ضربٌ «ملكيٌّ»

«ضربٌ ملكيٌ … ستنالين ضربًا ملكيًّا»، هكذا كان وعيد فلو.

تهادت كلمة «ملكيٌّ» على لسان فلو، معبِّرةً عما توحي به هذه الكلمة. أرادت روز تخيُّل الأمر، واستكشاف معاني الكلام غير المنطقي. ورغبتُها في تبيُّن ما تعنيه كلمات فلو فاقت حاجتها لتجنب المتاعب. لذا، بدلًا من أن تأخذ هذا التهديد على محمل الجد، أخذت تفكر في «كيف يكون الضرب ملكيًّا؟» فتخيلت مشهدًا لطريق تصطف على جانبيه الأشجار، وحشدًا من المتفرجين بزي رسمي، وبعض الخيول البيضاء، والعبيد السود، وشخصًا جاثيًا على ركبتيه والدم ينزف من جسده بغزارة. تخيلت مشهدًا يجمع بين الوحشية والإبهار في الوقت نفسه. لكن على أرض الواقع، لم تتمتع روز وفلو بمثل هذه المنزلة الرفيعة، وإنما أرادت فلو فحسب الإيحاء بحتمية ما ستلقاه روز من عقاب وضرورة شعورها بالندم. وما حدث بين روز وأبيها بعد ذلك كان بعيدًا كل البُعد عن أي شيء رفيع المستوى.

كان والد روز ملك الضرب الملكيِّ. أما فلو، فلم يرتقِ ضربها إلى هذا المستوى؛ إذ لم يتعدَّ كونه بضع لطمات أو صفعات تمنحها لضحيتها، بينما يكون ذهنها منشغلًا بشيء آخر. وكانت تقول: «ابتعدي عن طريقي!» أو «لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ!» أو «فلتغيري تلك النظرة المرتسمة على وجهكِ!»

عاشت أسرة روز خلف أحد المتاجر في هانراتي بأونتاريو، وضمت الأسرة أربعة أشخاص: روز، ووالدها، وفلو، وبراين أخو روز الصغير من أبيها. كان ذلك المتجر، في الواقع، منزلًا اشتراه والد روز ووالدتها عندما تزوجا، وأسسا فيه عملهما المتمثل في إصلاح الأثاث والتنجيد. عملت والدتها بالتنجيد، وكان من المفترض أن ترث روز من والديها المهارة اليدوية، وحب التعامل مع الأقمشة، والعين الثاقبة لاكتشاف أفضل لفات الأقمشة لإصلاحها، إلا أنها لم تفعل؛ وإنما كانت فتاة خرقاء تسرع في كنس حطام أي شيء ينكسر والتخلص منه.

في عصر أحد الأيام، قالت الأم لوالد روز: «أشعر بشيء يصعب عليَّ وصفه، إنه أشبه ببيضة مسلوقة غير مُقشَّرة في صدري.» وتُوفِّيت قبل حلول الليل إثر جلطة دموية على الرئة. كانت روز لا تزال طفلة رضيعة آنذاك، ومن ثم لم يكن بوسعها تذكُّر أي شيء من ذلك، ولكنها سمعت القصة من فلو، التي لا بد أن تكون قد سمعتها بدورها من والد روز. سرعان ما دخلت فلو حياة الأسرة لتعتني بروز الرضيعة، فتزوجت الأب، وفتحت الغرفة الأمامية للمنزل لتصير متجرًا للبقالة. وروز — التي لم تعرف من ذلك المنزل سوى كونه متجرًا، ولم تعرف أمًّا غير فلو — نظرت للأشهر الستة عشر أو نحو ذلك التي قضاها والداها في ذلك المكان كعهد قديم أكثر رقة وجمالًا تخللته بعض لمحات الترف. لم يتبقَّ لروز من تلك الأيام سوى بعض كئوس البيض التي كانت والدتها قد اشترتها، والتي كانت تحمل رسومًا دقيقة باللون الأحمر للكرمات والطيور، كادت تنمحي من عليها وكأنها كانت مرسومة بالحبر الأحمر. لم تتبقَّ أية كتب أو ملابس أو صور لوالدتها. لا بد أن والدها قد تخلص منها جميعًا، أو لعل فلو هي مَن فعلت ذلك. والقصة الوحيدة التي ترويها فلو عن والدتها — وهي قصة وفاتها — كانت بغيضة على نحو غريب. أحبَّت فلو تفاصيل الموت؛ ما يقوله الأشخاص عند احتضارهم، اعتراضهم أو محاولتهم النزول من السرير، سبابهم أو ضحكاتهم (بعضهم فعل هذه الأمور بالفعل). لكن عندما كانت فلو تروي ما ذكرته والدة روز عن البيضة المسلوقة في صدرها، كانت تشير إلى حماقة هذه المقارنة، كما لو كانت والدتها من هؤلاء الأشخاص الذين يصدقون حقًّا أنه بإمكان المرء ابتلاع بيضة كاملة.

كان لوالد روز سقيفة خارج المتجر مارس فيها عمله في إصلاح الأثاث وتجديده؛ فكان ينجد مقاعد الكراسي ومساندها، ويصلح منتجات الخوص، ويملأ الشقوق، ويعيد تركيب الأرجل، وكان يفعل كل ذلك بأعلى درجات المهارة والبراعة وبأبخس الأسعار. فكان ذلك مصدر فخره؛ أن يبهر الناس بعمله الدقيق والمبهر، وبتلك الأسعار البخسة، بل والمضحكة في بعض الأحيان. لعل السبب وراء ذلك هو أن الناس أثناء الكساد لم يمكنهم دفع مبالغ أكبر، لكن والد روز لم يغير هذه الأسعار أثناء الحرب، وأثناء سنوات الرخاء التي تلت الحرب، واستمر في ذلك إلى أن توفي. ولم يتناقش قط مع فلو بشأن ما كان يحصل عليه من أجر مقابل عمله، وما كان يدين به من مال. لذا، كان عليها بعد وفاته فتح السقيفة، وجمع كافة قصاصات الورق وأظرف الخطابات المقطعة من على الخطافات الكبيرة ذات المظهر الموحي بالشر التي كان يجمع عليها أوراقه. والكثير من تلك الأوراق التي عثرت عليها لم تكن حسابات أو إيصالات على الإطلاق، وإنما تدوينات لأحوال الطقس، وبعض المعلومات عن الحديقة، وأشياء أخرى ثمة ما دفعه لتدوينها:
تناولت بطاطس جديدة، ٢٥ يونيو. تسجيل.
يوم مظلم، العقد الأول من ثمانينيات القرن التاسع عشر، ما من شيء غريب. سُحُب من الرماد من حرق الغابات.
١٦ أغسطس ١٩٣٨. عاصفة رعدية مهيبة في المساء. برق. الكنيسة المشيخية، مدينة ترنبيري. أهي إرادة الرب؟
تسخين الفراولة لإزالة الحمض.
كل الأشياء حية. سبينوزا.

