الفصل الخامس

الأدب العربي في العصور الوسطى

(١) الشعر

ينطبق على الأدب العربي ما قُلنا من أنَّ الفنَّ الأدبي أول ما ظهر كان شعرًا ولكن — مع الأسف — لم يصِلنا هذا الشعر الأول الذي كان محاولاتٍ أولية يُصيب حينًا ويخطئ أحيانًا، في الوزن والموضوع؛ وذلك أنهم كانوا أو أغلبهم بَدوا لا يُقيِّدون شعرهم في كتابٍ أو نقش، فإذا تقدَّم الزمن ضاع ما نطق به شعراؤهم، وخاصة إذا كان جديدهم خيرًا من قديمِهم، وأنسَبَ لذوقِهم وأُذنهم وأكثرَ ملاءمةً لحياتهم.

وأقدم شِعر وصل إلينا كان الشعر الذي قيل في حرب البَسُوس أو قبل ذلك قليلًا، وكان ذلك قبل الهجرة بنحو قرنٍ ونصف. وقد وصلت إلينا من ذلك قصائد كاملة، مُحال أن تكون أوَّل محاولة، بل لا بدَّ أن تكون قد سبقتها محاولات كثيرة دخلَتْها تحسيناتٌ كثيرة حتى وصلتْ إلى ما وصلت إليه؛ فهذا الوزن الكامل، وامتلاك ناصية اللغة، والقُدرة على إجادة التصوير، لا يُمكن أن تنشأ ابتداء، ولا بدَّ أن تكون خضعت لقانون النشوء والارتقاء، ولا بدَّ أن يسبق ذلك وزنٌ مُخلع قبل أن يهتدوا إلى البحور الستة عشر، ولا بدَّ أن يمرَّ شعرهم بطَور التعبير المُهلهَل والأبيات القصيرة تُقال في المناسبات المفاجئة، وأخيرًا يصِل إلى ما وصَل إليه في شعر امرئ القيس وأمثاله: من نظمٍ مُنسجم، ونَفَس طويل، وتعبير مُحكم، ووحدة في القافية؛ ولا بدَّ أن يكون الشعر قد بدأ في وزنه بالرَّجَز مُناغمة لسير الإبل ووقْع أقدامها أو نحو ذلك، ثم تدرَّج بعدُ في أوزانه من البسيط إلى المركَّب، وهكذا.

وممَّا يلفِت النظر أنَّ أكثر من نبغوا في الشعر كانوا يسكنون شمالي الجزيرة العربية، أعني الحجاز وما إليه، فمنهم من كان من أصلٍ يمني رحل إلى الشمال كامرئ القيس من كندة، وهي قبيلة يمنية الأصل، وحاتم الطائي من طيئ كذلك، أو من أصلٍ عدناني إما من قبيلة ربيعة كالمُهلهِل وطرَفة والأعشى، وإما من مُضَر كالنابغة وزهير ولبيد.

وعلى الجُملة فالشِّعر الجاهلي الذي وصل إلينا مرحلة سبقَتْها مراحل، وقد قالوا إنَّ المُهلهِل أول من قصَّد القصائد، وامرأ القيس أوَّل من أطالها وتفنَّن في موضوعاتها.

•••

وكانت العرب وخاصة في هذا القسم الذي كثُر فيه الشعر وهو الحجاز تعيش عيشةَ بداوة، ينقسِمون إلى قبائل، كل قبيلة تعتقد أنها من دمٍ واحد، لها لهجتُها وتعبيراتها، ولها رئيس هو سيِّدُها، ولكنه لا يمتاز عن أفرادها كثيرًا في الغِنى ولا السُّلطة، ويطغى على أفرادها الشعور بالقبيلة أكثرَ مِن شعور الفرد بنفسه؛ فكان الفرد يتعصَّب لقبيلته ويرى أنَّ خيرَها خيرُه وشرَّها شرُّه، يُصادِق من تُصادِق، ويُعادي من تعادي، يعيشون على المرعى ويتنقَّلون من مكانٍ إلى مكان، ويحمِلون بيوتهم — أعني خِيامهم — على جمالهم، ومن حَسُنت حاله بعضَ الشيء قسَّم الخيمة قِسمَين بينهما ستار، مُقدِّمها للرجال ومُؤخِّرها للنساء، يخرجون بإبلهم وشائهم لرَعي الكلأ وارتياد المرعى، وأكثر ما يكون ذلك في الربيع، فإذا اشتدَّ القَيظ وجفَّ الزرع عادوا إلى أماكنهم. وتنشأ بين القبائل خصومات قد يكون سببها تافِهًا كعبثِ أحدٍ بجمَل رجلٍ من قبيلةٍ أخرى يقتُلُه أو ينهَبُه، أو أن يتعاظم رئيس القبيلة فيتَّخِذ له حِمًى يحرُم قُربه فإذا قربَهُ أحد قتلَه، وإذا قربت منه ماشية قُتِلت، أو نحو ذلك، فيثور الشرُّ بين القبائل ويتوالَد، وتُنظَّم من أجل ذلك الحرب، ويكثُر السَّلب والنَّهب.

•••

كان لهؤلاء القوم عواطف كالتي لكلِّ الناس، وهذه العواطف تتكوَّن بالبيئة وتتشكَّل بشكل المَعيشة، وكان لكلِّ قبيلةٍ شاعرها أو شعراؤها، هُم من أكثرِهم شعورًا، وأحَدِّهم عاطفة، وأقدرِهم على تصوير عواطفهم القومية وعواطفهم الشخصية. وكانوا كذلك من أعلم قومِهم بما تتطلَّبه هذه المعيشة من معرفةٍ بالأنساب، ومَثالب القبيلة وفضائلها ونحو ذلك.

وفي كل ما يجُول بنفسهم وما يحدُث لهم ولقبيلتهم، قالوا شِعرهم، مُشتقًّا من بيئتهم، وتنوَّع الشعر بتنوُّع العواطف.

يَبكي لفِراق حبيبته إذا بعُد عنها فيقول:

هَجَرْتَ أُمَامَةَ هجرًا طويلًا
وحمَّلك النأيُ عبئًا ثقيلًا
وحُمِّلت منها على نَأْيها
خيالًا يُوافي ونَيْلًا قليلًا
ونظرةَ ذي شَجَنٍ وامقٍ
إذا ما الركائب جاوَزْنَ ميلًا

وما أكثر ما لعِبت النساء بعواطفهم، لكثرة فراغِهم واتِّصال حياتهم بحياة النِّساء يُشارِكنهم في الحِلِّ والترحال، فإذا رحل وحدَه فلا يعدِم في الطريق خباءً يُضيفه، يرى فيه نساءه، ويُحدِّثهن ويُحدِّثنه فتهيج عواطفه بالحُب والذِّكرى، ويُكثِر من الزواج ما أمكنته الأسباب. كل ذلك ونحوه ملأ حياته بالمرأة، يَشعُر فيها إذا حلَّ معها، ويشعُر فيها ألمًا لفِراقها، ويستفتِح بذِكْرها القصيدة، ولو لم تكن موضوعها، بل وتخطُر في ذهنِهِ في أحرج مواقف القتال، كقول عنترة:

ولقد ذكرتُك والرماح نواهلٌ
منِّي وبيضُ الهند تَقطُرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المُتبسِّم

ويذكرها إذا هبَّتِ الريح من جانبها، ويذكرها إذا ناحت حمامةٌ بجانبه، فكلُّ شيءٍ يُذكِّره بها ويقول في ذلك شِعره، فإن عدِم النَّظَر قنع بكل ما يُذَكِّره بها:

أرى كلَّ أرضٍ دَمَّنَتْهَا — وإن مضتْ
لها حِجَجٌ — يزداد طيبًا ترابُها
وأُقسِم أني لو أرى نَسبًا لها
ذئابَ الفلا حُبَّت إليَّ ذئابُها

ثم أكثر الشعراء من وصفِها ووصف ملامحها وجمالها جملةً وتفصيلًا، وحُسن أحاديثها ولُطف معانيها، وحلَّلوا نفسيتها كما حلَّلوا نفوسَهم وآمالَهم وآلامهم، وفي كل ذلك قالوا شعرًا كثيرًا.

•••

هذه ناحية من عواطفهم، وناحية أخرى: ناحية البُغض لخصومهم وخصوم قبيلتهم دفعَتْهم إلى الهجاء، وذِكر معايب الخصوم:

لعمري وما عمري عليَّ بهيِّنٍ
لقد ساءني طَوْرين في الشعر حاتم١
أيقظانُ في بغضائنا وهجائنا
وأنت عن المعروف والبرِّ نائم؟

•••

كاثِرْ بسَعْدٍ إنَّ سعدًا كثيرة
ولا تبغِ من سعدٍ وفاءً ولا نصرًا
يرُوعك من سعدِ بنِ عمرو جسومُها
وتزهد فيها حين تقتُلها خُبْرا

وهو في نظير ذلك يفخر بنفسه وبقومه:

إنا نعِفُّ فلا نُريبُ حليفَنا
ونكُفُّ شُحَّ نفوسِنا في المطمع
ونقي — بآمَنِ ما لَنا — أحسابَنا
ونُجِرُّ في الهيجا الرماحَ وندَّعي
ونخوض غرَّةَ كل يوم كريهة
تُردي النفوس وغُنمها للأشجعِ
ونُقيم في دار الحِفَاظ بيوتَنا
زمنًا ويظعَنُ غيرُنا للأمرع

•••

إذا ما أتتْني مِيتتي لم أُبالِها
ولم تُذْر خالاتي الدموع وعمَّتي
وإني لحُلوٌّ إن أريدت حلاوتي
ومرٌّ إذا نفس العَزُوف استمرَّتِ
أبيٌّ لما آبى، سريع مَباءتي
إلى كل نفسٍ تنتحي في مسرَّتي

ويقِف موقف الخطيب لقبيلته يُحمِّسها للقتال ويدعوها للأخذ بالثأر:

قاتلي القومَ يا خُرَاع ولا
يَدخلْكُم من قتالهم فَشل
القوم أمثالُكم لهم شَعر
في الرأس لا يُنشَرون إن قُتِلوا

•••

أقول لِلحْيانٍ وقد صَفِرتْ لهم
وِطابي ويَومي ضيقُ الحُجْر مُعْوِرُ
هما خُطَّتا إما إسارٌ ومنَّةٌ
وإما دمٌ والقتل بالحُرِّ أجدَرُ

وتنتابه الحوادث في أهلِهِ وولدِه فيرثي:

نُبِّئتُ أن النار بعدكَ أُوقدت
واستَبَّ بعدَك يا كليبُ المَجلسُ
وتكلَّموا في أمرِ كلِّ عظيمةٍ
لو كنتَ شاهدهم بها لم ينبِسوا
وإذا تشاء رأيتَ وجهك واضحًا
وذراع باكيةٍ عليها بُرنسُ
تبكي عليك ولستُ لائمَ حرَّةٍ
تأسى عليك بعَبرةٍ وتنفس

ولمَّا كانت صحراؤهم محدودة المناظر، قد كُفُوا مشاغل المدنية وتنوُّع مناظرها، وقد رُزقوا القدرة على البيان وتدفُّق القول، فوجَّهوا فصاحتهم إلى أشيائهم المحدودة، فأكثروا من وَصف حيوانهم، وخاصة الجمل، إذ هو صديقهم في رحيلهم، ومادَّتهم في مأكلهم ومشربهم وملبَسِهم، فأكثروا القول فيه من كل نواحيه.

وكأن قنطرةً بموضِعِ كُوْرِهَا
مَلساءُ بين غَوامِضِ الأنْساع٢
وإذا تعاورَتِ الحصى أخفافُهَا
دوَّى نواديه بظهر القاع٣
وكأنَّ غاربها رباوَةُ مَخْرِمٍ
وتَمُدُّ ثِنْيَ جَديلها بشِراع٤
وإذا أطفتَ بها أطفتَ بكلكلٍ
نَبِضِ الفرائص مُجفَرِ الأضلاع٥
مرِحَت يداها للنجاء كأنما
تكرو بكفَّيْ لاعبٍ في صاع٦
فعلَ السريعةِ بادَرَت جُدادها
قبل السماء تهمُّ بالإسراع٧

وكما وصفوا الجمل وصفوا الخَيل وحُمر الوحش والظباء وغيرها من حيوانهم، ووصفوا الصحراء الجدْباء والخضراء.

وعلى الجُملة كان شِعرهم صورة صادقة لحياتهم ومناظرهم وعواطفهم.

وقد جاء تكوين القصيدة والإطالة في الشعر مرحلةً تالية لمرحلة المقطوعات القصيرة، ونحن إذا استعرَضْنا قصائد الجاهلية — كالمُعلَّقات ونحوِها — رأيناها تبتدِئ عادة بالتشبيب بالمرأة، وقد يصِف رحيلَها عن مكانها فيقِف على أطلالها، ويبكي منها، ويصِف جمالها، ولَوعته من حُبها؛ ثم ينتقِل إلى وصف فرَسِه أو ناقتِه التي يرحَل عليها، وسُرعتها، ونعومة سَيرها، وقد يُشبهها بما يَعرِف من حيواناتٍ وحشية: من وعلٍ وظَبي ونحوهما، ويخترع في ذلك تشبيهاتٍ تدلُّ على سَعة علمه بطبائعها، وعاداتها في معيشتها، وقد يصِف ما مرَّ عليه في طريقه من جبالٍ ووهادٍ وسهلٍ وحزْن، ثم ينتقل إلى غرَضِه من القصيدة فجاءه من غير تكلُّفٍ في الربط غالبًا؛ من فخر بقبيلته أو هجاء للقبيلة المُعادية، أو وصف وقعةٍ أو دعوةٍ للصلح، أو تحذير لقبيلةٍ أو إنسان من أن تُحدِّثه نفسه بالتعدِّي على قومه. ثم ينتهي في قصيدته من غير تكلُّفٍ أيضًا في الوقوف.

والعربي قوي الملاحظة، حادُّ الذكاء، قويُّ العاطفة، ووحدته في الصحراء الفسيحة ذات النغمة الواحدة تقريبًا جعلتْهُ يشعُر بوحدته وعُزلته فيلتَفِتُ إلى التفكير في نفسه ووحشته عن عُزلته، وحنينه إلى زوجته وحبيبته، وملاحظة ما يطرأ على الطبيعة — التي تجري على نمَطٍ واحدٍ تقريبًا — من التغيُّر، فيلفِت نظرَه الرعد إذا رعد، والبرق إذا لمَع، والغزال إذا ظهر، ويُسجِّل ذلك كلَّه في شِعره.

حياة الشاعر بدَوية، وجوُّه الذي يسبح فيه بدَوي أيضًا، وشِعره بدوي في موضوعه وصيغته، وبساطةِ وصفِه، وبساطة فنِّه.

وممَّا يستوقِف النظر كثرة ما صدر عن الشعراء في هذه الحقبة القصيرة، فكلُّ ما رُوي لنا من الشعر الجاهلي الكثير هو نتاجُ أقلَّ من قرنٍ ونصف — من قتل كليب إلى مبعث النبي — كما يستوقِف النظر وحدة اللغة واللهجة والأسلوب والوزن في الشعر الذي صدر من قبائل مختلفة في اللهجة، فهل هذا يرجع إلى ما قرَّب بينهم الحجُّ إلى مكة، واجتماعهم بسُوق عكاظ، أو اتِّخاذ الشعراء عامَّة لهجةً خاصة وأسلوبًا خاصًّا في الشعر غير أسلوبهم في حديثهم اليومي المألوف؟ قد يكون ذلك وقد يكون غير ذلك.

على أنَّ الشعر — في هذا العهد — لم يكن كلُّه نتاج بدَوِيِّين، بل منهم من كان يُخالط المدنية الفارسية في الحيرة والعراق، ومن يُخالط المدنية الرومانية في الشام، فيرتحِل الشعراء إلى المناذرة الواقِعين تحت نفوذ الفُرس، والغساسنة تحت نفوذ الروم. وقد تأثر شعر الشعراء بعض التأثُّر بهاتَين الحضارتين.

كما كان من شعراء العرب — غير الجمهرة العُظمى من الوثنيين — شعراء من اليهود وشعراء من النصارى تلوَّن شعرهم بعض التلوُّن بالديانتَين.

وأعظم ما خلَّفه لنا ذلك العصر المُعلقات السبع، وفيها مِصداق ما ذكَرْنا في الشعر الجاهلي.

فامرؤ القيس، صاحب المُعلقة الأولى، كان شابًّا لاهيًا، وكان أبوه حُجْر ملك بني أسد، فنشأ امرؤ القيس يُحِبُّ اللهو ويُشبِّب بالنساء، وفي عهد شبابه قال مُعلَّقته، وموضوعها الغزَل في بِنت عمِّه عُنيزة، يبكي أطلالها، ويذكُر أيام لهوِه مع أحبَّته، وهو في غزلِه فاجِر داعِر، لا يتعفَّف عن وصف، ولا يكتفي بإيماء، ويجيد في أثناء ذلك وصف الليل، ووصف الوادي المُقفِر تعوي فيه الذئاب، ووصف فرَسِه وسرعة عدْوِه، ووصف صيدِه لبقَر الوحش، ووصف البرق، ووصف المطر، ويختمها بأنَّ الطيور لمَّا رأت الخصب بعد المطر فرِحَت وغنَّت كأنها سكارى. ويعدُّ امرؤ القيس إمام الشعراء، فتح لهم الطريق، وساروا على أثرِه في غزلِه، وإطالة وصفِه، وجودة تشبيهاته.

والمعلقة الثانية معلقة طرَفة، وكان هو وقبيلته بكر بن وائل يعيشون في البحرين (على الخليج الفارسي) حيث الماء والأمواج والسفن والملاحة، فكانت تشبيهاته مُشتقَّة من بيئته، فهو يُشبِّه الجمل بالسفينة، ويُشبِّه سَير الإبل بسير السفن «يجور بها الملاح طورًا ويهتدي.»

وموضوع مُعلقته، شرَح نفسيته — وقد أنفق ماله في اللهو وعاد إلى قومه صفر اليدين — وحالته ونظرتَه إلى الحياة.

يصف فراقه لخَوْلة، ويصف ناقتَها وناقته، ويفخر بنفسه وصِفاته ونظرته إلى الحياة، فهو فتى الفتيان، لا يبخَل بالعطاء، ويُلجأ إليه في المشورة، وذو نسَبٍ رفيع؛ ينهمِك في اللهو والشراب، ويُتلِف ماله حتى تتحاماه عشيرته، وتُفرده إفراد البعير الأجرب، ثم يردُّ على من عنَّفه في سلوكه بأن الحياة فانية والخلود مُحال.

ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمِّه لأنه لم يُعِنْه على استرداد إبل أخيه، وقد سُلِبت منه، ويشكو من ظُلم قومِه، وينتابُه الحزن إذا ذُكِر ذلك، ويعود فيرفع رأسه ويفخر بنفسه، ويختمها بأبياتٍ من الحِكمة.

وميزة هذه المُعلقة أنها تصِف طبقةً من شباب العرب تضيع أموالها في اللهو والشراب، ولا تعبأ بالحياة، تطلُب المجد من طريق الكرم وبذْل المال في الحروب، ولكن بعدُ ما يكون، فما الحياة؟ إنَّ الموت ليُسوِّي بين الغني والفقير، والكريم والبخيل.

ثم نأتي إلى مُعلقة عمرو بن كلثوم وهو من قبيلة تَغْلِب، ومن بيت الشرَف فيها، أبوه كلثوم سيد قبيلته، وأمُّه ليلى أعز امرأة في قومِه، لأنَّ أباها مُهَلْهِلًا سيد ربيعة، وعمَّها كليب وائل أعزُّ العرب، وكان بين قبيلتي تغلِب وبكر خصومة حادة، تتنازعان الفخر والشرَف وتتحاكمان في ذلك، وقد قتل عمرو بن كلثوم ملك الحيرة عمرو بن هند لأنَّ أمَّ الثاني أرادت أن تستذِلَّ أمَّ الأول، وفي هذا الجوِّ كلِّه قال عمرو بن كلثوم مُعلقته يصِف الخمر ويتغزَّل، ويفخر بنفسه وقومه، ويَحكي قتلَهُ عمرو بن هند ويذكُر أسباب ذلك.

والمعلقة مملوءة فخرًا صادقًا قويًّا صدَر عن نفسٍ تعتزُّ بقوتها وقوة قبيلتها، وتتغنَّى بفعالها وفعال قومها، وظلَّت هذه المعلقة أغنية بني تغلِب ومفخرتَها في الجاهلية والإسلام.

وإذا كان عمرو بن كلثوم شاعر تغلِب فالحارث بن حِلِّزَة شاعر بكر عدُوَّتِها يُشيد بذِكرها، ويُعدِّد فِعالها، وينقضُ في معلقته قول عمرو بن كلثوم في معلقته. ويظهر أنَّ الحارث قال مُعلقته وهو مُتقدِّم في السن، فلئن كان عمرو بن كلثوم نزقًا خفيفًا، فالحارث وقُور رزين، يردُّ في أناةٍ وهدوء ولكنه هدوءٌ لاذِع، يُفنِّد قوله، ويُعدِّدُ مواقف قومِه، ويُحمِّل تغلِب تبِعَة الحروب.

ونأتي بعدُ إلى معلقة عنترة العبسي، وكان يسكُن هو وقومه نجدًا، وكانت أمُّه أمَةً حبشية سوداء، فخرج هو أيضًا أسودَ كالغراب، فكان ذلك يحزُّ في نفسه، ويدعوه إلى أن يأتيَ بالأعمال العظيمة التي تُعوِّض نقصَه، فأبلى بلاءً حسنًا في حرب داحس والغبراء، وأتى من البطولة في الدفاع عن قومِهِ ما جعله سيدًا حرًّا.

يتَمدَّح في مُعلقته بالشجاعة وصِفات البدو من كرمٍ ومروءة، ويتغنَّى بمواقفه في الحروب — ويتغزَّل فيها بابنة عمِّه «عَبْلة» ويسترضيها بوقائعه ومشاهِدِه إذ عجز أن يسترضِيَها بلونه — ويصِف موقعة من وقائعه في القتال والأعداء تُقبل، والناس يلهَجون بذِكره ويهتفون باسمه، فيُنازلهم وينال منهم كلَّ منال، ويتغنَّى كثيرًا بمكارم الأخلاق، وكانت شجاعته وأعماله مثارًا للإعجاب حتى استغلَّها القُصَّاص فوضعوا حولَها الروايات والقصص.

