة أميرة، لا تخرج منها رائحة إلا معطرة، لا تعطس، إن عطست تكتم العطسة بيدها، لا تتجشأ، لا يصدر عن أمعائها صوت، جسدها لا يعرق، إن ظهرت قطرة عرق تمسحها بمنديلها الحريري، بشرتها ملساء لا ينمو عليها الشعر، إن نما تنزعه قبل أن تراه عين.

– يا نوااال هاتيلي سم أشربه عشان أموت إذا كان في قلبك رحمة.

قلبي مليء بالرحمة، فهل أقتل أمي؟ هل يفيض حبي لها فأنهي حياتها؟! في الحلم وأنا نائمة أبحث عن وسيلة للقتل بلا ألم، أيمكن أن أزيد لها جرعة المورفين إلى حد الموت؟! ستموت دون أن تشعر بشيء، هل أكون إلهة الموت مثل سخمت في مصر القديمة، كانت تقبض الأرواح وتشفي المرضى، القادرة على منح الحياة والصحة هي القادرة على القتل ومنح الموت والرحمة، كانت سخمت رئيسة نقابة الأطباء القديمة، ليس في مصر اليوم نقيبة للأطباء، زميلتها «معات» كانت إلهة العدل ورئيسة القضاء منذ سبعة آلاف عام، ليس في مصر اليوم امرأة قاضية.

– يا نوااال ارحميني من الألم …

أسمع نداءها في الليل والنهار، تطلب الموت والرحمة، أصبح الموت هو الأمل، هو الحلم البعيد المنال، أيمتلئ قلب ابنتها بالحب والحنان وتحقق لها الرائحة؟

ابنتها ممزقة بين حبها لنفسها وحبها لأمها، تتردد في قتلها بجرعة زائدة من المورفين، عملية سهلة بالنسبة لطبيبة مثلها، مجرد أن تملأ الحقنة بالسائل الشفاف، تغرز الإبرة في وريد الأم وتضغط على المكبس، حركة بسيطة لا تزيد على دقيقة أو دقيقتين، لكن يدها ترتعش أصابعها مشلولة، أيحق للطبيب أو الطبيبة إنهاء الحياة إذا انعدم الأمل في الشفاء؟ ما جدوى استمرار الجسد الممزق بالألم واليأس المطلق؟ قلبها يقول لا شيء مطلق لا شيء مائة في المائة، هناك ذرة شك في كل يقين، لا يقين إلا رحمة الله أو معجزة وهذه مشكوك فيها أيضًا.

وفي ليلة حين فاض بها الألم وفاض حب ابنتها لها أقدمت على إنهاء حياتها، قرار يحتاج إلى تضحية بالذات من أجل الأم، تضحية الابنة من أجل أمها لا يساويها إلا تضحية الأم من أجل أطفالها، هل كنت أرد دين الأمومة؟! وفشلت في المهمة! كان حبي لنفسي أكثر من حبي لأمي، تركتها تعيش مع الألم حتى ماتت وحدها بدوني.

حين ماتت أمي ماتت معها المدينة، أصبح الكون ميتًا، ألهذا كانت الأم مقدسة أو ملعونة في الكتب السماوية؟! يوم ٢٨ سبتمبر ١٩٥٨م ماتت أمي، كتبت في مفكرتي السرية أقول: «كأنما ماتت مدينة القاهرة مع أمي، كيف تتحول المرأة إلى مدينة؟ أهي المرأة الأولى في التاريخ؟»

أبدًا، ليست المرأة الأولى، مدينة بابل القديمة كانت امرأة ورد ذكرها في الكتاب المقدس، هي التي وقفت أمام الإله الذكر متحدية، أرادت أن تبني لأهلها مدينة لها برج رأسه عالٍ، جمعت سكان المدينة، جعلتهم قوة واحدة تبني وتعمل وتتكلم لغة واحدة، لماذا أصبح الإله مهددًا؟ لماذا كره العمل والوحدة بين الناس؟ لماذا حول المدينة إلى امرأة زانية وكانت هي الأم الكبرى الحانية؟! وهذه كلمات الله في التوراة: «فنزل الرب ينظر المدينة والبرج … وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم بعضًا، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة؛ لذلك دُعي اسم بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض.»

منذ المدرسة الابتدائية أتذكر هذه الكلمات، وأوصاف المرأة الزانية التي هي مدينة بابل، وصفها الإنجيل وصفًا دقيقًا حتى رسمتُها في حصة الدين، امرأة طويلة فارعة القامة مثل جدتي، «تجلس على العرش في السماء تمتطي الوحش القرمزي، زنى معها ملوك الأرض وسكر سكان الأرض من خمر زناها، تقول عن نفسها: أنا جالسة ملكة ولست أرملة ولن أرى حزنًا، وقد أمر الإله الرب أن يعطوها عذابًا وحزنًا وضربًا وموتًا وجوعًا وأن تُحترق بالنار؛ لأنه الرب الإله عيناه كلهيب النار وعلى رأسه تيجان كثيرة وهو متسربل بثوب مغموس بدم، ويدعى اسمه كلمة الله، من فمه يخرج سيف ماضٍ لكي يضرب به الأمم، وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب ملك ورب الأرباب.»

