الفصل الثامن

موت أبي

بعد موت حنا لم أعد أؤمن بالعلاج الباطني، انتقلت إلى قسم الجراحة بمستشفى الأمراض الصدرية بالجيزة، تدربت على العمليات الصعبة، أصابعي الطويلة رفيعة عظامها قوية، هي الأصابع المطلوبة للإمساك بالمشرط، أساتذة الجراحة يتساءلون: كيف تكون المرأة جرَّاحة؟ هذا المجال للرجال الذكور مثل الجزارة، لم أفهم ما الفرق بيني وبين زميلي الطبيب، أصابعه ترتعش حول المشرط وأصابعي ثابتة، أفتح الضلوع دون أن يطرف لي جفن، أستأصل فص الرئة المصاب بالدرن أو الرئة كلها إن كانت مصابة، يعيش الإنسان برئة واحدة حياة طبيعية، الجسد له قدرة خارقة للتعويض عما يفقده.

عامان قضيتهما داخل غرفة العمليات، في بحور من الدم، لا تفارقني الرائحة حتى في النوم، رائحة الإثير واليود وأنفس المرضى، أقف في اليوم الواحد سبع ساعات، أقطع في لحم الناس، تورمت قدماي من طول الوقوف، أصابتني الآلام في العمود الفقري، عاد إليَّ الشحوب والهزال، يؤرقني الألم، أسعل طول الليل، يأتيني صوت أبي الميت من بطن الأرض «اشربي الدوا يا نوال.» تفتح أم إبراهيم عينيها من عز النوم، أكانت تسمعه هي الأخرى؟ تسقيني اللبان الدكر المغلي، تضع قدمي في الماء الساخن والملح، تدلكهما بين يديها الكبيرتين: «حرام عليكي نفسك يا ضكطورة ريحي جسمك شوية.»

– «يا ريت يا أم إبراهيم آخذ إجازة لنهاية العمر، مش عاوزة أشوف عيانين، مش عاوزة أشوف دم، مش عاوزة أروح المستشفى، مش عاوزة أروح العيادة، عاوزة أكتب أكتب أكتب وبس!»

أجهشت بالبكاء وأنا أصرخ: «عاوزة أكتب أكتب أكتب وبس! كان غلط إني أدخل الطب يا أم إبراهيم! خلاص مش عاوزة أروح المستشفى!»

هل كنت أمزق شعري وأنا أصرخ، حاطتني أم إبراهيم بذراعيها كالأم تحتضن طفلتها، صوتها القوي يرن في رأسي: «بلاش تروحيها يا ضكطورة، تروح المستشفى في ستين داهية!»

تشوح بيدها في وجه القضاء والقدر: «في ستين داهية المستشفى.» صوتها يشبه صوت جدتي الفلاحة، كفها الكبيرة وهي تشوح في وجه العمدة، صوت أبي وهو يلقي بالتقرير في وجه الناظر: «في ستين داهية وظيفة الحكومة!»

هذه اللحظة يصحو العملاق الراقد في أعماقي ينتفض واقفًا متأهبًا لفعل أي شيء، تتملكني قوة خارقة للعادة، يلتحم جسدي مع روحي مع عقلي في كيان واحد، عاقل ومجنون، من النار والطين، إرادة شيطانية أو إلهية، أيهما أقوى، روح أبي الميت تنهض، روح أمي في قبرها تصحو، روح جدتي وأمها الغزاوية والعامرية التي تمردت على رسول الله ونفرتيتي وحتشبسوت وعشتار وتوت وإيزيس حتى الآثمة الأولى حواء، كلهن يتجمعن داخل جسدي في روح واحدة يستحضرها صوت أم إبراهيم وهي تشوح بكفها المشققة الضخمة في وجه العفاريت الجن: «في ستين داهية الدنيا والآخرة كمان.»

لحظة الاستغناء المطلق، الانعتاق الكامل، تكررت هذه اللحظة في مراحل مختلفة من حياتي، أنقذني الاستغناء من الاستعباد، ينطلق صوتي عاليًا يصل إلى السماء: في ستين داهية الدنيا والآخرة، أنا حرة أعمل اللي أنا عاوزاه واللي يحصل يحصل!

– الساعة سبعة يا ضكطورة والنهاردة سبعة في الشهر والمرحومة أمي كانت دايمًا تقول السبعة كلها خير وبركة.

تفاءلت بالرقم سبعة كأنما بالعدوى، نتيجة الحائط تشير إلى يوم السبت سبعة من شهر سبعة «يوليو» عقارب الساعة تشير إلى رقم سبعة.

أهي مجرد صدفة أم حلقة متصلة في التاريخ منذ آلاف السنين؟! ولماذا كان رقم سبعة مقدسًا؟ في مدينة بابل القديمة كان عدد الآلهة سبعة، في مصر القديمة كانوا يغنون للسبع سواقي، السماوات عددها سبعة والأرض من سبعة طوابق، أعمار الإنسان سبعة، والخطايا السبعة، وفي التوراة قتلت سارة ابنة طوبيا أزواجها السبعة، وفي الإنجيل المرأة في السماء لها سبعة رءوس، وسيوف الحزن السبعة في قلب العذراء، وفي القرآن السبع بقرات والسبع سنابل خضر ويابسات، والبحر يمده الله سبعة أبحر، ويمتد التقديس من سبعة إلى سبعين، فالمسيح له سبعون تابعًا، وفي الجنة لكل رجل اثنتان وسبعون حورية عذراء.

•••

هذه اللحظة كنت واقفة أمام المرآة، عيناي تتأججان بالبريق، ابتسامة تحوم حول شفتي في استحياء: هل أؤمن بأساطير الأولين؟! أيمكن أن أتفاءل بالرقم سبعة مثل أم إبراهيم؟

رفعت وجهي إلى ساعة الحائط، إنها السابعة وسبع دقائق بالضبط، تضاعف التفاؤل ومعه البريق اللامع، اندفعت إلى الشارع بقوة ليس لها اسم، ركبت الأتوبيس، وجدت نفسي داخل وزارة الصحة في شارع مجلس الأمة، واقفة بقامتي الفارعة المشدودة في قلب مكتب الوزير.

