الفصل التاسع

حدود المعرفة الممكنة عند النقديين والوضعيين

أسلفنا لك القول في رأي المذهب النقدي متمثلًا في «كانْت» من أن المعرفة وسيلتها الحواس والعقل معًا: الحواس تأتي إلينا بالمادة الخامة التي هي الإحساسات المختلفة من لون وصوت إلخ، والعقل بما في فطرته من قوالب أو مقولات يصب هذه الإحساسات المتفرقة ويصوغها، فإذا هي مدركة إدراكًا حسيًّا بعد أن كانت شتيتًا متفرقًا من إحساسات، ثم من المدركات الحسية يكوِّن العقل مدركاته العقلية، ومن هذه يكوِّن أحكامه التي تصدق على العالم الخارجي صدقًا مطلقًا.

لكن إذا كانت هذه المعرفة الصادقة صدقًا مطلقًا في مستطاع الإنسان بواسطة حواسه وعقله معًا، فلا بد أن تكون حدودها هي حدود الخبرة الحسية ما دامت هذه الخبرة شرطًا لازمًا، ولما كانت الخبرة الحسية لا تتعلق إلا بظواهر الشيء كما تبدو للحواس؛ وجب ألا يجاوز علمنا هذه الظواهر؛ وإذن فالمعرفة اليقينية عن العالم الخارجي مُمكنة على شرط ألا تجاوز حدود ظواهر الأشياء كما تتلقاها حواسنا.

لكن ظواهر الشيء هذه قد تكون مختلفة كل الاختلاف عن حقيقته في ذاته، ومع ذلك فلا حيلة لنا إلا الوقوف عند هذه الظواهر، أما إذا حاولنا أن نعرف «الشيء في ذاته» كما هو في العالم الخارجي المستقل عن ذوات أنفسنا، كنا كمن يحاول إدراك ما يستحيل إدراكه، ومعنى ذلك أن كل محاولة يحاولها العلم أو الدين للوصول إلى حقائق الأشياء في ذاتها هي محاولة فاشلة؛ لأنه لا يمكن للعقل أن يجاوز الظواهر الحسية لتلك الأشياء، فإن مضى العلم في محاولته الدخول في عالم الأشياء في ذاتها مع أنه عالم مجهول فوق متناول الإنسان تورَّط في الخطأ.

فإذا حاول العقل — مثلًا — أن يحكم على العالم كله إن كان ذا نهاية محدودة أو كان لا نهائيًّا من حيث امتداده في المكان، على الرغم من كون العالم كله غير داخل في حدود ما يجوز للإنسان أن يبحث فيه؛ لأن العالم ككل لا يدخل في خبرة الإنسان، أقول: إن العقل إذا حاول مثل ذلك البحث وقع في تناقض وإشكال؛ لأنه سيجد نفسه مضطرًّا إلى رفض الفرضين معًا؛ لأننا من جهة نتصور أن وراء كل حد مكاني حدًّا أبعد منه وهكذا إلى ما لا نهاية، مع أنه يتعذر علينا من جهة أخرى أن نتصور اللانهاية في المكان كيف تكون. كذلك لو حاول العقل أن يعرف هل كان للعالم بداية في سلسلة الزمن أم أنه كائن منذ الأزل؛ وقع في الإشكال نفسه؛ لأننا لا نحن قادرون على تصور الأزلية التي بغير ابتداء زمني كيف تكون، ولا نحن في الوقت نفسه نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد بدأ وجوده في لحظة زمنية معينة؛ إذ لا يسعنا سوى أن نسأل قائلين: وماذا قبل تلك اللحظة؟ وكذلك لو تساءل العقل: هل لسلسلة العلة والمعلول بداية أُولى أم أنها سلسلة تمتد إلى الوراء إلى غير نهاية؟ لما أمكنه أن يجيب عن سؤاله؛ لأن العقل لا يستطيع أن يتصور أن سلسلة الأسباب والمسببات تظل ممتدة إلى غير نهاية بحيث يكون للمسبب سببه وللسبب سببه، ولهذا سببه، وهكذا إلى ما لا نهاية، وفي الوقت نفسه هو لا يتصور أيضًا كيف يمكن أن تقف هذه السلسلة عند حلقة يصح أن نقول عندها: هذه هي العلة الأولى للكون، وهي نفسها غير ناشئة عن علة سابقة عليها.

هذه كلها متناقضات لا يمكن للعقل أن يتخلص منها؛ لأنه قد حاول أن يستخدم أداتَي الزمان والمكان ومقولة السببية التي لم يزوَّد بها إلا ليستخدمها في مجال خبراته الحسية، حاول أن يستخدمها في فهم المكان نفسه والزمان نفسه والسببية نفسها، كأن هذه الأشياء كائنات خارجة عنا ممتدة مع العالم حيث امتد، فعلى الرغم من أن كل ما نصادفه من تجارِب لا يمكن فهمه إلا إذا تمت صياغته في عبارات دالة على مكان أو زمان كما تدل على العلاقة السببية بين أجزاء تلك التجارب، إلا أننا نخطئ ونقع في التناقض حين نتصور هذه الأشياء واقعًا ونجعل منها موضوعًا لمعرفة.

هكذا يجعل «كانْت» للمعرفة الإنسانية الممكنة حدودًا تقف عندها، وحدودها هي حدود الخبرة الحسية؛ إذ الخبرة الحسية هي المضمون الذي ينصب في مقولات العقل فتتكون بذلك معارفنا عن العالم الخارجي، وبغير هذه الخبرة الحسية تظل مقولات العقل فارغة جوفاء بغير موضوع، كما أنه لولا مقولات العقل التي فيها تجد الخبرة الحسية شكلًا وصياغةً لكانت عمياء بغير معنى.