ظنت فلو أن سبينوزا نوع جديد من الخضراوات كان ينوي والد روز زراعته، مثل البروكلي أو الباذنجان؛ فقد اعتاد تجربة أشياء جديدة. أطلعت فلو روز على قصاصة الورق، وسألتها إن كانت تعلم معنى كلمة سبينوزا. وكانت روز تعلم بالفعل معناها، أو لديها فكرة عنه (فقد كانت في مرحلة المراهقة آنذاك)، لكنها قالت إنها لا تعلم. بلغت روز في ذلك الوقت مرحلة من العمر لم تعد تتحمل فيها معرفة أي شيء آخر عن والدها أو عن فلو؛ فكانت تغض الطرف عن أي شيء تكتشفه عنهما شاعرة بالتحرج والرهبة.

احتوت السقيفة على موقد، والعديد من الأرفف غير المصقولة تعلوها علب الطلاء والورنيش، وصمغ اللك، والتربنتين، وبرطمانات تحتوي على فرش مغمورة في الطلاء، وبعض زجاجات دواء السعال اللزجة داكنة اللون. ما الذي يدفع رجلًا عاش طوال حياته يسعل ويعاني من تأثر رئتيه بغازات الحرب (المعروفة في السنوات الأولى من طفولة روز بالحرب «الأخيرة»، وليست «الأولى») أن يقضي عمره بالكامل في استنشاق أدخنة الطلاء والتربنتين؟ آنذاك، لم تكن مثل هذه الأسئلة تُطرَح كثيرًا كما هو الحال الآن. وعلى المقعد الموجود خارج متجر فلو، اعتاد الكثير من الرجال كبار السن من سكان الحي الجلوس للثرثرة والنوم الخفيف في الطقس الدافئ، وكان بعضهم يسعل أيضًا طوال الوقت، والحقيقة أنهم كانوا يحتضرون ببطء وسرية بسبب ما كانوا يطلقون عليه — دون أي نوع من التذمر — مرض «المسبوكات المعدنية». عمل أولئك الرجال طيلة حياتهم في سبك المعادن في المدينة، وها هم الآن متقاعدون عن العمل بوجوه ذابلة هزيلة، يسعلون، ويضحكون ضحكات خافتة، وينجرفون في فحش عبثي بتعقب السيدات اللاتي مررن من أمامهم أو أية فتاة تقود عجلتها أمام أعينهم.

لم تقتصر الأصوات الصادرة من السقيفة على السعال فحسب، وإنما كان هناك أيضًا حديث وهمهمة متواصلة، سواء تأنيبية أو تشجيعية. وعادة ما كانت هذه الأصوات خفيضة على نحو يحول دون تمييز سوى بضع كلمات منها. وكان إيقاعها يقل عندما كان والدها يعمل على شيء يحتاج بعض التركيز، في حين يزيد هذا الإيقاع على نحو مبهج عندما كان يؤدي عملًا على درجة أقل من التركيز المطلوب، مثل الصنفرة أو الطلاء. وبين الحين والآخر، كانت بعض الكلمات التي ينطق بها تخترق مسامعها وتبدو دون معنى وحدها، وعندما كان يدرك ذلك، كان يسرع على الفور بإحداث تشويش ما، إما بالسعال، أو الازدراد، كنوع من الإنذار، أو الصمت غير المألوف.

«مكرونة، بيبروني، بوتيتشيلي، حبوب …»

ما الذي قد يعنيه ذلك؟ اعتادت روز تكرار هذه الكلمات مع نفسها. ولم تتمكن من طرح هذا السؤال على والدها قط؛ فالشخص الذي نطق بهذه الكلمات يختلف عن الشخص الذي كان يتحدث معها كوالدها، مع أنهما يسكنان نفس الجسم. ولم يكن من الحكمة على الإطلاق إدراك وجود ذلك الشخص الذي لم يكن من المفترض وجوده؛ فهذا شيء لا يُغتفَر. ومن ثم، واصلت روز التسكع حول المكان والإنصات.

وفي إحدى المرات، سمعته يقول: «الأبراج التي تناطح السحاب.»

«الأبراج التي تناطح السحاب، القصور العظيمة.»

كان وقع الأمر على روز شديدًا، لكنه لم يتسبب في إيلامها، وإنما إبهارها وحبس أنفاسها. شعرت في تلك اللحظة بالرغبة في الركض والهروب بعيدًا، فكانت تعلم أن ما سمعته كان كافيًا، إلى جانب خشيتها من أن يراها والدها. فإن رآها، سيكون العقاب مروعًا.

تشابه ذلك مع الأصوات الصادرة من دورة المياه. كانت فلو قد ادخرت بعض النقود، وأقامت دورة مياه في المنزل، إلا أنها لم يكن لها مكان إلا بأحد أركان المطبخ، حيث الباب لم يكن مثبَّتًا جيدًا، والحوائط مصنوعة من ألواح الألياف الخشبية المضغوطة فقط. وكانت النتيجة أنَّ مَن يعملون أو يتحدثون أو يأكلون في المطبخ كانوا يسمعون أي صوت يصدر من الحمام، مهما كان خفيضًا مثل قطع ورق المناديل، أو أية حركة بسيطة. واعتاد الجميع بعضهم أصوات بعض، ليس فقط في دورة المياه، وإنما أيضًا في التأوهات الحميمة والدمدمات والالتماسات والعبارات. إلا أنهم جميعًا اتسموا بالاحتشام الشديد. فلم يظهر على أحد قط ما يشير إلى سماعه أو استماعه لما يحدث، كما لم يذكر أحد الأمر قط. وكأن الشخص الذي يُصدر الأصوات في دورة المياه ليس هو من يخرج منها.