– لازم أقابل الدكتور نور الدين طراف دلوقتي حالًا!

– حاضر يا فندم!

انتفض مدير المكتب واقفًا، لم يسمع هذا الصوت من قبل.

هذا الصوت لا يصدر عن الموظفين في الحكومة أو الموظفات، وليست هي لهجة الأطباء أو الطبيبات، ولا هي لهجة الضيوف من خارج الوزارة، صوت ينم عن جسارة لم يعرفها في النساء أو الرجال.

قامتها المرفوعة وعيناها المشتعلتان بنار سوداء، أتكون مبعوثة من مكتب رئيس الجمهورية؟! حركتها توحي أنها قادمة لتوها من عند جمال عبد الناصر.

– أقول له مين يا فندم؟

– الدكتورة نوال السعداوي.

نطقت الاسم كأنما هو اسم إلهة السماء نوت، روح الإلهة الأنثى هي التي نطقت الاسم، هي التي تحمل رأسي عاليًا فوق عنقي، لعبت دور الإلهة إيزيس على خشبة المسرح في المدرسة الابتدائية، لم تغادر جسدي روحها الإلهية، ترقد في السرداب العميق بين القلب والحجاب الحاجز، إن أقلقها شيء تهب من نومها كالمارد يستيقظ.

– اتفضلي يا فندم استريحي دقيقة واحدة، السيد معالي الوزير عنده ضيوف أجانب، أول ما يخرجوا حاديله خبر إن سيادتك موجودة، تحبي تشربي إيه؟!

– فنجان قهوة مضبوط!

دق الجرس إلى جوار مكتبه، ظهر على الفور الساعي، رجل عجوز يرتدي بدلة صفراء باهتة، أزرارها واقعة، ظهره محني، وجهه متغضن يشبه المومياء، أكان ساعيًا منذ نشوء أول حكومة مركزية في عهد الملك مينا؟

– فنجان قهوة مضبوط لسعادة الدكتورة.

– حاضر يا فندم.

الغرفة طويلة ضيقة نوعًا ما، تشبه الغرف في القطارات، الكراسي من نوع «الفوتيي» الكبير، وكنبة طويلة تبتلع الغرفة، المكتب ضخم يحتل المساحة الباقية، حجم مدير المكتب ضخم أيضًا، ليس فارع القامة لكنه ممتلئ باللحم، محشور في المقعد وراء المكتب، رأسه كبير أصلع، تعلوه صورة لجمال عبد الناصر داخل برواز ذهبي، لا تكف الأجراس عن الرنين، يرفع السماعة ويرد قبل أن يسمع الصوت عبر الأسلاك: أرجوك كلمني بعد ساعة مشغول دلوقتي! يرفع سماعة أخرى: حاضر يا فندم حالًا يكون التقرير عند سعادتك! ويرن جرس آخر فإذا به ينتفض واقفًا، يرفع السماعة بيد مرتعشة: حاضر يا معالي الوزير!

ينزلق جسده من وراء المكتب كالصابونة أو الشعرة تخرج من العجين، يتوقف لحظة أمام باب جانبي مبطن بالجوخ الأخضر، يلتقط أنفاسه، يساوي الشعرات القليلة فوق الصلعة، يزرر الجاكتة بأصابع منتفضة، يعدل ربطة عنقه لتصبح تحت ذقنه، يدفع الباب بيد رقيقة حانية، يدخل رأسه فقط، ثم النصف الأعلى من الجسم، يظل النصف الأسفل خارج الباب، ردفاه سمينتان كردفي الزوجة المطيعة القعيدة في البيت، ينزلقان داخل الباب الأخضر بلا صوت مع ساقيه وقدميه.

بعد دقائق قليلة يخرج من الباب الأخضر ذاته، يندفع جسده كله خارجًا من الباب كالصاروخ، يلهث قليلًا، في يده أوراق كثيرة، تبدو على ملامحه الأهمية، يشخط في مساعده الذي يظهر فجأة: الدوسيه ده حالًا يروح للبيه الوكيل! يبتسم في وجهي علامة الإيجاب.

– تفضلي يا دكتورة، معالي الوزير في انتظارك.

الغرفة الواسعة والمكتب الضخم والجدران المنقوشة والسجاجيد العجمي والنجف المتدلي من السقف، كلها تذكرني بأول مرة أدخل سراي عابدين بعد مظاهرة عام ٤٦، وأول مرة أدخل مكتب عميد كلية الطب، الدكتور مصطفى عمر لأحصل على مجانية التفوق عام ١٩٤٩م، وأول مرة أدخل إلى القصر الفخم في شارع قصر العيني حيث كان المجلس الأعلى للخدمات عام ١٩٥٧م، أصبح اليوم مجلس الشورى، والمكاتب الفاخرة الأخرى رأيتها على مدى الأربعين عامًا الماضية، وقصر العروبة في مصر الجديدة، قابلت فيه رئيس الجمهورية بعد خروجي من السجن في نهاية خريف ١٩٨١م.

هذه القصور الفاخرة منذ السلاطين والملوك الفراعنة، المكاتب ضخمة كالتوابيت تتحنط داخلها أجساد الحكام والوزراء، كالقبور الواسعة المزركشة، مملوءة بالذهب وهيبة الحكم، كالأهرامات يجلس على قمتها الإله يرقد تحتها فرعون.

كان الوزير جالسًا وراء مكتبه الضخم، رابضًا كالأسد في عرينه، رأسه مربع ثابت كأبي الهول، فوقه صورة جمال عبد الناصر داخل برواز ذهبي عريض، كلمة «الله» منقوشة بماء الذهب إلى جوارها فوق الجدار، عبارة منقوشة فوق المكتب «الصبر مفتاح الفرج»، «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.»