•••

حين ماتت أمي لم ألبس ثوبًا أسود، لم يكن عندي ثوب أسود، شغلني الحزن على أمي، لم يكن عندي الوقت لشراء الثوب الأسود، ولماذا اللون الأسود؟ يعلو الحزن فوق جميع الألوان، أرتدي ملابسي العادية لا أعرف ما لونها، لا أنظر إلى نفسي في المرآة، امتص الحزن الوقت واللغة، أصبح الصمت أبلغ من الكلام، أكثر النسوة صراخًا أقلهن حزنًا.

كانت هي خالتي هانم شكري، سمعتها تصرخ، من حولها أختها فهيمة ونعمات وأخريات من عائلة أمي، كانت في مقدمة الركب، مقبلة نحوي بجسدها البض داخل فستان أسود جديد من الحرير اللامع، يضيق عند الردفين ويكشف عن الشق العميق بين النهدين، عيناها مكحلتان، وظلال خفيفة فوق كل جفن، حاجباها المنتوفان مرسومان بالقلم الأسود على شكل قوسين، شفتاها مدهونتان بقلم روج «ناتوريل» طرحتها السوداء شفافة، تنحدر بميل إلى نصف الجبهة، تطل من تحتها خصلات الشعر المكوية، والحلق الألماظ يتدلى من الأذن، والعقد يحوط العنق، في يدها حقيبة يد تميل إلى اللون الداكن من جلد الثعبان، وفي قدميها حذاء من جلد الثعبان ذاته، له شريط رفيع يدور حول الرسغ، تشف نعومته من تحت جورب أسود شفاف، قدماها المقوستان تتأرجحان فوق الكعب الرفيع العالي.

– يا حبيبتي يا زينب كان بدري عليكي!

بهذه العبارة كانت تصرخ، صراخها جاف تخشى على الكحل أن تذيبه الدموع، لا تكف عن الصراخ، وإن كفت تطلق تنهيدة طويلة عميقة كأنما تخرج من المبيضين، تشد عنقها إلى أعلى كالمختنقة، تتنفس بعمق تلمع عيناها بالفرح، تشكر الله في سرها لأنه لم يأخذها إليه وأخذ أختها بدلًا منها.

أرادت طنط هانم أن تدخل إلى غرفة أمي الميتة، منعتها من الدخول، أغلقت الباب دونها، لا أريد أن ترى جسد أمي العاري، كانت أم إبراهيم تغسلها، قبل أن تلفها بالكفن الحريري، وقفت وراء الباب أصد عن أمي عيون الغرباء، هذه العيون اللامعة بالفرح، تتأجج بشبق الاستطلاع، تتحرق شوقًا لرؤية العورات.

لم تكن لجسد أمي عورة إلا الثدي الواحد كالإله ذي الثدي الواحد، هذا السر كانت تخفيه عن العالم، كأنما هي المسئولة عن غياب الثدي الآخر، تحشو الفراغ بالقطن كما كانت تحشو أثداء العرائس، يصبح لها مثل كل النساء ثديان، تمشي مرفوعة الرأس تختال بأنوثتها، لا أحد يراها إلا من الظاهر، لا شيء يحيرها إلا الظاهر، لا تصدقه كأنما هو الحلم، تخشى أن تفتح عينيها فتصحو.

اشتريت لأمي كفنًا حريريًّا أخضر، علامة الموت في سن الشباب، عشرة أمتار من محل إسلام باشا في ميدان الجيزة، لفتها أم إبراهيم بعناية، كالأم تلف طفلتها، تحبس دموعها حتى لا أراها، تبتسم في وجهي: «البركة فيكي يا ضكطورة وفي السيد بيه ربنا يعينه على فراقها يا رب.»

في عربة الموت السوداء جلست إلى جوار الصندوق، يسمونه النعش، داخله أمي، لم يكن لي أن أفارقها حتى يواريها القبر، هبطت أيضًا معها تحت الأرض أريد أن أرى أين تنام، مسحت التراب تحتها بكفي، نزعت الحصى وقطع الطوب الصغير، فرشت لها مهدًا من الأرض الناعمة، وضعت رأسي فوق صدرها، أذني تتحسس قلبها، كأنما سأسمع أنفاسها أو الدقات تحت الضلوع، لم يكن هناك إلا الجسد النائم داخل الحرير، بلا نبض بلا حركة، أتصحو بعد قليل؟ الظلمة داخل القبر كاملة إلا من ضوء خافت، ينبعث من الثقب فوق رأسي، تطل منه طنط هانم، في يدها مقص كبير، تناوله لي، صوتها يأتيني كأنما من عالم آخر: «لازم تقصي الكفن كويس يا نوال عشان ما حدش يسرقه.»

كانت السرقة شائعة في الدنيا والآخرة، يسرقون الموتى كما يسرقون الأحياء، يفتحون المقبرة في الليل، يأخذون الكفن الحريري، ينزعون من الميت أسنانه الذهبية، يسرقون عظامه بعد أن يتلاشى اللحم، قد يسرقون الجثة كلها بلحمها وعظامها، لتستقر في بيت أحد الطلبة الأثرياء في كلية الطب.

– يا طنط هانم فيه حارس بيحرس المقبرة في الليل.

– حاميها حراميها يا نوال، لازم تقصي الكفن، كل الناس بتعمل كده.