ثُمَّ معلقة زهير الرجل الوقور الحكيم، يروِّي في شعره فينظُم القصيدة في شهر، ويُنقِّحها ويُهذِّبها في سنة، فيأتي شِعره مُتزنًا يغلب فيه العقل، ويجمع الكثير من المعنى في القليل من اللفظ، ويميل إلى قول الحِكمة الدالَّة على كِبَر عقله، وكثرة تجاريبه، وعِلمه بأحوال الزمان — إنْ كان مَن ذَكَرْنا قبل أمثال عمرو بن كلثوم والحارث بن حِلَّزة وعنترة يؤجِّجون نيران الحرب فهو يدعو إلى السِّلم، ويُبين أهوال الحرب ومزايا الصلح — لم يَسلَم في معلقته من الغزَل الذي التزَمَه الشعراء فيتغزَّل في زوجه «أم أوفى»، ويصِف الظعائن والهوادج، ثُم يمدح هِرَم بن سنان والحارث بن عوف لسَعيِهما في الصُّلح بين عبس وذبيان، وتَحمُّلِهما الدِّيات؛ ويدعوه ذلك إلى وصف الحرب وويلاتها وشرورها، والسِّلم ومَزاياه، ويذمُّ الحُصَين بن ضمضم لإشعاله نار الحرب، ويختم ذلك بأبياتٍ من الحكمة في الغاية من الجودة.

وتأتي مُعلَّقة لبيد وهو شاعر بدوي، كان شريفًا جوادًا شجاعًا، فلمَّا جاء الإسلام أسلَمَ وترك الشِّعر.

ومُعلقته يظهر أنه قالَها في شبابه، يبدؤها — كالعادة — ببكاء الأطلال وفِعل السيول بها، حتى لم يبقَ منها أثرٌ إلَّا كأثَرِ الكتابة في الحجارة لا يَتبيَّنها إلا من قرُب منها، ثم يصِفُ ناقتَه وصفًا طويلًا، تارة يُشبِّهها بالسحابة، وتارة بأتانٍ وحشية وتارة بقرة وحشية، وفي كل تشبيهٍ من هذه التشبيهات يستقصي وصف المُشبَّه به حتى يصِل إلى غايته، ثم يصِف نفسه بالإباء وبالكرم، وأنه يلعَب المَيسِر على الجزور ويُطعمها الناس، ويصِف قومَه بأنهم أهل كرم ونجدة وعقل وأمانة.

•••

وغير أصحاب المُعلقات النابغة الذبياني والأعشى، وكلاهما اتَّصل بالملوك على التُّخوم واستفاد من ذاك غنًى وثروة وخِبرة بالحياة المدنية، فالنابغة اتَّصل بالنعمان ملك الحيرة وبالحارث الغسَّاني في دمشق ونال منهما ثروةً طائلة، حتى قالوا إنه كان يأكُل في صحافٍ من الذهب والفضة، وصقَل ذلك من شِعره وأجاد في وصف الطبيعة. والأعشى اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء، فوسَّع ذلك في معارفه وأثَّر في شعره، وأكثر من وصف الخمر حتى عُدَّ إمامًا للشعراء الخمريِّين من بعدِه.

•••

وهنالك ضرب آخَر من الشعراء يُطلَق عليهم الصعاليك لفقرِهم وعيشتهم على السَّلب والنهب؛ كالشَّنْفَرَى وتأبَّط شرًّا، قد مُلئ شِعرهم بوصف البيداء والسَّلب والانتقام، ووصف المُغامرات، وسرعة العَدْو، ومعرفة الصحراء ومسالكها، ونحو ذلك مما تقتضيه حياة التصعلُك.

•••

وفي الحقِّ أنَّ الشعر العربي الجاهلي نمَط وحدَه، مُستقل في موضوعه وأوزانه وأساليبه عن غيرِه من الشعر اليوناني والرُّوماني ونحوِهما ممَّا هو أساسٌ للأدب الغربي، ذلك لأنَّ الشعر العربي نبَعَ من بيئةٍ تُخالف تمام المُخالفة بيئة اليونان والرومان، وطبيعة مَعيشة العرب تُخالف مَعيشتهما، ووحي إقليمهم ونظامهم الاجتماعي يُخالف وحي إقليمهما ونظامهما، فإن بُحث فيما يُشبه الشِّعر العربي فليُبحَث عنه في الآداب التي نبعتْ من جزيرة العرب وما حولَها، كالأدب الفينيقي والأشوري والبابلي والعبري، لا في الأدب اليوناني والروماني.

وإذا قال كثيرٌ من المُستشرقين إنهم لم يتذوَّقوا أكثرَ ما تُرجِم من الشعر الجاهلي العربي إلى اللغات الأوروبية، وأنهم يرَونَه واقعيًّا لا مَثليًّا، وماديًّا لا رُوحانيَّةَ فيه؛ فعِلَّةُ ذلك أنهم لا يستطيعون تذوُّقَه إلَّا إذا عاشوا بمُطالعتهم وكثرة قراءتهم في الجو العربي، وفهِموا عاداتهم وتقاليدهم وعيشتهم الاجتماعية، ثم عرفوا كيف اشتقَّ العرب من حياتهم هذه أدبًا وشعرًا، وحتى هذا نفسه شرط أساسيٌّ لفَهم أبناء العرب أنفسهم — من المُعاصِرين المُتحضِّرين — للشعر الجاهلي.

فتشبيه الليل بأنه كالجبل يتمطَّى بصُلبه، والبرْق كمصابيح راهِب أمال السَّليط، ونحو ذلك، قد لا يَستسيغُه المُتحضِّر، ولكنه بديع عند من عاش في بيئته، وكذلك الشأن في الوزن المُوسيقي للشعر، والخطوات التي يتَّبِعها الشاعر في نظم قصيدته، وهكذا.

وسبب آخَر وهو ما أشرنا إليه قبلُ من أنَّ الشعر إذا تُرجِم فقَدَ كثيرًا من جمالِه، مهما صدقت ترجمتُه.

وقد ألِف الأوربيُّون تقسيم الشعر إلى شِعر الملاحم، أو الشِّعر القصعي — كما أسلَفْنا — ويَعنون به الشِّعر الذي قيل في الوقائع الحربية والمناقب القومية ونحو ذلك في شكلٍ قصصي، كإلياذة هوميروس، وشاهنامة الفردوسي، وشعر تمثيلي وهو الشعر يصوِّر حادثة، ويتصوَّر لها أشخاصًا ينطق كل منهم بما يتَّفِق وشخصيَّته ومَوقعه، وشِعر غنائي، وهو الشعر الذي يُعبِّر به الشاعر عن شعوره.

وأتبعوا ذلك بنوعٍ رابع، وهو الشعر التعليمي، ويَعنُون به نوعًا من الشِّعر يُعلِّم به الشاعر طائفة من الحِكَم ونحوها.

والشعر العربي لا ينطبق عليه هذا التقسيم، لأنه لم يتَّجِه نحو التمثيل ولا الملاحم، وأكثرُ شعرهم من النوع الذي يُسمِّيه الفرنج شعرًا غنائيًّا، ولذلك قسَّمُوه إلى فخرٍ وحماسة ورثاءٍ وهجاء وغزَل … إلخ، وكلها داخلة في الغنائي.

ولم يرِد من الشِّعر الجاهلي مَلاحم إلَّا قصص قصيرة بدائية كالقصة التي وردتْ في شِعر عمرو بن كلثوم:

أبا هند فلا تعجَل علينا
وأنظِرْنا نُخبِّرك اليَقينا

… إلخ.

وقصَّة الحارث بن حِلِّزة:

أيها الشانئ المُبلِّغ عنَّا
عند عمرو وهل لذاك لقاء؟

… إلخ.

وقصَّة الأعشى في حادثة السموءل:

كن كالسموءل إذ طاف الهُمام به
في جحفلٍ كهزيع الليل جرَّار

… إلخ.

ولهم بعض شِعر تعليمي كأبيات زُهير ومن، ومن.

لذلك كُلِّه لا يصحُّ أن نُخضع الشعر العربي لهذا التقسيم، وهذا الذَّوق، فقد كان للعرب منحاها وذَوقها.

•••

جاء الإسلام فدعا إلى تعاليم تُغاير العقلية الجاهلية، وترسُم مَثلًا للحياة غير المثَل الجاهلي.

الجاهلي يفخَر بالنَّسب، ويُكاثر بالأموال والأبناء، وينصُر أخاه ظالمًا أو مظلومًا، ويُدِلُّ بإتلافه المال لحُسن الأحدوثة، ويقوِّم أعماله للدُّنيا وحدَها، ويَفنى في قبيلته، فخيرُها خيرُه، وشرُّها شرُّه. والغَنيُّ يُزهى بمُعاقرته الخمر، ولَعِبِه المَيسر، وهِبته للمكسب، وبفِعاله وفِعال قومِه، ويعتزُّ بأنه يَحمي مالَه وجارَه، ومن التجأ إليه، وإذا فعل فلا حقَّ لأحدٍ أن يسأله عمَّا جنى، والفقير يسلُب من غير قبيلته، وينهَبُ إن استطاع … إلخ.

فلمَّا جاء الإسلام دعا إلى غير ذلك: لا فخرَ بالأنساب ولا بالمال والبنين، إنما الفخرُ بالعمل الصالح، والظالِم يُقتَصُّ منه كائنًا من كان، والجاني يُقاد منه أيًّا كان، والإنسان مسئول عن ماله يُنفِقه في وجوهِ البرِّ لا في العظمة الشخصية، ولا خمرَ ولا مَيْسر، يدخل حساب الآخرة، فمَن يعمل مِثقال ذرةٍ خيرًا يرَه، ومن يعمل مِثقال ذرةٍ شرًّا يره — الغنيُّ والفقير سواء عند الله، كلٌّ يُحاسَب بالعدل على ما أتى — وفوق ذلك كلِّه لا لاتَ ولا عُزَّى، ولا قرابين ولا صنم ولا أوثان، ولكن لا إله إلا الله.

عقلية جديدة حاربتِ العقلية القديمة، وانضمَّ تحت لواء الإسلام قَوم، وأبى آخرون، وتحاربوا بالبلاغة أولًا، ثم بالبلاغة والسَّيف ثانيًا.

وظهر مظهرٌ جديد، وهو أنَّ الحروب الجاهلية كانت بين قبيلة وقبيلة، أو مجموعة من القبائل ومجموعة مثلها. أما الآن فأساس القتال دِين ودِين، أو إسلامٌ وكُفر، مُسلمون من قبائل متعدِّدة أمام مُشركين من القبائل نفسها أو نحو ذلك؛ لهذا تلوَّن الشعر تلوُّنًا جديدًا، فلم يكن أهمَّ ما يدور حوله اعتزاز بقبيلة، وإنما اعتزاز بدِين، وإن لم يُنسَ القديم تمامًا؛ فكان من شعراء المُسلمين حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، ومن شعراء المُشركين عبد الله بن الزِّبَعْرِي، والنضر بن الحارث، وظهرت في الشعر المعاني الجديدة الدِّينية. فحمزة يقول يوم بدر:

وفينا جنود الله حين يمدُّنا
بهم في مَقامٍ تَمَّ مُسْتَوضَح الذِّكْرِ
فشدَّ بهم جبريلُ تحتَ لوائنا
لدى مأزقٍ فيه مَنايا بهم تجري

وحسَّان يقول يوم أحد:

فلا تذكُروا قتلى وحمزةُ فيهم
قتيلٌ ثوَى لله وهو مُطيع
فإنَّ جنان الخُلد منزلة له
وأمر الذي يقضي الأمور سَريع
وقتلاكُمُ في النار أفضل رِزقِهم
حميمٌ مَعًا في جَوْفِها وضريع

وعلى هذا حلَّت العصبية الدينية محلَّ العصبية القبلية، أو بعبارةٍ أدقَّ جاءت العصبية الدينية بجانب العصبية القبلية، لأنَّ العرب لم يستطيعوا أن يتخلَّوا عن عصبيَّتِهم المَوروثة.

فلمَّا انتصر الإسلام ودخل العرب فيه أفواجًا وقفَ الشِّعر هنيهة، ولم يكن له من الحظ ما كان له في الجاهلية، لأنَّ القرآن يقول: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، ولأنَّ دواعي الشعر القديمة لم تعُد لها قيمتها، ولم تُخلَق بعدُ الدواعي الجديدة التي تتَّفِق والإسلام؛ ولهذا كان الشعراء المُخضرَمون الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام شعرهم في الجاهلية أقوى منه في الإسلام كحسَّان بن ثابت، وأُمية بن أبي الصَّلت؛ حتى إذا جاءت الفتوح في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، نشأ نوع من الشعر طريف يَصحُّ أن نُسمِّيه شِعر الفتوح والغزوات، فيه تعتزُّ العرب بقومِيَّتها ودِينها وفِعالها، مثل قول قيس بن المكشوح:

جلبتُ الخيلَ من صنعاء تَرْدى
بكلِّ مُدجَّج كاللَّيث سام
إلى وادي القُرى فدِيار كلبٍ
إلى اليرموك فالبلَدِ الشآمي
وجئنَ القادسية بعد شهرٍ
مُسوَّمةً دوابرها دوام
فناهضنا هنالك جمع كِسرى
وأبناء المَرازبة الكرام
فلمَّا أن رأيتُ الخيل جالَتْ
قصدْتُ لموقف الملك الهُمام
فأضرِبُ رأسَه فهوى صريعًا
بسيفٍ لا أفلَّ ولا كَهامِ
وقد أبلى الإله هناك خيرًا
وفعلُ الخير عند الله نَامِ

وقول عروة بن زيد الخيل:

برزتُ لأهل القادسية مُعلِمًا
وما كلُّ من يغشى الكريهةَ يُعلِمُ
وأقعصتُ منهم فارسًا بعد فارسٍ
وما كلُّ من يَلْقى الفوارسَ يَسْلَمُ
ونجَّاني اللهُ الأجلُّ وجُرأتي
وسيفٌ لأطراف المَرازب مِخذَمُ
وأيقنتُ يومَ الدَّيلَمِيِّين أنني
متى ينصرِفْ وجهي إلى القومِ يُهزَموا
فما رُمتُ حتى مزَّقوا برِماحهم
قِبائي وحتى بلَّ أخمصيَ الدمُ
محافظةً إلى امرؤٌ ذو حفيظةٍ
إذا لم أجد مُستأخرًا أتقدَّمُ

… إلخ.

ودوَّى المسلمون بالقرآن دوِيَّ النحل، وتذوَّقوه في موضوعه وأسلوبه، وتشرَّبوا روحه، واتَّخذوه إمامًا في الأدب، وتلاوةً في الصلاة، وقانونًا يحكُم فيما يعرِض لهم من أحداث، ومادة لُغة، وشاهدًا على صحة التعبير وجودة الأسلوب، فكان أثره في الثقافة الإسلامية بجميع نواحيها، وتعدُّد فروعها لا يُقدَّر. ومن الناحية الأدبية كان تأثيرُه في اللغة والأسلوب في جميع الأقطار الإسلامية قويًّا واضحًا إلى اليوم، وكان أثرُه في النثر أكثرَ منه في الشعر، فالنثر اتَّخذ إمامه القرآن، والشعر اتَّخذ إمامه الشعر الجاهلي، وإن لم يخلُ الشعر الإسلامي من أثر بالقرآن، أحيانًا بلفظِه وأحيانًا بموضوعه، فاستعملوا أحيانًا ألفاظًا قرآنية، كالمُؤمِن والكافر، والصلاة والصوم والزكاة، وأحيانًا موضوعات قرآنية، كقول القطامي يصِف سفينة نوح ويذكُر قصته مع قومه ويذكُر الطوفان:

ونادى صاحِب التنُّور نوح
وصُبَّ عليهم منه البَوَارُ
وضَجُّوا عند جَيْئته وفرُّوا
ولا يُنجي من القدَر الحذارُ
وجاش الماء مُنهمرًا إليهم
كأنَّ غثاءه خِرَقٌ تُسارُ
وعامت وهي قاصدةٌ بأذن
ولولا الله جارَ بها الجوارُ
إلى الجُوديِّ حتى صار حِجرًا
وحانَ لتالِكَ الغُمرِ انحسارُ
فهذا فيه مَوعظةٌ وحُكم
ولكني امرؤ فيَّ افتخارُ

وقد اتَّجه المسلمون إلى الفتوح ففتحوا فارس والعراق والشام ومصر والمغرب، وتدفُّق العرب من الجزيرة إلى هذه البلاد التي غرِقت بالمدنية والحضارة، فاستفادوا كثيرًا من هذه المدنيَّات، ووسَّعوا أُفقَهم في الحياة، وظلَّ أكثرهم أول الأمر محافظًا على جنديته وبدويته، وأقام بعضهم في المدن، ثم أخذوا جميعًا يتشرَّبون الحضارة شيئًا فشيئًا. ونشأ تغيُّر عظيم في الحياة الاجتماعية، فالمال تدفَّق في مدن الحجاز — وخاصة مكة — بما نال الفاتحين من نصيبِهم في الفتوح، وكثُرت فيها الموالي من رجالٍ وإماءٍ من الفُرس والرُّوم وغيرهما، فأصبح الحجاز مصدرًا لحياتَين مُتناقِضتين تمام التناقُض، حياة الدين والعِلم الديني من قرآنٍ وتفسير وحديث وتشريع، ولا سيما المدينة، يُرسِل الناس أبناءهم إليها لدراسة هذه العلوم؛ وحياة ترَفٍ ونعيم بعثَتْ على تقدُّم الغناء بفِعل الإماء الفارسيَّات والرُّوميات ولا سيما مكة. وزاد ذلك وضوحًا عندما استولى الأمويُّون على الخلافة وحصروها في أيديهم، ونحَّوا غيرهم من القرشيين والأنصار من مُشاركتهم في الحكم، فكانت الحجاز — وأعني مكة والمدينة — تُصدِّر الإماء المُغنِّيات والشبان المُغنِّين حتى للمدن المُتحضرة كدمشق والبصرة والكوفة. وتبع رُقِي فنِّ الغناء رُقِي الشعر، وخاصة من الغزل بما أُنشئ من الشعر للغناء، وما اختير من القديم له، ولذلك لم يرتَقِ من الشعر في العصر الإسلامي رُقيًّا واضحًا إلى الغزل. وكثير من العرب سكنوا الأمصار المفتوحة، ولم يعودوا إلى الجزيرة فضعُف شأنها إلا المدينتَين الكبيرتَين مكة والمدينة، ولهذا كان فحول الشعراء الذين اتبعوا عمود الشعر الجاهلي عراقيين مسكنًا، كجرير، والفرزدق، والأخطل، وهم رافعو لواء الشعر القديم، والجارون على سُنَنه في تكوين القصائد واختيار موضوعاته.

وزاد رجوع الشعر إلى العهد القديم قوَّةً أن استولى الأمويون على الخلافة وجعلوا عاصمتهم دمشق، حيث كان أسلافهم من الغساسنة، وأعادوا استقبال الشعراء في بلاطهم، وأفسحوا لهم صدورَهم، وأجزلوا لهم العطاء، وحرَّضوا على القول في موضوعات الفخر والهجاء كالذي كان بين القبائل أيام الجاهلية، وبذلك حيِيَ الشعر الجاهلي ونما. وكان لحياته سبب آخَر دِيني، وهو أن مُفسِّري القرآن كابن عباس استخدم الشعر الجاهلي في ألفاظه وتراكيبه للاستعانة به على تفسير ألفاظ القرآن وأساليبه، وجرى الناس في ذلك على أثَرِه.

وغاية الأمر أنَّ الفخر والهجاء في العصر الأُموي لم يقتصرا على الخصومة بين قبيلة وقبيلة، بل كان — كذلك — بين أمويين وهاشميِّين وأمويين وأنصار، وقبائل مُوالية للأمويين، وقبائل مُعادية، فلمَّا ظهرت الأحزاب من أُمويين وزُبيريين (أتباع عبد الله بن الزبير) وعلويين (أتباع علي بن أبي طالب وذُريته) وخوارج، كان لكلِّ مذهبٍ شعراؤه يشيدون بذكره، ويفخرون بفعاله، ويهجون خصومه.

كان أهم جديد في هذا العصر — كما أشرْنا قبل — رُقِي شعر الغزل، وفتْح شعرائه أبوابًا لم يفتحها الشعر الجاهلي لكثرة السبايا الجميلات، ولِما فعلَتْه الحضارة والنعيم في صقل الذَّوق، ولتوسيع الأُمويين صدرهم للغزل والتشبيب، ولإقدام بعض سادة قريش على الخَوض في هذا الباب مُحتميًا بعصبيَّتِه ومنزلته، ولتحرُّر بعض القبائل العربية من قيود الحجاب والتقاليد، وللفراغ مع الغنى.