وليست جماعة «النقديين» تقف وحدَها في القول بضرورة أن يقف الإنسان بمعرفته عند الحدود التي لا يجوز له أن يتعداها، بل يؤيدها في ذلك فريق آخر هو فريق «الوضعيين»؛ فالمذهب الوضعي على يدي «أوجست كونت»١ كذلك يرى وجوب الوقوف بمحاولاتنا نحو معرفة العالم الخارجي عند حدود الظواهر التي يمكن مشاهدتها وإقامة التجارب عليها واستخراج قوانينها العلمية القائمة على علاقة السببية، أما أن نجاوز الطبيعة المنظورة إلى ما وراء الطبيعة الغيبي فتلك محاولة غير مشروعة ولا غناء فيها، إن جاز للأسبقين في مرحلة الطفولة البشرية أن يحاولوها فلا يجوز ذلك لنا نحن الذين نعيش في عصر العلم ودقته؛ ذلك أن الفكر الإنساني قد اجتاز في سَيْره وتطوره مراحل ثلاثًا: ففي المرحلة الأولى كان الإنسان يعلل الظواهر تعليلًا دينيًّا؛ إذ يفسر كل ظاهرة بإله وراءها خاص بها، فإله للنبات — مثلًا — وإله أو آلهة للنجوم وهكذا. وفي المرحلة الثانية أخذ يعلل الظواهر تعليلًا ميتافيزيقيًّا، ومعناه أن ينسب الظواهر إلى مبادئ أولية يفرض وجودها ليشتق منها سائر الكائنات، كأن يفسر الظواهر المادية التي تقع في خبراتنا بإنكار أزلية قائمة بذاتها مجردة من المادة، فأفراد الإنسان مثلًا جاءوا على غرار فكرة الإنسان، وأفراد المثلث جاءت على غرار فكرة المثلث، وأفراد الشجر جاءت على غرار فكرة الشجر وهكذا، فعلى الرغم من أن الأصول الكامنة وراء الأشياء الجزئية في هذه المرحلة الثانية من مراحل تطور الفكر لم تكن آلهة كما كانت في المرحلة الأولى، إلا أنها في كلتا المرحلتين أصول غيبية لا تقع لنا في خبرة حسية. وأما المرحلة الثالثة والأخيرة ففيها يفسر الإنسان ظواهر الطبيعة تفسيرًا علميًّا قائمًا على الملاحظة الدقيقة والفروض العلمية والتجارِب المُحْكَمة، حتى إذا ما تبين لنا من هذا كله أن الظاهرة الفلانية تنشأ عن كذا وكذا من الأسباب والظروف، أثبتنا ذلك في صيغة قانون يفسر وقوعها دون حاجة إلى اللجوء إلى كائن غيبي نفسرها به.

وللمذهب الوضعي شعبة حديثة معاصرة تسمَّى بالمذهب الوضعي المنطقي مؤداها أن ما يجاوز حدود الخبرة الحسية ليس هو — كما ظن «أوجست كونت» وكما ظن «كانْت» — متعذر المعرفة على الإنسان لقصور أدوات المعرفة عند الإنسان، وأنه لو كان مزودًا بوسائل أخرى للمعرفة غير وسائله الحالية لجاز أن يكون في مستطاعه معرفة ذلك العالم الأسمى، بل هو مستحيل المعرفة بحكم تحليل اللغة نفسها التي يستخدمها مَنْ يتحدثون عن ذلك العالم الذي يجاوز حدود الخبرة الحسية الممكنة؛ إذ إن تحليل تلك العبارات تحليلًا منطقيًّا يبين أنها عبارات بغير معنى.

ولزيادة الإيضاح أضرب هذا المثل فأقول: إنه إذا صادفتنا عبارة كهذه: «الروح حُر من قيود السببية»، وسئل «النقديون» و«الوضعيون» ما رأيكم في هذه العبارة؟ لقالوا إنها تتحدث بلغة العقل (لأن السببية من المدرَكات العلمية القائمة على التحليل العقلي) عما هو فوق متناول العقل؛ وإذن فرفضهم لهذه العبارة قائم على أساس نفسي لا على أساس منطقي، أي أنهم يرونها عبارة ذات معنى، وكل ما في الأمر أن العقل الإنساني لا يتطاول إلى بلوغ ذلك المعنى، وربما استطاع الإنسان بلوغه بوسيلة أخرى غير العقل. أمَّا «الوضعيون المنطقيون» فإذا سئلوا عن رأيهم في عبارة كهذه؛ رفضوها؛ لأن التحليل المنطقي لأجزائها وطريقة تركيبها يُبيِّن أنها بغير معنى، فلا يجوز قولها، لا لأنها فوق مستوى العقل، بل لأنها عبارة فارغة.

وخلاصة القول في إمكان المعرفة وحدودها هي أن «العقليين» و«التجريبيين» يرَوْن إمكانها إلى غير حد تقف عنده، وأما «النقديون» و«الوضعيون» فيرَوْن إمكانها بشرط أن تقف عند حدود الخبرة الإنسانية، وهنالك نفر قليل من الشكاك يرَوْن استحالة أن يعرف الإنسان معرفة يقينية عن حقيقة العالم الذي يعيش فيه.

١  فيلسوف فرنسي عاش بين عامَي ١٧٩٨–١٨٥٧م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