كانت الفكرة هي صنع عدد من الثقوب في القماش ببوز المقص، هكذا يحدث الإتلاف للكفن الحريري ولا يصلح للسرقة، أمسكت المقص بيد ثابتة كأنه المشرط، باليد الثانية أمسكت الكفن فوق صدر أمي، رفعته عن جسدها حتى لا يصيبها المقص، ارتطم بوز المقص بصدرها فارتعشت، تصبب العرق يجري فوق ظهري وأنا متكورة داخل القبر، سمعت صوت أبي يناديني: يا نوال اطلعي، امسكي في إيدي!

رأيت ذراع أبي ممدودة إليَّ من فوق رأسي، كالحبل يمدونه إلى قاع البئر، ينتشلون به الغرقى، أمسكت بأصابعي الخمسة في يد أبي وصعدت إلى سطح الأرض، أنفض عن ملابسي التراب، وجهي وشعري بلون التراب، جسدي يغطيه التراب، كالموءودة يخرجونها من القبر، قلبي تحت ضلوعي لا ينبض.

في البيت أخذتني أم إبراهيم إلى الحمام، غسلت عني تراب القبر، دلكت قدمي وساقي: «خالتك هانم دي زي التعابين، ناعمة من بره ومن جوه سكين، كان لازم هي اللي تنزل وتقص كفن أختها شقيقتها بنت أمها وأبيها، وهي ست كبيرة وجامدة لكن أنت يا ضنايا لسه صغيرة، كان بدري عليكي تشوفي كل اللي شوفتيه يا ضنايا … ربنا يعينك.»

في الليل أحاطتني بذراعيها، كنت أهذي بالحمى، راقدة في الفراش، أمد عنقي فوق الغطاء طلبًا للهواء مدفونة في الأرض أبحث عن ثقب للخلاص، جسد أمي داخل الكفن معه جسدي، كلانا جسد واحد لا ينفصلان، تحوطني ذراعاها تحت الكفن ثم تتركني لتموت وحدها، ثم تعود تمسكني وتحوطني، جسمها يصبح جسمي ثم ينفصل عني، أصبح أنا وحدي وهي جسم آخر منفصل، نلعب معًا تحت الكفن هذه اللعبة اللانهائية، الاتصال ثم الانفصال، ثم الاتصال والانفصال من جديد، كنا نلعبها في بحر الإسكندرية وأنا في الخامسة من العمر.

في منتصف الليل كنت أنهض من سريري، نسيت أن أمي ماتت، سمعت صوتها يناديني من غرفتها، أسير على أطراف أصابعي حتى لا أوقظها، في سريرها أبي نائم مكانها، كان ينام على الكنبة في الصالة وهي مريضة، فتح عينيه ورآني: صاحية ليه يا نوال؟

– الساعة كام يا بابا؟

– الساعة أربعة ونص يا نوال الفجر يا دوب طلع!

– ياللا يا بابا نروح نشوف ماما يمكن الكفن انسرق وبقيت عريانة!

قضيت عدة ليالٍ مؤرقة، جاء يوم الخميس ذهبت مع أبي لزيارة أمي في المقبرة، يسمونها القرافة، بالقرب من جبل المقطم اسمها «الغفير» بناها المرحوم جدي شكري بيه، من الحجر الأحمر، تشبه البيت الصغير، يحوطه حوش كبير وسور حجري، وباب حديدي صغير، له مفتاح في جيب الحارس، يرتدي جلبابًا طويلًا متربًا ويداه مشققتان، يشبه الحانوتي وفرَّاش المشرحة، يوم الخميس هو يوم زيارة الموتى، امتلأ الحوش الواسع بالكراسي الخيزران، جلست عليها النسوة من عائلة شكري بيه، الفساتين الجديدة السوداء من الحرير اللامع، الطرح الشفافة الهفهافة تنحدر في أنوثة ناعمة على الجبين، الشق بين النهدين يطل من فتحة «العنق» «الدي كولتيه»، رائحة البودرة والعطور الفرنسية، كلمات عربية ركيكة تنقلب فيها الضاد إلى دال والقاف إلى كاف، تتخللها بعض كلمات فرنسية أكثر ركاكة، يتهامسن بأخبار العائلة وآخر الفضائح، فلان ماشي مع فلانة وفلان اتجوز على مراته وفلانة ماشية مع فلان، ثم تفتح الواحدة منهن فمها عن آخره وتطلق الصوت: كان بدري عليكي يا حبيبتي يا زينب!

تستريح وتسترخي في المقعد ثم تطلق التنهيدة العميقة كأنما تشدها من قاع الحوض، تطلق سراح الحزن المتراكم في جوفها، تسري التنهدات في أذني وأنا واقفة، أخشى أن أقترب وإلا أصبحت واحدة منهن، تتراخى أجسادهن بعد عدد من الصرخات، يتمدد اللحم داخل الفساتين الضيقة، تنفرج الشفاه المدهونة بالروج، تفرد كلٌّ منهن ذراعيها تتمطى، ترفع وجهها نحو السماء تتلقى شعاع الشمس، تلمع عيناها بالسعادة لأنها لم تمت وغيرها مات، ثم تنهال بأسنانها على فطيرة الرحمة تأكلها عن آخرها.

كنت آخر من غادر المقبرة، أدور حولها وأعود، هناك شيء نسيته، أبحث فوق الأرض وفي الأركان، يرمقني الحارس بعينين ضيقتين، إحدى عينيه مغلقة تمامًا، العين الثانية نصف مفتوحة تبربش، هل أحكم إغلاق المقبرة؟! هل تسلل في الليل وسرق الكفن رغم الثقوب بالمقص؟ أسرق أمي كلها وباعها لفراش المشرحة؟

– افتح يا عم محمد عاوزة أشوف ماما!