فظهر جميل بن مَعْمر المُعاصر لعبد الملك بن مروان، وأكثرَ من القول في حبيبته بُثينة، وكان في غزله «إمام المُحبِّين»؛ كقوله:

ألا ليتَ رَيعان الشباب جديدُ
ودهرًا تولَّى يا بُثَيْن يَعُودُ
فنغنَى كما كنَّا نكون وأنتم
قريب وإذ ما تبذلين زَهيدُ
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً
بوادي القُرى إنِّي إذًا لسعيدُ
وهل ألْفيَنْ فردًا بثينة مرَّةً
تجود لنا من وُدِّنا ونجُودُ
عَلِقتُ الهوى منها وليدًا فلم يزَلْ
إلى اليوم ينمى حُبُّها ويزيدُ
وأفنيتُ عمري بانتظاري وعدَها
وأبليتُ فيها الدهر وهو جديدُ
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالبًا
ولا حبُّها فيما يَبيد يَبيدُ
فما أنسَ مِل أشياء لا أنسَ قولَها
وقد قَرَّبت نِضوِي أمِصرَ تُريدُ
ولا قولَها لولا العيون التي ترى
لزُرتُك فاعذُرني فدتْكَ جدودُ
خليليَّ ما ألقى من الوَجد قاتلي
ودمعي بما قلتُ الغداة شهيدُ
يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ
وأي جهادٍ غيرهنَّ أريدُ
لكلِّ حديثٍ بينهنَّ بشاشة
وكل قتيلٍ عندهنَّ شهيدُ
إذا قلتُ ما بي يا بُثينة قاتلي
من الحُبِّ قالت: ثابِتٌ ويزيدُ
وإن قلتُ رُدِّي بعضَ عقلي أعشْ به
مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ
ألا قد أرى والله أنْ رُبَّ عبرةٍ
إذا الدار شطَّت بيننا ستَرُودُ
إذا فكرت قالتْ قد ادْركتُ وُدَّه
وما ضرَّني بُخلي، فكيف أجودُ
فلو تُكشَفُ الأحشاء صُودِفَ تحتها
لبُثْنةَ حُبٌّ طارِف وتليدُ
تُذكِّرُنِيها كلُّ ريحٍ مريضة
لها بالتِّلاع القاوِيات وئيدُ
وقد تلتقي الأشتات بعدَ تفرُّقٍ
وقد تُدرَك الحاجاتُ وهي بعيدُ

وظهر مجنون ليلى، وقد اتَّخذ الناس من سيرته وشعرِه وحُبِّه مَنبعًا للقصص والروايات الغرامية كما فعلوا في عنترة وشجاعته؛ كقوله:

جرى السَّيلُ فاستبكاني السَّيل إذ جرى
وفاضت له من مُقلتيَّ غروب
وما ذاك إلَّا حين أيقنتُ أنه
يكون بوادٍ أنتِ منه قريب
فيا ساكني أكنافِ نخلةَ كُلَّكم
إلى القلب من أجل الحبيبِ حبيبُ
أظلُّ غريبَ الدار في أرض عامرٍ
إلى كل مهجورٍ هناك غريب
وإنَّ الكثيب الفردَ من أيمن الحِمى
إليَّ وإن لم آتِهِ لحبيبُ
ولا خير في الدُّنيا إذا أنتَ لم تزُر
حبيبًا ولم يطرُقْ إليك حبيبُ

وكُثيِّر عزة، كقوله:

يُزهِّدني في حبِّ عَزَّةَ مَعشر
قلوبهمُ فيها مُخالِفةٌ قلبي
فقلت: دَعُوا قلبي وما اختار وارتَضى
فبِالقلب لا بالعَين يُبصِر ذو اللبِّ
وما تُبصر العينان في موضع الهوى
ولا تسمع الآذان إلَّا مِن القلبِ

وكل هؤلاء اقتصروا على محبوبةٍ واحدة قالوا فيها شعرهم، وإن سمَّوها أحيانًا أسماء مُتعدِّدة. أما عمر بن أبي ربيعة فقد تشبَّب بالنساء، ولم يقتصر على واحدةٍ وتبِعَ الحُسن أنَّى كان، وكان قُرشيًّا من بيت شرَف، جميلًا لاهيًا، فاستطاع أن يتعرَّض لأشهر نساء العرَب وأجملهنَّ، حتى لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وإن لم يذكُر اسمَها. وكان كثيرٌ من النساء يُعجبهنَّ تشبيبُه بهنَّ، ويَرَين في شِعره تسجيلًا لجمالهنَّ وإعلانًا بين الناس لحُسنهن. وقصر شِعرَه الكثير على النساء والتشبيب، وابتدع في شِعره القصص القصيرة، ورواية أحاديث النساء، وما يجُول بخاطرهن، وأكثرَ من وصفِهِ لكلِّ ما يتَّصِل بهنَّ من ملبسٍ ومُداعبة وتلاوُم ومُلاقاة، وزيارته لهنَّ في المنازل، ومُقابلتهنَّ في مناسك الحج، كقوله:

طال ليلِي وتعنَّاني الطرَبْ
واعتراني طولُ همٍّ وَنَصَبْ
أرسلت أسماءُ في معتبَةٍ
عَتَبَتْها وهي أحلى مَن عَتَبْ
أنْ أتى منها رسولٌ مُوهنًا
وَجَدَ الحيَّ نيامًا فانقلبْ
ضرب البابَ فلمْ يشعُرْ به
أحدٌ يفتح بابًا إذ ضَرَبْ
قال أيقاظٌ ولكن حاجة
عرَضَتْ تُكتَم منَّا فاحتجبْ
ولَعَمْدًا رَدَّني، فاجتهدت
بيمين حلفتْ عند الغضبْ
يشهدُ الرحمنُ لا يجمَعُنا
سقفُ بيتٍ رجَبًا بعد رَجبْ
قلتُ حلًّا فاقبلي مَعذِرتي
ما كذا يَجزي مُحبٌّ من أحَبْ
إنَّ كَفِّي لكِ رهنٌ بالرضا
فأقبلي يا هندُ! قالت: قد وَجَبْ

وظهر في هذا العصر الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان ماجنًا يُفرِط في الشراب ويَهيم بالنساء، وقد أكثر كذلك من شِعر الغزل الرقيق ومن شعر الخمر حتى يُعدُّ في ذلك إمامًا لأبي نواس، كقوله:

علِّلاني واسقِياني
من شرابٍ أصبهاني
من شراب الشيخ كِسرى
أو شراب الهرمزاني
إن في الكأس لَمِسكًا
أو بِكفَّي من سقاني
إنما الكأس ربيع
يُتَعاطى بالبنانِ
وَحميَّا الكأسِ دبَّت
بين رِجلي ولساني

حتى إذا جاء العصر العبَّاسي رأيْنا أن الدولة العباسية قامت على أكتاف الفُرس والعرب المُناهضين للدولة الأُموية ممَّن يُناصرون الهاشميين (علويين وعباسيين). فأصبح نفوذ الفرس عظيمًا، وصبغوا الدولة بصِبغتهم بعدَ أن كان الأمويون يصبغونها بالصبغة العربية الخالِصة؛ فأصبحنا نرى من الفُرس قُوَّاد جيوش ووزراء وحجَّابًا وولاةً وكتَّابًا. وكان من مظهر هذا النفوذ نقْل عاصمة الخلافة إلى العراق وإنشاء مدينة بغداد بجوار مدائن كِسرى، وظهرت حركة الشعوبية تدعو إلى المُساواة وهدْم سيادة العرب. وتَبِع ذلك المُناداة بمذهب التخيُّر؛ أي تخيُّر خير ما في الحضارات القديمة وتوسيع الصدر لها والعمل بها.

فنسَّقوا الدواوين وأساليب الحرب ونُظُم الحكم والحياة الاجتماعية العائلية من ملبسٍ ومسكنٍ ومأكل ومَشرب وأعيادٍ على نظام الفُرس، واقتبسوا كثيرًا من عاداتهم، وأخذ الخلفاء العبَّاسيون يُشجِّعون الحركة العلمية في شتَّى نواحيها، ويَمدُّونها بمالِهم وجاههم، على عكس الدولة الأموية؛ إذ كانت لا تُشجِّع إلَّا الحركة الأدبية وما إليها من موسيقى وغناء، وذلك لشدَّة تأثر العباسيين بالحضارات القديمة، ولأنَّ التقدُّم في المدنية يخطو بالتدريج خطوات: خطا الأولى منها الأمويون، وخطا الخطوات الأُخرى العباسيون؛ ولأنهم حكموا شُعوبًا مختلفة مُتعدِّدة لكلٍّ منها مُميزات، فرأوا من حُسن السياسة اختيار خير ما عند كلٍّ منهم، فأخذوا من الفرس ما أشرْنا إليه قبل، وكان اليونان قد بذَروا بذور علومهم وآدابهم في الشَّرق من عهد فتح الإسكندر، فنشروا فيه فلسفتَهم وطبَّهم وفَلَكَهم، ووُجِد عُلماء في الشرق يعكفون عليها ويُترجمونها إلى اللغة السريانية وانتشروا في الأديار العراقية والشامية، وفلسَفوا بها النصرانية في شمالي العراق، وأسَّس النساطرة مركزًا هامًّا لهذه الثقافة اليونانية في جند يسابور. وهناك في «حَرَّان» كانت جماعةٌ وثنية نبغُوا في الدراسات اليونانية عِلميةً وأدبية، وكانوا يُسمَّون «الصائبة»، وفي الإسكندرية كانت بقايا مدرسة الإسكندرية، وهي وإن ضعُفَتْ تعاليمها ودراستها، فقد كان لها أثرٌ باقٍ في هذا العهد — فهذه كلها ذابت في الدولة العباسية ورَوَتْ أرضها وملأت جوَّها بعد أن تحوَّلت إلى اللغة العربية — وكذلك أخذوا من الهنود فلسفتَهم ورياضتهم.

هذا كله إلى نموِّ الثقافة العربية من علومٍ دينية ولغوية وأدبية. وجاء الزمن الذي نضج فيه الموالي، فاستعربوا وأتقنوا اللغة ودراسة الدِّين، فكانوا عنصرًا هامًّا في بناء صرْح المدنية العلمية، وامتزجتْ هذه الثقافات امتزاجًا غريبًا، وأثَّر كل فرعٍ منها في الفروع الأخرى، وأثَّر كل ركنٍ من أركان الدولة في الأركان الأخرى في سُرعةٍ عجيبة.

كل هذا جعل الحركة العلمية والأدبية في العصر العباسي تبلُغ أوْجَها، ولكن العنصر العربي نفسه ضعُف أمام هذه القوَّات الكبيرة، وقبضَ الفُرس على السلطة أولًا والتُّرك ثانيًا، فانحلُّوا وضعُفَت فيهم — بعد زمن — العصبية العربية، وتكسَّبوا بالزراعة والحِرَف، بعد أن كانوا جُند الدولة وقادَتَها وولاتِها وأمراءها.

وممَّا يؤسَف له أنَّ هذه الحركة العِلمية والأدبية لم تستغلَّ الأدب اليوناني — كما استغلَّت العِلم اليوناني والفلسفة اليونانية — استغلالًا كبيرًا، فلم ينقلوا مَلاحِمهم ولا رواياتهم التمثيلية ولا شِعرهم ولا سائر فنونهم الأدبية، وإنما نقلوا حِكَمهم وبعض قصصهم، ولو فعلوا لتأثَّر الأدب العربي تأثُّرًا كبيرًا، وفُتِحت له مناحٍ جديدة. ولعلَّ السبب في ذلك أنهم لم يتذوَّقوه لبُعدِه عن الذَّوق العربي، ولأنه مملوء بالآلهة التي تنفِرُ منها عقيدتُهم، ولأنَّ البيئة اليونانية الاجتماعية التي أنتجت أدبَهَم مُخالفة تمام المُخالَفة للبيئة الإسلامية مما يجعل تذوُّقَها عسيرًا، إلى غير ذلك من أسباب؛ فظلَّ تأثير الأدب الجاهلي كبيرًا على الشعر العربي، من محافظةٍ على التزام الأوزان والقافية، والابتداء بالنَّسيب والغزل، وذِكر الديار والأطلال والظعائن، ووصْفِ الناقة، وقطْع الفيافي، ووصف ما فيها من الوحش والصيد.

ومع هذا فلم يخلُ الأدب — على العموم — من تأثُّرٍ بالحضارات والثقافات والحياة العقلية والاجتماعية الجديدة.

فقد تأثَّر الشعر بالحضارة، فوصَفَ القصور والبساتين، ومجالس الأُنس، ومصايد الطير والسمك وأنواع السفن.

وزاد استعماله في المُجُون والخلاعة والتهتُّك — واستُخدِم في العصبية بين شيعة العلويين والعباسيين، وبين العرب والعجم، والغزَل في المُذكَّر ولم تكن تعرِفُه العرب — والتوسُّع في شعر الخمر والإجادة في وصفها.

وحملتهم الحضارة على ترقيق شِعرهم، واستعمال التشبيه الذي يتَّفق ومدنيَّتَهم والإكثار من الأوزان القصيرة اللطيفة.

وكان زعيم هذا التجديد شاعِر أعمى فارسي اسمُه بشَّار بن بُرد، فكان لِسانَ عصره: تهتَّكَ عصرُه فتهتَّك، وتحضَّر فتحضَّر، وتزندَقَ فتزنْدَق، وأجاب داعيَ النفوس حتى قالوا: «إنه لم يبقَ غَزِلٌ ولا غَزِلةٌ في البصرة إلَّا ويَروي من شِعر بشَّار، ولا نائحةٌ ولا مُغنيَّة إلا تتكسَّب به، ولا ذو شرف إلا وهو يَهابُهُ ويخشى مَعَرَّة لسانه.»

دعا إلى التمتُّع بالحياة ما أمكن، والجري وراء النساء، فعُسرُهنَّ إلى مُياسَرَة، وترقَّقَ في الغزل:

طال هذا الليلُ بل طالَ السهرْ
ولقد أعرِفُ ليلِي بالقِصَرْ
لم يطُلْ حتى جفاني شادِنٌ
ناعِم الأطراف فتَّان النظرْ
فكأنَّ الهمَّ شخصٌ ماثلٌ
كلَّما أبصرَهُ النومُ نَفَرْ

•••

يُكلمها طرْفي فتُومِي بطرفِها
فيُخبر عمَّا في الضمير مِن الوجدِ
فإنْ نظرَ الواشُون صدَّت وأعرضت
وإن غفلوا قالت ألستَ على العهدِ؟!

ويهجو فيُقذِع في الهجاء:

دينارُ آل سليمان ودِرهمُهمْ
كالبابليِّين حُفَّا بالعفاريتِ
لا يُوجَدان ولا يلقاهُما أحدٌ
كما سمعتَ بهاروت وماروتِ

ويعتِب على القدَر فيقول:

خُلقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخيِّرٍ
هواي ولو خُيِّرتُ كنتُ المُهذَّبا
أريد فلا أُعطى وأُعطى ولم أرِدْ
ويقصُر عِلمي أنْ أنال المُغيَّبا
وأُصرَف عن قصدي وعِلمي ثاقِب
فأرجع ما أعقبتُ إلا التَّعجُّبا
لعمري لقد غالبتُ نفسي على الهوى
لتَسْلى فكانت شهوةُ النفس أغلبَا
ومن عجَب الأيام أنَّ اجتنابَها
رشادٌ وأنِّي لا أُطيق التجنُّبا

ويصف المُنتشِي فيقول:

دارت له الكأس حتى راح باطِلُه
فطرفُه نائم في عين يَقظانِ
رَيحانة القلْب لو كانت تُساعدني
إذًا رَضيتُ بها من كلِّ ريحانِ

ويصف العناق فيقول:

فبِتْنا معًا لا يخلُصُ الماء بينَنا
إلى الصُّبح دوني حاجبٌ وستور

إلخ.

وله الشعر الجزل في الفخر والحكم.

وعلى الجملة فكان بشَّار داعيًا إلى الإسراف في طلَبِ اللذَّات، واستمتاع الإنسان ما استطاع بمُتَع الحياة.

وجاء بعدَه أبو نواس، فزاد في الطنبور نغمةً بل نغمات، فكان يرى أنَّ الحياة مَهزلة، ولا خيرَ فيها إلَّا في الاستمتاع بنعيمها، ولا بدَّ أن ينسى متاعِب الوجود بالخمر، ففتحَ في الخمر أبوابًا لم يفتحْها مَن قبلَه ولا مَن بعدَه، وانغمس في اللهو والتشبيب بالنساء والغِلمان، فكان مرآةً لطائفة اللَّاهين والعابِثين في عصرِه، وكان ذا مقدرةٍ أدبية عالية فصرفَها في هذه الفنون؛ وقد حدث عن نفسه فقال: «لا أكاد أقول شعرًا جيدًا حتى تكون نفسي طيِّبة، وأكون في بُستانٍ مُونِق، وعلى حالٍ أرتضيها من صِلةٍ أو وصلٍ أو وعْدٍ بصِلة.» سار في خمريَّاته على نهج الأعشى والأخطل والوليد بن يزيد، وفاقَهُم بمراحل أوْحَت بها عبقريَّتُه وحضارة زمانه:

اصدَعْ شجيَّ الهمومِ بالطرَبِ
وانعَمْ على الدهر بابنةٍ العنبِ
واستقبلِ العيش في غضارتِهِ
لا تقْفُ منه آثار مُنتقبِ
مِن قهوةٍ زانها تقادُمُها
فهي عجوز تعلو على الحِقَبِ
أشهى إلى الشُّربِ يومَ جلوتِها
من الفتاة الكريمة النَّسَبِ
فقد تجلَّت ورَقَّ جوهرُها
حتى تبدَّتْ في منظرٍ عجبِ
فهي بغَير المزاج من شرَرٍ
وهي لدى المزْج سائلُ الذهبِ

وابتدع الغزلَ في الذكور وأفرطَ فيه، ولم يبلُغ في غزلِهِ ما بلغَهُ في خمرِه؛ يصِف في خمرِه الحانة والخمَّار وامرأته وخمرَها المُعتَّقة، ويصِف حمْلَهُ الخمر إلى أصدقائه في بستان، وكيف شربوا بين الرياحين في غفلةِ الرُّقباء وأحداث الزمان، ويصِف زيارته للأديار، وكيف نَعِم فيها بالخمر والفتيان والفتيات. وكل ذلك في صراحةٍ واستهتار، لا يأبَهُ لنقدٍ ولا عتاب.

غدوتُ إلى اللذَّات مُنهتِكَ السَّترِ
وأفضت بناتُ السرِّ منِّي إلى الجهرِ
وهان عليَّ الناس فيما أريدُهُ
بما جئتُ فاستغنيتُ عن طلب العُذرِ
رأيت الليالي مُرصدات لمدَّتي
فبادرتُ لذَّاتي مبادرةَ الدهرِ

وكانت له صيحةٌ تجديدية في الشعر تَنعي على الشعراء سلوكهم مسلك الأوَّلين في بكاء الأطلال والتزام الموضوعات القديمة بالأساليب القديمة:

دعِ المُعلَّى يَبكي على طلَلِه
وخلِّ عوفًا يقول في جمَلِه
وقل لكُلثوم المُفضَّل بالشِّعْـ
ـرِ يُطيل الإعراض عن حِلَلِه
وأعد على اللهوِ غير مُتَّئدٍ
عنه فهذا أوانُ مُقتبَلِه
أمَا ترى جدَّةَ الزمان وما
أبدع فيها الربيع من عمَلِه
فاشربْ على جِدَّة الزمان فقد
وافى بِطيبِ الهوا ومُعتدِلِه
من قهوة تُذكِرُ السرور وتُنـ
ـسِي الهمَّ عند اعتراض مُشتَكِلِه

ويدعو إلى القول في آثار الحضارة الفخمة لا في الأماكن البدوية التافهة:

دعِ الرسمَ الذي دَثَرا
يُقاسي الريح والمطرا
وكنْ رجلًا أضاع العِلْـ
ـم في اللَّذَّاتِ والخطرا
ألم ترَ ما بني كِسرى
وسابور لمَن غبرا
مَنازِهَ بين دجلةَ والـ
ـفراتِ أخصها الشجرا
لأرضٍ باعدَ الرحمـ
ـنُ عنها الطَّلح والعُشَرا
ولم يجعل مصايدها
يَرابيعًا ولا وَحَرا٨
ولكن حُور غزلانٍ
تُراعي بالملا بقرَا
فذاك العَيشُ لا سِيدٌ
بقفرتِها ولا وبرا
إذا ما كنتُ بالأشياء
في الأعراب مُعتبرا
فإنك أيَّما رجل
وردتَ فلمْ تجدْ صدرا

ويقول:

دعِ الأطلال تُسفيها الجنوبُ
وتبكي عهدَ جدَّتِها الخُطوبُ
وخلِّ لراكب الوجناء أرضًا
تحثُّ بها النجيبة والنجيبُ
ولا تأخُذ عن الأعراب لهوًا
ولا عيشًا فعيشُهُم جديبُ

•••

فهذا العيشُ لا عيش البوادي
وهذا العيش لا اللَّبن الحليبُ
فأين البدو من إيوانِ كِسرى
وأين مِن الميادين الزُّروبُ

وكنَّا ننتظِر مع هذه الصرخة المُدوِّية في طلب التجديد، والقدرة الفنية الفائقة، أن يفتح أبوابًا جديدة كثيرة بما تُلهِمُه الحضارة التي ينشُدُها، ويخرُج ولو بعضَ الشيء عن الأوزان القديمة، والموضوعات القديمة كالمديح والهجاء، ولكنه اكتفى في التجديد بتوليد معاني الخمر والغزل. وحتى عندما عرَض للمديح والهجاء عاد عن دعوته، فبكى الطُّلول وركِب النُّوق:

أقول والعِيسُ تعرورِي الفلاةَ بنا
صُعْر الأعنَّةِ من مَثنًى ووُحدانِ
لِذاتِ لَوثٍ عفرناةٍ عُذافرةٍ
كأنَّ تضبيرها تضبيرُ بُنيانِ
يا ناقُ لا تسألي أو تبلُغي ملكًا
تقبيل راحتِهِ والركن سيَّان

ويظهر أنَّ دعوته للتجديد لقِيَت مقاومةً عنيفة من أدباء عصره، بل ومن الخليفة نفسه، فلم يقوَ على الوقوف أمامهم، ونكصَ على عقبِهِ وقال:

أعِرْ شعرك الأطفال والمنزل القفرا
فقد طالَما أزرى به نعتُكَ الخمرا
دعاني إلى نعتِ الطلول مُسلَّط
تضيق ذراعي أنْ أردَّ له أمرًا
فسمعًا أميرَ المؤمنين وطاعةً
وإن كنتَ قد جشَّمْتَني مَركبًا وعْرا

وإن كان بشَّار وأبو نواس عُنِيا بتوليد المعاني التي أوحى بها عصرهما، فثَمَّ شاعر آخَر كانت عنايتُه في تجويد اللفظ، والإمعان في البديع، والعناية بالموسيقى اللفظية، وهو «مُسلم بن الوليد» الملقَّب صريع الغواني، كقوله في مدح الفضل بن يحيى البرمكي:

تُساقِط يُمناه ندًى وشماله
ردًى وعيون القول مَنطقه الفصلُ
عَجولٌ إلى أن يودِع الحمدَ ماله
يعُدُّ الندى غُنمًا إذا اغتُنِم البخلُ
له هضبةٌ تأوي إلى ظلِّ برمكٍ
مَنوط بها الآمال أطنابها السُّبلُ

وقوله:

إذا التقَينا مَنعْنا النومَ أعيُنَنا
ولا نُلائم يومًا حينَ نفترقُ
أُقرُّ بالذنب منِّي لستُ أعرفه
كما أقول كما قالتْ فنتَّفِقُ

وقوله:

وإني وإسماعيل يومَ وداعِهِ
لكالغمد يوم الروع زايَلَه النصلُ
فإنْ أغشَ قومًا بعدَه أو أزورهُم
فكالوَحشِ يُدنيها من الأنس المَحْلُ

وقوله:

موفٍ على مُهَجٍ في يوم ذي رَهجٍ
كأنه أجلٌ يسعى إلى أملُ
ينالُ بالرفق ما يَعيا الرجال بهِ
كالموتِ مُستعجلا يأتي على مَهلِ

وقوله في الخمر:

ومانحةٍ شُرَّابها الملكَ قهوةٍ
يهودية الأصهار مُسلمة البعْلِ٩
معتَّقة لا تشتكي يدَ عاصرٍ
حرورية في جوفها دَمُها يَغلي

وبجانب هؤلاء كان شاعِر آخَر لا يُغني للملوك والأمراء، ولكن يُغني لنفسه وحُبِّه، ويقِف شِعرَه على غزلِهِ في رقَّة وعذوبة، وهو العباس بن الأحنف؛ لقد كان في العباسيين كما كان عمر بن أبي ربيعة في الأمويين، والفرْق بينهما فرق الحضارة وما تدعو إليه من رقَّةٍ في اللفظ، وعذوبة في المعنى، ورقَّة في الذوق، وتوليدٍ في المعاني، فيقول:

أشكو الذين أذاقوني مَودَّتَهم
حتى إذا أيقظوني بالهوى رقَدُوا

•••

أَمَتِّيني فهل لكِ أن تَردِّي
حياتي من مقالكِ بالغرورِ
أرى حبيكِ يَنمى كلَّ يومٍ
وجُورك في الهوى عدلًا فجُوري

•••

وأنت إذا ما وطئت الترا
بَ صار تُرابك للناس طيبًا

•••

هبوني أغُضُّ إذا ما بدَتْ
وأملك طرفي فلا أنظُرُ
فكيف استتاري إذا ما الدموع
نطقْنَ فبُحنَ بما أُضمِرُ

•••

لعمري لقد كذب الزاعمو
نَ أنَّ القلوب تجاري القلوبَا
ولو كان ذاك كما يذكرو
نَ ما كان يشكو محبٌّ حبيبا

•••

أتأذنون لصبٍّ في زيارتكم
فعندكم شهواتُ السَّمع والبصرِ
لا يُضمِر السوءَ إن طال الجلوس به
عفُّ الضمير ولكن فاسِقُ النَّظَرِ

وكلُّ ديوانه من هذا القبيل.