عاشت الأسرة في الجانب الفقير من المدينة؛ فكانت هناك منطقتان: هانراتي وهانراتي الغربية، يفصل بينهما نهر متدفق. والمكان الذي عاشت فيه الأسرة هو هانراتي الغربية. تدرَّجت البنية الاجتماعية في هانراتي ما بين الأطباء وأطباء الأسنان والمحامين وصولًا إلى عمال سبك المعادن والمصانع وسائقي عربات نقل الأحمال. أما هانراتي الغربية، فتدرَّج سكانها من عمال المصانع وسبك المعادن وصولًا إلى العائلات الكبيرة المفككة التي تضم المتهورين، الذين يعملون في تهريب الخمور، والعاهرات واللصوص الفاشلين. نظرت روز لعائلتها على أنها في المنتصف بين هانراتي وهانراتي الغربية، لا تنتمي لأي منهما وكأنها تقطن النهر. لكن ذلك لم يكن صحيحًا؛ فالمتجر يقع في منطقة هانراتي الغربية، وهناك عاشت أسرتها أيضًا في نهاية الشارع الرئيسي. وعلى الجانب المقابل للمتجر، كان هناك متجر الحداد، الذي غُطيت نوافذه وأبوابه بألواح الخشب مع بداية الحرب تقريبًا، بالإضافة إلى منزل آخر كان متجرًا في السابق. ولم تُنزَل لافتة «شاي سالادا» من على النافذة الأمامية له قط؛ وإنما ظلت تزين المكان كمصدر للفخر والاهتمام، مع أن المكان بالداخل لم يكن يبيع أي شاي بهذا الاسم. أما الرصيف، فكان ضيقًا ومحطمًا ومائلًا على نحو لا يسمح بالتزلج عليه باستخدام الأحذية ذات العجلات. لطالما رغبت روز في اقتناء أحذية تزلُّج، وتخيَّلت نفسها كثيرًا وهي تتحرك بخفة وأناقة في تنورتها مربعة النقوش. كان في الشارع، كذلك، مصباح إضاءة واحد، وزهرة مزروعة في علبة من القصدير؛ وبعد ذلك تختفي وسائل الراحة وتظهر الطرق القذرة والمستنقعات، والقمامة الملقاة في الأفنية الأمامية، والمنازل غريبة الشكل. ما جعل المنازل غريبة الشكل هو محاولات قاطنيها الحفاظ عليها من الانهيار التام، لكن ثمة بعض المنازل الأخرى التي لم يحاول أحد الحفاظ عليها قط، وهي المنازل التي بدت رمادية اللون ومائلة للأمام ونال السوس من أخشابها، تقبع في محيط من الحفر المليئة بالأشجار الخفيضة، والبرك التي تعيش فيها الضفادع، والأعشاب السبخية، وأعشاب القراص. لكن أغلب المنازل رُقِّعت بورق القطران، والقليل من الألواح الخشبية الجديدة، وألواح من الصفيح، ومداخن المواقد المطروقة، بل حتى بالورق المقوَّى أيضًا. كان ذلك، بالطبع، قبل الحرب، وهي الأيام التي أصبحت بعد ذلك تُعرَف بأيام «الفقر الأسطوري». لم تكن روز تتذكر من تلك الأيام سوى المشاهد الكئيبة، مثل درجات السلم الخشبية وكثبان النمل التي تبدو خطرة، والصورة القاتمة والمثيرة والجدلية للعالم.

•••

سادت هدنة طويلة بين فلو وروز في البداية. وأخذت شخصية روز تنمو كثمرة الأناناس الشائكة، لكن ببطء وسرِّية، فتبلورت شخصيتها بحيث صارت تتمتع بدرجة عالية من عزة النفس والنزعة للشك، الأمر الذي جاء مُفاجِئًا، حتى لروز نفسها. وقبل أن تصل إلى سن المدرسة، وبينما كان براين لا يزال في المهد، قضت روز أوقاتها في المتجر مع فلو وبراين، فكانت فلو تجلس على الكرسي المرتفع خلف منضدة الخزينة، وبراين ينام بجوار النافذة؛ بينما تجثو روز على ركبتيها أو تستلقي على ألواح الأرضية العريضة، التي كانت تصدر صريرًا، لترسم بالألوان على قطع الورق البني الممزق أو غير المنتظم الذي لا يصلح للتغليف.

كان أغلب من ترددوا على المتجر من المنازل المجاورة، إلى جانب بعض القرويين المارين على المكان في طريق عودتهم من المدينة إلى ديارهم، فضلًا عن عدد قليل من سكان هانراتي الذين كانوا يعبرون الجسر. وُجد دومًا بعض الأفراد في الشارع الرئيسي، داخل المتاجر وخارجها، كما لو كان من واجبهم الظهور دومًا في الشارع، ومن حقهم أن يُرحَّب بهم؛ ومنهم على سبيل المثال، بيكي تايد.

قفزت بيكي تايد لتجلس على منضدة فلو، مفسحةً مكانًا لنفسها بجوار علبة مفتوحة من البسكويت المحشو بالمربى المتساقط منه بعض الفتات.

سألت بيكي فلو: «هل هذا مذاقه جيد؟» وأخذت تأكل منه بجرأة، واستطردت قائلةً: «متى ستمنحينني وظيفة، يا فلو؟»

فردَّت عليها فلو ببراءة: «يمكنك الذهاب والعمل في محل الجزارة مع أخيك.»

قالت بيكي بنوع من الازدراء المُصطنع: «روبرتا؟ هل تظنين أنه من الممكن أن أعمل معه؟» كان اسم أخيها، الذي يدير محل الجزارة، روبرت، لكنه اشتهر باسم روبرتا نظرًا لأسلوبه المهادن والمتململ. ضحكت بيكي تايد. كانت ضحكتها رنانة ومزعجة كمحرك مزعج.

كانت بيكي قصيرة القامة، كبيرة الرأس عالية الصوت، ذات مظهر خارجي يملؤه الغرور لا يميزها كأنثى، وترتدي قلنسوة مخملية حمراء. كان عنقها ملتويًا، ما أجبرها على تثبيت رأسها في اتجاه واحد، بحيث تنظر دومًا للأعلى وللجانبين. كانت ترتدي حذاء لماعًا عالي الكعب، كان حذاءً يليق بسيدة حقيقية. أخذت روز تحدق في حذائها فقط؛ فكانت تخشى كل ملمح آخر في تلك الفتاة؛ وخاصة ضحكتها وعنقها. علمت روز من فلو أن بيكي تايد أُصيبت بشلل الأطفال وهي طفلة، وهذا ما تسبب في التواء عنقها وقصر قامتها. كان من الصعب التصديق أن تلك الفتاة كانت لها هيئة أخرى غير تلك التي عليها الآن، وأنها كانت طبيعية في يوم من الأيام. ذكرت فلو أنها ليست مخبولة، وإنما عاقلة شأنها شأن أي شخص آخر، لكن بوسعها فعل كل ما يروق لها دون أن تلقى أي عقوبة.

سألت بيكي: «تعلمين أنني كنت أعيش هنا، أليس كذلك يا فلو؟» كانت قد لاحظت آنذاك وجود روز، فنادت عليها: «يا فتاة! ما اسمك؟»

فأجابتها فلو، كما لو كانت تجهل الأمر: «إن فعلتِ، فقد كان ذلك قبل مجيئي إلى هنا.»

«كان ذلك قبل أن يتدهور الحال بالحي على هذا النحو. أستميحك عذرًا فيما أقوله. شيَّد والدي منزله هنا، وأقام المجزر الخاص به، وكنا نمتلك بستانًا بلغت مساحته نصف فدان.»

قالت فلو بصوت مازح مليء باللطف الزائف، بل والتواضع أيضًا: «حقًّا؟ فلِمَ رحلتم إذن؟»

أجابتها بيكي: «لقد أخبرتُكِ للتو، تدهور حال الحي.» كانت بيكي ستضع بسكويتة كاملة في فمها، إذا رغبت في ذلك، وتترك وجنتيها تنتفخان كالضفدع. وبتناولها البسكويت، سكتت عن الحديث، ولم تنطق بأية كلمة أخرى.

كانت فلو على علم بما تتحدث عنه بيكي، الجميع كان على علم بذلك. عرف الجميع ذلك المنزل المشيد بالطوب الأحمر، الذي يحتوي على شرفة وبستان، أو بالأحرى ما تبقى من البستان الذي صار ممتلئًا بالنفايات المعتادة، مثل مقاعد السيارات وغسالات الملابس، وزنبركات الأسرَّة والخردة. وبالرغم مما حدث في ذلك المنزل، لم يبدُ مشئومًا قط، وذلك بسبب كل ما أحاط به من حطام وفوضى.