وقف وهو يصافحني، طويل القامة عريض، يده كبيرة قوية يشد بها على يدي، أكاد أعرف الرجل من الطريقة التي يصافحني بها، مستقيم الأخلاق لا يعرف الالتواء، يصافحني كما يصافح الرجل رجلًا، عيناه تنظران إليَّ في خط مستقيم.

– قريت لك يا دكتورة نوال قصة في مجلة نقابة الأطباء، عندك موهبة أدبية زي الدكتور كامل حسين أستاذ العظام، له قصة جميلة اسمها قرية ظالمة، يا ترى قرأتيها؟

آخر ما كنت أتوقعه أن يدور الحديث حول الأدب في أول لقاء لي مع وزير الصحة، يرفعني الأدب فوق الأطباء والموظفين في الحكومة، يسترخي جسدي في المقعد، أضع ساقًا فوق ساق، أشعل سيجارة، أنفث الدخان من أنفي حتى السقف، عيناي تشردان بعيدًا في الأفق، تتجاوزان رأس الوزير ورأس جمال عبد الناصر داخل البرواز، الأدباء في نظر أبي كانوا يرتقون عن الملوك والوزراء، الوزير يأتي بقرار ويذهب بقرار، الأديب لا أحد يعينه ولا أحد يخلعه.

– وإنتي فين يا دكتورة نوال؟

– في الأمراض الصدرية يا دكتور طراف.

– اشمعنى الصدرية يعني؟

– «عمتي بهية في كفر طحلة ماتت بالسل، كان عندي أمل أني أكتشف علاج يقضي على الدرن الرئوي، حلم طفولي انتهى تمامًا.»

ضحك الدكتور نور الدين طراف، أدركت من الطريقة التي يضحك بها أنه يائس مثلي في جدوى وزارة الصحة أو أي وزارة أخرى في الحكومة، منذ جاءت الثورة وهي ترفع شعار «هز الجهاز الحكومي.»

– الحكومة دي ما فيهاش فايدة يا دكتورة نوال، جمال عبد الناصر راجل وطني مخلص لكن حواليه طبقة عازلة عزلته تمامًا عن الناس.

إذا يئس من حكومته الوزير فمن يكون عنده أمل؟ أليس الوزير جزءًا من النظام؟

– إذا عجز الوزير عن اختراق الطبقة العازلة فمن يستطيع؟!

– المشكلة أن الطبقة العازلة من أهل الثقة، لكن وزير الصحة ليس إلا من أهل الخبرة.

كأنما أطل على القاهرة من قمة هرم خوفو، عقلي يتفتح لمعرفة جديدة، تسري لذة المعرفة في جسدي، أشعر بالسعادة، عرفت شيئًا جديدًا اسمه الطبقة العازلة، وشيء آخر اسمه أهل الثقة، وشيء ثالث اسمه أهل الخبرة، بدأت أفكر كيف يشتغل جهاز الدولة.

مع اللذة يسري شعور آخر يشبه الإثم، هل عرفت شيئًا لا يصح أن أعرفه؟ سرًّا من أسرار الحكم؟ الثمرة المُحرَّمة فوق شجرة المعرفة؟

أصبح الدكتور نور الدين طراف صديقي منذ أول لقاء، يحدثني كأنني أحد الزملاء، يفتح قلبه، يحكي لي عن فساد الحكم الملكي، كان يحلم بتغيير النظام، دخل الحزب الوطني، لم يكن الطب هدفه وإنما السياسة والحكم، كان من المقربين لجمال عبد الناصر، لكن الطبقة العازلة أبعدته إلى وازرة الصحة، ثم خلعته عن الوزارة بعد قليل، رفسته إلى أعلى كما يقولون، أصبح مستشارًا لرئيس الجمهورية، ومسئولا عن النقابات المهنية في الاتحاد الاشتراكي، مناصب ضخمة بلا مسئولية، يجلس بلا عمل إلى مكتب فخم داخل القصر المطل على النيل، اسمه الاتحاد الاشتراكي، الحزب الوحيد الذي انضم إليه جميع الموظفين في الحكومة بالأمر.

التقيت بالدكتور نور الدين طراف ثلاث مرات، المرة الأخيرة قبل أن يموت بفترة قصيرة، كان يسكن في شقة تطل على النيل في حي العجوزة، في البلكونة الزجاجية المستديرة بالدور الأول جلسنا، كان حزينًا شاحبًا بعد هزيمة ١٩٦٧م.

– الثورة دي خيبت آمالنا فيها يا دكتورة نوال، كان ممكن عبد الناصر ينتصر في الحرب ويحرر البلد، لكن المشكلة الناس اللي حواليه، كان لازم الجيش ينهزم إذا كانت القيادة في إيد عبد الحكيم عامر، وكان لازم الاتحاد الاشتراكي يفشل ومجلس الشعب يفسد إذا كانت القيادة في إيد أنور السادات!

•••

كان الدكتور نور الدين طراف هو الذي أصدر القرار بنقلي من الأمراض الصدرية إلى الثقافة الصحية بوزارة الصحة، أدركت من عملي في الريف والمدينة أن الوقاية خير من العلاج، «وأن درهم وقاية خير من قنطار علاج» مثل شعبي يجري على ألسنة الناس، لا يمكن إبادة البلهارسيا دون أن يكف الفلاحون عن التبول في مياه الترع، وهذا يقتضي حملات من الثقافة ورفع الوعي، لا يمكن إبادة الدرن الرئوي دون أن يتعلم الناس كيف ترتفع مناعة الجسم، كيف يمكن القضاء على الثالوث المزمن: الفقر، الجهل، المرض.

كلمة الثقافة الصحية قريبة إلى قلبي، ترتبط كلمة الثقافة في خيالي بالأدب والكتاب، أصبح لي مكتب في وزارة الصحة، كان الدكتور نور الدين طراف قد خرج من الوزارة، جاء الدكتور النبوي المهندس وزيرًا للصحة، كان أستاذًا في طب الأطفال، يؤمن بالعلاج أكثر من الوقاية.