ويظهر أن دعوته إلى التجديد لم تجِدْ سميعًا حتى في العصور بعده.

ولئن كان بشَّار ثُم أبو نواس غنَّيا للناس ألحانَ الغرام والخمر والاستهتار والمجون، ودعوا إلى الاستمتاع، وطلب اللذَّات حيث تكون، فشاعِر آخر ردَّ على هذه الألحان بألحان مِثلها في الزُّهد واحتقار الدُّنيا وذِكر الموت، وهو الشاعر المُعاصر لأبي نواس «أبو العتاهية».

فقد جدَّد في الشعر الديني ما لم نجِدْ له نظيرًا قبلُ إلا قليلًا من شِعر قسِّ بن ساعدة وأُمية بن أبي الصلت، ولكن يظهر أنه اتَّخذ شِعره من منابع نثرية كمواعظ الحسَن البصري، وصاغَهُ صياغةً سهلة أشبَهَ بالنثر، يفهمه العامة والخاصة على السواء، فهو من ناحيته الفنية لا يصحُّ أن يُقارَن ببشَّار وأبي نواس. وإنما شهرته أتت من ناحية موضوعه وحُسن توليده، وسهولة نظمِه، وجميل وعْظِه؛ فإنْ كان أبو نواس يُزيِّن الدنيا، فهذا يُظلِمها ويذهب ببهجتها، ويصور الحياة أباطيل. يُذكِّر بالموت دائمًا، ويُذكِّر بالقبور، ويصِف غرور الإنسان وأوهامَهُ في مطامِعِه:

ألا يا موت لم أر منكَ بدًّا
أتيتَ وما تحيف وما تُحابي
كأنك قد هجمتَ على مَشيبي
كما هجم المَشيبُ على الشبابِ
وإنك يا زمان لَذُو صروفٍ
وإنك يا زمان لَذُو انقلابِ
أراك وإن طُليب بكلِّ وجهٍ
كحُلم النَّوم أو ظلِّ السحابِ

•••

رجعتُ إلى نفسي بفِكري لعلَّها
تُفارِق ما قد غرَّها وأذلَّها
فقلتُ لها يا نفسُ ما كنتُ آخذًا
من الأرض لو أصبحتُ أملكُ كلَّها
فهلْ هي إلَّا شَبعةٌ بعد جَوعةٍ
وإلَّا مُنًى قد حان لي أن أملَّها
أرى لك نفسًا تبتغي أن تُعزَّها
ولستَ تُعزُّ النفسَ حتى تُذلَّها

•••

تعلقتُ بآمال
طوال أيَّ آمالِ
وأقبلتُ على الدنيا
مُلحًّا أي إقبالِ
أَيَا هذا تجهَّز لـ
ـفراق الأهل والمالِ
فلا بدَّ من الموت
على حالٍ من الحالِ

وهو يُكثر في شعره من الأمثال والحِكَم، وله أرجوزة طويلة كلُّها أمثال، قالوا إنها بلغَتْ أربعةَ آلافِ مَثَل، ولكن لم يُعثَر عليها كلُّها، منها:

حسبُك ممَّا تبتغِيه القوتُ
ما أكثر القوتَ لِمن يموتُ
إن كان لا يُغنيك ما يَكفِيكا
فكلُّ ما في الأرض لا يُغنيكا
لن يَصلُح الناسُ وأنت فاسِدُ
هيهاتَ ما أسعدَ ما تُكابدُ
لكلِّ ما يؤذي وإن قلَّ ألمْ
ما أطول الليلَ على من لم ينَمْ
وكل شيءٍ لاحقٌ بجوهرِه
أصغَرُه مُتَّصِل بأكبرِه
لكل إنسانٍ طبيعتان
خيرٌ وشرٌّ وهما ضدَّانِ
والخير والشرُّ إذا ما عُدَّا
بينهما بَون بعيدٌ جِدَّا
ما عيش من آفَتُهُ بقاؤه
نغَّصَ عيشًا طيِّبًا فَناؤه
إنَّ الشبابَ والفراغ والجِدَة
مَفسدةٌ للعقل أي مَفسدَة
إن الشباب حجَّةُ التَّصابي
روائح الجنَّة في الشبابِ
اصحَبْ ذوي الفضلِ وأهلَ الدَّينِ
فالمرءُ منسوبٌ إلى القرِينِ

ويصح بعد ذلك أن نقِف وقفةً عند شاعر أعقبَ أبا نواس، وهو أبو تمَّام فقد طلَع على الناس بأسلوبٍ جديد وشكل جديد لا جوهر جديد؛ لقد بنى قصيدته على النمَط القديم، وعالج موضوعاتِ مَن قبله، ولكنَّ أسلوبه غير أسلوبهم في شكلٍ مُتميِّز به. هو شامي الأصل تنقَّل في بلدان كثيرة فزار مصر وخراسان ونيسابور والحجاز وأرمينيا والمَوصِل وبغداد، وحطَّ رحاله في مقام الخلافة العباسية «سُرَّ من رأى»، وهو في رحلاتِهِ يُوسِّع ثقافته ويُكثِر اطِّلاعه على الشِّعر القديم والحديث، وفي إحدى هذه الأسفار جمع ديوان الحماسة.

وأسلوبه في شِعره يكاد يكون خاصًّا به: إمعان في الاستعارة، وغلوٌّ في غموض المعنى وتوليده، وإفراطٌ في الصنعة، وتعمُّد للبديع، وحبٌّ شديد للإغراب، يَشعُر القارئ — وهو يقرؤه — بتكلُّفه، وعرَق جبينِهِ في البحث عن المعاني المناسبة وإدارتها في ذهنِهِ ليُغرِب في توليدها، وفي خيالِهِ ليُلبِسها ثوبًا غير شفَّافٍ من الجناس والاستعارة، كقوله:

فكأنَّ أفئدةَ النوى مَصدوعة
حتى تصدَّع بالفراق فؤادي
فإذا فضضتُ من الليالي فرجةً
خالفْنَها فسدَدْنَها ببُعادِ١٠

ومع هذا فقد وُفِّق في كثيرٍ من صورِه الشعرية وأقواله الحكيمة، فيصِف فائدة الرحلات، وإنه لا يبلُغ الأرَبَ بقوله:

ولكنني لم أحوِ وفرًا مجمَّعًا
ففزتُ به إلَّا بشملٍ مُبدَّدِ
ولم تُعطِني الأيام نومًا مُسكِّنًا
ألذُّ به إلَّا بنومٍ مُشرَّد
وطُول مقامِ المرء في الحيِّ مُخلِقٌ
لديباجتَيهِ فاغتربْ تتجدَّدِ
فإني رأيتُ الشمس زِيدت محبَّةً
إلى الناس أن ليستْ عليهم بسرمَدِ

ويصِف ممدوحه فيقول:

وقد كان فوتُ الموت سهلًا فردَّه
إليه الحفاظ المرُّ والخلُقُ الوَعْرُ
ونفسٌ تخاف العار حتى كأنَّما
هو الكُفر يومَ الرَّوع أو دونَهُ الكُفرُ
فأثبتَ في مُستنقَعِ الموتِ رِجلَهُ
وقال لها من تحت أخمصك الحشرُ

فهو تلميذ بشَّار وأبي نواس في توليد المعاني، وتلميذ مُسلم بن الوليد في تجويد اللفظ والإمعان في البديع، ونسيج وحده في الصياغة.

•••

ولا بدَّ من وقفةٍ عند شاعر يوناني الأصل اسم جدِّه «جورجيوس»؛ عظيم الشاعرية، غير مُوفَّق في مسالك الحياة، قوي الخيال، ضعيف العقلية العملية، قوي الشهوة، فقير اليَد، فهو في شِعره ناقِم ساخر عابث هجَّاء، وصَّاف:

أسخطتُ إخواني وأخفَقَ مَطمعي
فبقِيتُ بين الدُّور والأبوابِ

يذمُّ الزمان ويعجَب لكفايته الضائعة وحظِّه البائس، وغير الأكفاء حولَهُ ينعمون ويسعدون:

أيها الحاسدي على صُحبتي العُسـ
ـرِ وذَمِّي الزمانَ والإخوانا
ليتَ شعري ماذا حُسِدتُ عليه
أيها الظالِمي إخائي عيانا
أَعَلى أنَّني ظمئتُ وأضحى
كلُّ من كان صادِيًا ريَّانا
أم على أنني أمشي حسيرًا
وأرى الناس كلَّهم رُكبانا
أم على أنَّني ثكلت شقيقي
وعدِمتُ الثراء والأوطانا؟

من أجل هذا امتلأ شِعره بالهجاء، وصبَّ سخطه على الناس، وأستاذه في ذلك جرير والفرزدق وبشَّار، وهو يفُوقُهم في إجادة التصوير وإثارة الضَّحِك ممَّن يهجوه، والإقذاع في هجائه — وقد جرى على سبيل مُعاصِريه في المديح وسائر فنون الشعر، ولكنه عُرِف بالهجاء لأنه تميَّز به — وهجاؤه أكثرُه هجاء شخصي، لأنَّ مَهجوَّه أساء إليه أو منع عنه العطاء، أو تخيَّل هو أنه ناله بِشرٍّ أو أضمر له سوءًا، وكثيرًا ما كان يتخيَّل. وقد انتفع أبو العلاء المَعرِّي بهجائه، ولكنه نقلَهُ إلى معنًى أسمى وهو هجاء المجتمع في عيوبه، وهجاء الإنسان في جوهره، والطوائف في جُملتها.

وقد جدَّد ابن الرومي في الشعر بأسلوبه الخاص، فهو يُطيل ولا يملُّ، ويعرِض للمعنى فيُولِّده ويستخرج منه حتى لا يُبقيَ فيه لِمن يأتي بعدَه شيئًا، ولا ينتقل إلى معنًى حتى يستوفيَ ما قبله استيفاء تامًّا. يمدح عليَّ بن يحيى المنجم في قصيدة تُجاوِز المائة، فيبدأ بوصف المَشيب ودلالَتِهِ عند الغواني في نحو ثلاثين بيتًا، ومطلَعُها:

شابَ رأسي ولاتَ حين مشيبِ
وعجِيبُ الزمان غيرُ عجيبِ

وهو إلى ذلك سهل النَّظم، لا تحسُّ وأنت تقرأ شِعره إلا كأنك تقرأ نثرًا مُقفَّى، ليس فيه تعمُّل لتقديمٍ أو تأخير، أو لَعِبٍ بالألفاظ ليستقيم الوزن إلَّا نادرًا.

وهو يتعرَّض لموضوعاتٍ ليست جديدةً في الأدب العربي، ولكنَّه أفاض فيها ووسَّع معانيها كوصفِهِ أهوال البحر، والإفاضة في وصفِ الشَّيب والشباب، ووصف المياه والجنان، والسحاب والبرق والرياح، والألوان والأصوات والمُغنِّيات والمأكولات وسُوء الحظ. وله قصيدة رائعة في رثاء البصرة وما أصابها في ثورةِ الزِّنج، ووقوعها في أيديهم، لعلَّها كانت فتحًا جديدًا في الأدب العربي في رثاء المُدُن وما ينتابُها من حوادث مُعاصرة.

وهو في شعره يفخر بنسَبِه اليوناني فيقول:

ونحن بني اليونان قَوم لنا حِجًى
ومجد، وعيدانٌ صِلاب المعاجِمِ
وما تتراءى في المرايا وُجوهُنا
بلى في صِفاح المُرهفات الصوارِمِ

ويقول:

قد تُحسِنُ الروم شِعرا
ما أحسنَتْهُ عُريبُ
يا مُنكِر المجدِ فيهم
أليس منهم صُهَيبُ

ولكن هل كان مُثقَّفًا ثقافة يونانية كان لها أثَرٌ في شعره؟ ذلك ما لم يظهَر في شعره وإن ظهر في طبعِه.

فمن نماذج شعره:

لعَمْرُك ما الحياة لكلِّ حيٍّ
إذا فقدَ الشبابَ سوى عذابِ
فقل لبناتِ دهري فلتُصِبْني
إذا ولَّى بأسهُمِها الصُّيابِ

•••

يُذكِّرني الشبابَ هوانُ عُتبي
وصدُّ الغانِيات لدى عِتابي
يُذكِّرني الشبابَ سهامُ حتفٍ
يُصبنَ مَقاتِلي دون الإهابِ

•••

فيا أسفًا ويا جزَعًا عليه
ويا حُزنًا إلى يوم الحسابِ
أأُفجَعُ بالشباب ولا أُعزَّى
لقد غفلَ المُعزِّي عن مُصابي
تفرَّقْنا على كُرهٍ جميعًا
ولم يكُ عن قِلًى طولُ اصطحابِ
وكانت أَيكتي ليدِ اجتناءٍ
فعادَتْ بعدَهُ ليدِ احتطابِ

يَصِفُ الخمر وحسناء تشرَب:

ومدامَةٌ كخشاشة النفس
لطفتْ عن الإدراك باللَّمْسِ
لنَسيمِها في قلب شارِبِها
رُوح الرجاء وراحةُ اليأسِ
وتمدُّ في أمل ابن نشوتِها
حتى يؤمِّل مَرجِع الأمسِ
ومَهفهَفٍ كمُلتْ محاسنُه
حتى تجاوز مُنيةَ النفس
أبصرتُهُ والكأسُ بين فمٍ
منه وبين أنامِلٍ خمسِ
فكأنها وكأنَّ شارِبَها
قمَرٌ يُقبِّل عارِض الشمس

ويقول في رثاء البصرة:

ذادَ عن مُقلتي لذيذَ المنامِ
شُغلُها عنه بالدُّموع السِّجام
أيُّ نومٍ بعد ما حلَّ بالبصـ
ـرَةِ ما حلَّ من هناتٍ عظامِ

•••

لهفَ نفسي عليك يا قبَّةَ الإسـ
ـلام لهفًا يطُول منه غرامِي
لهفَ نفسي لجمعِك المُتفاني
لهفَ نفسي لعزِّك المُستضامِ

•••

بينما أهلُها بأحسنِ حالٍ
إذ رَماهم عبيدُهُم باصطلامِ
دخلوها كأنهم قِطَعُ الليـ
ـلِ إذا راح مُدلَهِمَّ الظلامِ
أيَّ هولٍ رأوا هُم أيَّ هولٍ
حُقَّ منه يُشيب رأسَ الغلامِ
إذ رمَوهم بنارِهم من يمينٍ
وشمالٍ من خلفهم وأمامِ
كم أغصُّوا من شاربٍ بشرابٍ
كم أغصُّوا من طاعمٍ بطعامِ
صبَّحوهم فكابَدَ القومُ منهم
طول يومٍ كأنَّهُ ألفُ عامِ
ما تذكَّرتُ ما أتي الزنج إلَّا
أُضرِمَ القلبُ أيَّما إضرامِ

إلخ.

وله في الهجاء:

دَعتْنِي إلى فضلِ معروفكمْ
وُجوهٌ مناظِرُها مُعجبة
فأخلفتُمو ما توسَّمْتُه
وقلَّ حميد على تجرِبة
وكم لمعة خِلتُها روضةً
فألفيتُها دِمنةً مُعشِبة
ظلمتُكُم لا تَطيبُ الفرو
ع إلَّا وأعراقُها طيبة

وفي هجاء صاحب لِحية:

إنْ تطُلْ لحيةٌ عليك وتعرُض
فالمَخالي معروفةٌ للحَمير
علَّق الله في عذارَيك مِخلا
ةً ولكنَّها بغيرِ شَعيرِ
لو غدا حُكمُها إليَّ لطارتْ
في مهبِّ الرياح كلَّ مَطيرِ

•••

لحيةٌ أُهملت فسالت وفاضتْ
فإليها تُشير كفُّ المُشيرِ
ما رأتْها عينُ امرئٍ ما رآها
قطُّ إلَّا أهلَّ بالتكبيرِ
رَوعةً تَستخفُّه لم يُرَعْها
مَن رأى وجهَ مُنكرٍ ونَكيرِ

•••

فاتَّقِ الله ذا الجلال وغيِّر
مُنكرًا فيه مُمكِن التغييرِ
أو فقصِّرْ منها فحسْبُك منها
نصفُ شبرٍ علامة التذكيرِ
لو رأى مِثلها النبيُّ لأجرى
في لِحى الناسِ سُنَّةَ التقصير

ويصف طبعَه فيقول:

شُكري عتيدٌ وكذاك حِقدي
للخير والشرِّ بقاءٌ عندي
كالأرض مهما استُودِعت تُؤدِّي
أحفَظُ للأعداءِ والأوَدِّ
ما استودعوا من بغضةٍ وَوُدِّ
ماذا يقول القائلون بعدي

ولمع في دولة الأدب الخليفة المنكود الحظ، عبد الله بن المُعتز، فأتى بالتشبيهات الرقيقة البديعة مُستمدَّةً من عيشتِهِ المُترفة، وولَّد من المعاني ما تُوحيه الحياة المتحضرة، كقوله:

ومُقَرطقٍ يسعى إلى النُّدماءِ
بعقيقةٍ في درَّةٍ بيضاءِ
والبدر في أُفق السماء كدرهَمٍ
مُلقًى على ديباجة زرقاءِ

وقوله:

خليليَّ قد طابَ الشراب المُورد
وقد عُدتُ بعد النسكِ والعَود أحمدُ
فهاتا عقارًا في قميصِ زجاجةٍ
كياقوتةٍ في درَّةٍ تتوقدُ
يصُوغ عليها الماء شباك فضَّةٍ
له حِلَقٌ بيض تُحَلُّ وتعقدُ
وقتْني من نار الجحيم بنفسِها
وذلك من إحسانها ليس يُجحَدُ

وقوله يصِف رعدًا:

وجلجلَ رعدٌ من بعيدٍ كأنه
أميرٌ على رأس اليَفاع خطيبُ

وقوله:

انظُر إلى حُسن هلالٍ بدا
يُهتك من أنواره الحِندِسا
كمِنجلٍ قد صِيغ من فضَّةٍ
يحصُد من زهرِ الدُّجى نرجِسا

وقد أتى بفنٍّ في شِعره يكاد يكون مُبتكرًا، فأنشأ أرجوزةً في أكثر من أربعمائة بيت عنوانها مدح الخليفة المُعتضد، ولكنها في الحقيقة قصة تاريخية شاملة، وصفَ فيها معايِبَ زمنِهِ من فساد حُكم:

فكلُّ يومٍ ملكٌ مقتولُ
أو خائف مُروَّع ذليلُ
وكلُّ يومٍ شغَبٌ وغصبُ
وأنفسٌ مقتولةٌ وحربُ
وكم فتاة خرجتْ من منزلِ
فغَصَبوها نفسَها في المَحفلِ

ويصف الثوَّار والخارجين على الدولة: كالعَلَوي، وأبي دُلَف، والصَّفَّار، وصاحب الزنج، وأعمالهم وحروبهم وفسادَهم.

ويصِف التجَّار وسوء حالِهم ممَّا يُصابون به من مصادرةٍ ونهب:

وتاجِرٌ ذي جوهرٍ ومالِ
كان من الله بِحُسن حالِ
قيل له عندك للسُّلطان
ودائع غالية الأثمانِ
فقال لا والله ما عندي له
صغيرةٌ من ذا ولا جليلُهُ
وإنما ربحتُ في التجارة
ولم أكن في المال ذا خسارَة
فدَخَّنوهُ بدُخان التِّبنِ
وأوقدُوه بثفالِ اللبنِ
حتى إذا ملَّ الحياة وضجرْ
وقال ليتَ المال جمعًا في سقرْ
أعطاهمو ما طلبوا فأطلقا
يَستعسل المشي ويمشي العنقَا

إلخ.

ولا بدَّ أن نقِف وقفةً عند شاعرين مُمتازين في العصر العباسي الثاني، وهما المُتنبي وأبو العلاء المعري؛ ففي المُتنبي وصل فنُّ تقصيد القصيد — الذي بدأ به امرؤ القيس ورَقَا في العصر الأموي — إلى غايته، فقد خالَط البدو وتطبَّع بطباعِهم، وتذوَّق ذوقهم، وعاش في الحضر مُحتفظًا ببداوَتِهِ في اللغة والأسلوب، يصبُّ فيها معانيه الحضرية، ومُحتفظًا ببداوتِهِ في معيشته؛ فهو فارس تعرِفه الخيل والليل والبيداء، إلى عزَّة نفسٍ وإباء، وخبرةٍ وتجارب كثيرة أكسبتْهُ إيَّاها العيشة البدويَّة والحضرية، ثُم لسانٌ طيِّع يُعبِّر به عن كلِّ ذلك في أسلوبٍ خاص به؛ ولذلك لمَّا طلع على الناس بشعرِه أقبلوا عليه في عصره، وكادوا ينسَون غيرَه، ورءوا فيه تغذيةً لعواطفهم المُختلفة: فمَنْ هاجت عواطفه لِفساد زمنِهِ وجد في شِعر المُتنبي بُغيتَهُ، ومن اعتدَّ بنفسه وأحسَّ في شبابه مَيلًا إلى العُلا وطموحًا إلى المجد، وجدَ كفايتَه، ومن احتاج إلى إثارة الحماسةِ القومية، ومُنازلة الخصوم والأعداء، ففي شعره الغَناء، ومن تفلسف ورأى أنَّ الدنيا هباء، وجدَ في شعرِه غذاء، ومن فشِل في حياته فبكى حظَّه، ونقِمَ على أولي الأمر في زمانه ففي شعره مَطلبُه، وهكذا. كل ذلك في قولٍ جزل، وتفنُّنٍ في الاستعارات والتشبيهات، ونفخٍ في الشعر من حماسته وحرارته حتى لينبض بالحياة. لقد قبس قبسةً من أبي تمَّام في غموضه وإغرابه وتصنُّعه، وخاصَّة وهو في بلاط سيف الدولة، حيث المنافسون كثيرون من الشعراء والعلماء، وقبس ممَّن قبلَهُ توليد المعاني، ولكن كان نسيج وحده في أسلوبه وقوَّته وصِدق شِعره، فلا يقول إلَّا ما يُحسُّ، ولا يصِف من حوادث الحرب إلا ما يرى. ثُمَّ ملأ شِعره حِكمةً عملية هي خُلاصة تجاربه الشخصية، وهي ترقيةٌ للأمثال العربية لا ترجمة للحكمة اليونانية.