ذكرت فلو أن والد بيكي كان جزارًا مختلفًا عن أخيها؛ فقد كان رجلًا إنجليزيًّا حادَّ الطباع، ويختلف عن بيكي فيما يتعلق بكثرة الحديث؛ إذ كان صموتًا. كان ربَّ أسرة بخيلًا وطاغية. بعد أن أصيبت بيكي بشلل الأطفال لم يُسمح لها بالذهاب إلى المدرسة، وكانت نادرًا ما تُرَى خارج المنزل، ولم تُرَ قط خارج الفناء. لم يرغب والدها في أن يبدي الناس الشماتة فيها. كان هذا ما قالته بيكي في المحاكمة. كانت والدتها قد توفيت بحلول ذلك الوقت، وتزوجت شقيقتاها، ولم يتبقَّ بالمنزل سواها هي وروبرت. كان الناس يوقفون روبرت في الطريق ويسألونه: «كيف حال أختك؟ هل هي بخير الآن؟»

«نعم.»

«هل تقوم بأعمال المنزل؟ هل تعد لك عشاءك؟»

«نعم.»

«هل يُحسن أبوك معاملتها؟»

شاع عن والد بيكي وروبرت أنه يضربهما، وأنه كان يضرب جميع أبنائه، بل وزوجته أيضًا. وكان يضرب بيكي أكثر بسبب عاهتها الجسدية، التي ظن البعض أنه هو من تسبَّب في إصابتها بها (كانوا يجهلون مرض شلل الأطفال). استمر الناس في حبك القصص عن تلك العائلة والاستفاضة فيها؛ فقيل إن السبب وراء إخفاء بيكي عن الأنظار هو حملها، وأن والدها هو والد هذا الطفل. وقيل أيضًا إنها وضعت طفلها، وتم التخلص منه.

«ماذا؟»

أجابت فلو: «تم التخلص منه. اعتاد الناس القول إن أفضل قطع للحم الحملان يكون بمجزر تايد!» وأضافت بشيء من الأسف: «كان كل ذلك أكاذيب على الأرجح.»

لفتت نبرة الحسرة والشفقة والحذر التي شابت حديث فلو انتباه روز عن مشاهدة تحريك الرياح للظُّلة القديمة المتمزقة. عندما كانت فلو تروي قصة ما — لم تكن تلك القصة الوحيدة التي تعرفها، أو حتى أكثرها بشاعة — كانت تحني رأسها، ويبدو وجهها رائقًا ورصينًا وآسرًا ومحذِّرًا.

«ليس من المفترض أن أتحدث معك عن هذه الأمور.»

واصلت فلو روايتها للقصة.

اجتمع ثلاثة شباب ممن يتسكعون في إسطبلات الخيول المعروضة للإيجار — أو جمعتهم معًا شخصيات أكثر نفوذًا واحترامًا في المدينة — وتأهبوا لضرب تايد العجوز بالسياط، دفاعًا عن الأخلاق العامة. طلا أولئك الشباب وجوههم باللون الأسود، وحصلوا على سياط وربع كأس ويسكي لكلٍّ منهم ليمنحهم الشجاعة. وقد كانوا: جيلي سميث، عدَّاء في سباقات الخيل وسكير؛ وبوب تمبل، لاعب كرة مفتول العضلات؛ وهات نيتلتون، الذي يعمل في نقل الأثقال بالمدينة، وحصل على اسم شهرته «هات» بسبب القبعة المستديرة السوداء التي كان يرتديها من باب الخيلاء والمزاح في الوقت نفسه. كان لا يزال يعمل في نقل الأثقال وظل محتفظًا باسمه، وإن لم يعد يرتدي القبعة، وكان يمكن رؤيته علنًا — بقدر ما يمكن رؤية بيكي تايد — وهو ينقل أكياس الفحم، التي سوَّدت وجهه وذراعيه. من المفترض أن يستدعي ذلك قصة ذلك الرجل، ولكن ذلك لم يحدث؛ فالحاضر والماضي — ذلك الماضي الميلودرامي المبهم لقصص فلو — كانا منفصلين تمامًا، على الأقل بالنسبة إلى روز، فما كان لشخصيات الحاضر أن تتلاءم مع الماضي. بيكي نفسها، أعجوبة المدينة والشخصية المدللة للجميع، المسالمة والخبيثة، لا يمكن ربطها أبدًا بسجينة الجزار، تلك الابنة العاجزة، ذات الوجه الأبيض الذي يطل من الشباك، الصامتة، المقهورة، والمُغتصَبة. شأنها شأن منزل الجزار، لا يمكن ربط ما كان عليه في الماضي بما صار عليه في الحاضر إلا رسميًّا فقط.

وصل الشباب، الذين استعدوا لضرب الجزار العجوز بالسياط، أمام منزله في وقت متأخر من اليوم بعد أن نام الجميع. كان معهم سلاح ناري، لكنهم استنزفوا ما معهم من ذخيرة بإطلاقها في فناء المنزل. أخذوا يصيحون على الجزار كي يخرج لهم، ويطرقون الباب بقوة حتى تمكنوا في النهاية من كسره. استنتج تايد أنهم يريدون المال، فوضع بعض الأوراق النقدية في منديل، وأرسلها مع بيكي، ربما ظنًّا منه أنهم سيتأثرون أو يخافون عند رؤيتهم فتاة صغيرة قصيرة القامة ملتوية العنق أمامهم. لكن ذلك لم يُرضِهم؛ فصعدوا الدَّرَج وجرُّوه من تحت السرير وهو برداء النوم إلى الخارج وأوقفوه وسط الجليد. كانت الحرارة آنذاك أربعًا تحت الصفر، وهو الأمر الذي ذُكِر لاحقًا في المحكمة. اعتزم أولئك الشباب عقد محاكمة صورية لتايد، لكنهم لم يستطيعوا تذكُّر كيفية إجرائها، ومن ثم، بدءوا في ضربه، واستمروا في ذلك إلى أن سقط على الأرض. أخذوا يصرخون في وجهه: «يا لحم الجزار!» وواصلوا الضرب، بينما استحال رداء النوم الذي كان يرتديه والثلج الذي استلقى عليه إلى اللون الأحمر. قال ابنه روبرت في المحكمة إنه لم يشهد الضرب، في حين قالت بيكي إن روبرت شاهد ما حدث في البداية، ثم هرب واختبأ. هي نفسها شاهدت كل ما حدث حتى النهاية، ورأت الرجال وهم يغادرون المكان، ووالدها يتقدم ببطء وسط الجليد والدم ينزف من جسده، حتى صعد درجات الشرفة. لم تخرج بيكي لمساعدته، ولم تفتح الباب حتى وصل إليه. وعند سؤالها في المحكمة عن سبب ذلك، قالت إنها لم تخرج إليه لارتدائها رداء النوم فقط، ولم تفتح الباب لأنها لم ترغب في دخول الصقيع إلى المنزل.