– ما اقدرشي أفتح القبر يا ضكطورة.

– ليه يا عم محمد؟

– حرام نفتح عليها، ربنا في كتابه الكريم قال …

– ربنا ما له يا عم محمد؟

تدخل أبي بيني وبينه: «يا نوال، اطمئني، عم محمد راجل طيب ولا يمكن حد يقدر يقرب من المقبرة.» خرجت مع أبي من الحوش، أغلق الحارس وراءنا الباب، يرمقني بعين مفتوحة والثانية نصف مفتوحة تبربش، كانت له عين مغلقة تمامًا فكيف انفتحت؟ الشكوك تملؤني، أستدير وأنا أمشي لأرمق الباب الحديدي الصغير، أتوقف لحظة كأنما سأعود، يحثني أبي على مواصلة السير، أمشي إلى جواره حتى نهاية الزقاق، أستدير وألقي نظرة على الباب المغلق كأنما سيُفتح، كأنما الباب فعلًا سيُفتح وتخرج أمي عارية الجسد بلا كفن، أطرد الصورة عن عقلي وأسير إلى جوار أبي، خطوتي ثقيلة، والباب الحديدي لا يزال في عيني، في النوم أفتح الباب وأدخل، أحفر الأرض وأقفز داخل الثقب، أسقط في البئر فوق قدمي كما تسقط القطط، كانت المقبرة غويطة أكثر مما كانت، مظلمة شديدة الظلمة، سقفها منخفض، أحني ظهري وأنا أمشي، ذراعي ممدودة أمامي، في يدي كشاف أبحث بين الجثث عن أمي، عدد كبير من الموتى الملفوفين في الأكفان القديمة، رأيت المرحوم جدي والمرحومة جدتي وجميع الرجال والنسوة من عائلة شكري بيه، دست بقدمي على جمجمة تشبه الجمجمة الموجودة فوق مكتبي، لها شارب طويل يشبه شارب جدي، كدت أنكفئ فوق وجهي، لمحت كفن أمي الحريري الأخضر، ولمعة الحرير الجديد، ولأنني أعرف شكل جسد أمي، استداراتها الخاصة عند الكتفين والردفين، الثدي الغائب ناحية اليسار فوق القلب، نفضت الغبار عن صدرها الناعم، أحكمت الثوب الحريري الأخضر حولها، أغلقت النافذة والباب حتى لا تُصاب بالبرد، تركتها نائمة وأطفأت النور.

•••

– ماما رايحة الجنة يا نوال، الجنة تحت أقدام الأمهات.

صوت أبي يكلمني حين أفكر في مصير أمي، لم أعد طفلة أصدق كل ما يقوله أبي، أنا في السابعة والعشرين من عمري، طبيبة متعلمة، أعالج الأمراض، أعرف أن الموت حقيقة مثل الجسد، والجسد إن ذهب ذهبت معه الروح.

– وأين تذهب الروح حين تذهب؟!

من هذا السؤال بدأت رحلتي الطويلة داخل الخضم المقدس، المحاط بالغموض والتناقض، المتسربل تحت اسم صاحب الجلالة، أول الرحلة هذه العبارة من أربع كلمات «الجنة تحت أقدام الأمهات.» قال أبي إنها حديث من أحاديث الرسول — عليه الصلاة والسلام — بدأت أبحث في الأحاديث النبوية عن حقوق الأمهات في الجنة، لم أكن أبغي إلا الاطمئنان على مصير أمي، لم أتصورها داخل النار، عاشت وماتت من أجل زوجها وأطفالها التسعة، اشتغلت من أجلهم الليل والنهار بلا أجر إلا طعامها، خرجت من بيت أبيها إلى بيت الزوجية وهي طفلة، ماتت في عز الشباب، لم تعرف في حياتها رجلًا غير أبي، أخلصت له منذ ليلة زفافها حتى ليلة موتها، لم تشرب الخمر، لم تلعب الميسر، لم تدخن سيجارة واحدة، لم يكن لها أصدقاء رجال أو نساء، قضت عمرها ما بين غرفة النوم والمطبخ، ألا تستحق بعد كل ذلك أن تدخل الجنة؟!

في مكتبة أبي عثرت على مجلدات تحوي أحاديث الرسول محمد، كلها أحاديث صحيحة عن السيدة عائشة — رضي الله عنها — وعن الرواة من الصحابة والذين سمعوا الأحاديث من فم الرسول مباشرة دون وسيط، كانت هناك أحاديث مكذوبة يعرفها أبي، يُعلِّم عليها في هامش الكتاب، يكتب بخط يده «هذا الحديث عن أبي هريرة وهو حديث مكذوب.»

نشأت فكرة الحياة بعد الموت قبل الأديان السماوية الثلاثة، بدأها قدماء المصريين من الفراعنة، تصوروا أن الجسد حين يموت تخرج منه الروح، إن الروح الصالحة المطيعة لفرعون تذهب إلى دار النعيم، مع الملائكة والملوك والأمراء، الروح المتمردة العاصية تذهب إلى دار الجحيم مع الشياطين والعبيد من النساء والرجال.

كان فرعون هو الحاكم فوق الأرض وهو أيضًا الحاكم بعد الموت، هو الذي يحدد من يذهب إلى الجنة ومن يذهب إلى النار.