كلمة الثقافة تحولت إلى كلمة الإعلام، يتنافس الوزراء على نشر صورهم مع تصريحاتهم عن الاشتراكية، دخل جهاز إعلامي جديد إلى مصر اسمه التليفزيون، يتسابق إلى الظهور فيه المسئولون في الحكومة، لم يعد العمل في الميدان هو مقياس النشاط، بل الظهور فوق الشاشة الصغيرة، عدد مرات النشر في الصحف، حجم الصورة المنشورة والمساحة وكمية الكلام.

اصطدمت بوزير الصحة الجديد، تخصص في أمراض الأطفال، لا يعرف شيئًا عن الطب الوقائي، يريد تحويل قسم الثقافة الصحية إلى قسم الدعاية للوزير.

– أنا آسفة يا دكتور مش شغلتي.

– إنتي موظفة في الوزارة وأنا الوزير، عليكي تنفيذ التعليمات.

– أنا آسفة يا دكتور! أنا دكتورة مش موظفة!

كلمة «موظفة» أو «موظف» ترن في أذني محملة بالإهانة، لها تاريخ سيئ منذ طفولتي، كان يكفي أن يقول أبي: فلان «موظف» لأدرك أنه ممسوح الشخصية، مسحوق بالعبودية، واجبه الطاعة مثل النساء في بيوت الزوجية.

منذ الفراعنة يحتل «الوزير» مركزًا مرموقًا في الدولة، كلمة «وزير» تخلع القلوب، تخلخل المفاصل، إذا ابتسم الوزير في وجه موظف ابتسمت له الدنيا والآخرة، وإن كشر الوزير في وجه أحد كشرت له الأرض والبشرية والسموات السبع.

أصبحت أجلس إلى مكتبي في الوزارة بلا عمل، كان الوزير غاضبًا علي، غضب الجميع لغضبه، أصبحت المنبوذة من بوذا المقدس، لا أحد يبتسم في وجهي لا أحد يُقرئني السلام.

كان يشاركني غرفة المكتب مدير الإدارة، الدكتور إبراهيم الشربيني، تربطه بالوزير علاقة خاصة، زمالة قديمة في نقابة الأطباء أو شيء من هذا القبيل، أصبح الدكتور إبراهيم الشربيني شخصية هامة في الوزارة، يجلس إلى مكتب ضخم يبتلع نصف مساحة الغرفة، في النصف الآخر مكتبي الصغير يشبه منضدة المطبخ، يجاوره مكتب آخر صغير يجلس إليه طبيب من أعوان الدكتور الشربيني اسمه الدكتور صلاح، تربطه بالدكتور الشربيني علاقة خاصة، يتقرب الموظفون إليهما بسبب علاقتهما الشخصية بالوزير، يزدحم المكتب بالزوار طوال النهار، لا يوجد بالغرفة إلا كنبة جلدية واحدة تكفي أربعة أشخاص، بقية الضيوف يقفون على أقدامهم أمام مكتب الشربيني، يتصايحون ويضحكون ويقهقهون، أعلاهم صوتًا هو المدير الدكتور الشربيني، يتطرق الحديث إلى نقابة الأطباء والانتخابات القادمة، يلقي عليهم الدكتور الشربيني خطبة رنانة عن الميثاق الاشتراكي الجديد لعمل النقابة والوزارة.

كان وجودي بالمكتب مثل عدم وجودي، لا ورقة واحدة تصل إلى مكتبي من عند المدير، فهو يعمل كل شيء وحده، يتلقى وحده البريد من مكتب الوزير والإدارات الأخرى، لا يشرك معه إلا صديقه الدكتور صلاح، وأنا جالسة إلى مكتبي أتفرج على ما يحدث.

بدأت أكتب القصص القصيرة في المكتب، إلا أن الأصوات العالية تقطع حبل التفكير، ورنين جرس التليفون فوق مكتب الدكتور الشربيني لا يكف عن الرنين، والساعي عم حسين يدخل ويخرج حاملًا فناجين القهوة، يشربها الضيوف وهم واقفون، منهم أساتذة في كلية الطب، يريدون مقابلة الوزير، لا أحد يمكنه ترتيب اللقاء إلا صديقه الحميم الدكتور إبراهيم الشربيني، أهم الشخصيات التي تفد إلى مكتبنا هي مذيعة التليفزيون، شابة كاملة الزينة والماكياج، تتأرجح فوق الكعب العالي، تقلب الراء إلى غين مثل صديقتي بطة، تدخل من باب الوزارة كالأميرة، يحف بها الموظفون والسعاة، يترك الدكتور الشربيني الضيوف جميعًا ويصعد بها إلى مكتب الوزير، يدخل بها إلى الوزير مباشرة من الباب الرئيسي الأخضر دون المرور على مدير مكتبه، يطرد الوزير أعضاء اللجنة الطبية إن كانت هناك لجنة، تدخل كاميرات التليفزيون، يضع الوزير الماكياج، يبتسم للشعب المصري وهو يدلي بالتصريحات الهامة عن المشروعات الصحية الاشتراكية الجديدة.

مكتب الوزير في حالة طوارئ، اللمبة الحمراء مشتعلة فوق الباب الرئيسي، والباب الفرعي، مدير مكتب الوزير يمنع الدخول: «السيد معالي الوزير عنده تسجيل في التليفزيون.» كلمة التليفزيون ترن في الجو مهيبة شبه مقدسة، كلمة جديدة دخلت قاموس اللغة العربية منذ شهور قليلة، لم يكن يمتلك جهاز التليفزيون في مصر إلا الأثرياء والوزراء ورئيس الجمهورية، كان ذلك منذ سبعة وثلاثين عامًا، اليوم أصبح التليفزيون في كل بيت في المدن والقرى، بما فيها بيت زينب ابنة عمتي في كفر طحلة، في مدخل الدار الترابي يتربع التلفزيون كالإله فوق منضدة خشبية، مغطى بمفرش من القماش السميك، لا يقربه أحد إلا رب الدار، يعود على حمارته من الحقل عند الغروب، من خلفه البقرة والماعزة، يجلس في مدخل الدار بعد العشاء يدخن الجوزة، يمد يده ويفتح التلفزيون، ترمقه عيون النسوة وهن جالسات على الأرض، البقرة أيضًا تطل برأسها من باب الزريبة وتتفرج على التلفزيون.