بدا بعد ذلك أن استعاد تايد العجوز عافيته، فأرسل روبرت لإعداد الحصان، وجعل بيكي تسخن بعض الماء ليغتسل. وارتدى ملابسه، وأخذ كل ما معه من مال، وبدون أي شرح لأبنائه عما يفعله، أخذ المركبة وقادها إلى بِلجريف، حيث ترك الحصان مقيدًا في الصقيع، واستقل القطار الذي انطلق في الصباح الباكر إلى تورونتو. وعلى متن القطار، تصرف على نحو غريب، وأخذ يدمدم ساخطًا ويسب كما لو كان مخمورًا. وعُثِر عليه في اليوم التالي في أحد شوارع تورونتو، فاقدًا الوعي ومحمومًا، فنُقِل إلى المستشفى حيث توفي. وكانت لا تزال معه كل أمواله. وشُخِّص سبب الوفاة بالالتهاب الرئوي.

لكن السلطات سمعت بالأمر، وفقًا لرواية فلو. وأُحيلت القضية إلى المحكمة، وحُكِم على الرجال الثلاثة الذين اعتدوا عليه بالسجن مدة طويلة. مسرحية هزلية، هكذا وصفت فلو ما حدث. ففي غضون عام واحد، أُفرِج عنهم جميعًا بعد أن صدر أمر بالعفو عنهم، وكانت هناك وظائف بانتظارهم، وكان السبب في ذلك هو تدخل العديد من علية القوم في هذا الشأن. وبدا كلٌّ من بيكي وروبرت غير مهتمَّيْن بتنفيذ العدالة؛ فقد تركهما والدهما ميسوري الحال، واشتريا منزلًا في هانراتي، وأدار روبرت محل الجزارة، في حين بدأت بيكي — بعد عزلتها التي دامت طويلًا — في الظهور والاندماج الاجتماعي.

انتهت القصة على هذا النحو، فتوقفت فلو عن روايتها كما لو كانت قد سئمت منها، فلم تعد بالخير على أحد.

قالت فلو: «تخيلي!»

كانت فلو آنذاك، بلا شك، في أوائل الثلاثينيات من عمرها؛ امرأة شابة ترتدي ملابس سيدة في الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات من عمرها: فساتين منزلية كثيرة الألوان وفضفاضة حول الرقبة والأكمام والخصر؛ ومِيدَعَة مطبخ كثيرة الألوان أيضًا كانت تخلعها عند خروجها من المطبخ ودخولها المتجر. كان ذلك الزي هو الشائع آنذاك لسيدة فقيرة، وإن لم تكن معدمة، لكنه كان في الوقت نفسه اختيارًا حرًّا يوحي بالازدراء؛ فكانت فلو تزدري السراويل الفضفاضة، والملابس التي يحاول الناس التأنق بارتدائها، وأحمر الشفاه وتموجات الشعر الثابتة؛ فكانت تقص شعرها الأسود مستقيمًا بحيث يصل طوله إلى خلف أذنيها بالضبط. كانت فلو طويلة القامة، لكنها تمتعت في الوقت ذاته بتنسيق عظمي جيد، فكان عرض معصميها وكتفيها صغيرًا، ورأسها صغير، ووجهها شاحب منمش متقلب يشبه وجه القرد. لو كانت فلو تؤمن بأهمية الاعتناء بالذات، وكان لديها الموارد اللازمة، لكان من الممكن أن تتمتع بنوع من الجمال الرقيق الذي يجمع بين سمرة البشرة وشحوبها، ذلك الجمال الذي يبدو طبيعيًّا؛ هذا ما أدركته روز فيما بعد، لكن كي يتحقق ذلك، كان على شخصية فلو أن تتبدل تمامًا، وأن تقاوم رغبتها في تقطيب جبينها لنفسها وللآخرين.

جمعت ذكريات روز المبكرة عن فلو بين قدر هائل من النعومة والخشونة في نفس الوقت. أما النعومة، فتمثلت في شعرها الناعم، ووجنتيها الطويلتين الشاحبتين الناعمتين، والشعيرات الناعمة التي تكاد تكون غير مرئية أمام أذنيها وفوق فمها. أما الخشونة، فكانت في ركبتيها، وحِجرها، وتسطُّح جبهتها.

عندما غنت فلو:

كم هو جميل طنين النحل في أشجار السجائر
ونافورات المياه الغازية …

أخذت روز تفكر في حياة فلو السابقة لزواجها من والدها، عندما كانت تعمل نادلة في المقهى الموجود في محطة قطار «يونيون ستيشن»، وتذهب مع صديقتيها ميفيس وآيرين إلى جزيرة «سنتر آيلاند»، ويتبعهن الرجال في الشوارع المظلمة. كانت تعلم كيفية عمل المصاعد وهواتف العملة. سمعت روز في صوتها ما يوحي بالحياة الطائشة والخطرة في المدن من خلال إجاباتها الحادة والعصبية.

وعندما غنت:

ثم برفق استيقظَت
وبرفق اقتربَت منه
ولم تنطق إلا بهذه الكلمات،
أيها الشاب، أظنك تحتضر!

تصورت روز الحياة التي عاشتها فلو لأبعد من ذلك الحد؛ حياة مليئة بالأحداث وأسطورية، مع أغنية «باربارا آلين» ووالد بيكي تايد، بكل ما اختلط فيها من نوبات الغضب والحزن.

•••

الضرب الملكيُّ. كيف بدأ؟

تخيلْ أحد أيام السبت في فصل الربيع؛ أوراق الأشجار لم تنبت بعد، لكن الأبواب مفتوحة ليتخللها ضوء الشمس، والديوك تعلو أصواتها في الأجواء، والمياه تملأ المجاري المائية. طقس يبعث الأمل في النفوس. اعتادت فلو أيام السبت ترك المتجر في رعاية روز — كان ذلك منذ بضعة أعوام من الآن، عندما كانت روز في التاسعة أو العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها — بينما كانت تعبر هي الجسر إلى هانراتي (كانت هانراتي تُسمَّى الجزء الأعلى من المدينة) للتسوق ورؤية الناس والاستماع إليهم. ومن بين الأشخاص الذين استمعت إليهم فلو، السيدة ديفيس زوجة المحامي، والسيدة هينلي سميث زوجة الكاهن الإنجليكاني، والسيدة ماكاي زوجة طبيب الخيول. وعند عودتها للمنزل، كانت تقلِّد أصواتهن الحمقاء. جعلتهن يبدين كوحوش تملؤها الحماقة والزيف والتباهي بالذات.

عندما كانت فلو تنتهي من التسوق، كانت تدخل المقهى الموجود بفندق «كوينز هوتيل» وتتناول الآيس كريم. وعند عودتها للمنزل، يسألها براين وروز: «ما كانت نكهته؟» وكانا يصابان بالإحباط إذا كان بالأناناس أو بحلوى السكر والزبد فقط، ويسعدان إذا كان بشراب الشوكولاتة والفستق أو بالشوكولاتة والفانيليا. وبعد الآيس كريم، كانت تشعل سيجارة. حملت معها بعض السجائر الجاهزة كي لا تضطر للفها أمام الناس. كان التدخين من الأمور التي كانت فلو تفعلها وتطلق عليها تفاخرًا عندما يفعلها أي شخص آخر. اعتادت التدخين منذ أيام عملها في تورونتو، وكانت تعلم أنه يجلب إليها المشاكل؛ ففي إحدى المرات، وقف قس كاثوليكي على يمينها في فندق «كوينز هوتل»، وأشعل الولاعة أمامها قبل أن تتمكن من إخراج الثقاب، فشكرته، لكنها لم تدخل معه في أية مناقشة، خشية أن يحاول هدايتها.