يقول:

أينَ فضلي إذا قنعتُ من الدهـ
ـر بعيشٍ مُعجَّلِ التنكيدِ
ضاقَ صدري وطالَ في طلبِ الرزْ
قِ قيامي وقلَّ عنه قُعودي
أبدًا أقطع الفيافي ونَجمي
في نحوسٍ وهِمَّتي في سعودِ
عش عزيزًا أو مُتْ وأنت كريم
بين طعنِ القنا وخفقِ البنودِ
فرءوس الرِّماح أذهبُ للغَيـ
ـظِ وأشفى لغلِّ صدرِ الحقودِ

وقال في مدح سيف الدولة:

ومن تكنِ الأسدُ الضواري جُدودَه
يكُن ليلُه صُبحًا ومَطعمُه غَصْبَا
ولستُ أُبالى بعد إدراكِيَ العُلا
أكان تُراثا ما تناولتُ أم كسْبَا
فرُبَّ غلامٍ علَّم المجدَ نفسَهُ
كتعليم سيفِ الدولةِ الدَّولةَ الضَّرْبَا
إذا الدولةُ استكفَتْ به في مُلِمَّةٍ
كفاها فكان السَّيفَ والكفَّ والقَلبَا

وقال يُعاتِبُه:

يا أعدلَ الناس إلَّا في مُعاملتي
فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ
أُعيذها نظراتٍ منك صادقةً
أن تحسبَ الشحم فيمن شحمُهُ ورَمُ
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرِهِ
إذا استوتْ عنده الأنوار والظُّلَمُ
سيعلَمُ الجمعُ ممَّن ضمَّ مجلسُنا
بأنني خيرُ من تَسعَى به قَدَمُ
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي من بهِ صمَمُ
أنام ملء جُفوني عن شوارِدِها
ويسهَر الخلقُ جرَّاها ويختصِمُ

ويصِفُ المتنبي قوَّة نفسِه ومضاءَ عزيمته:

يُحاذِرُني حتفي كأنِّيَ حتفُهُ
وتُنكِرني الأفعى فيقتُلُها سُمِّي
طِوالُ الرُّدَينيَّاتِ يقصفُها دَمِي
وبيضُ السريحيَّات يقطعُها لَحْمي
برتْني السُّرى بريَ المُدَى فردَدْنَني
أخفَّ على المركوبِ من نفسي جُرمي
وأَبصَرُ من زرقاءَ جو لأنني
متى نظرتْ عينايَ ساواهما عِلمي
كأني دحوت الأرض من خِبرتي بها
كأني بَنَى الإسكندرُ السدَّ من عَزمي

ويصف طموحه:

ذرِ النفس تأخُذ وُسعها قبل بَينِها
فمُفترقٌ جارانِ دارُهُما العمرُ
ولا تحسبنَّ المجد زِقًّا وقَينةً
فما المجدُ إلَّا السيفُ والفتكَةُ البِكرُ
وتضريبُ أعناقِ الملوك وأنْ تُرى
لك الهبَوَات السُّود والعَسْكر المَجْرُ
وتركُكَ في الدنيا دَويًّا كأنما
تداوَلَ سمعَ المرءِ أنمُلُه العشرُ

فلمَّا فشِل فيما يطمَحُ إليه قال:

تَمَنٍّ يَلذُّ المُستهامُ بذِكرِهِ
وإنْ كان لا يُغني فتيلًا ولا يُجْدي
وغيظٌ على الأيَّام كالنار في الحشا
ولكنَّهُ غَيظ الأسير على القِدِّ

يمتاز المُتنبي في شعره بأنه فلسف القوَّة — قَويٌّ في حملتِهِ على الناس والزمان، قويٌّ في احتقارِه اللذَّات الوضيعة، وطلبه لمَعالي الأمور، قويٌّ في نفسه لا يَهاب الدهر ولا يكترِث لأحداثه، قويٌّ في دعوته للناس أن يثُوروا ويؤسِّسوا مملكتهم على حدِّ السيف — يجد في شِعره كلَّ إنسانٍ وصفًا لناحيةٍ من نواحي نفسه، ويرتاح للاستشهاد فيها بشِعره.

•••

ثُم جاء أبو العلاء المعرِّي ففتح في الشعر بابًا جديدًا، قد عالَج الشعر منذ شبابه، فسارَ فيه على نهج من قبلِه من مديحٍ وفخرٍ ورثاء وغزَل، كما يتجلَّى ذلك في مجموعة شِعره «سقط الزند»، فلمَّا نضج عقله وشعوره اتَّجه جهةً جديدة في كتابه اللُّزوميَّات، وهذا التجديد يتميَّز بشيئين: (١) نقده للحياة الاجتماعية التي حوله. (٢) تغنِّيه في شِعره بإيمانه وشكِّه ويقينِهِ وإلحادِه وحَيرتِه بين المعقول والمنقول وتفكيرِه في أمور الغَيب من بعثٍ وحسابٍ وخلود الروح والجنة والنار؛ وهذان بابان جديدان في الشِّعر العربي؛ نعم نقد النقَّاد الحياة الاجتماعية قبلَه كما فعلَ ابن المُعتز في أرجوزته التي قصصْنا عليك خبرَها، وكما فعل قبله أبو العتاهية أحيانًا، ونحو ذلك، ولكن كان نقدُهم عارضًا وفي غير شمولٍ وإمعان، أما أبو العلاء فكان نظرُه شاملًا وافيًا مُتقصِّيًا مُتوفرًا عليه؛ فينقد الملوك والأمراء:

يسُوسُون الأمور بغير عقلٍ
وينفُذ أمرهم فيُقال ساسَة
فَأُفِّ منَ الحياة وأفِّ منِّي
ومِن زمنٍ رياسَتُه خساسة

•••

مُلَّ المُقام فكم أعاشِرُ أمةً
أمرتْ بغير صلاحِها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدَها
فَعَدَوا مصالِحَها وهم أُجَرَاؤها

وينقُد رجال الدين والوعَّاظ:

رُويدَكَ قد غُرِرتَ وأنتَ حرٌّ
بصاحبِ حيلةٍ يَعِظ النساءَ
يُحرِّم فيكم الصهباءَ صُبحًا
ويشربها على عمدٍ مساء
يقول لكم غدوتُ بلا كساءٍ
وفي لذَّاته رَهَنَ الكساء
إذا فعل الفتى ما عنْهُ يُنهى
فمِن جِهتَين لا جهةٍ أساء

وينقُد النساء للغدْر والخيانة:

فوارس فتنةٍ أعلامُ غيٍّ
لَقِينَكَ بالأساوِرِ مُعْلَماتِ
ودَفْنٌ — والحوادث فاجعات —
لإحداهنَّ إحدى المُكرماتِ

ثُم يذمُّ الناس جُملة:

وكلُّ حيٍّ فوقها ظالِم
وما بها أظلَمُ من ناسِها

•••

يحسُن مرأًى لبني آدم
وكلُّهم في الذَّوق لا يَعْذُبُ
أفضل مِن أفضلِهم صخرةٌ
لا تَظلِمُ الناسَ ولا تكذبُ

وهكذا هو ينقُد الناس في مرارةٍ وسخط، ويتمنَّى أن لو امتنعت الرجال عن الزَّواج والنساء عن الولادة حتى يَفنَوا عن آخرِهم:

لو أنَّ كلَّ نفوس الناس رائيةٌ
كرأيِ نفسي تناهَتْ عن خطاياها
وعطَّلوا هذه الدُّنيا فما وَلَدوا
ولا اقتَنَوا واستراحوا من رَزاياها

أما شِعرُه الديني فيدلُّ على أنه حائر يمرُّ به طائف من إيمانٍ فيؤمن شِعره، ويمرُّ به طائف من إلحادٍ فيُلحِد شِعرُه، وتتنازَعُهُ الفِكرتانِ فيختلِف الشِّعران، ولكنه في أكثر شِعره مؤمِن بإلهٍ واحد؛ حائر في التفاصيل والشعائر، قائل بسُلطان العقل، مُرتاب في النَّقْل الذي لا يُوافِق العقل، ساخِط على رجال الدين الذين لا يعقلون.

في كل ذلك قال الشعر ممزوجًا بشعورِه وعواطفه، وإيمانه وكُفرِه وحيرته، وسمح له الشعر بما لم يسمح به النثر، فلم يُضطهَد ولم يعذَّب، ولو قال نثرًا ما قاله شعرًا لَما نجا.

كثيرًا ما نرى في شِعره الإيمان بالله من مِثل قوله:

والله حقٌّ وابنُ آدم جاهلٌ
من شأنه التفريط والتكذيبُ

وقوله:

إذا كنتَ من فرطِ السَّفاه مُعطِّلا
فيا جاحدُ اشهدْ أنَّني غير جاحدِ
أخاف من الله العقوبة آجِلًا
وأزعُم أن الأمر في يدِ واحدِ

ثُم الشك في مثل قوله:

أما اليقينُ فلا يقينَ وإنما
أقصى اجتهادي أن أظُنَّ وأَحْدسا

ويشكُّ في القيامة فيقول:

أما القيامة فالتنازُع شائع
فيها وما لخبيئها إصحارُ

ويشكُّ في الأديان فيقول:

هفتِ الحنيفةُ والنَّصارى ما اهتدى
ويهود حارتْ والمجوس مُضلِّلَة
اثنان أهلُ الأرض ذو عقلٍ بلا
دينٍ وآخَرُ ديِّنٌ لا عقلَ لَهْ

وهكذا تردَّد بين الإيمان والشك، ولكن كما قُلنا نرى الغالِب عليه الإيمان بالله والشكُّ فيما عداه.

وبهذا كلِّه نزع في الشعر نزعةً جديدة قوامُها نقد الحياة الاجتماعية حوله وتحليل شعوره الديني.

فهو في اللزوميَّات قد تحرَّر من قيود الشعر القديم من حيث الموضوع، وأما من حيث الأوزان والقوافي فقد التزمَها، بل زادَ في التزامه فالتزم ما لا يَلزَم.

•••

ونحن إذا دقَّقنا النظرَ في الشعر العبَّاسي كلِّه وجدْنا أنه عُنيَ — على وجه العموم — بالنَّظرِ إلى الحياة الواقعية وتصويرها من وصفٍ للشراب ومَجالِسِه وغلوٍّ فيه، واستقصاء مَعانيه، والإعجاب بالأزهار والبساتين وجمال النساء والغلماء، ونحو ذلك من جمال العين، كما أُولِعوا بوصف المباني والمَصنوعات، كالبركة والفوَّارة والشَّمعة والأطعمة، وكلَّما انغمس الناس في الملاذِّ والملاهي تَبِعَهم الشعراء يغنُّون بما يسرُّهم ويُعجِبهم، حتى إذا بلغوا الغاية من السَّرَف والترَف ظهر شاعران وقَفا حياتهما الشعرية على المُجُون بأصرَحِ لفظٍ وأفحَشِه، وهما ابنُ الحجَّاج المُتوفَّى سنة ٣٩١ﻫ، وابن سكرة المُتوفَّى سنة ٣٨٥ﻫ.

وكانا لا يَقولان إلَّا في المُجُون الفاحِش، وقد أقبل الناس على شعرهما، وراج ديواناهما لأنهما يُغذِّيان مُيول الشعب في ذلك العصر.

وغلب على الشِّعر الصَّنعة والنَّحْت والاقتصار على العبارات والأخيِلَة الجميلة، فهو يُعجِب السامع والقارئ من حيث صياغته وتَشبيهاته وخيالِهِ وفنِّهِ، وإن كان قلَّما يمسُّ مشاعِره ورُوحه، هذا إلى ما يؤخَذ عليهم من تقصير أكثرهم في الوصف الشامل، ومن غُلوِّهم البالِغ في المديح، وإفراطهم في الغزَل، يُقدِّمونه بين يدَي المديح.

•••

وكان شعر العراق والشام الذي وصفْنا شأنه، وألمَمْنا باتجاهاته، وعددْنا بعض نوابغه، هو قِبلةَ العالَم العربي كله، يُقلَّد في مصر والمغرب والأندلس وسائر الأقطار، ويُحذى حذوُه، فلا تشعُر شعورًا قويًّا بطابعٍ إقليمي، ولا بفنونٍ مُخترَعة تقتضيها بيئة الإقليم، ولا بأوزانٍ مبتكرة تَنتُج من رنَّاتٍ موسيقية يُوحي بها الإقليم، بل كلهم يقلِّد العراقيين في مذهبهم ومَنحاهم، وموضوعاتهم وأساليبهم.

ومن أجل ذلك لا ترانا في حاجةٍ إلى وقفةٍ لوصف الشِّعر في الأمصار المُختلِفة لنُبيِّن خصائصها ومَيزاتها، إلا الفن الشعري الذي اخترعه الأندلسيُّون وهو التوشيح.

فقد كان فنًّا جميلًا، قالوا إن مخترعه مُقدَّم بن مُعافى القَبْرِي شاعِر الأمير عبد الله بن محمد المَرواني في أواخِر القرن الثالث الهجري، وتبِعَه ابن عبد ربِّه صاحِب العقد الفريد، وجرى على آثارهما آخَرون نمَّوهُ ورقَّوه، وكانوا ينظُمون الموشَّحات على أساليبَ شتَّى، أشهرُها جعل اللازمة بيتَين وكل دورٍ بعدها خمسة أبيات، وأحيانًا ينهجون فيها مناهج أخرى مختلفة خالفوا فيها أوزان الشعر المشهورة، وذلك مثل:

بدرُ تِمْ شمس ضُحى
غصن نَقَا مِسْكُ شَمْ
ما أتَم ما أوضَحا
ما أورقا، ما أتَمْ
لا جرَم مَن لَمحَا
قد عشِقا قد حُرِمْ

ومثل:

يا هاجري هل إلى الوِصالِ
منك سبيلْ
أو هل تَرَى عن هواكَ ساليِ
قلب العليلْ

ومثل:

قسمًا بالهوى لذي حِجْر
ما لِلَيل المَشوقِ من فَجْرِ
جَمَد الصبحُ ليس يَطَّرِدُ
ما لليلي — فيما أظنُّ — غَدُ
صحَّ يا ليل أنك الأَبَدُ
أو فقُصَّت قوادِمُ النَّسرِ
فنجوم السماء لا تسري

ومثل:

لازمة

جادَك الغيثُ إذا الغيثُ همَى
يا زمان الوصْل بالأندلُسِ
لم يكن وصلُك إلَّا حلُمًا
في الكرى أو خِلسة المُختلسِ

دور

إذ يقودُ الدهرُ أشتاتَ المُنى
تَنْقُلُ الخطو على ما يُرسَمُ
زُمرًا بين فُرادى وثِنى
مِثلَما يدعو الوفودَ المَوسمُ
والحيا قد جلَّل الرَّوض سنى
فثُغور الزَّهْرِ فيه تَبسمُ

لازمة

وروى الدهر عن ماء السَّما
كيف يَروي مالكٌ عن أنسِ
فكساهُ الحُسنُ ثوبًا مُعَلمَا
يزدَهي منه بأبهى مَلْبَسِ

ومثل:

ما العيدُ في حُلَّةٍ وطاق
وشمِّ طيب
وإنما العيد في التَّلاقي
مع الحبيب

إلى كثيرٍ من أمثال ذلك، وقد قَلَّدَ الأندلُسيِّين في هذا الفن شعراءُ الأقاليم الأخرى، وأُعجِب به العامَّة من الشعراء في الأمصار، فتركوا فيه الإعراب ونَظَمُوه على لُغتهم العاميَّة، فنشأ من ذلك فنُّ الزجَل.

•••

و بعدُ فإذا نحن نظرْنا إلى الشعر العربي في ضوء ما استعرضناه من الشعر عند اليونان والرومان ومَن سار على نهجهم من الأُمم الأوروبية، وجدْنا أن الشعر العربي كله أو أكثره من الشعر الذي اصطلحْنا على تسميتِهِ بالشعر الغنائي، من: فخرٍ وغزلٍ وهجاء ومديح وحماسة ورثاء وغير ذلك، وليس فيه ما يصحُّ أن نُسمِّيه شِعر ملاحم، وليس فيه شعر تَمثيلي.

أما الملاحم فقد رأيْنا كثيرًا من الأمم لها ملاحمها، فرأينا للهنود والمَهايهاراتا، واليونانيين الإلياذة والأوذيسية، وللرُّومان الإنيادة إلى غير ذلك؛ أما العرب فلم يكن لهم مَلاحم كهذه مع أنَّ المواد الخامة للملحمة موجودة عندهم، فالحروب الحارَّة بين القبائل وافِرة كثيرة، وفيها الأبطال فعنترة لا يقلُّ شجاعةً وبطولةً عن أخِيل، والخيال العربي أضفى على عنترة ما أضفى اليونان على أخيل، والمعيشة ساذَجة فطرية كالجاهلية اليونانية، والكرَم ونحْر الجزور كحياة حاتم، والعَدْو والصعلكة كحياةِ تأبَّط شرًّا، كلُّها مادة صالحة لتغذية الملحمة، وأيام العرب المُتلاحِقة كحرب البسوس، ويوم داحس والغبراء، ويوم الكُلاب، ويوم الفجار كلها يصحُّ أن تؤلِّف فصولًا من الملحمة، وكلها قِيلت فيها أشعار، وليست قُدرة العرب على قول الشعر بأقلَّ من قُدرة الهنود واليونان والرُّومان عليه، فما السرُّ إذنْ في عدَم الملحمة عند العرب؟

هل السبب أنَّ الهندي واليوناني والروماني قد غذَّاهم في وضع ملاحمهم الخيال البعيد في الأساطير والآلِهة؛ فآلهة في السماء، وآلهة لكلِّ مظهرٍ من مظاهر الطبيعة وعرائس البحر، وتَوزُّع اختصاص الآلهة والخصومة بينهم كخصومة الأفراد والقبائل، كلُّ هذا وسَّع الخيال، وغذَّى الملاحم؛ فلمَّا لم يكن للعرب أساطير كثيرة وآلهة من هذا النوع، وكانت لهم فقط أصنام حجَريَّة جامدة لاصقة بالأرض ليست بذات أجنحة، لم تصلُح أن تكون غذاءً صالحًا للمَلحمة؟

أو السبب أنَّ العربي في الجاهلية اعتاد أن ينظُر إلى المسائل نظرةً جزئية لا كلية، فرأى حرب البسوس ولكن لم يرَ الحروب مُتتابعة كوحدة، وشَعَر في الوقعة الواحدة المُعيَّنة، ولكن لم يشعُر في الوقائع كلِّها مُتلاحِقة يأخذ بعضها بناصيةِ بعض، ونتج عن ذلك أنه قال الشِّعر في أجزاء مَلاحِم، ولكنه لم يقُلْه في ملحمةٍ واحدة، وأنه قصَر شعره على اعتزازه بفِعال قبيلتِهِ ونِكايتها بالقبيلة المُعادية، ولم تسمح له أنفَتُه وإباؤه وعصبيته أن ينظُم في فِعال القبائل الأُخرى غير قبيلته؟

أو السبب أنَّ الشعر العربي الذي وصَلَ إلينا تاريخه لا يتجاوز مائة وخمسين سنة قبل البعثة، وهو زمنٌ مُتقدِّم من حيث رُقي العقل البشري لا يسمح بالأساطير المُمعِنة في الخيال، والتي كان يسبح فيها العقل البشري قبل أن يلمس الواقع، فلمَّا رَقا حوَّل الأساطير إلى تاريخ، والملحمة الشعرية إلى نثرٍ تاريخي، فرُويَت أيام العرب على أنها تاريخ لا أسطورة، واختلَط فيها النثر بالشِّعر إذ كان هذا مرحلة انتقال؟

أو السبب أنَّ الطبائع البشرية مُختلفة، ولا اختلفت بيئة كل أُمَّةٍ اختلافًا كبيرًا، سواءً أكان ذلك بيئةً طبيعية أم اجتماعية، ونشأ عن هذا الاختلاف في البيئة اختلاف في العقلية والقُدرة الفنية ونوع الفنون الناتجة، فإذا نظم اليونان الملاحم نظَم العرب المُعلَّقات مثلًا، وتكليف الأُمَم كلها أن يَسير فنُّها وأدبُها على نمطٍ واحدٍ تكليف بالمُستحيل، وخاصَّة في عصورٍ لم تتَّصِل فيها الأُمم بعضها ببعضٍ اتصالًا وثيقًا كالذي يحدُث اليوم، وخاصَّة أيضًا في الأمة العربية التي أدَّتْها ظروفُها في الجاهلية أن يكون اتِّصالها بغيرِها ضعيفًا نسبيًّا؟

قد يكون السبب بعضَ ذلك، وقد يكون كلَّ ذلك، وقد يكون غير ذلك.

وقريب من هذا يصحُّ أن يُقال في الشعر التمثيلي، فليس عند العرب شيء منه يُعتدُّ به، ويُضاف إلى بعض الأسباب التي ذكرناها — مما يصحُّ أن يُقال في تعليل ذلك — أنَّ غلبةَ البداوة في العصر الجاهلي لم تسمَحْ بإقامة مسارح وتنظيم اجتماعات، وأنهم لم يحتفِلوا بالشعائر الدينية حولَ الأصنام احتفالًا عظيمًا كالذي كان عند الأُمَم الأخرى فنبع منه الشعر التمثيلي.

ثم كانت العقدة الكبرى، وهي تقديس الخلَف لآثار السَّلَف في الأدب، فقد سادت فكرة أن القوالب الأولى التي صُبَّ فيها الأدب في العصر الجاهلي هي وحدَها التي تُحتَذى، فيصحُّ أن تُهذَّب، ويصحُّ أن تُرقَّى، ويصحُّ أن تُجمَّل بفعل الحضارة، ولكن لا يصحُّ أن تُختَرَع قوالب جديدة، وأنماط جديدة، فلمَّا لم يكن في القوالب الجاهلية ملاحِم ولا شِعر تمثيلي، فكذلك لم يكن في الشعر العربي الذي كان بعد ظهور الإسلام، إلى أن ظهرت النهضة الحديثة، وليس هنا موضع الحديث عنها.

(٢) النثر

طبيعي أن يكون للجاهليين نثر يتكلَّمون به في شئون حياتهم، ولكن نثرَهم الفني المُنمَّق اللفظ الذي صِيغ في قالبٍ أدبي قليلٌ عندهم بالنسبة لشعرهم؛ وطبيعي ذلك، فالنثر الفني لا ينضج إلَّا بالكتابة، ولأنَّ الشعر وليد الخيال، والنثر وَليد العقل، والأمَّة في بدء أمرها كالطفل، خيالها أكبرُ من عقلِها، ولأنَّ الشِّعر يسهُل حفظُه وروايته، والنثْر يصعُب فيه ذلك.

وأكثر ما رُوي لنا من نثرهم: (١) قصص تُروى فيها أخبارهم وأيامهم، وقد ورَدَ من هذا كثير في كتاب الأغاني، وهذا النوع قد رُوي بألفاظٍ من العصر الإسلامي — غالبًا — احتفظ فيه الرَّاوي بالمعنى. (٢) مَواعظ دينية، كالتي رُويت لقسِّ بن ساعدة. (٣) خُطَب قيلتْ في المواقف الهامَّة، كالخطب يُلقيها الحَكَم عند مُنافرةِ عظيمَين من قبيلتَين، وخُطَب الوفود حين كان يفِدُ العرب على عمَّال كسرى. (٤) أمثالٌ، وهي من نوعٍ مُمتاز مملوء بالحِكمة والتجربة، وقد اختلَطَ جاهِليُّها بإسلامِيِّها إلا في القليل النادر. (٥) سجْع الكهَّان، وهو أقربُ ما يكون إلى الشِّعر لما فيه من غموضٍ وسجع يُشبِهُ القافية.