بعد موت الدكتور النبوي المهندس خلفه في مقعد وزير الصحة عدد من الوزراء بلغ عددهم ستة حتى غادرت الوزارة، لم يكن الواحد منهم يختلف كثيرًا عن الدكتور النبوي المهندس، وتكرر الصدام بيني وبين كل وزير جديد حتى خرجت نهائيًّا من الوزارة في أغسطس ١٩٧٢م، حملت أوراقي وغادرت مكتبي لآخر مرة، عند الباب الحديدي الخارجي للوزارة توقفت لحظة، استدرت لألقي بصقة على المكان، كالسجين يُطلق سراحه بعد اثني عشر عامًا داخل الزنزانة.

•••

– الوظيفة في الحكومة مقبرة يا نوال.

هذه عبارة أبي قبل أن يموت بأيام قليلة، بلغ الستين من عمره وأحالوه إلى المعاش، فرد ذراعيه عن آخرهما كأنما يفردهما لأول مرة، كأنما كان حولهما قيد حديدي: «أنا تحررت بعد ثلاثة وثلاثين سنة سجن، أخيرًا عندي وقت أقرأ وأكتب.»

كان جالسًا في الصالة داخل الروب دي شامبر، اشتريت له هذا الروب من عمر أفندي، صوفه ناعم لونه رمادي ثمنه أربعة عشر جنيهًا، أول مبلغ يتجمع في درج مكتبي بالعيادة، كان الشتاء باردًا، شهر فبراير عام ١٩٥٩م، خرجت من عيادتي إلى محل عمر أفندي، في جيبي الأربعة عشر جنيهًا، المبلغ كبير جمعته من المرضى، مزيج من السعادة والألم، أيمكن أن أبيع الصحة للناس بالفلوس؟

الفلوس في جيبي تدفئني، سأشتري بها روب صوف لأبي، أراه ينتفض داخل البيجاما الخفيفة، كان يشتري لنا الملابس الشتوية ويظل هو بالبدلة الصيفية.

كان جالسًا في الصالة، الشعر الأبيض يكسبه جلالًا على نحو خاص، أو ربما شيء آخر في عينيه يشع منه الجلال، أو شيء في أعماق روحه، كان له حضور إذا حضر، وغياب إذا غاب، له هيبة غامضة خالية من السلطة، هيئة النبلاء دون أن ينحدر من طبقة النبلاء، عيناه قادرتان على اختراق أعماق الآخرين لو أنه ثبتهما في عيونهم، نادرًا ما كان يفعل ذلك، لم يكن يستخدم قوته مع الأقل منه قوة، صدره مملوء بشيء آخر غير العضل، ربما هو قلبه الكبير يرفع ضلوعه، أمه الفلاحة كان لها هذا الكبرياء الطبيعي، رغم انحناءة الشيخوخة كانت تمشي مرتفعة الصدر، أبي كانت له هذه المشية، كتفاه تميلان إلى الأمام قليلًا، انحناءة خفيفة كالجمل القادر على السير بخطوة ثابتة والأحمال فوق ظهره.

فتح الكيس مكتوب عليه عمر أفندي، رأى الروب شامبر: «ده لك يا بابا من الإيراد الأول في العيادة.» عيناه رأيتهما تلمعان يكسوهما الضوء يروح ويجيء كالدمعة الحبيسة.

– مبروك يا نوال نجاح العيادة.

– مبروك لك يا بابا دي عيادتك أنت.

– كنت اشتريلك تايير جديد، أنا راجل فلاح مش واخد على الروب دي شامبر ده … دي حاجة كمالية.

– لأ يا بابا دي حاجة ضرورية في البرد.

– المهم دلوقتي إنتي وإخوتك وبنتك.

– اطمن يا بابا على كل حاجة.

– أنا مطمئن يا نوال عليهم طول ما إنتي موجودة، أنا طبعًا موجود لكن مين عارف يحصل إيه بعد يوم أو يومين والأعمار بيد الله.

هل أدرك أبي أنه سيموت بعد ساعتين بالضبط من هذه الكلمات؟! كانت الساعة العاشرة مساءً، عاد لتوه من المقهى الذي كان يسهر فيه أحيانًا مع زملائه المحالين إلى المعاش، ألمحه جالسًا وسطهم بشعره الأبيض كالهالة تحوط رأسه المرفوع، يلعبون الطاولة أو الشطرنج، يتناقشون في السياسة، قد يرفع رأسه ويلمحني سائرة في طريقي إلى العيادة، يشير إليَّ لأدخل وأسلم على أصدقائه «الدكتورة نوال، بنتي!» عيناه تلمعان بالفخر وهو ينطق كلمة «بنتي»، واللهجة نفسها حين كان يناديني في منوف وهو جالس في مقهى «جرامينو» ويقول لأصدقائه: «دي نوال بنتي تلميذة شاطرة عند مس هيمر وعاوزة تطلع دكتورة.» واللوحة الكبيرة تحمل اسم «الدكتورة نوال السعداوي»، يراها أبي من نافذة المقهى في المبنى المقابل، أصدقاؤه يرونها والجالسون في المقهى، والراكبون في الترام والأتوبيس، والسائرون في الميدان، يتحدث أبي مع أصدقائه عن ابنته الأديبة أيضًا، قد يحمل إليهم قصة منشورة في إحدى المجلات: «بنتي الدكتورة نوال عندها موهبة من الطفولة، كنت أشجعها وأقول لها تقدري تجمعي بين الطب والأدب زي الدكتور إبراهيم ناجي والدكتور كامل حسين.»