مرة أخرى، وفي طريقها إلى المنزل، رأت فتى يرتدي سترة زرقاء ويبدو أنه ينظر في الماء عند نهاية الجسر من ناحية المدينة. ربما كان في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره. لم تعرفه فلو من قبل. كان نحيفًا وهزيلًا وبه خطب ما لمحته فلو على الفور. هل كان يفكر في القفز من فوق الجسر؟ ما إن وصلت عنده فلو حتى استدار وأظهر نفسه لها، وقد فتح السترة والسروال. بدا وكأن ذلك من آثار ما عانى منه الفتى نتيجة للبرد في ذلك اليوم، مثل هذا الطقس الذي دعا فلو أن تطوي ياقة المعطف حول عنقها لتدفئ نفسها.

عندما رأت فلو، للوهلة الأولى، ما كان يحمله ذاك الفتى بين يديه، كلُّ ما تمكنت من التفكير فيه هو: «ما الذي يفعله هذا الفتى هنا ممسكًا بقطعة السجق هذه؟»

كان بإمكانها قول ذلك، وعبَّرت عنه كحقيقة وليس مزحة، فلطالما أكدت فلو أنها تكره الكلام البذيء؛ وكانت تخرج من المتجر لتصيح في الرجال كبار السن الجالسين أمامه، قائلةً:

«إذا أردتم البقاء هنا، فعليكم بانتقاء ألفاظكم!»

وفي أحد أيام السبت، قررت فلو لسبب ما عدم الذهاب إلى الجزء العلوي من المدينة، والبقاء في المنزل، وتنظيف أرضية المطبخ. لعل ذلك تسبَّب في تعكُّر مزاجها، وربما كان مزاجها متعكرًا بالفعل بسبب عدم دفع الناس ديونهم المستحقة لها، أو لعل السبب هو تأجُّج المشاعر الذي يصيب الناس في الربيع. كان الشجار قد بدأ مع روز بالفعل، وهو مستمر إلى الأبد، كالحلم الذي يتداخل مرارًا وتكرارًا مع أحلام أخرى، ليظهر من فوق التلال وعبر الأبواب، معتمًا ومزدحمًا، مألوفًا ومحيرًا في نفس الوقت. كانت فلو وروز تُخرِجان جميع الكراسي من المطبخ استعدادًا لتنظيف الأرضية، وكان عليهما أيضًا أن ينقلا بعض مؤن المتجر الإضافية إلى المتجر، وبعض العلب الكرتونية التي تحوي السلع المُعلَّبة، وصفائح شراب القيقب، وعلب زيت الفحم، وبرطمانات الخل. وكانتا تنقلان هذه الأشياء إلى السقيفة الخشبية. وكان براين، الذي بلغ من العمر خمس أو ست سنوات آنذاك، يساعدهما في جر علب الصفيح.

قالت فلو لروز، وهي تواصل حديثها الذي لم يُذكَر هنا: «نعم، وتلك البذاءة التي تعلمينها لبراين.»

«أية بذاءة؟»

«ولا يجيد سواها.»

كانت هناك درجة سلم واحدة للنزول من المطبخ إلى السقيفة الخشبية، وكانت مغطاة بقطعة من السجاد المتآكل، حتى إن روز لا تذكر النقش الذي كان مرسومًا عليه في يوم من الأيام. تسبَّب براين في تفكُّك هذه السجادة بسحبه إحدى العلب الصفيح عليها.

قالت روز بصوت خفيض: «اثنان من فانكوفر …»

كانت فلو في المطبخ. أخذ براين ينظر إلى فلو ثم إلى روز، وروز تكرر بصوت مُشجِّع أعلى قليلًا ولكنه بنفس النبرة: «اثنان من فانكوفر …»

فأكمل براين المقطع، بعد أن فشل في التحكم في نفسه: «مقليَّان في المخاط!»

«مؤخرتان مخللتان …»

«… مربوطتان في عقدة!»

ها هي ذي البذاءة!

اثنان من فانكوفر مقليان في المخاط!
مؤخرتان مخللتان مربوطتان في عقدة!

عرفت روز تلك الأغنية منذ سنوات عديدة، فتعلَّمتها عند دخولها المدرسة للمرة الأولى، وعند عودتها إلى المنزل آنذاك سألت فلو عن معنى كلمة «فانكوفر».

«إنها مدينة بعيدة للغاية عن هنا.»

«هل لها أي معنى آخر؟»

فسألتها فلو عما تعنيه. ما المعنى الآخر الذي يمكن أن تحمله؟ فردت عليها روز: «أعني كيف يمكن أن تكون مقلية؟» لتصل بذلك إلى اللحظة الخطيرة والمبهجة في الوقت نفسه، وهي اللحظة التي تغنَّت فيها بالأغنية كاملة.

فما كان من فلو إلا أن صاحت فيها بغضب متوقع: «سوف تُضرَبين! كرري ما قلتِهِ الآن، وسوف تُضرَبين ضربًا مبرحًا!»

لم تستطع روز كبح جماح نفسها، فأخذت تدندن بالكلمات بصوت خافت، محاولةً النطق بالكلمات البريئة بصوت عالٍ، والهمهمة بباقي الكلمات. لم يكن ما يمتعها هو كلمتا «مخاط» و«مؤخرتان» فحسب — وإن كانتا تفعلان ذلك بالفعل — وإنما استمتعت أيضًا بالمخلل والربط والاثنين من فانكوفر اللذين لم تستطع تخيلهما. أخذت تتصور شكلهما في عقلها؛ فرأتهما في صورة أخطبوطين ينتفضان في مقلاة. كانت تصورات تداعى فيها المنطق، وانطلقت فيها شرارات الجنون.

ومؤخرًا، تذكرت روز تلك الأغنية، وعلَّمتها لبراين لترى ما إذا كان لها نفس التأثير عليه، وبالطبع كانت كذلك.

عندما سمعته فلو، صاحت: «يا إلهي! لقد سمعتُكَ! وأنا أحذِّركَ!»

كانت تحذِّره بالفعل. وبعد أن تلقَّى براين هذا التهديد فرَّ هاربًا من باب السقيفة الخشبية، ليفعل ما يشاء. فكونه فتى منحه حرية الاختيار بين المساعدة والمشاركة أو لا، فلم يكن ملتزمًا بالمشاركة في أعباء المنزل، ولم تكن الأسرة بحاجة إليه على أية حال، فيما عدا استخدامها له كأداة في صراع بعضهم مع بعض. وكانوا لا يلاحظون اختفاءه؛ ويواصلون صراعهم. فلا يستطيعون منع أنفسهم من المواصلة، لا يستطيع أيٌّ منهم ترك الآخر وشأنه. وحين كان يبدو عليهم الاستسلام، كانت صدورهم تتأجج بالحنق في تأهب للحظة الصراع.