اندثر الكثير من أوصاف الجنة والنار عند قدماء المصريين، إلا أن النعيم في الجنة لا يختلف كثيرًا عما جاء في الكتب السماوية، الفاكهة اللذيذة والأرائك المريحة والأنهار تجري بالمياه العذبة والعسل الشهي واللبن الطازج، والخمر تجري كالأنهر داخل كئوس من الفضة والذهب، بعد شرب الخمر تأتي نشوة الجنس، هناك ترابط بين لذة فقدان العقل واللذة الجنسية.

عثرت بين أحاديث الرسول على حديث يصف الحياة في الجنة على نحو تفصيلي، أدهشتني التفاصيل الخاصة باللذة الجنسية، وهي لذة قاصرة على الرجال، يشتمل الحديث على هذه الفقرة، تصف علاقة الرجل في الجنة بالحوريات العذراوات ولكل رجل اثنتان وسبعون حورية.

يدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقه كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة يعني وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تمل إلا أن لك أزواجًا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إليَّ منك.

•••

أتقلب في الفراش مؤرقة، في الحلم أرى أمي تمشي في الجنة وحدها، ماتت في الخامسة والأربعين أمًّا لتسعة من العيال، ليست حورية عذراء ولا تريد أن تنقلب بعد كل هذا العمر إلى فتاة صغيرة بلهاء تقف في الطابور الطويل ضمن اثنتين وسبعين عشيقة لرجل واحد، تنتظر دورها لتدخل حيث يفض بكارتها وهي تبكي بالألم، وما إن يتمزق غشاؤها حتى يخلق الله لها غشاءً جديدًا، لا يلبث أن يتمزق مع الألم ليعود سليمًا من جديد، وهكذا يستمر عذاب الحوريات في الجنة، لا يقل عذابهن عمن دخلوا النار، كلما احترقت جلودهم يخلق الله لهم جلودًا جديدة لا تلبث أن تحترق ثم تعود سليمة من جديد، ويستمر العذاب الأبدي دون انقطاع.

سألت أبي ذات يوم: «أليس سيدنا محمد هو الذي قال: الجنة تحت أقدام الأمهات؟ لماذا إذن لم يرد حديث واحد له عن حقوق الأمهات في الجنة؟ لماذا لم ترد فقرة واحدة في القرآن أو التوراة أو الإنجيل عن حقوق النساء في الجنة؟»

موت أمي جعلني أفكر في حياتها داخل الجنة، عقلي لا يكف عن التفكير في هذا الموضوع، أعيد قراءة القرآن من الغلاف إلى الغلاف، لا شيء عن حقوق أمي في الجنة، كيف تكون الجنة تحت أقدام أمي؟ أتنقلب فتاة عذراء في ذلك الكابوس المرعب لإشباع شهوات الرجال؟! لا عمل لهم إلا شرب الخمر وممارسة الجنس مع أعداد غير محدودة من العذراوات البيضاوات البشرة؟!

كانت بشرتي سمراء بلون بشرة أبي وجدتي الفلاحة، ساورني الهاجس: أيقلب الله بشرتي فتصبح بيضاء بمثل ما يقلب أمي لتصبح عذراء؟

استمر البحث طويلًا دون جدوى، لم أعثر في الجنة على حقوق للنساء إلا حديث لأحد الفقهاء يقول: «ليس للمرأة في الجنة إلا زوجها.»

إذن لا بد لأمي أن تنتظر في قبرها حتى يموت أبي، لا يزال أبي مملوءًا بالقوة والصحة، جسمه ممشوق كما كان، خطوته فوق الأرض لم تتغير، أصابه الحزن بعد موت أمي، ارتدى ربطة عنق سوداء، بعد أربعين يومًا نزع من عنقه علامة الحداد، بدأ يهتم بهندامه، يقف أمام المرآة يسرح شعره يقصقص شاربه، يضع قطرات ماء الكولونيا تحت إبطه.

في قبرها كانت أمي تنتظره، ليس لها في الجنة إلا زوجها، الإخلاص الزوجي مفروض عليها في الدنيا والآخرة، تصعد أمي إلى الجنة بقلب ثقيل، تجلس وحيدة على السندس الأخضر.

تنتظر موت أبي، مات أبي بعدها بأربعة شهور فقط لحسن حظها، فرحتْ بموته، أسرعتْ إليه مفتوحة الذراعين، صوتها يتألق: «أهلًا يا سيد أخيرًا نجتمع في الجنة.»

هنا أتوقف قليلًا لأشرح موقف أبي، إنه رجل صالح مؤمن بالله والرسول، أخلص لأمي في الدنيا رغم أنه له الحق في أربع نساء، ها هو في الجنة له الحق في اثنتين وسبعين عذراء فهل يخلص لأمي؟

لم يكن الإخلاص الزوجي مطلوبًا منه في الدنيا فما بال الحياة الأخرى في الجنة؟ وإذا كان الله والرسول قد منحاه كل هذا العدد من الحوريات فلماذا يخلص لأمي؟ وماذا تفعل أمي في الجنة إذا انصرف عنها رجلها الوحيد؟

منذ موت أمي وأنا أكتب القصة، أعطيتها عنوان «ليس لأمي مكان في الجنة»، بعد أن ينصرف عنها أبي إلى العذراوات تفكر أمي في العودة إلى الأرض، ربما تكون الأرض أفضل لها من الجنة، على الأقل كان زوجها مخلصًا لا يخونها إلا في الحلم بالجنة.