ولا نُطيل بذِكر النماذج فهي في مُتناوَل قرَّاء العربية.

(٢-١) القرآن

يُعدُّ القرآن كتابًا أديبًا، كما أنه كتاب دِيني، فهو من الناحية الأدبية آيةٌ في البلاغة، ومن ناحيته الدينية مُبين للناس ما ينبغي أن تكون عليه عقائدهم وشعائرهم ومعاملاتهم، ويقتصر قولنا هنا على ناحيته الأدبية إذ هي موضوعنا.

فأسلوب القرآن لا يجري على وزن الشعر، ولا هو سجْع بالمعنى الدقيق للسجع — وهو موالاة الكلام على وزن واحد — ولذلك سُمِّيت أواخر آياته فواصل عوضًا عن القافية في الشعر أو الحروف المُتَّحدة في السجع. والقرآن يراعي هذه الفواصل فيؤثر بذلك أيضًا أثرًا بليغًا، فتارةً يُعبر بهارون وموسى في الفواصل الألفية، وتارةً بموسى وهارون في الفواصل النونية، وهو — كما قُلنا — لم يسِر على قواعد السجع المألوفة من التزام تساوي الفقرتين، فقد تكون إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، مثل: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، وأحيانًا لا تتَّحِد الحروف الختامية مثل: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ومع هذا فلَهُ من القوة البلاغية ما ليس للسجع التام. ومُراعاة هذا التناغُم واضحة في القرآن، فيحذف أحيانًا ياء الفعل مُراعاة للفاصلة، مثل: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ أو حذف الياء مثل: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، أو يُستغنى بالإفراد عن التثنية نحو: فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، أو بالفرد عن الجمع مثل: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، أو يقدِّم الضمير على ما يُفسِّره نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى أو حذف ياء المُتكلِّم مثل: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إلخ، أو يزيد هاء السكت، مثل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ؛ وأغلبُ الفواصل في القرآن تنتهي بواوٍ ونون أو ياء ونون، مثل: فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ، أو ألف ودال مثل: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ أو ألف لينة مثل: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى، أو حرف مد (من ألف أو واو أو ياء) ككثير من آيات سورة الإسراء. وقد تأتي الفاصلة حرفًا لا يسبقه مَد، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المكيَّة، مثل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ونحو ذلك.

ونرى أنَّ القرآن أحيانًا يسلُك مسلكًا أدبيًّا خاصًّا، فيجعل للسورة آية تتكرَّر، تدور حولها الفواصِل، مثل سورة المُرسلات إذ تتكرَّر جملة فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ عقب كل مجموعةٍ من الفواصل، وسورة الرحمن تتكرَّر فيها كذلك فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، وفي سورة القمر تتكرَّر فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، وكذلك في كثير من الآيات التي تقصُّ سِيَر الأنبياء.

•••

ثم إنَّ القرآن تتنوَّع أساليبه بين شدَّةٍ ولِين، وترغيبٍ وترهيب، ووعدٍ ووعيد، انسجامًا مع السيرة النبوية، وموافقةً لحال المسلمين والمشركين في أوقات نزول الآيات؛ ونلاحظ ذلك تمام الملاحظة إذا نحن أمعنَّا النظر في القرآن حسب ما رُوي من ترتيب النزول، وهو يختلف عمَّا رُتِّب به في المصحف، فهناك الآيات التي نزلت بمكة، والآيات التي نزلت بالمدينة، ثم الآيات التي نزلت بمكة تعاقبَتْ في أزمانٍ مختلفة وقف فيها المُناهضون للدعوة مواقف مختلفة، وكذلك الآيات المدنية.

ففي الآيات المكية نراها تتَّجِه اتِّجاهًا قويًّا نحو الدعوة إلى عبادة إلهٍ واحد هو رب العالمين، وبيدِه ملكوت كل شيء، وإلى الدعوة إلى الإيمان بيومٍ آخر فيه البعث والحساب، والمكافأة على الخير بخير، والشرِّ بشرٍّ، والاستدلال على الله بآثاره في العالم أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، وتقرير أنَّ الأصنام عاجزة كل العجز عن أن تعمل عملًا في الكون، ثم صور رائعة لِما أعد في الجنة للمؤمنين، وفي النار للكافرين.

والآيات الأولى آيات قصيرة لها رنين قوي، تدعو إلى الله، وتُقسِم بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والأماكن المقدَّسة، والوالد وما وَلَد، والنفس وما سوَّاها، إشعارًا بعظمة الله في خلقه.

وقد سالم المشركون محمد أول الأمر، ثم ناصَبُوه العداء ورمَوه بالكذب والجنون، فنزلت آيات القرآن شديدةً على الكافرين، مُتوعِّدة أشدَّ الوعيد، مصوِّرة لكبرائهم صورة هزؤ وسخرية: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ السورة؛ ويهاجم الذين يعتزُّون بمالِهم وجاههم ونسَبِهم، ويَعِدُ الله النبيَّ بنُصرته وإتمام نعمته: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ويُذكِّر قومه بقصة ثمود، إذ خالفوا نبيَّهم وقتلوه كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا وهي أول ما جاء في العبرة بالأمم السابقة، وموقفهم من أنبيائهم. ويحفل في هذه الفترة — رسول الله — ببعض الأغنياء، ويعبَس في وجه الفقراء، فيُعاتبه الله على ذلك بقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى مُبيِّنًا أن لا عبرة للغِنى والجاه، ويشدُّ الله أزْرَ المؤمنين ويُثبِّتهم، ويحثُّهم على التمسُّك بدِينهم بما يُضرَب من أمثال المؤمنين في الأُمَم قبلهم: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. وهو إلى ذلك يوضِّح في قوَّةٍ ما سيناله الكافرون من عذابٍ أليم، ولعلَّ أوضح مثل لهذا سورة القارعة، وما سيناله المؤمنون من نعيمٍ مُقيم: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ؛ ثم يدعو إلى الصلاة والزكاة فيقول: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.

ولبث القرآن في العهد المَكِّي بعد المدَّة الأولى يُحاجُّ المُخالفين، ويقصُّ العبرة من سيرة الأوَّلين من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوطٍ وآل فرعون، في فواصِلَ أطول وأسلوبٍ أهدأ، ويندُر فيه القسَم كما في الفترة الأولى، ويكثُر فيه الخطاب بيا أيُّها الناس.

وفي القرآن في هذا العهد المكِّي قصة الإسراء، وكثيرٌ من قصص الأنبياء كقصة إبراهيم — ويشير في أكثر من موضعٍ إلى أن إبراهيم أبو العرب ومنبع الإسلام ومصدر شعائر الحج — وقصص بني إسرائيل كقصة يوسف وموسى، كما أنَّ فيه قصة مريم وعيسى ويحيي، وقصصًا نصرانية كقصَّةِ أهل الكهف، والأسلوب فيها قصصي جميل، لا يتعرَّض للجزئيَّات والتفاصيل، ولا يُكثِر من ذكر الأشخاص وذكر التاريخ كما يفعل الكتاب المقدَّس، وإنما يُعنى أكثر ما يُعنى بمَوضِع العبرة، ولكن في هذا العهد لم يُجادِل القرآن اليهود ولا النصارى إلَّا قليلًا لقلَّةِ اليهود الذين كانوا بمكة ومُسالَمة النصارى.

فلمَّا هاجر النبي إلى المدينة كان الشأن فيها غير الشأن في مكة؛ فأكثرُ سكان المدينة من الأوس والخزرج فشا فيهم الإسلام، وآمَنوا به إيمانًا صادقًا على العكس من أهل مكة الذين لم يُسلِم منهم إلا القليل، وأسلم المسلمون من الأنصار والمهاجرين أمرَهُم إلى رسول الله يقودهم في دِينهم ودُنياهم كما يشاء الله، واستراح الأنصار — من الأوس والخزرج — ممَّا كان بينهم من حروبٍ وإحن، واستراح المهاجرون ممَّا كان يؤذيهم به صناديد قريش في دارهم، وكان المدنيون أكثر ثقافةً بالكتُب المُنزَّلة السابقة لليهود الذين يسكنون بينهم والنصارى على حددوهم، وكان هذا من الأسباب التي دعَتْهم أن يتقبَّلوا دعوة النبي، ويفهموا النبوَّة ومراميها أكثرَ ممَّا فهِمَت قريش، ولكن كان بجانب هؤلاء المسلمين من الأنصار والمهاجرين قبائل يهودية، لهم مزايا العرب في الحروب والقتال ولكنهم — كشأن اليهود عامَّة — شديدو المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وشعائرهم؛ فأبَوا أن يتركوا شيئًا من ذلك، وأبَوا إلَّا الإصرار على دِينهم وشعائرهم، وناصَبوا النبيَّ العداء، وأخذ الخِلاف يشتدُّ بينهم وبين المسلمين كلَّما تقدَّم الزمان وحدثت الأحداث.

وبجانب هؤلاء وهؤلاء قوم من الأوس والخزرج — حتى من رؤسائهم — حقدوا على الإسلام، إمَّا لأن الإسلام أفقدَهم رياستَهم الدُّنيوية وإما لأنهم أتباع هؤلاء أو نحو ذلك، ولم يستطيعوا أن يجهروا بالخصومة لقلَّةِ عددِهم، ولأنَّ التيار العام هو تيار المُسلمين فأسلموا ظاهرًا وانطوَوا على الكُفر باطنًا، وسُمُّوا «المُنافقين».

في هذا الجو الجديد نزلت الآيات المدنية تحمِل على اليهود حملةً شعواء، فهُم يدبِّرون له الدسائس، وهم يُمطِرونه بالأسئلة المُتعنِّتة، فيسألونه عن الرُّوح وعن الأهلَّة وعن الساعة وعن ذي القرنين، ويُشيعون عدَم تصديقه فيما يُنزَّل عليه، فجاء القرآن يُكذِّبهم، ويذكُر سلسلة أعمالهم التاريخية، وخصومتهم لأنبيائهم: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.

وكذلك المُنافقون كانوا يدسُّون ويمكرون، ويحاولون أن يُفسدوا الخطط، فكان القرآن ينزل مُبينًا مكايدَهم، مُتوعِّدًا لهم سوء أعمالهم من غير ذكر أسمائهم لعلَّهم يهتدون، كذلك يجادل النصارى في عقيدة التثليث وألوهية المسيح.

وإلى جانب هذه الآيات في الجدال والتَّسفيه ونقض المؤامرات كانت الآيات الأخرى مُخاطبةً المؤمنين، مُبيِّنةً لهم شعائرهم، راسمةً لهم طريق حياتهم الدينية والدنيوية — وفي هذا العهد كان يُخاطب المؤمنون بِيا أيُّها الذين آمنوا — واضعة لهم القوانين، مُتمِّمة لهم ما بدئ به في مكة من الشرائع والشعائر، ولذلك ترى أنَّ الخطاب والإخبار كثيرًا ما يتَّجِه إلى هذه الطوائف الثلاث، مُسمِّيًا لهم بطوائفهم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يأيها الذين آمنوا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وفي هذا العهد المَدني يأتي التشريع للعائلة من زواجٍ وطلاقٍ ووصية وتوريث، ويُوضَع نظام المعاملات والعقوبات.

ولمَّا كان القتال بين المُسلمين في المدينة والمشركين في مكة، وبين المسلمين في المدينة واليهود فيها، كانت الآيات المدنية مُبيِّنة قوانين الجهاد، مُسجِّلة لأحداث الغزوات؛ فآيات في غزوة بدر، وآيات في غزوة أحد، وسورة في غزوة الأحزاب وهكذا. وهي قوية قوَّة الحرب، حتى إذا تمَّ فتح مكة نزلت سورة الفتح، وأخيرًا نزلت: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

ويغلِب على الأسلوب في الآيات المدنية الطُّول مع التزام الفَواصُل التي أشرْنا إليها قبل، ومع الهدوء الذي ينسجم والتشريع، وليست الآيات وحدَها هي التي تطول، بل السُّور كذلك، ولذلك سُمِّيَت بعض السُّور السَّبع الطوال.

•••

وفي القرآن صور أدبية رائعة مُتعدِّدة من جمال تَشبيهٍ كقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ — وحسن استعارة مثل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ، فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ، وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ.

والأمثال اللطيفة: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى.

ومن أمثلة الحجاج: مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا؛ وفي الوعيد والتهديد: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ. وفي الترغيب: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، ونجد في بعض المواضع استعمال مُحسِّناتٍ بديعية لم تكثُر فتُسأم مثل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ، عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ.

وإذا هجا في غير هجر: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ.

وإذا راجع أوجز وأجزل: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.

وإذا وصف الله أو دلَّل عليه ففي إجلال وإعظام: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

وعلى الجملة فالكلمات مختارة حروفها، والجملة مُنسجمة كلماتها، والفِقَر مُؤتلِفةٌ جُمَلُها وشرح ذلك يطول.

•••

والنثر الفني في العصر الأموي لم يرقَ كثيرًا لحاجته إلى الإمعان والتروِّي بالكتابة، ومع هذا فقد خلَّف لنا هذا العصر بعض كتبٍ دعا إليها تنظيم الحكومة والدواوين ووضْع نظُم للدولة، ككِتاب عُمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وكتاب علي إلى الأشتر النخعي في نظام الدولة (وهو مذكور في كتاب نهج البلاغة)، ويظهر أن له أصلًا صحيحًا وإن تُزُيِّد فيه بعد، فلمَّا استخدم العرب الموالي في كتابة الدواوين، بعد أن عرَّبوها ظهر موالٍ مُثقَّفون ثقافةً فارسية أو يونانية وثقافة عربية، أمثال سالم مولى هشام بن عبد الملك، وتلميذه عبد الحميد الكاتب كاتب مروان بن محمد؛ فسالم كان يعرِف اليونانية وعبد الحميد يعرِف الفارسية، فحَذَقا صناعة الكتابة الديوانية، وخاصة عبد الحميد الكاتب فقد ابتكر في العربية الرسائل المُطوَّلة، المُفصَّلة الموضوع، المُرتبطة الأجزاء، فكتب الرسائل الرسمية كرسالته إلى ولي عهد مروان بن محمد على لسانه، وفي المسائل العامة كنصيحته إلى الكتَّاب، ونحو ذلك، ووضع للرسائل العربية نظامًا احتُذِي فيما بعد، كصُوَر البدء والختام والتحميدات.

وكان بجانب ذلك نوع من النثر يُعَدُّ نموًّا للعصر الجاهلي من كتُب وخُطَب تُشبه خُطَب الوفود، وحِكَم تُشبِه أقوال أكثم بن صيفي، نجِدها في كثيرٍ ممَّا رُوي في هذا العصر، كأقوال الأحنف بن قيس، وما روي من أقوال العرب في كتب الأدب كالعقد الفريد، جُمَلٌ حكيمة مُوجَزة تُشبه الأمثال، منفصلة كل جملة عن الأخرى، يُعتمَد في ربطها على الذهن وحدَه. والحقُّ أن العرَب أبدعوا في هذا النوع إبداعًا عظيمًا، فجرَتْ ألسنتهم بالحِكَم الدالَّة على حُسن نظَرٍ وتجربة، والمُركَّزة في جُمَلٍ قصيرة مُنتقاة.

وإلى هذَين نوع ثالث من الحِكَم والمواعظ الدينية مُتأثرة بتعليم القرآن وأحاديث الرسول، تدور حول قِيمة العمل الصالح والزَّهادة في الدنيا والتخويف من عذاب الأخرى. وأحسن مثلٍ لهذا ما رُوي عن الحسن البصري. وكل هذا في جُمَلٍ قصيرة متلاحقة ليس فيها تفصيل ولا ربط لَفظي، ولهذا عَدَّ العرب ما جاء به عبد الحميد الكاتب من تفصيلٍ وبسطٍ وربط فنًّا مُبتكرًا.

ومن ضروب الفن الأدبي الخطابة، وقد جادت في العصر الأموي لكثرة الفِتَن والثورات وتعدُّد الأحزاب السياسية، وكان العرَب فيها مهَرَةً لاعتمادها على الفصاحة اللِّسانية لا الكتابة. وقد كان الولاة الذين يتولَّون الخطابة عربًا يعرفون مناهج القول في الجاهلية وفي الوفود على كِسرى، وفي الإسلام في الوفود على رسول الله وفي سقيفة بني ساعدة ونحو ذلك، وكانوا عارفين بنفسية العرَب والظروف الاجتماعية والنفسية التي تُحيط بهم، ويعرفون الألفاظ المُنتقاة التي تتلاقى مع هذه الظروف، فمَهَروا في ذلك ونجحوا في خُطَبهم، وخدموا بذلك خلفاء الدولة الأموية خدمةً لا تقلُّ عن السيف. واشتُهِرَ من هؤلاء زياد بن أبيه في أول الدولة، والحجاج في وسطها، وخالد بن عبد الله القَسْرِي في آخِرها، وكانوا في خُطبِهم يحافظون على التقاليد العربية من تزيِّيهم بالزيِّ العربي، واعتمادهم على القَوس وقائم السَّيف. وممَّن برعوا في هذه الخُطَب الخوارج كقَطَري بن الفجاءة، وعمران بن حطان، وأبي حمزة الأباضي، فقد عُرِف عن الخوارج شجاعتهم المُتناهية، وعيشتهم البدَوية، وتحمُّسهم الشديد لمذهبهم وصفاء عربيَّتِهم فكان ذلك كلُّه داعيًا لإجادتهم.

أما التأليف فلا يُهمُّنا هنا إلا ما كان مُتِّصلًا بالأدب كالتاريخ، فقد وُلد التأليف فيه في العصر الأموي، فقد بدأ الرواة يَروُون أحوال العرَب في جاهليَّتهم وأخبار الأُمَم الماضية؛ إذ كان بعض الخلفاء الأمويين مُولعًا بسماع أخبارها، وقد رُوي كلُّ ذلك في شكلٍ بدائي مملوء بالأساطير، مُستعار ممَّا يرويه الأخباريون عن الفُرس، والكتُب غير الموثوق بها في اليهودية والنصرانية، كما عُنوا بشيء أقربَ إلى الصحَّة وأدعى إلى الوثوق به وهو تدوين السِّيرة النبوية وأحداث الفتوح، ولكنَّ أكثرَ ما كُتِب أو أُلِّف في هذه الموضوعات لم يصِل إلينا، وإن دخل مُعظمه في ثنايا ما أُلِّف في العصر العباسي، مثال ذلك ما رُوي من أن عبيد بن شرية ألَّف كتاب الملوك وأخبار الماضين لمُعاوية بن أبي سفيان، وما ألَّفَهُ عروة بن الزبير في المَغازي، وما رُوي عن وَهْب بن مَنبه اليهودي الأصل.

•••

فلمَّا جاء العصر العباسي رأيْنا أن عبد الحميد الكاتب أثَّر في الكتابة أثرًا كبيرًا بما ابتدعَهُ من طريقته، التي من خصائصها إطالة الرسائل، وترتيب المعاني، وربط بعضها ببعض، والمَيل إلى المُزاوجة، وأعني بها الفِقَر المتوازنة من غير التزامٍ للسجع، وكثرة المُترادفات، وخير الألفاظ، كقوله ينصَح الكتَّاب: «وإن نبا الزمان برجلٍ مِنكم فاعطفوا عليه، وواسوه حتى يرجع إليه حالُه، ويثُوب إليه أمره، وإن أقعَدَ أحدَكم الكِبَر عن مكسَبِه ولقاء إخوانه فزُوروه وعَظِّموه وشاوِرُوه، واستظهروا بفضل تجربته، وقِدَم معرفته.»

وقوله:

«ولا يُجاوِزنَّ الرجلُ منكم — في هيئة مجلسه وملبسه، ومركبه ومَطعمه ومَشربه، وبنائه وخدَمِه، وغير ذلك من فنون أمره — قدْرَ حقِّه، فإنكم — مع ما فضَّلكم الله به من شرَفِ صَنعتكم — خَدَمة لا تحملون في خدمتِكم على التقصير، وحفَظَة لا تُحتَمَل منكم أفعال التضييع والتبذير؛ واستعينوا على عفافكم بالقصْد في كلِّ ما ذكرتُه لكم، وقصصتُهُ عليكم، واحذَروا مَتالِف السَّرَف وسُوء عاقبة الترَف، فإنهما يُعقِبان الفقر، ويذلَّان الرقاب … ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحَها محجَّة، وأصدَقَها حجَّةً، وأحمَدَها عاقبة.»

وقد تأثَّر في ذلك بأصله الفارسي كما ذكر أبو هلال العسكري، وجاء صديقه الفارسي أيضًا عبد الله بن المُقفَّع في الدولة العباسية فكان رافع لواء النثر الفني.

وهو ربما فاق عبد الحميد الكاتب في سَعة ثقافته وكثرة إنتاجه، وتعرُّضِه لضرب المثَل الأعلى لكثيرٍ من الشئون الاجتماعية، كالسُّلطان والقضاء والصداقة، كما يمتاز بأنه رسَم لمن بعدَه أحسنَ مثلٍ في الترجمة إلى العربية عن الكتُب المكتوبة باللغات الأخرى بترجمته كليلة ودمنة، وربما كان في أسلوبه أميَلَ إلى الإيجاز من صديقه عبد الحميد، وأقرب إلى القصد في السجع والبديع، وربما أدَّاه ذلك إلى الغموض أحيانًا، وهو لِسَعة ثقافته يملأ أقواله بالحِكَم المأثورة والأمثال السائرة، وهو أكثر ميلًا إلى التقسيم المَنطقي في التعبير؛ فالموضوع واحد مرتبطة أجزاؤه كفِقرات السلسلة، وكل فِقرة مُقسَّمة إلى جُمَل مترابطة، وهكذا.

وحسبنا أن نُحيل القارئ على الأدب الصغير والكبير، ورسالة الصحابة وكليلة ودمنة، ليظهر له صِدق ما ذكرْنا.

وجرى على أثرها تلاميذهما من الكتَّاب، أمثال سهل بن هارون، والحَسَن ابن سهل، وعمرو بن مسْعَدة.

حتى أتى إمام الناثرين الجاحظ، فوضع قواعد النثر الفني علمًا، وطبَّقَه عملًا؛ فقد وضع في كتابه البيان والتبيين قواعد البلاغة في اختيار اللفظ وانسجامه مع المَعنى، وفي الخطابة ونحو ذلك، ثم التزم ذلك فيما كتب وألَّف.