أخرجت فلو دلو التنظيف والفرشاة والممسحة والوسادة التي تجثو بركبتيها عليها، وهي وسادة مطاطية حمراء اللون متسخة. شرعت في تنظيف الأرضية، بينما كانت روز تجلس على طاولة المطبخ، وهي المكان الوحيد المتبقي للجلوس عليه. وأخذت تؤرجح ساقيها. كان بإمكانها الشعور بملمس المشمع البارد تحتها؛ إذ ارتدت بنطالًا قصيرًا. كان ذلك بنطال الصيف الماضي الضيق باهت اللون الذي أخرجته من حقيبة ملابس الصيف، وكانت تفوح منه رائحة كريهة بعض الشيء بسبب فترة التخزين الشتوي.

زحفت فلو على الأرضية لتنظفها بالفرشاة، وتمسحها بالممسحة. كانت ساقاها طويلتين، بيضاوين، وقويتي العضلات، وتملؤهما الشرايين الزرقاء كما لو كان أحد قد رسم عليهما أنهارًا بقلم لا يُمحَى. طاقة غير طبيعية، واشمئزاز ينفث عنفًا ظهرا في احتكاك الفرشاة بمشمع الأرضية وحفيف الممسحة.

ما الذي كان على كلٍّ منهما قوله للأخرى؟ لا يهم حقًّا. فتحدثت فلو عن تحاذق روز، ووقاحتها، وسلوكها غير المسئول، وغرورها، واستعدادها لتحميل الآخرين أعباء واجباتها، وعدم اعترافها بالجميل. وكثيرًا ما كانت فلو تقارن بين براءة براين وفساد روز. في لحظة تقول لها: «لا تظنِّي أنك شخص مهم.» ثم تقول بعدها بلحظات: «مَن تظنين نفسك؟» عارضت روز هذه العقلانية والمهادنة الخبيثة، وأظهرت عدم الاكتراث على نحو متكلف، فتجاوزت فلو الحد المعتاد لازدرائها وضبط أعصابها، وصارت متكلفة في حديثها هي الأخرى؛ فأخذت تقول لروز إنها ضحَّت بحياتها من أجلها، وبأنها رأت والدها وقد تحمل عبء طفلة رضيعة وحده وأخذت تفكر فيما سيفعله؛ لذلك تزوجته، وها هي الآن، جاثية على ركبتيها تنظف في منزله.

في تلك اللحظة، رنَّ جرس المتجر ليعلن قدوم أحد الزبائن، ونظرًا للعراك القائم، لم يُسمَح لروز بالدخول إلى المتجر وخدمة الزبائن، أيًّا كانوا. نهضت فلو، وألقت بالميدعة التي كانت ترتديها، وهي تدمدم في تذمر، لكن بصوت خافت؛ فما عبَّرت عنه من حنق ما كان مسموحًا لروز بسماعه. وذهبت إلى المتجر لتلبي طلب الزبون. سمعتها روز وهي تقول بصوتها المعتاد:

«يا له من توقيت ممتاز حقًّا!»

عادت فلو إلى المطبخ، وارتدت الميدعة، وتأهَّبت لمواصلة العمل.

«إنك لا تفكرين إلا في نفسك! لم تفكري فيما أفعله قط.»

«لم أطلب منك قط فعل أي شيء، بل إنني أتمنى لو أنك لم تفعلي شيئًا قط، فكنت سأكون أفضل حالًا من الآن.»

قالت روز هذه الكلمات بوجه باسم وهي تنظر مباشرة نحو فلو، التي لم تكن قد جثت بعدُ على ركبتيها. رأت فلو الابتسامة على وجه روز، فالتقطت الممسحة التي كانت معلَّقة بجانب الدلو، ورمتها عليها. لعلها قصدت ضربها في وجهها، لكن الممسحة وقعت على ساق روز، فرفعت الفتاة قدمها وأمسكت بها، ملوِّحةً بها دون اكتراث قبالة كاحلها.

فقالت فلو: «حسنًا! لقد تجاوزتِ الحد هذه المرة.»

شاهدت روز فلو وهي ذاهبة إلى باب السقيفة الخشبية، وسمعت وقع خطواتها عبر السقيفة، وتوقُّفها في مدخل الباب حيث لم يُركَّب بعدُ الباب الشبكي، ولا يزال الباب الذي يحمي من العواصف مفتوحًا ومسنودًا بأحد قوالب الطوب. أخذت فلو تنادي على والد روز بصوت مُحذِّر ومُنذِر، كما لو كانت تعدُّه لسماع أخبار سيئة خلافًا لرغبتها. سوف يُعلم السبب وراء ذلك.

احتوى مشمع أرضية المطبخ على خمسة أو ستة نقوش مختلفة، فكان عبارة عن بقايا حصلت عليها فلو مقابل ثمن بخس، وشذبتها ووفَّقت بينها ببراعة، وأحاطتها بإطار من شرائط القصدير والمسامير. بينما كانت روز تجلس على الطاولة منتظرةً ما سيحدث، نظرت إلى الأرضية وللترتيب الجيد للمستطيلات والمثلثات وشكل آخر أخذت تحاول تذكر اسمه. وفي تلك اللحظات، سمعت روز خطوات فلو وهي عائدة على اللوح الخشبي السميك ذي الصرير الموضوع على الأرضية المتسخة في السقيفة الخشبية. تباطأت في خطواتها، وأخذت تنتظر هي أيضًا. لم يعد بإمكانها هي وروز التحمُّل أكثر من ذلك وحدهما.

سمعت روز والدها وهو آتٍ نحوهما، فتسمَّرت مكانها، وسرت قشعريرة في ساقيها، وشعرت بارتجافهما على مشمع الطاولة. بعد أن شُتِّت انتباه والدها عن مهمته التي كان مستغرقًا فيها في سلام، وعن الكلمات التي كانت تدور في رأسه، وعن نفسه، كان عليه قول أي شيء. فقال: «حسنًا. ما الخطب؟»

وفي تلك اللحظة، تغيَّر صوت فلو، فصار قويًّا ومتألمًا وآسفًا. يبدو أنها تمكَّنت من اصطناعه في تلك اللحظة على الفور، فعبَّرت عن أسفها لاضطرارها استدعاء الأب من عمله، وقالت إنها ما كانت لتفعل ذلك لولا أن روز أثارت جنونها. كيف ذلك؟ بردودها الوقحة، وقلة حيائها، وبذاءة ألفاظها. كانت كلمات روز لفلو على قدر من الوقاحة بحيث إنها لو كانت فلو قد قالتها لوالدتها لأوسعها والدها ضربًا.

حاولت روز التدخل لتوضح أن ما يُقال غير صحيح.

ما الذي غير صحيح؟

رفع والدها يده دون أن ينظر إليها، وقال: «فلتصمتي!»