قرأت القصة في الندوة الأدبية، كل أربعاء كانت الندوة تنعقد في عيادتي بميدان الجيزة، يحضرها عدد من الأدباء والشعراء، كانت هناك نهضة أدبية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات مع النهضة السياسية، كنا في ربيع العمر نتغنى بمبادئ الاشتراكية الجديدة، العدل والحرية وتكافؤ الفرص، مجموعة من الشباب والشابات، أطباء وطبيبات، أدباء وأديبات، شعراء وشاعرات، صحافيون وصحافيات، يملؤنا الأمل في المستقبل، شاركنا أيام الدراسة في المظاهرات الوطنية وإسقاط الملكية، إن عهد الجمهورية أمامنا، نشارك في صنعه، لنا دور في بناء المجتمع الاشتراكي الجديد.

كانت الندوات الأدبية لا تكف، نادي القصة في شارع قصر العيني، دار الأدباء، في الصحف والمجلات الجديدة تعقد الندوات، في وسط البلد في شارع شريف كان يحيى حقي يرأس تحرير مجلة أدبية جديدة، اسمها «المجلة» وفي مبنى روز اليوسف أحمد بهاء الدين يرأس تحرير مجلة الشباب الجديدة اسمها «صباح الخير»، وفي عيادتي كل أربعاء يجتمع شمل الأصدقاء والصديقات والزملاء والزميلات في مجال الطب والأدب.

بعد أن قرأت قصتي القصيرة «أمي ليس لها مكان في الجنة» دب الصمت، كان أحمد بهاء الدين حاضرًا تلك الندوة، مر عليه يوسف إدريس بسيارته الصغيرة الفولكس فاجن، تركب إلى جواره أهداف محمود، صحافية جديدة تتدرب في روز اليوسف، كانت صديقة لبهاء وهو رئيسها في المجلة، تتقرب منه بشكل ملحوظ، ترمقه بعينين صغيرتين غارقتين في الكحل مملوءتين بالإعجاب، ما إن ينطق كلمة حتى تصيح بصوت رقيق: «أيوه يا بهاء كلامك مظبوط.» يبتسم لها بشيء من الخجل، يتحرج من إعجابها به أمام الناس، يتفادى الجلوس إلى جوارها، يختار المقعد بجوار يوسف إدريس أو صلاح عبد الصبور أو صلاح جاهين، أو عبد الحليم عبد الله، أو أي رجل آخر، ينهمك معهم في الحديث عن جمال عبد الناصر وأنور السادات وكمال الدين حسين وغيرهم من رجال الثورة.

– القصة دي يا نوال لا يمكن نشرها في المجلة إلا بعد مئة سنة إن شاء الله.

– ليه يا بهاء؟

– موضوع الدين حساس جدًّا في بلدنا.

أكثر المتحمسين كان صلاح عبد الصبور، أعجبته الفكرة، يميل إلى الصمت في معظم الأحيان، بشرته سمراء بلون طمي النيل، عيناه واسعتان هادئتان لا تكشفان التمرد في أعماقه، رأيته ينهض واقفًا ويقول: «نوال السعداوي مسكونة بإرادة شيطانية لتسمية ما لا يمكن تسميته، أتوقع أن يشنقوها في ميدان التحرير لو نشرت هذه القصة!»

ضحك يوسف إدريس بصوته العالي، يقهقه ملقيًا برأسه إلى الوراء، يعاكس أحمد بهاء الدين بنوع من التحدي: «أنا لو مكانك يا بهاء لنشرت القصة وليكن ما يكون، يا جماعة لازم نتحدى الرقابة ونكسر التابوهات!»

انفعل أحمد بهاء الدين: «طبعًا يا يوسف اللي على البر شاطر، لو كنت أنت رئيس التحرير لا يمكن تنشر قصة زي دي، وأنا في المجلة كسرت تابوهات كثيرة، وأنت عارف كده يا يوسف! وأنا أول واحد في مصر نشر لنوال السعداوي، مع أن قصصها عبارة عن قنابل زمنية، فاكرة الرسالة اللي بعتها لك بالبريد وإنت في طحلة؟!»

– طبعًا فاكرة.

كانت رسالته مشجعة رغم أنه اعتذر عن نشر قصة مسعودة والعفريت، كنت أعاني حالة من الإحباط والحزن، منذ رأيتهم ينتشلونها من النيل، في الليل أرى جثتها راقدة إلى جواري في السرير، جاءتني الرسالة في البريد من أحمد بهاء الدين:

عزيزتي الدكتورة نوال السعداوي

أود أن أشكرك على هذه القصة البديعة، فهي جديدة تمامًا شكلًا ومضمونًا، إلا أنني لا أستطيع للأسف نشرها في المجلة، هناك اعتبارات خارج نطاق وضعي كرئيس التحرير، وأرحب بلقائك حين تأتين إلى القاهرة، عندنا أطباء يكتبون القصة القصيرة منهم يوسف إدريس ومصطفى محمود، أما الطبيبات فلا أعرف طبيبة تكتب القصة في مصر إلا أنت، ويسعدني التعرف عليك وأن ترسلي إلينا إنتاجك بصفة مستمرة.

الرسالة مكتوبة بخط اليد، حروفه صغيرة دقيقة لا تكاد تُرى فوق السطر، تنم عن الحذر والدقة، تخيلته رجلًا صغير الحجم صغير اليدين والقدمين، خطواته فوق الأرض حذرة، يتردد قبل أن يكتب.