كان اليوم هو الخميس ١٩ فبراير ١٩٥٩م، انتهيت من فحص المريض الأخير في العيادة، كانت الساعة الثامنة مساءً، خلعت معطفي وخرجت إلى الميدان، في المقهى لم ألمح الرأس العالي بالشعر الأبيض، كان أبي يسهر أحيانًا مع أصدقائه في المقهى حتى العاشرة مساءً، أسرعت الخطى إلى البيت عبر شارع الربيع الجيزي ومحطة القطار، كان هذا الطريق أقصر قليلًا من النفق الطويل حتى أول شارع الهرم، كنت مدعوة تلك الليلة إلى حفل نقابة الأطباء في الأوبرج، تبدأ الحفلة في العاشرة مساءً تشمل العشاء ومشاهدة بعض الراقصات والاستماع إلى بعض المطربات، لم أكن أنجذب إلى هذه الحفلات، صديقتي بطة قررت المرور عليَّ بالبيت لتأخذني إلى الحفل في سيارتها: «لازم يا نوال تشوفي نجوى فؤاد رقصها يجنن، نفرفش شوية ونبعد عن قرف العيانين.»

المسافة من عيادتي إلى بيتي خمس عشرة دقيقة بخطوتي الواسعة السريعة، وجدت أبي جالسًا في الصالة داخل الروب دي شامبر، كان في يده كتاب يقرؤه، أزاح نظارة القراءة قليلًا إلى أعلى، يبتسم تحت لمبة النور: «جيتي بدري من العيادة الليلة؟»

– «بطة جاية دلوقتي، عندنا حفلة في الأوبرج، النقابة بعتت لي دعوة، لكن مش عاوزة أروح يا بابا.»

– «ليه يا نوال، لازم تروحي تغيري جو شوية من العيادة والمستشفى.»

كنت أريد أن أبقى معه تلك الليلة، منذ انشغلت في العيادة لم أعد أراه إلا في الصباح قبل أن أخرج إلى المستشفى، أحيانًا أخرج قبل أن يصحو فلا أراه إلا بعد الظهر إن لم يخرج إلى المقهى، في يده كتاب الجاحظ، أريد أن أتحدث معه عن نظريته في المعرفة، سمعت بوق السيارة يصرخ أسفل البيت، من الشرفة رأيت بطة جالسة في السيارة أطلت من النافذة: اتأخرنا يا نوال نص ساعة.

كانت الساعة العاشرة مساءً، البيت كله نائم إلا أبي يقرأ في الصالة، وأخي الأصغر في غرفته يراجع دروسه، تركت له على قصاصة ورق رقم التليفون في الأوبرج، أبي موفور الصحة، لم أتوقع شيئًا تلك الليلة، تركت رقم التليفون بحكم العادة، في جسدي إدراك يسري عبر العمود الفقري، أهو تعب النهار الطويل؟! وقفت في غرفة العمليات سبع ساعات، لم أسترح إلا ساعة الغداء وذهبت إلى العيادة، أبي في الصالة يقرأ داخل الروب دي شامبر، رفع عينيه من فوق الكتاب وأنا أفتح الباب، التقت عيوننا، أكان يقول شيئًا؟! كأنما كانت آخر نظرة يلقيها علي: «خليك صاحي لغاية ما أرجع يا بابا مش حتأخر.»

– «أنا سهران الليلة يا نوال مع عمنا الجاحظ.»

كنت أرتدي ملابس عادية، جيب وبلوزة وبلوفر أسود، بطة كانت ترتدي ثوب السهرة، زوجها إلى جوارها يرتدي بدلة لامعة والبابيون، في الأوبرج تفرقنا، اخترت مائدة بعيدة عن الصحب، ينتابني الحزن في الحفلات والأعياد، جلست على طرف المائدة مطرقة شاردة، الأطباء والطبيبات من حولي يأكلون ويشربون ويضحكون، الراقصة تطرقع بالصاجات على أنغام الرق والطبل، أمامي صحن فيه طعام وكوب فيه شراب، لم تكن عندي شهية لشيء، جاء المصور والتقط لي صورة، لم أرفع وجهي إلى الكاميرا، انتبهت إلى ضوء الفلاش فوق وجهي الشارد في حزن، وسمعت الصوت ينادي اسمي: الدكتورة نوال السعداوي، لك تليفون يا دكتورة!

كان هو أخي الأصغر، لم يقل إلا كلمتين: «تعالي بسرعة.» أصبحت أجري خارج الأوبرج، وجهي نحو الجيزة، لم أستطع الوقوف لانتظار التاكسي، تصورت أن قدمي أسرع، أحد الأطباء أدركني بسيارته، هل رآني وأنا أنهض من المائدة؟! أعرف اسمه، أخذني إلى البيت، أعلى السلم رأيت أخي الأصغر واقفًا، باب الشقة مفتوح، وجهه خالٍ من الدم، دخلت إلى الصالة، نور اللمبة مضاءة، فوق المنضدة، نظارة أبي والكتاب مفتوح، مقعده خالٍ، تقدمت نحو الداخل بضع خطوات، جسدي يتأرجح كالقارب فوق الأمواج، أمد ذراعي كمن تمشي في النوم.

رأيته ممدودًا فوق البلاط، في الطرقة الصغيرة أمام باب الحمام، راقدًا فوق ظهره، وجهه ناحية السقف، عيناه مفتوحتان، جسدي النائم ينثني إلى الأرض، يدي المخدرة تمتد إلى يده تمسكها، أكنت أجس النبض؟! هل غلبني النوم؟ سقط رأسي دون أن أشعر فوق صدره، كالطفلة في الرابعة من العمر تنام فوق صدر أمها.

– البقية في حياتك يا دكتورة نوال.

صوت الطبيب صاحب السيارة، أول صوت أسمعه وأنا أفيق، البقية في حياتي؟ ما معنى هذه العبارة؟

– الأفضل ننقله على السرير يا دكتورة.