كان مُثقَّفًا ثقافةً واسعة؛ ثقافة دينية في فروعها المُختلفة، وثقافة كلامية، فقد كان أحدَ أساطين المُعتزلة، والمُعتزلة في ذلك العصر كانوا قادة الفِكر، مُزوَّدين بالمعارف الواسعة في الفلسفة والدين، وكانوا حاملي لواء التفكير الحُرِّ حسبما يؤدي إليه النظر والمنطق، في حدود الدين. وكان مثقفًا ثقافة فلسفية، إذ قرأ ما نُقِل إلى العربية من الفلسفة اليونانية في فروعها المُختلفة. وكان مثقفًا ثقافة أدبية؛ إذ قرأ الأدب على شيوخِه، وحصَّل منه أقصى ما يمكن أن يُحصِّله إنسان، ومزَج كل ذلك وهضمَه، ثم أخرجه للناس تأليفًا ممزوجًا بشخصيَّته، وكاد بتآليفِهِ الكثيرة أن يمسَّ كلَّ موضوع في عصره من سياسةٍ واجتماع واقتصاد، وحيوان، ونبات، وشعوب، ونحو ذلك، معروضًا عرضًا أدبيًّا فيه الفكاهة الحلوة، والاستطراد المُريح. وخير كتابٍ له يُمثِّل هذه الاتجاهات كلها «كتاب الحيوان» في سبعة أجزاء، ليس الكلام فيه على الحيوان أكثرَ الكلام.

وله الفضل الكبير على الأدب العربي في أنه جعل للأدب موضوعًا يُعنى فيه بالمعاني والمعلومات الواسعة، وفي أسلوبه الواسع الفضفاض المُتدفِّق.

وأسلوبه إذا كتب كتابةً أدبية أقرب إلى المُزاوجة من غير التزام للسجع الدقيق، كقوله: «والكتاب وعاء مليء علمًا، وظَرْفٌ حُشِيَ ظُرفًا، وإناءٌ شُحِن مزاحًا، إن شئتَ كان أعْيَا من باقِل، وإن شئت كان أبلَغَ من سَحبان وائل، وإن شئتَ سرَّتك نوادره، وشجَتْكَ مَواعِظه، ومن لك بواعظٍ مُلْهٍ، وبناسكٍ فاتك، وناطقٍ أخرس، ومن لك بشيءٍ يجمع الأول والآخر، والناقِص والوافر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغثَّ والسمين؟ وبعدُ فما رأيتُ بستانًا يُحمَل في رُدن، وروضة تُنقَل في حِجْر، ينطق عن المَوتى، ويُترجِم عن الأحياء، ومن لك بمُؤنِسٍ لا ينام إلَّا بنَومِك، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمَنُ من الأرض، وأكتَمُ للسِّرِّ من صاحب السِّر، وأحفظُ للوديعة من أرباب الوديعة … إلخ.»

وقد أثَّر الجاحظ فيمن أتى بعدَه من الكتاب أثرًا بليغًا من حيث موضوعاته وأسلوبه، فإذا نحن قرأنا لعبد العزيز الجُرجاني في كتابه الوساطة بين المُتنبِّي وخصومه، أو لعبد القاهر الجرجاني في كتابَيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، أو بعد ذلك لأبي حيَّان التوحيدي في كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، أو «الصداقة والصديق»، أو «المُقابسات»، رأينا أثر الجاحظ في كل ذلك واضحًا جليًّا حتى لُقِّب أبو حيان بالجاحظ الثاني.

وجاءت بعد ذلك طبقة تبتعِد قليلًا قليلًا عن المُزاوجة، وتقترِب قليلًا قليلًا من التزام السَّجع الكامل، ونرى مِصداق هذا التحوُّل في كتابات الثعالبي في مثل كتابه «يتيمة الدَّهر»؛ فلمَّا تمَّ هذا التحوُّل نرى السجع غالبًا في مدرسة على رأسها ابن العميد، ومن رجالها أبو إسحاق الصابي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، والحريري.

وهؤلاء لم يكتفوا بالسجع المُطلَق، بل نمَّقوه بكثيرٍ من أنواع البديع، كقولهم: «من ألبسَهُ الليل ثوب ظَلمائه، نزَعَه عنه النهار بضيائه.» وكقولهم: «قاصم الأصلاب، وقاسِم الأسلاب.» وكقولهم: «يتردَّد بين الرخاء والبأس، والرجاء واليأس.» وكقولهم: «إذا حالَفَ فأحسَبُه قد خالف، وإذا أعار فأحسَبُه قد أغار.»

وتفنَّنوا في ذلك وأكثروا حتى قد يؤلِّفون الكتاب كلَّهُ مسجوعًا، كما فعل العتبي في كتابه «اليميني»؛ «وقلائد العقيان» للفتح بن خاقان، وتلوَّن الأدب كلُّه بهذا اللون السجعي، ونُسِيَ الترسُّل والازدواج، واتُّبِع ذلك في الكُتب الرسمية والإخوانيَّات، وغير ذلك إلا في القليل النادر.

وقد نقد أبو حيان التوحيدي الصاحِبَ بن عباد في ولَعِهِ بالسجع فقال:

«كان يبلُغ به حُبُّ السجع أنه لو رأى سجعةً تنحلُّ بموقعها عروة الملك، ويضطرِب بها حَبل الدولة، ويحتاج من أجلِها إلى غُرم ثقيل، وكُلفةٍ صعبة … لَمَا كان يخفُّ عليه أن يُخلِّيها، بل يأتي بها ويستعملها.»

وقد وصف هذه الحال ابن خلدون أجملَ وصف، ونقدَهُ أشدَّ نقد، فقال:

«وقد استعمل المُتأخرون أساليب الشعر، وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية، وتقديم النسيب بين يدَي الأغراض، وصار هذا المنثور إذا تأمَّلتَه من باب الشعر وفنِّه، لم يفترقًا إلا في الوزن، واستمرَّ المتأخرون من الكتَّاب على هذه الطريقة، واستعملوها في المُخاطبات السلطانية، وقصَروا الاستعمال في المنثور كلِّه على هذا الفن الذي ارتضَوه، وسلَّطوا الأساليب فيه، وهجروا المُرسَل. وتناسَوه وخصوصًا أهل المشرِق.»

ويُعلِّل ذلك بفقر الكتَّاب في المعاني وغلَبَة العُجمة على الألسنة فيقول:

«وما حملَهم على ذلك إلا استيلاء العُجمة على ألسنتهم، وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقَّه في مُطابقته لمُقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المُرسَل لبُعدِ أمدِه في البلاغة، وانفساح خطوبه، وَوَلعوا بهذا السجع يُلفِّقون به ما نقصَهم من تطبيق الكلام على المقصود، ويَجبرونه بذلك القَدْر من التزيين بالأسجاع والألقاب البديعية، ويَغفُلون عمَّا سوى ذلك.»

وإلى جانب السجع تفنَّنوا في ضروبٍ من الأفانين ككِتَابٍ يقرأ من آخِرهِ إلى أوَّلِه، وكتاب إذا قُرئ من أوَّله إلى آخِره كان كتابًا، وإذا عُكست سطُوره مُخالفة كان جوابًا، وكتاب ليس فيه حرف مُنفصِل كراء مُنفصلة أو دال منفصلة، أو كتاب أول سطورِهِ كُلها ميم، أو كتاب إذا فُسِّر على وجهٍ كان مدحًا، وإذا فُسِّر على وجهٍ آخَر كان ذمًّا، أو كتاب كله حروف مُعجمة أو كله حروف مُهملة … إلخ.

(٢-٢) النثر القصصي

كان من أثر الفتوح الإسلامية، ودخول كثيرٍ من الأُمم المختلفة في الإسلام أن حملتْ كل أمةٍ أسلمتْ أو خضعت للإسلام قصصها، فكان بين يدَي المسلمين قصص هندية وفارسية ويونانية ورومانية ومصرية، وكل هذه كانت تُقصُّ في المملكة الإسلامية باللغة العربية بعد أن دخل أهلها في الإسلام؛ فبدأت عند الكتَّاب فكرة تدوينها وجمعها، فتَرجَم ابن المقفع كليلة ودمنة عن اللغة الفارسية المترجمة عن الهندية.

ويُمكننا القول إن هذا القَصص اتَّخذ شكلَين: شكل قصص شعبي يُحكى بلسان العامَّة أو بلغةٍ عربية قريبة من اللغة الشعبية، وقصص أرستقراطي يُترجَم أو يؤلَّف بلغةٍ أدبية راقية.

فكان من القصص الشعبي ألف ليلة وليلة، وكانت في عهدها الأول نحو مائتي حكايةٍ موزعة على ألف ليلة، ثم ظلَّت تنمو مع الزمن؛ وقصة السندباد البحري ولم تكن مُلحَقةً بألف ليلة. ورُوي لنا أن الجهشياري ألَّف كتابًا على نسَق ألف ليلة وليلة اختار فيه أسمارًا من أسمار الأُمم، ومات قبل أن يُتمَّه وهو لم يصِل إلينا. ووُجِدت قصص أخرى كثيرة ضاع أكثرُها، حكي لنا أسماءها ابن النديم في كتابه «الفهرست»، وحكي حمزة الأصفهاني المُتوفَّى سنة ٥٣٠ﻫ أنه كان في عصره من كتُب السَّمَر التي تتداولها الأيدي ما يقرُب من سبعين كتابًا.

أما القصص الأرستقراطي المكتوب بلغةِ الأدب فكتاب كليلة ودِمنة المترجَم، ثم أخذ الأُدباء يُعنَون بالتأليف الأدبي القصصي، ومن أشهر هذا الضرب في العصر العباسي المقامات؛ مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري.

والمقامات جمع مقامة، وهي المجلس أو الجماعة من الناس، سُمِّيت بذلك لأنَّ الشأن فيها أنَّ كل مقامةٍ تُقَصُّ في مجلس واحدٍ يجتمع لسماعها جماعة، وكل مقامة حكاية قصيرة تدور حول حيلةٍ يحتالها رجل لكَسْب شيءٍ من المال عن طريق التكدِّي، صِيغت في أسلوبٍ أدبي. وكل مقاماتِ مؤلِّف تجعل بطلها رجلًا واحدًا يُمثِّل دور المُحتال لقنص المال في كل مقامة، وهو أبو الفتح الإسكندري في مقامات البديع، وأبو زيد السروجي في مقامات الحريري.

هذا في الأصل، وإن وُضِعت مقامات بعدُ في غير الكُدْية كمقامات الزمخشري في الوعظ، ونحو ذلك.

وأسلوب البديع في مقاماته أسهلُ وأقلُّ تقيُّدًا بالسجع والمُزاوجة، وهو أخفُّ روحًا وألطفُ نفسًا وأكثر دعابة. وأسلوب الحريري أكثر مادة لغوية، وأجود شعرًا، وأكثر التزامًا للسجع وأنواع البديع، وأكثر تفنُّنًا في احتيال بطلها.

وكلاهما إذا قِسناه بمقياس أصول الرواية من حيث التصميم والتشخيص والحوار، ونقد الحياة وشرَف الموضوع لم يبلُغ في الفنِّ القصصي منزلةً رفيعة، ولكن إذا نظرْنا إليه من حيث مادته اللغوية وأساليبه الفنية والمهارة اللفظية كان — من غير شك — موضع الإعجاب.

وربما كانت رسالة الغفران التي ألَّفَها أبو العلاء المعري — والتي أُلِّفَت في نفس الوقت الذي أُلِّفت فيه مقامات الحريري تقريبًا — أمعنَ في باب الخيال وأدخلَ في باب القصة، وإن كانت كذلك مليئةً بالاستطراد الأدبي واللُّغوي ممَّا أبعدَها عمَّا تستحقُّه في باب الرواية، وهي نوع من «الكوميديا الإلهية»؛ وكثيرًا ما يُقرَن اسمُها بالكوميديا الإلهية لدانتي، وأبو العلاء أسبقُ منه. وقد عرض فيها أبو العلاء للشعراء والزنادقة، ومن غفر الله لهم ومن لم يغفِر، ومكانهم في الجنة أو النار، كما عرض للآراء الدينية والمُعتقدات الشائعة في أسلوبٍ ملفوف ساخر.

ولعلَّ من الواجب أن نذكُر هنا قصة مُمتعة حقًّا، قصة فلسفية مَحبوكة، فيها الفن القصصي أكثر إتقانًا وأمتَنُ سبكًا، وهي قصة «حي بن يقظان» ومؤلِّفها هو ابن طفيل الأندلسي المُتوفَّى سنة ٥٨١م، وبطل القصة «حي» وُلِد في جزيرةٍ من جُزُر الهند تحت خطِّ الاستواء، وقد نشأ في هذه الجزيرة وحيدًا لا يرى بها أحدًا من بني آدم فأرضعتْهُ ظبية، ونشأ نشأة الظباء يُحاكي صوتَها في الاستدعاء والاستئلاف، وتعلَّم المشي واستطاع بالمُلاحظة والتجربة والتفكير والتأمُّل أن يُحصِّل غذاءه؛ وما زال عقلُه ينمو وتجاربه تكثُر، وتأمُّله ينضج حتى حصَّل من المعارف فيما حولَه من الطبيعة قدرًا كبيرًا، ثم أكثر من التفكير في نفسه فجمع بين المُلاحَظة الخارجية والملاحظة الداخلية. ولمَّا قارن بين نفسه وبين الحيوانات التي حولها وجدَها مستورةً وهو عار، ومُسلَّحة وهو أعزل، فأخذ بعقله يستُر نقصَه فستر جسمه، واتَّخذ من الأدوات الطبيعية سلاحًا يتغلَّب به على الحيوان، وكلَّما نما زاد تفكيره في الأمور المعنوية. فلمَّا ماتت أُمُّه الظبية أخذ يُفكِّر فيما عرَض لها ويُشرِّح جسمها ليعرِف سرَّ موتها، واهتدى بتفكيره إلى أنَّ القلب مصدر الحياة وفيه الروح الحيواني, وقارن بين الأعضاء في الحيوانات المختلفة وبين النبات والحيوان، واهتدى بالتأمُّل إلى أنَّ جميع الأشياء في الحقيقة تؤلِّف وحدة، وأنَّ الأجسام من جماداتٍ وأحياء إنما هي مُركَّبة من الجسمية ومن شيءٍ وراء الجسمية، واهتدى بذلك إلى العالَم الرُّوحاني، وآمَن بقانون السببيَّة وطبَّقَه على جميع ما يحدُث حوله. وأخيرًا اهتدى إلى الله بتفكيره، وما زال يرقى حتى وصل إلى أرقى أنواع التصوُّف من الاستغراق والفناء في الله وأن لا شيء في الوجود غير الحق.

وأخيرًا وصل إلى الجزيرة رجل صالح اسمُه «آسال» رحلَ إلى هذه الجزيرة طلبًا للعُزلة في عبادة الله، فتعرَّف بحي بن يقظان وعلَّمه الكلام، وكان آسال مُتديِّنًا أخذ تعاليمه عن رجال الدين الذين تلقَّوا عِلمهم خلفًا عن سلَفٍ عن الأنبياء، فعرض كلٌّ من حي وآسال تعاليمَه على الآخر، عرض «حي» ما وصل إليه بطريق التفكير المحض، وعرض آسال ما وصلَ إليه عن طريق الأنبياء، فوجدا أن الأساس في تعاليمهما واحد، غاية الأمر أنَّ «حيًّا» فيلسوف كل مبادئه تُناسب الفلاسفة، أما تعاليم الأنبياء فممزوجة بأشياء أتى بها لتُناسِب العامَّة والشعب.

وقد عجِب حيٌّ لمَّا حكى له آسال معيشة الناس في الجزر الأخرى واعتقاداتهم المشوبة بأشياء لا تَرضى عنها الفلسفة، وأراد أن يعِظَ الناس ليقتصروا من الديانات على المبادئ الفلسفية، فرحل ووعظ، ولكنه فشِل فترك الناس ومُعتقداتهم، ورجع مع صاحبه آسال إلى جزيرته يتأمَّلُ ويرتاض ويتصوَّف ويتفلسف إلى أن مات.

والقصة فلسفية لذيذة ظريفة الأسلوب عميقة الفكرة، وفيها نظراتٌ دقيقة في كل ما يعرِض له.

وقد تأثَّر بهذه القصة الروائي الإنجليزي دانيال دي فو١١ في رواية روبنسن كروزو، وصوَّر رجلًا عاش وحيدًا، واستطاع أن يعيش مدَّة ثمانية وعشرين عامًا في جزيرة خالية، وتوصَّل بعقله إلى أن يكشف كثيرًا من الأمور العملية والصناعية ثم يهتدي إلى الله.

والفرق بينهما أنَّ «حيًّا» فيلسوف ينظُر إلى الحياة بعينه الفلسفية وروبنسن رجُل عمليٌّ يستخدِم عقله في شئون الحياة وتصريفها، وإنِ اهتدى أخيرًا إلى الله وتصريفه للكون.

(٢-٣) التاريخ

وبعد أن عُنيَ المسلمون بتاريخ السيرة والمغازي في آخر العهد الأموي — كما أسلفنا — اتجهوا إلى تدوين تاريخ الفتوح، وكان من أشهر من عُنيَ بذلك أبو جعفر أحمد بن يحيى البلاذري (٢٧٩ﻫ)، فألَّف كتابه فتوح البلدان، ذكر فيه أخبار الفتوح الإسلامية من أول الفتح الإسلامي إلى آخره؛ يذكر فيه الفتح وأخباره قُطرًا قطرًا بل وبلدًا بلدًا، مع حُسن التعبير ورصانة القول، ثم هو يعرِض أثناء كتابته في الفتوح لمعلوماتٍ اجتماعية ومالية. ومن أقدم المؤرخين الإسلاميين ابن واضح اليعقوبي (٢٧٨ﻫ)، رحلَ إلى الهند ومصر وبلاد المغرب، وألَّف كتابًا في مُجلَّدين: الأول في التاريخ القديم من آدم إلى ظهور الإسلام، ويدخل فيه أخبار الإسرائيليين والسريان والهنود واليونان والرومان والفرس والنوبة والعرب في الجاهلية؛ يدوِّن فيه معارف عصره التاريخية بأساطيرها وخُرافاتها، والثاني في تاريخ الإسلام إلى زمن المُعتمد على الله سنة ٢٠٩ﻫ مرتَّبًا حسب الخلفاء. وكان اليعقوبي شيعيًّا فلوَّن تاريخه باللون الشيعي من العطف عليهم، والنقد الهادئ لبعض أعمال العباسيين.

ثم جاء ابن جرير الطبري (المتوفَّى سنة ٣١٠ﻫ) فألَّف أعظم كتابٍ في التاريخ الإسلامي واسمه «تاريخ الرسل والملوك»، وبدأه بتاريخ الأنبياء والملوك في الأمم القديمة، ثم تاريخ الفُرس في عهد الساسانيين، ثم السيرة النبوية والخلفاء الراشدين، وهكذا إلى سنة ٣٠٢ﻫ. وقد جرى من بدء تاريخه للمُسلمين على حسب ترتيب السنين، فما حدث من الأحداث في السنة الأولى الهجرية ثم الثانية، وهكذا.

وقد اعتمد الطبري فيه على ما أُلِّف قبلَه من الكتب، وعلى سماعه من رواة الأخبار، وساعده على ذلك رحلاته الكثيرة إلى الأقطار والأخذ عن شيوخها؛ فهو من طبرستان، ورحل إلى بغداد، ثم شخَص إلى مصر فالشام، ثم عاد إلى العراق، وفي كل ذلك يلتقي العلماء ويأخذ عنهم في التفسير والحديث والفقه والتاريخ.

وسلك في التاريخ مسلك المُحدِّثين، فهو يروي الحادثة التاريخية بالسنَد عن فلان عن فلان، وإذا رُويت في الحادثة جملة روايات قصَّها بأسانيدها، ولذلك عُدَّ عمدة المؤرِّخين، كما عُدَّ كتابه في التفسير عدَّة المفسرين.

وهو إلى جانب قيمتِهِ التاريخية ذو قيمة كبيرة أدبية، فهو يروي ما يروي بأسلوبٍ جزل ضخم، وفي خلال قصته يروي مأثور القول ومأثور الشعر، وما أُثِر من خطبٍ وحوار ومساجلات، ونحو ذلك ممَّا يُعدُّ ذخيرةً أدبية كبيرة. وكل من ألف في التاريخ الإسلامي بعده كان عالةً عليه.

وجاء المسعودي (المُتوفَّى سنة ٣٤٦ﻫ) فنهج في تأليفه منهجًا آخر، فلم يقتصِر على الفتوح كما فعل البلاذري، ولا على ذكر الأحداث حسب السنين كما فعل الطبري، ولا وجَّه كل عِنايته لتاريخ الأنبياء والملوك، بل وسَّع معارفه من ناحيةٍ خاصة وهي ناحية الشعوب وجغرافيتها وأديانها وعوائدها وحالتها الاجتماعية والسياسية، واستفاد في ذلك كلِّهِ من رحلاته العديدة البعيدة، فقد رحل إلى الهند وسار إلى «ملتان»، ثم قصد «سيلان»، ومن هناك ركِب البحر إلى الصين، وطاف في البحر الهندي إلى مدغشقر، ومنها إلى عمان، ورحل رحلةً أخرى إلى أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام وفلسطين، ثم استقرَّ بمصر ونزل الفسطاط وتُوفِّي بها.

وقد ألف كتبًا كثيرة لم يصل إلينا — مع الأسف — إلا أقَّلُها. وأهمُّ ما وصل إلينا كتاب «مُرُوج الذهب»، ذكَر فيه الأمم القديمة أيضًا وأديانهم وعاداتهم، ثم تاريخ الأمة الإسلامية. ويتجلَّى فيما كتَب ثقافته الواسعة وتجارِبه الكثيرة التي أشرْنا إليها، ففيها نظرات اجتماعية وسياسية وفوائد كثيرة من هذه النواحي لا نجدها في غيره.

وربما وجب أن نقِف على مؤلَّفٍ آخَر في التاريخ له مسحة خاصة، هو كتاب «تجارب الأمم» لمَسكويه، أو كما هو المشهور ابن مسكويه (٤٢١ﻫ)؛ فقد كان في ظِلِّ الدولة البويهية، وكان مثقفًا ثقافة فلسفية، وكان مجوسيًّا وأسلم. وقد ألَّف هذا الكتاب في تاريخ الأُمم، ويمتاز بأنه لم يجمع الحوادث كما جمع غيره، وإنما عُنيَ بتخيُّر أهمها والتعليق عليها والوقوف على مَوضِع العبرة منها. فإن كان الطبري عالِمَ دينٍ يتأثر تاريخه بثقافته الدينية، وكان المسعودي رحَّالة جغرافيًّا أَخْباريًّا، فمسكويه فيلسوف أخلاقي يحتلُّ مكانته في السياسة الواقعية، وتتأثَّر كتابته التاريخية بذلك كله، يُعنى بالحكم على أخلاق الأشخاص ومَوضِع المدح والذمِّ منهم، ويعرِف كيف تُدبَّر المؤامرات والدسائس، ولا يؤمن بالأحلام والتنجيم والشعوذات والولايات، وإنما يؤمن بمنطق الواقع، وربما دلَّ اسم كتابه «تجارب الأمم» على مَنزعِه في كتابة التاريخ. وأسلوبه في كتابة التاريخ أسلوب العالِم لا الأديب.