حين التقيت به لأول مرة تطابقت الصورة في خيالي مع الحقيقة، رغم ذلك صدمتني الحقيقة، قامته بدت أقصر مما توقعت، نظارته الطبية تجعل له ملامح الأطباء وليس الأدباء، من وراء العدستين تكسو عينيه لمعة ذكاء، وشيء من الدهاء.

منذ التقيت به في أوائل ١٩٥٧م حتى مات في عام ١٩٩٦م أصبح أحمد بهاء الدين أحد أصدقائي، كان يمتلك حاسة أدبية عالية، شديد الحساسية إلى حد المرض، نختلف ونتفق، تمر الأعوام العام وراء العام دون أن نلتقي، فإذا التقينا دار الحوار بيننا كأنما لم ينقطع، كان في نظري أديبًا ضل طريقه إلى الصحافة.

أحيانًا كنت أنسى أنني طبيبة، يستهويني الأدب، تتغلب الأديبة على الطبيبة، إلا أن الصديقات والأصدقاء لا ينسون، ما إن يشكو أحدهم أو إحداهن المرض حتى يصبح فوق سرير الفحص، خاصةً أحمد بهاء الدين، كان يتوهم المرض دون أن يعرف أين يكون، أضع السماعة فوق قلبه لأسمع الدقات القوية تشق طريقها عبر القفص الصدري، يتطلع نحوي وهو راقد كأنما يراني لأول مرة، يضحك بصوته الخافت الخجول: ما كنتش أعرف إنك دكتورة بصحيح يا نوال!

في درج مكتبي الأسفل رقدت قصتي القصيرة «ليس لأمي مكان في الجنة»، ثلاثون عامًا رقدت القصة كالجثة الهامدة، لم تكن في مصر مجلة واحدة تستطيع نشرها، عثرت عليها بالصدفة في بداية عام ١٩٨٢م بعد خروجي من السجن، كنت أبحث في أوراقي القديمة لأكتب كتابي الجديد بعنوان «مذكراتي في سجن النساء»، أطلت عليَّ قصة أمي من بين الأوراق، انتشلتها من العدم، حذفت بعض العبارات التي تمس المحظورات، جعلت البطلة امرأة فقيرة سمراء لا تشبه أمي، فيها ملامح جدتي، تحلم بالجنة، وهي تسير تحت قرص الشمس في لهيب الصيف، مات زوجها وهي في ريعان الشباب، فأخلصت له في موته كما أخلصت في حياته، لم يمسسها رجل إلا زوجها، في القبر بعد موتها كانت تحلم بلقائه في الجنة، بعد أن صعدت إلى الجنة راحت تبحث عنه لم تجده في أي مكان، رأت بابًا مغلقًا تتسرب من ورائه تأوهات رجل ينتشي باللذة، دفعت الباب بلا صوت، رأت زوجها عاريًا في السرير مع واحدة من الحوريات، وطابور طويل من الفتيات واقفات ينتظرن دورهن، أغلقت المرأة الباب بلا صوت وعادت إلى الأرض، انتهت القصة.

– إيه الفرق بين الفنان والشخص العادي يا رجاء؟

– الفنان يتجاوز حدود المناطق المحرمة ولا تهمه النتائج.

– إيه هي المناطق المحرمة؟

– الثالوث إياه الدين والجنس والصراع الطبقي.

هذا الحوار يدور بيني وبين رجاء، إنه يفاجئني أحيانًا بهذه العبارات المضيئة، يقف في صفي حين يشتد الصراع في الندوات.

يساندني في لحظات الانطلاق وراء الحدود المسموح بها، يميل إلى السخرية أحيانًا: «تصوري نفسك يا نوال واحدة من اتنين وسبعين فتاة واقفة في الطابور على باب حمار مالوش شغلة غير تمزيق الأغشية؟!»

– يبقى جهنم أحسن من الجنة يا رجاء!

رغم السخرية أشعر بالمرارة، في أعماقي بقايا إيمان بالحياة بعد الموت، أتوقف عند هذا الرقم اثنتين وسبعين، لماذا هذا الرقم بالذات؟ وكيف يتمدد خيال الرجل الجنسي إلى هذا الحد؟! اثنتين وسبعين امرأة في ليلة واحدة وخيال المرأة يتقلص إلى ٧٢ / ١ من الرجل!

كان «رجاء» شاعرًا يؤرقه كثير من الأسئلة مثلي، في خياله امرأة واحدة لا يريد إلا هي، أحيانا أسأله: مين هي يا رجاء؟ يبتسم: «مش عارف اسمها، يا ريت أعرف اسمها، كلما امتلكنا القدرة على تسمية الشيء زادت سيطرتنا عليه.»

كان يطوف المكتبات بحثًا عن الكتب، كتب قصيدة عنونها «حواء ومريم العذراء»، كانت أمه ممثلة معروفة ماتت في حادث غامض وهو طفل صغير، كانت أيام الحرب في الأربعينيات، في الإسكندرية وقت ضربها بالقنابل، في الشرفة المطلة على الميناء كان البحر ينتفض تحت النيران، أمه واقفة ظهرها ناحيته، كانت تبكي، أبوه يدفعها من الخلف، لا يرى من أبيه إلا ظهره العريض الطويل، داخل الجلباب الأبيض، يشده من ذيل جلبابه «بلاش تزء ماما يا بابا!» يستدير أبوه نحوه بوجه رجل غريب «اسكت أنا مش أبوك!»