ضمير الغائب في كلمة ننقله تعود إلى أبي، أصبح غائبًا عن الوجود، جسده لا يزال موجودًا ممدودًا فوق الأرض، نقلناه إلى السرير نحن الثلاثة أنا والطبيب وأخي الأصغر، بضع خطوات قليلة لهثنا فيها، فوق أذرعنا الست امتدت القامة الفارعة، أثقل ما فيها الرأس، حوطته بذراعي أحميه من الارتطام ونحن ندخل في غرفة النوم، فوق السرير النحاسي العريض، أصبح نائمًا، عيناه مفتوحتان، مد الطبيب يده وأسدل الجفون فوق العينين، غطاه بالملاءة من الرأس إلى القدمين.

في الصالة جلسنا نحن الثلاثة، الصمت يدب في البيت، أخواتي البنات نائمات في الغرفة الداخلية، ابنتي في غرفتي غارقة في النوم، أم إبراهيم في القرية تزور ابنتها المريضة، حكى أخي الأصغر ما حدث، كان في غرفته يراجع دروسه حين سمع الصوت يدوي في الصالة، كالجدار يسقط، كالشجرة تسقط وهي واقفة.

خرج الطبيب ودخل أخي غرفته، سرت على أطراف أصابعي، كشفت الملاءة عن وجهه، عيناه مغمضتان ملامحه ليست نائمة وليست صاحية، ملامح منحوتة داخل الجرانيت، تعلوها ابتسامة توحي بالراحة النهائية، السكون الإلهي الخالي من العبء، القائم بذاته لذاته، لا يشوبه شيء خارج الذات الأبدية.

قضيت الليل إلى جواره، هو غائب وجسده فوق السرير، وأنا أقف في مهب الحياة، كالشجرة الوحيدة سقطت من حولها الأشجار، عارية بلا أوراق في الشتاء، أرتعد بالبرد، أسناني تصطك، عيناي جافتان وحلقي جاف.

في الصباح أيقظت أخواتي الصغيرات، ابتسمت في وجوههن: «النهاردة الجمعة ما فيش مدرسة، تحبوا تروحوا فين؟» هتفت أصغرهن: «نروح جنينة الحيوانات.»

الموت جزء من الحياة والحي أبقى من الميت، انشغلت بأخواتي وابنتي عن موت أبي، حضرت لهن الفطور والغذاء أخذتهن إلى حديقة الحيوان، تركتهن يلعبن تحت أشعة الشمس، جريت إلى مكتب الصحة بالقرب من كوبري عباس لاستخراج شهادة الوفاة، جريت إلى محل إسلام باشا في ميدان الجيزة، اشتريت الكفن الحريري الأبيض، مررت على محل الحانوتي في شارع سعد زغلول، اتفقت معه على أجرة عربة الموتى من الجيزة إلى كفر طحلة.

رمقني الرجل بنظرة فاحصة وطلب ضعف المبلغ، منذ موت أمي عرفت الأسعار، ولا يمكن لهذا الحانوتي أن يضحك علي، ألأنه يراني امرأة؟! أيظن أن حزني على أبي سيطغى عليَّ فلا أكتشف جشعه؟! وقفت أساومه رافعة صوتي بغضب: ده استغلال وأنا رايحة لحانوتي غيرك!

رضخ الرجل لإرادتي، شعرت بنوع من الزهو، لا يمكن لأحد أن يخدعني وإن كنت في قمة الحزن، لم أكن أشعر بالحزن، كانت السكينة «سارقاني» بلغة أم إبراهيم، للموتى مهام كثيرة: استخراج شهادة الوفاة، والغسيل والكفن والسفر إلى القرية والصلاة في الجامع والجنازة والدفن، لا بد أن أنتهي من كل هذا الساعة الخامسة مساءً، موعد عودة أخواتي وابنتي من حديقة الحيوان.

من مكتب سنترال الجيزة أرسلت برقية إلى أخي الأكبر في مديرية التحرير، طلبت مكالمة تليفونية «ترنك» إلى عماتي في كفر طحلة: «بابا مات، خلوا حد يفتح المقبرة، العربية حتوصل عندكم الساعة اتناشر الضهر، قبل صلاة الجمعة والدفن على طول بعد الصلاة ما فيش صوان اللي عاوز يعزي يبعت تلغراف.»

•••

هبط قلبي مع هبوط النعش من بيتنا محمولًا فوق الأكتاف منها كتفاي، كان أبي يهبط هذه السلالم كل يوم فوق قدميه، الآن يهبط داخل الصندوق المغلق، قلبي تحت ضلوعي مثل قطعة حجر، يغوص في القاع، يثقل مع كل درجة يهبط فيها النعش، خرج الصندوق إلى الشارع داخله أبي، رأيته يغادر بيتنا للمرة الأخيرة.

داخل عربة الموتى السوداء جلست، الصندوق إلى جواري لا يزال فيه أبي، أستأنس بوجوده وأعلم أنه ميت، أريد أن أستبقيه إلى جواري أطول فترة ممكنة، إلا أن الرحلة كانت ساعة واحدة، عند الجسر رأيت رجالًا كثيرين واقفين، من كفر طحلة وطحلة والقرى المجاورة، كان المنادي قد طاف يعلن خبر الوفاة وموعد الجنازة والصلاة في الجامع.

عند المقبرة هبطت تحت الأرض مع أبي الملفوف بالحرير الأبيض، أردت أن أقص الكفن كما فعلت مع أمي، همست عمتي فاطمة في أذني: «ما حدش هنا بيسرق الكفن يا ضكطورة.» خرجت من المقبرة وحدي بدون أبي، أبحث بين الوجوه عن وجهه، الهواء البارد يلفحني من كل جانب.

طابور طويل من آل السعداوي يتقدمهم أحد الأقرباء «الحاج محمد» كان أبي يسميه «مسيلمة الكذاب»، استولى على نصيب أبي من الأرض، سافر إلى الحجاز ليمسح ذنوبه، عاد يحمل لقب الحاج، يقترف من الذنوب ما يشاء، ثم يزور قبر الرسول ويمسح ذنوبه، يلف رأسه بعمامة كبيرة، في يده مسبحة صفراء، يبسمل ويحوقل بأسماء الله التسعة والتسعين، فوق جبهته زبيبة سوداء علامة التقوى والسجود الطويل، عيناه ضيقتان تلمعان كعيني الصقر، حاجبان كثيفان فوق أنفه كالنتوء في صخرة، شاربه الأسود طرفاه مبرومان إلى أعلى فوق الصدغين المدببين.