وهناك كتب في التاريخ غلبت عليها الصبغة الأدبية كالتاريخ المعروف باليميني، الذي ألَّفه أبو النصر العتبي في سيرة محمود بن سُبُكْتُكِين، وقد وضعَهُ كلَّه سجعًا، وتلاه عماد الدين الأصفهاني في كتابه «الفتح القدسي في الفتح القدسي»، وصف فيه فتح صلاح الدين لبيتِ المَقدِس.

وتنوَّعت كتب التاريخ عند العرب من تاريخٍ عام إلى تاريخٍ خاص ببلد، إلى ترجمة رجال، إلى تاريخ علماء بلد، إلى تاريخ علماء مذهب أو فرقة دينية أو فلاسفة أو أطباء، إلى غير ذلك ممَّا قلَّ نظيره في الكثرة والوفرة عند أمَّةٍ أخرى، وإن كان يؤخَذ على أكثره عدَم العناية، وعدَم التوسُّع في شرح الحالات الاجتماعية للأمم المؤرَّخة، وقلَّة النقد للمصادر والروايات، وقلَّة التحليل الوافي الثاني إلا في القليل النادر، كما يؤخَذ عليه الإجادة عند النظر الجزئي في الحادثة، والتقصير في النظر الكلِّي الشامل، وربط الحوادث بعضها ببعض.

(٢-٤) الفلسفة

عندما جاءت الدولة العباسية وبسطت سلطانها كانت الفلسفة اليونانية قد انتقلت من اليونان إلى العراق باللغة السريانية؛ فسرجيس الرَّسْعَني١٢ الطبيب العراقي كان قد ترجم إلى السريانية كثيرًا من الكتب اليونانية الإلهية والأخلاقية والتصوفية والطبية والطبيعية، وكان على علمٍ وافر بنتاج مدرسة الإسكندرية، وجاء بعده يعقوب الرهاوي وغيره، فاستمروا في النقل، وصبغوا الفلسفة اليونانية صبغةً مسيحية، واستعانوا بمنطق أرسطو الذي ترجموه على المجادلات الدينية؛ فجاء الخلفاء العباسيون وشجعوا نقل هذه الفلسفة من اللغة السريانية إلى العربية، والذين بدءوا بهذا النقل في أول الأمر كانوا هم السريان أنفسهم، فنُقِل في عهد أبي جعفر المنصور كتُب في الطبيعة والطب والمنطق، ثم تتابعَت الترجمة في سائر فروع الفلسفة. وكان أشهر المترجمين حنين بن إسحاق (٢٦٠ﻫ)، ومدرسته التي كان منها ابنه إسحاق بن حنين وابن أخته حُبَيْش بن الحسن، وجاء بعدهم في القرن الرابع متَّى بن يونس، ويحيى بن عدي المنطقي وغيرهما، فأكملوا ما بدأ السابقون.

وكان طبيعيًّا أن الفلسفة اليونانية يدخلُها عند نقلها إلى العرب شيءٌ من الخلط، فيُنسب إلى أرسطو ما ليس له، ولأفلاطون ما هو لأفلاطين وهكذا. وقد أثَّر هذا الخلط بعض الأثر في فهم المسلمين للمذاهب اليونانية، وبدأ المسلمون بعد هذه الترجمة إلى العربية يدرسون الفلسفة ويتفهَّمونها، ويوفِّقون بينها وبين تعاليم الإسلام، ويخلعون على بعض فلاسفة اليونان بعض صُوَر المُسلمين كما فعل النصارى من قبل.

ومرَّ أثر الفلسفة اليونانية في المُسلمين في دورَين: «دور علم الكلام»، ثم «دور الفلسفة الصِّرفة».

ففي دور علم الكلام أخذ المسلمون يُقيمون الدين على أساس من الفلسفة والمنطق، ويحاجُّون غيرهم من أرباب الديانات الأخرى، وقام بهذه الحركة أول الأمر المعتزلة، فوسَّعوا ثقافتهم حتى شملت الفلسفة اليونانية، وخصوصًا أبا الهذيل العلَّاف والنظَّام والجاحظ، ويثيرون في بحوثهم كثيرًا من الإلهيَّات والطبيعيات والعلاقة بين الله والإنسان، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. كل ذلك على أساس الدين، فبحثوا في الجبر والاختيار وأفعال العباد وعِلم الله، وبحثوا في الشر وعلَّته، وفي قدرة الإنسان على خلق أفعاله، وسلطة العقل ومَقدرته على المعرفة ونحو ذلك. وجاء الجاحظ فوسَّع دائرة البحث في الطبيعة والحيوان على أنها من دلائل قُدرة الله وعظمته. وعن المعتزلة أخذ غيرهم من المُتكلمين منهجَهم وإن خالفوهم في بعض معتقداتهم كما فعل أبو الحسن الأشعري.

ثم جاء دور الفلسفة الصرفة تُعنى بالفلسفة اليونانية وفهمها وشرحها والتعليق عليها وتُلوِّنها بلون الإسلام لونًا خفيفًا. وكان من أول المُشتغلين على هذا النمط أبو يعقوب الكِنْدِي، وكان مرحلة الانتقال بين الكلام والفلسفة، وكان عربيَّ الأصل من كِندة فسُمِّي «فيلسوف العرب». وقد رَوَوا عنه أنه كان يعرف اليونانية ويُترجم منها إلى العربية بنفسه، وأمعن في دراسة الرياضيات والطبيعيَّات، وتبحَّر في دراسة الفيثاغورية الحديثة والأفلاطونية الحديثة وتأثر بهما في مذهبه، كما تأثر بكتب أرسطو كما نُقلت له وكما أصلحَها هو، وألَّف في ذلك كتبًا كثيرة وصَل إلينا بعضها، وقد أفاض فيها بحث العقل ونظرية المعرفة.

ثم جاء بعده الفارابي، فكان أعمق تفكيرًا، وأوسع اطلاعًا، وأنضج رأيًا، وحياته أكثر انطباقًا على حياة الفلاسفة من صدوفٍ عن الدنيا، وانقطاعٍ للنظر والتأمُّل. وقد اتخذ أرسطو إمامه، وسمَّاه المسلمون «المعلم الثاني»؛ إذ كان أرسطو هو المُعلم الأول، فهو الذي عُني بفلسفة أرسطو وتقريبها إلى أذهان فلاسفة المُسلمين، وقد ألَّف كتبًا كثيرةً في المنطق وفي الإلهيَّات، بحثَ فيها في الله، وفي العالَم السُّفلي، وفي العالم العلوي، وفي النفس الإنسانية، وفي العقل وفي الأخلاق، وفي السياسية.

وقد كانت كتب الفارابي أستاذًا للفيلسوف المشهور ابن سينا، وهو أكثر فلاسفة المُسلمين تأليفًا في الفلسفة وشرحها، ويكتُب الموسوعات الكبيرة، والمُختصرات الصغيرة، والمُطنَبة والموجزة، وفي بعضها حلاوة الخيال والشعر على أسلوب أفلاطون وفي بعضها العُمق والغموض والواقعية على نمَط أرسطو، وهو يمزج الفلسفة اليونانية بالحكمة المَشرقية، وينظر إلى العالم كوحدةٍ يُوجِّه إليها نظراته أحيانًا جزئية، وأحيانًا كلية، فقلَّ أن تجد شيئًا في العالَم لم يتعرض له بالبحث في تأليفٍ من تآليفه، مُقلِّدًا في ذلك أرسطو.

وتألَّفت في البصرة في القرن الرابع الهجري جماعة تَسمَّوا «إخوان الصفاء» وضعوا رسائل فلسفية تشمل ما عُرف من الفلسفة في عصرهم ممزوجة بالدِّين، ومُلوَّنة بالتشيُّع، وتتكوَّن من إحدى وخمسين رسالة في الرياضيات والمنطق والطبيعيات والإلهيَّات. ومن حينٍ لآخر ينفثُون في كتابتهم آراءهم السياسية وسخطهم على النظام القائم في زمنهم والخوف من اضطهادهم، والأمل في قلب هذا النظام، وحلول آخَرَ خيرٍ منه محلَّه، ولعل الذي كانوا يأمُلونه هو نظام الدولة الشيعية من إمامٍ معصوم يملأ الأرض عدلًا. وهم في رسائلهم متسامحون مع الدِّيانات الأخرى، مُعظِّمون للأنبياء والفلاسفة ودُعاة الدين من كل مِلَّة.

ومن أقوم هذه الرسائل رسالة الحيوان والإنسان، ففيها استطاعوا أن يُضمِّنوا انتقادهم للحياة الاجتماعية نقدًا لاذعًا على طريقتهم الرمزية.

وكذلك أينعَتِ الفلسفة الإسلامية في المغرب مُتأثِّرة بأسلوب المَشرق، فنبغ ابن باجه وابن الطفيل، ثم الفيلسوف الكبير ابن رشد القرطبي. وكان أكثر الفلاسفة كلَفًا بفلسفة أرسطو وإخلاصًا لها، شرحَها وقرَّبها إلى الأذهان.

وجاء الغزالي فتسلَّح بالفلسفة ثم هاجمها بسلاحها، فأعلنَ الحرب عليها في كتابه «تهافُت الفلاسفة» يُريد إفساد مذاهبها وقصور أدلَّتها، ويقصد من وراء ذلك الدعوة إلى إحلال الدين والتصوف محلَّ الفلسفة، والقلب والذوق محلَّ العقل. ولقد نجح في دعوته هذه عند الجمهرة العُظمى من المُسلمين بما كان له من قوةٍ خطابية فائقة، وأسلوبٍ واضح قوي، رغم ردود الفلاسفة عليه أمثال ابن رشد في تأليفه في الردِّ عليه «تهافُت التهافُت».

وكان لابن سينا وابن رُشد والغزالي أثرٌ كبير في الأوربيين في العصور الوسطى، فأوَّل ما اشتغلوا بالفلسفة نهَلوا من فلاسفة العرب، وتعلَّموا عليهم، إما مباشرةً أو بواسطة اليهود الذين تعلَّموا في الأندلس على ابن رشد وتلاميذه. واستفاد المسيحيون من دفاع الغزالي عن الدين، واقتبسوا كثيرًا من أقواله في إثبات الخلق من العدَم، وشمول عِلم الله للجزئيات، والبعث بعد الممات ونحو ذلك.

وظلَّت الفلسفة الإسلامية، وكُتبها العربية هي المنبع الذي يَستقي منه فلاسفة الغرب، إلى أن وضعوا يدَهم على المنابع الأصلية من كُتب الفلسفة اليونانية.

•••

وبعد، فما منزلة الأدب العربي بين الآداب التي استعرضناها، وخاصة الأدب اليوناني والروماني وآداب أوروبا في القرون الوسطى؟ ما جوانب القوة فيه، وما جوانب الضعف؟ هَلْ هو مع الآداب الأخرى يقِف على سُلَّمٍ واحد ذي درجاتٍ كل أدب يقِف على درجة مرتفعة أو منخفضة، أو هناك سلالم مختلفة، يقِف الأدب العربي منها على سُلَّم خاص؟ هل الأدب في جميع الأمم وفي كل العصور مُتكوِّن من عناصر ثابتة، وإنما تختلف هذه العناصر فقط رُقيًّا وانحطاطًا، أو أن العناصر تختلف، وفي الأدب العربي عناصر تُخالف الأدب الغربي والعكس؟

هذه أسئلة من العسير جدًّا الإجابة عنها، وخاصة في مثل هذا الكتاب الذي يحاول أن يقدِّم صورةً عامة لكل أدب.

لا شكَّ أن الأدب العربي في الجاهلية كان أدب أمةٍ واحدة هي الأمة العربية في جزيرة العرب، فكان مُتأثرًا في الأعمِّ الأغلب بهذه البيئة الطبيعية والاجتماعية. وإذا كانت هذه البيئة العربية تُخالف البيئات الأخرى — كالبيئة اليونانية والرومانية — كان طبيعيًّا أن يختلف عنها بِوَحي البيئة، فالجمل وبكاء الدِّمَن والأطلال وعادات القبائل وتاريخها ونحو ذلك أثَّر في اللغة العربية تأثيرًا لم تخضع له الآداب الأخرى على هذا الوضع.

في كل أدبٍ عناصر إنسانية اشتركت فيها الآداب عامَّةً في كل العصور، كالحب وما يستتبع من غزل، وأخلاق الناس وما فيها من رفعةٍ أحيانًا، وضِعَةٍ أحيانًا، ووجود طامعين دسَّاسين، وبجانبهم أخيار كُرَماء عادلون ونحو ذلك. كلُّ هذا مُلازِم للإنسان من حيث هو إنسان، وكل هذا عالجتْهُ الآداب المختلفة، والخلاف بينها في طرُق العَرْض.

وبجانب ذلك أشياء خاصَّة هي نتيجة البيئة الخاصة، كأنواع التشبيهات المُشتقَّة من البيئة الصحراوية البدوية، فإنها تُخالف تلك المُشتقَّة من البيئة البحرية أو الحضرية، ونوع الأساطير الدينية، ونحو ذلك. ومقياس مَقدرة الأمة الأدبية — إذن — ليس في نوع ما عرضوا، ولكن بمِقدار استخدامهم لبيئتهم في أدبهم. والحقُّ أن الأمَّةَ العربية الجاهلية استخدمت بيئتها في أدبها استخدامًا يدعو إلى الإعجاب، فلم تترُك صغيرةً ولا كبيرة إلَّا أوْلَتْها عنايتها، وأفاضت عليها الطبيعة من فصاحة القول وقوَّة اللَّسن ما يصحُّ أن تقِف به أمام الأُمَم الأُخرى مُباهية.

فلمَّا جاء الإسلام وامتدَّت فتوحُه، وتحوَّلت ألسنة الداخلين فيه إلى اللسان العربي، وأخذوا يُساهِمون في النتاج الأدبي، أصبح الأدب العربي أدبَ أُمَمٍ لا أدب أمةٍ واحدة، وأدب بيئاتٍ مختلفة لا بيئة واحدة؛ أصبح يشارك في إنتاجه الفارسيُّ والهندي والشامي والمصري والمغربي، وأصبح كل عنصر يُدخل في الأدب شيئًا من خصائصه في الأخيِلة والتشبيهات وفي العقلية والصياغة الفنية، وكان هناك عاملان تفاعلًا: القالب الجاهلي القديم — بأساليبه وموضوعاته — والعقلية والصياغة والأخيلة والموضوعات التي للأمم المفتوحة. وهذان العاملان تنازعا كتنازُع المُحافظين والأحرار، وكان من مظاهر هذا النزاع حركة الشعوبية، وأنصار القديم وأنصار الجديد من العلماء، ثم كانت النتيجة المُصالحة، أعني أن ينزل كلٌّ عن بعض دعاويه، وفاز القديم بالقوالب والموضوعات، وفاز الجديد ببعض الصياغة وبعض الموضوعات، وربما كان حظُّ دُعاة القديم في الشعر أكثر، وحظُّ دُعاة الجديد في النثر أوفر.

وعلى الجُملة كان للأدب العربي المُتكوِّن من هذه العوامل طابع خاص وملامح مُميزة.

فالذَّوق الذي يتذوَّق الأدب اليوناني والروماني قد لا يتذوَّق الأدب العربي إلا بجهدٍ وطُول ممارسة، والعكس، ولكن هذا لا يقدَح في الأدبَين كذوق الأمة في نوع عِمارتها وهندسة أبنِيَتها، ونوع أطعمتها وأشرِبتها. لقد يُخالف ذَوق الأمة الأخرى وقد يكون ذلك الاختلاف نتيجةَ البيئة الطبيعية والاجتماعية، وقد يكون الذَّوْقان معًا — مع اختلافهما — راقِييَن، ومن العسير وجود حَكَمٍ مُحايد في هذا لا يكون متأثرًا بتذوُّقِ أحد الأدبين بحُكم نشأته أو طبيعته أو تربِيتِهِ؛ فإنْ نحن قارَبْنا وجدْنا أن الأدبين اليوناني والرُّوماني وما تفرَّع عنهما ربما كانت أوفرَ موضوعًا وأكثرَ تنوُّعًا وأكثرَ تفنُّنًا في نقد الحياة في أشكالها المُختلفة الخاصَّة منها والعامة. أدبُ الملاحِم وسَّع خيالهم، وأدب التمثيل وسَّع نقدَهم في السياسة العامَّة للحكومات وللقادة والزُّعماء، وللحياة العامة ولحياة الأفراد الشعبية، والأدب العربي لم يتَّجِه هذا الاتجاه في وفرةٍ وكثرة، وإنْ وُجد منه بعض أمثلة. أما الأدب العربي فغنيٌّ غنًى تامًّا في بعض النواحي، من أهمِّها ناحية الأدب الذي سمَّيناه أدبًا غنائيًّا، أعني وصف الأديب مشاعره من فخرٍ وحماسةٍ وغزل وهجاء ورثاء ومديح، وخاصَّةً الحُب؛ فقد برع الأدب العربي فيه، ونوَّعَه من حبٍّ عُذري إلى حبٍّ شَهواني، ومن حبٍّ مادي إلى حبٍّ فلسفي، ومن وصفٍ للجمال الحسِّي إلى وصفٍ للجمال المعنوي، فهذه النواحي قد تفوَّق فيها الأدب العربي تفوُّقًا كبيرًا، واهتزَّت عواطف الأديب فيها إلى درجةٍ كبيرة، وتفنَّن ما شاء له التفنُّن في عرض الصوَر حتى كاد يستوفيها مع قوةٍ وروحٍ وحرارة؛ حتى إنَّ هذا النوع من الأدب لمَّا ظهر في الأدب الأوروبي في القرون الوسطى اتَّجه كثيرٌ من النقاد الأوربيين يبحثون عن مصدره في الأدب العربي، وكيف أخذ عنه، ومن أخذَه؛ شعورًا منهم بأنَّ منبع هذا النوع من الأدب هو الأدب العربي، وكذلك كان الشأن لمَّا ظهرت في أوروبا حركة الأدب الرومانتي Romantic فقد رأى كثيرون أنَّ لها بالشعر العربي علاقة وثيقة.

ثم الأدب العربي غَنيٌّ في أسلوبه حتى من قرأ الأدبَين اليوناني والعربي وحذقَهُما أقرَّ بغِنى الأدب العربي في ذلك، فهو مُتنوِّع الجمال، فيه ما يتحلَّى بجمال البساطة، وفيه ما يتزيَّن بالجمال المُركَّب، ولذلك قلَّ أن يتعثَّر المترجِم القدير بالأسلوب، فهو يجد الأسلوبَ العربيَّ مِطواعًا رحبًا مُتنوِّعًا، وإنما يتعثَّر أكثر ما يكون بالألفاظ الحديثة، والمصطلحات الجديدة، وليس ذلك عَيبَ اللغة والأدب وإنما هو عَيب القائمين عليهما.

فالأدب العربي غَنيٌّ في بعض النواحي فقيرٌ في بعض النواحي، وسبب هذا الغِنى أنَّ الموضوع الذي غَنُوا فيه كان هو الموضوع الذي وافق نفوسَهم ونبع من بيئتهم منذ جاهليَّتِهم، فتقدَّمت فيه الأمة العربية بتقدُّم الزمان وتقدُّم الحضارة وتتابُع نوابغ الأُدباء؛ وسبب هذا الفقر فيما افتقروا فيه أنهم في أيام حضارتهم العباسيَّة لم يُوسِّعوا صدرَهم للأدب اليوناني والروماني فيُترجموه ويتذوَّقوه ويقتبسوا منه، ويهضموا ما يصلُح منه لذوقِهم ويُحاكوه، ويُسبغوا عليه شخصيتهم كما فعلوا ذلك في العلوم والفلسفة؛ فقد أفسحوا لها صدرهم ونقلوها إلى لُغتهم واستفادوا منها، ولم يفعلوا ذلك في الأدب لأسبابٍ يطُول شرحُها، مِن أهمها: أنَّ الأدب اليوناني والروماني وليد بيئاتٍ تُخالف البيئة العربية، فلو نُقل لم يُتذوَّق، وإنما استُسيغت العلوم والفلسفة لأنها قدَر مُشترك بين العقول، والعقول تتفاهَم بأسرع ممَّا يتجاوب الذوق، فشأن الأدب اليوناني والروماني للذوق العربي كشأن المُوسيقى الغربية للأذن الشرقية، لا تُستساغ إلَّا بعد طُول مِران، ومراحل انتقال، ولم توفَّق الأمة العربية لِمَن يقوم لها بهذا العبء في عصر الترجمة والنقل. ثم القارئون للأدب اليوناني والروماني في ذلك العصر رأوه مملوءًا بالأساطير التي عرضْنا بعضها فيما تقدَّم، وهذه الأساطير مملوءة بالآلهة الخُرافية وبالأخيِلةِ التي إذا أُخذت على ظاهرها لا يرتضيها العقل إذا نضج، فكانت الاستفادة من الأدب اليوناني تحتاج إلى مهَرَةٍ في اللسانَين يقومون بمهمة الانتخاب من الأدب اليوناني والروماني، وأمامهم في ذلك مجال فسيح في الروايات النقدية للحياة الاجتماعية، ونحو ذلك، ثُم تقريب بعض النماذج الأدبية إلى الذَّوق العربي بشتَّى الوسائل، ولكن لم يُوجَد هذا الصنف أيضًا، فظلَّ الأدب العربي محتفظًا بمَجراه لم تَصُبَّ فيه روافد أجنبية كثيرة، كتلك الروافد العامية والفلسفية التي كانت تصبُّ في مجرى العقليات، إلى أن أتتْ حركة الترجمة في النهضة الحديثة، ولها موضع آخَر من هذا الكتاب إن شاء الله.

١  طورين: مرَّتين.
٢  كور الرحل خشَبُهُ وأدواته: شبَّه جنبَيها بأدواتهما بالقنطرة، ثُم وصف الناقة بأنها ملساء، والأنساع: جمع نسع، وهو السير يُشدُّ به الرحل. وغموضه: دخوله في الجسم.
٣  تعاورَت: تناوَبَت. ونوادي الحصى: ما أسرع منه وتقدَّم.
٤  الغارب: ما بين السنام والعنق، والمَخرِم: أنف الجبل، ورباوَتُه: مُنقَطِعُه؟ والجديل: الزِّمام، وثِنْيُه: ما انثنى منه، أي تمدُّ جديلها بعُنقٍ طويل كالشراع.
٥  أطفتَ: دُرت حولَها، والكلكل: الصدر، ونبِض الفرائص: شديد الحركة، ومجفَر الأضلاع: واسعها.
٦  النجاء: السرعة، وتكرو: تلعب.
٧  الجداد: ما بقِيَ من خيوط الثوب، شبَّهها في سرعة سيرِها بامرأة تحُوك ثوبها تُسرع إلى إتمامه.
٨  الوحَر: الوزغ كسامٍ أبرص وصغار الجُرذان.
٩  يعني بالأصهار باعَتَها وبالبعْل شارِبَها.
١٠  جعل للفراق فؤادًا مَصدوعًا، حتى صدع فؤاد أبي تمام، فكلَّما بحث عن مخرجٍ ممَّا هو فيه خالفَتْهُ الأيام فسدَّت ذلك المخرج بالبُعاد.
١١  Danial de Foe.
١٢  نسبة إلى رأس العين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