يتوقف رجاء عند هذه الذكرى، لا يعرف بالضبط ماذا حدث، هل ألقت أمه نفسها من الشرفة؟ هل أبوه هو الذي قتلها؟ لماذا كان ينظر إليه بتلك النظرة الغريبة ويقول: أنا مش أبوك؟ قبل أن تسقط أمه من الشرفة يسألها: مين بابا يا ماما؟ حوطته بذراعيها وهي تبكي: «أبوك هو ده يا حبيبي» في أعماقه كان يحس أن هذا الرجل الغريب ليس هو أباه.

– عاوز أقولك حاجة غريبة أوي يا نوال.

– إيه يا رجاء؟

– وأنا طفل كنت أمشي على شط البحر أبحث عن أبي في وجوه الرجال، وفي البيت أشوف أبويا كأن له وجهين، وجه حقيقي هو أبويا ووجه تاني هو زوج أمي، كانت أمي فنانة، أنا ورثت عنها كل صفاتها، كانت أمي شريفة لكن أي فنانة في بلدنا لازم تكون غير شريفة، أبويا كان ياخد فلوسها يصرفهم على واحدة تانية في سيدي بشر، ويرجع البيت يضربها ويقول إنها مش شريفة، كرهت أبويا وفكرت إني أقتله، كان عمري تسع سنين، كراهية أبويا هي اللي أوحت إليَّ بقصيدة «حواء ومريم العذراء»، كانت أمي في نظري وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية زي مريم العذراء بالضبط، لم يمسسها بشر إلا روح طاهرة من عند الله، مع ذلك أبويا يقول عليها ساقطة، زي أمها حواء.

أكاد أفهم ما يعنيه رجاء ولا أفهمه، تنتابني رغبة ملحة في المعرفة، كيف تحولت حواء في التاريخ إلى مريم العذراء؟ ما علاقة اللذة الجنسية عند المرأة بالمعرفة والإثم؟ كيف هبطت نوت إلهة السماء لتصبح فوق الأرض حواء الآثمة؟

كان رجاء مثلي مسكونًا برغبة المعرفة الآثمة، يريد أن يعرف كيف ماتت أمه، منتحرة أم مقتولة؟ قبل أن يرى المعركة بين أبيه وأمه كان يؤمن بالله والخير، أبوه كان هو الله والخير، ثم رأى المشهد العجيب، أبوه يضرب أمه حتى تنزف الدماء من أنفها، يدفعها من الخلف لتسقط من الشرفة، أكان حلمًا أم حقيقة؟ أمه ماتت وهو طفل، قالوا إنها ألقت نفسها من الشرفة، أبوه قال له: أنا مش أبوك، انقلبت السماء على الأرض منذ ذلك اليوم، أصبح للإله صورة أخرى، هي النقيض، كان يبحث مثلي عن الإلهة الأم، كيف اختفت الإلهة الأنثى من التاريخ، كيف تحولت الأم الطاهرة إلى الزانية الساقطة؟! الأسئلة الطفولية كانت تلح عليه، تحولت في شبابه إلى قصائد شعر، كان يقرؤها علينا في ندوات العيادة.

– من حواء إلى مريم العذراء كان التحول.

– في الأدب والشعر والدين.

– كان الخيال سليمًا في الحضارة القديمة.

– والروح داخل الجسد داخل العقل.

– انفصلت الروح منذ مقتل الأم.

– وانفصل خيال الرجل.

– أصبح أبي يقول لنفسه: أنا والله واللذة والشرف.

– وأمي تقول لنفسها: أنا الشيطان والألم والعار.

– انحدرت من ربه المعرفة.

– إلى العذراء بلا شهوة.

– من مبدأ اللذة إلى مبدأ الألم.

– سقطت جميع الأمهات.

•••

أصبح رجاء صديقي الوحيد بين الرجال، كان لي أصدقاء كثيرون، أطباء وفنانون وأدباء، لم يكن فيهم من يتحدث معي مثل رجاء، كلهم ذكور يتطلعون إلى الجالس في مقعد الحكم، يتطلعون إلى الطبقة العليا وإن تكلموا على الاشتراكية والعمال والفلاحين. يقسمون النساء إلى فئتين اثنتين: (١) عشيقات ملتهبات بالشهوة والعار. (٢) زوجات باردات بالاحترام والأمومة.

كنت في الثلاثين من عمري في أوج الشباب، طبيبة وأديبة معروفة، ممشوقة الجسم فارعة القامة، الرجال من حولي كثيرون كالذباب، ينجذبون إلى المرأة الحرة بلا رجل، خيالهم عاجز عن رؤية المرأة، هي في نظرهم واحدة من اثنتين: (١) زوجة مملوكة لرجل واحد. (٢) امرأة حرة مملوكة لجميع الرجال.

الخيال العاجز منذ التحول في التاريخ، يتنافسون من حولي على نحوٍ عجيب، يفكرون في أسرع الطرق للوصول إلى غرفة النوم.

كان عقلي أمامهم كالباب الموصد، يسد عليهم الطريق، يَحُول بينهم وبين جسدي، كلمة عشيقة ترن في أذني مهينة، كلمة زوجة لا تقل مهانة، لم يكن لرجل أن يتملكني وإن كان رئيس الدولة، لا أمسح اسمي لأحمل اسمه وإن كان هو الإله المعبود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