– السيد بيه السعداوي لازم ينعمل له صوان كبير أوي يا ضكطورة عشان الناس تيجي تعزي من مصر وبنها وكل بلاد الدنيا!

– اسمع يا حاج محمد، الصوان والحاجات دي كلها مظاهر فارغة، وبابا قال لما أموت مش عاوز صوان، والمصاريف أولى بيها إخواتي البنات.

– لا يمكن يا ضكطورة! ده السيد بيه السعداوي على سن ورمح! لا يمكن يموت فطيس كده!

– طيب يا حاج محمد اعمل أنت الصوان ومعاك فلوس الأرض بتاعة السيد بيه السعداوي!

كان أبي ينتمي إلى جيل ثورة ١٩، جيل يشعر بذاته الجديدة، يريد تأكيدها والظهور على مسرح الأحداث، كان يؤمن بالله والرسول، انتقل عن طريق التعليم إلى الطبقة الوسطى، عرف فساد الحكم الملكي والاحتلال البريطاني، الهوة الساحقة بين الفقراء والأغنياء، يقرأ القرآن مثل ما يقرأ المعري والمنفلوطي، يميل إلى الصوفية، يحلم بتحرير الوطن، يحب الأدب والشعر، يراوده حلم طفولي أن يكون كاتبًا كبيرًا أو شاعرًا مرموقًا مثل حافظ وشوقي، إلا أن الحكومة قضت عليه، أفنى عمره داخل الوظيفة، عاش حياته يعاني الإحباط، لا يجد العزاء إلا في قراءة القرآن، يرتفع عن متع الحياة الزائلة، يقاوم الشهوات بسعادة وحزن، يشتهي لذة الدنيا ويشتهي سعادة الآخرة، يضحي باللذة من أجل السعادة، اختيار مؤلم يمنحه بعض الراحة.

كان أبي يشعر بالتفرد، يمشي بقامته الفارعة شامخًا قوي الجسم قوي الروح، يكبح جماح نفسه، يتغلب على الشيطان، يرى نفسه محشورًا داخل الأتوبيس، قطعة من السردين، واقف في الطابور أمام المخبز، يشعر بالمهانة، يعيش في ظل حكومة تقتل كل تفرد، يعود إلى البيت محبطًا مرهقًا، القرآن يعيد إليه السلوى، الحزن نوع من العبادة، يركع ويسجد لله، يعشق امتهان النفس أمام الله، الله هو اليقين ما عداه قابل للشك.

لم يكن موت أبي مثل أمي، أربعة شهور ونصف تفصل الحدثين، لم تمت أمي إلا في حضوري، انتظرتني حتى أعود إلى البيت، لم تسلِّم روحها إلا ويدها ممسكة يدي، كالعصا تتكئ عليها لتغادر الدنيا، كانت تتكئ على ذراعي حين نمشي على شاطئ الترعة، طال بها المرض وهي راقدة في الفراش، من شدة الألم توسلت إليَّ أن أنهي حياتها، لم أملك شجاعة قتلها، لم يرتفع حبي لها إلى هذه الدرجة، كنت أحب نفسي أكثر، أشفق على نفسي من تأنيب الضمير.

كانت أحملها بين ذراعي كالطفلة، أطعمها في فمها بيدي، أدلك ظهرها ببودرة التلك، أغير فراشها المبلل، أضع وعاء البول تحت ردفيها، أراها عارية وأنا أحممها، لا يخدش عريها حيائي، جسدها يشبه جسدي، يحملها جسدي كأننا جسد واحد، ضاع الوجع من جسدي حين ماتت أمي، تلاشى جسدها المريض داخل جسدي، نهضت واقفة أفرد قامتي عن آخرها، أفرد ذراعيَّ وأملأ صدري بالهواء.

موت أبي كان مختلفًا، مات أبي في غيابي، انتهز فرصة غيابي في حفل الأوبرج ومات، أراد أن يموت وحده دون أن يمسك بيدي، مات فجأة، قبل أن يموت كان في المقهى مع أصدقائه يلعب الطاولة، ضحك معهم كثيرًا على المقارف في وزارة المعارف، اشترى من الفاكهة في ميدان الجيزة ثلاثة كيلو برتقال بصرة، كيس آخر ملأه بالموز المغربي أبو نقطة، حمل الكيسين بين ذراعيه وعاد بخطوته الواسعة يدب فوق الأرض، كانت شهيته للحياة مفتوحة، خلع ملابسه وارتدى البيجاما والروب دي شامبر، جلس يقرأ في كتاب الجاحظ عن جوهر الحياة، نهض إلى الحمام ليغتسل قبل أن ينام، خرج من الحمام، فوق الطرقة بين الحمام وغرفة النوم سقط كالشجرة تسقط وهي واقفة.

الموت المفاجئ غير الموت البطيء، الجسد القوي حين يسقط يكون له دوي، كالجبل يتهاوى من الارتفاع، أحسست الدوي وأنا في حفل الأوبرج، اهتز جسدي رغم المسافة، هناك إشاعات كالردار تنطلق عبر الجو، يسمونها «تليباثي»، تعني التعاطف بين الأجساد رغم البعد.

كان بيني وبين أبي مسافة لا يمكن اختراقها، فهو من الجنس الآخر يختلف عني وعن أمي، حين مات أبي بدأ الوجع في جسدي، تلاشت المسافة بيننا وأصبح جسده الميت هو جسدي، سقطت إلى الأرض كما سقط، إن نهضت أشعر بالوجع، والريح الباردة تنفذ إليَّ كأنما أرقد فوق البلاط، أغفوت خارج البيت في العراء؟!

مع كل ذلك مات أبي دون أن أبكي، في أعماقي لم أشعر بالحزن، إنه الفرح الغامض، كالسجين يتلقى نبأ الإفراج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