عندما قالت روز إن هذا الكلام غير صحيح، كانت تعني أنها لم تبدأ العراك، وإنما ردًّا منها على ما قيل لها فحسب، وأن فلو هي التي دفعتها إلى ذلك، وهي تتحدث الآن بأبشع الأكاذيب، محرِّفةً كل شيء ليوافق روايتها. تجاهلت روز مؤقتًا علمها بأن أي شيء ستقوله فلو أو تفعله، وأي شيء تقوله هي نفسها أو تفعله، لا يهم على الإطلاق. ما يهم هو الصراع، وهو الأمر الذي لا يمكن إيقافه، لا يمكن ذلك أبدًا، لا سيما بعد المرحلة التي وصلتا إليها في تلك اللحظات.

كانت ركبتا فلو متسختين، بالرغم من الوسادة التي أسندتهما عليها. وكانت ممسحة التنظيف لا تزال معلقة فوق قدم روز.

مسح والدها يديه أثناء استماعه لفلو. لم يتعجل الأمور؛ إذ كان بطيئًا في استيعاب ما يحدث، وضاق ذرعًا مقدمًا. لعله كان على وشك رفض الدور الذي ينبغي عليه ممارسته. لم ينظر إلى روز، ولكن مع أي صوت أو حركة تصدر عنها، كان يرفع يده.

قالت فلو: «حسنًا، لسنا بحاجة بالتأكيد لإطلاع الناس على ذلك.» وذهبت لإغلاق باب المتجر، واضعةً لافتة «سنعود بعد قليل». كانت روز قد صنعت هذه اللافتة لفلو بكثير من الزخرفة للحروف المائلة وتظليل للأحرف باللونين الأسود والأحمر. وعندما عادت فلو، أغلقت الباب المؤدي إلى المتجر، ثم الباب المؤدي إلى السلم، والآخر المؤدي إلى السقيفة الخشبية.

كان حذاؤها قد ترك علامات على الجزء النظيف المبتل من الأرضية.

وعند عودتها قالت بصوت منهك بعد أن وصلت إلى قمة انفعالها: «يا إلهي! إنني لا أعلم ما ينبغي عليَّ فعله معها.» ونظرت إلى أسفل، فرأت ركبتيها المتسختين (متبعةً عيني روز)، فدعكتهما بعنف بيديها المجردتين، ملطخةً المنطقة المحيطة بهما بالوسخ.

«إنها تهينني!» قالت فلو تلك الكلمات وهي تستقيم في وقفتها. لقد كان ذلك هو السبب. أخذت تكرر تلك العبارة في رضا: «إنها تهينني! ولا تحترمني!»

«أنا لا أهينها!»

فقال والدها: «فلتصمتي، أنتِ!»

«لو لم أستدعِ والدكِ، لظللتِ جالسةً حيث أنتِ، وهذه الابتسامة العريضة المستهزئة على وجهك! هل من سبيل آخر لتهذيبك؟»

لاحظت روز بعض الاعتراضات على وجه والدها على حديث فلو المتكلف، وشيئًا من الإحراج والنفور. إنها مخطئة، ويجب أن تعلم أنها مخطئة في ظنها أنه بوسعها الاعتماد على ذلك. فحقيقة أنها تعلم بما يفكر فيه والدها، وأنه يعلم أنها تعلم، لن يغير من الوضع شيئًا، فقد بدأ ينفعل، ورمقها بنظرة بدت في الأول فاترة ومتحدية. عكست لها تلك النظرة حكمه عليها، وانعدام حيلتها. ثم، تبدَّدت تلك النظرة، وبدأت عيناه تمتلئان بشيء مختلف، مثلما يمتلئ ينبوع المياه عندما تنظِّفه من أوراق الأشجار؛ بالكره والبهجة في نفس الوقت. رأت روز ذلك وأدركته. هل هو مجرد تعبير عن الغضب فحسب؟ هل من المفترض أن ترى عينيه وهما تمتلئان بالغضب؟ كلا. الكره حقيقي، والبهجة أيضًا حقيقية. فقد ارتخى وجهه، وتغيَّر، وصار أصغر سنًّا، ورفع يده، لكن هذه المرة لإسكات فلو.

قال: «حسنًا!» وكان يعني أن ما قيل يكفي، بل أكثر مما يكفي، انتهى هذا الجزء ويمكن مباشرة العقاب بالفعل. وشرع في فك حزامه.

كانت فلو قد توقفت عن الحديث بالفعل. كانت تعاني من نفس الصعوبة التي تعاني منها روز، ألا وهي صعوبة تصديق أن ما تعلم بضرورة حدوثه سيحدث بالفعل، وأنه لم يعد هناك وقت للرجعة.

قالت فلو، وهي تتحرك في الأرجاء بعصبية، كما لو كانت تفكر في العثور على سبيل للهروب من المكان: «يا إلهي! لا تقسُ عليها! يا إلهي! لست بحاجة لضربها بالحزام. هل ينبغي عليك استخدامه؟»

لم يجبها. استلَّ الحزام ببطء، وأمسك به كما ينبغي. «حسنًا! أيتها الفتاة.» تقدَّم ناحية روز ودفعها من فوق الطاولة. وجهُهُ وصوتُهُ تغيَّرا تمامًا. كان أشبه بممثل شرير يؤدي دور شخصية مرعبة. بدا كما لو كان من المفترض أن يتلذذ ويصر على فعل كل ما هو مخجل ومشين في هذا الشأن. ولا يعني ذلك أنه كان يتظاهر، أو يدعي، أو لا يعني ما يفعله، وإنما هو ينفذ بالفعل، ويعني ما يفعله. كانت روز تعلم ذلك، كما كانت تعلم كل شيء آخر عنه.

أخذت تفكر منذ ذلك الحين في جرائم القتل والقتلة. هل يجب ارتكاب جريمة القتل في النهاية، لكي تحدث أثرًا، بمعنى أن تثبت للضحية — التي لن تستطيع إبلاغ الآخرين بما تعلمته ولكنها تعانيه فقط — أن مثل هذه الأمور يمكن أن تحدث، وأنه ما من شيء مستحيل، وأن أبشع السلوكيات يمكن تبريرها، ويمكن إيجاد المشاعر التي تتلاءم معها؟

حاولت روز معاودة النظر إلى أرضية المطبخ، والتحديق في ذلك الترتيب الهندسي البارع والمريح، بدلًا من النظر إلى أبيها وحزامه. كيف يمكن لذلك أن يحدث أمام هؤلاء الشهود في وضح النهار، مشمع الأرضية، ونتيجة الحائط المرسوم عليها طاحونة وجدول مائي وأشجار الخريف، والأوعية والأواني القديمة؟

«افتحي يديك!»

ما كانت هذه الأشياء لتساعدها، ما كان بوسع أي منها إنقاذها. فتحولت إلى أشياء تافهة عديمة القيمة، بل ومعادية لها أيضًا. فظهر على الأواني الخبث، ونقوش مشمع الأرضية صارت تنظر إليها شزرًا. الغدر هو الجانب الآخر للحياة اليومية المعتادة.

مع أول شعور بالألم، أو ربما الثاني، تراجعت روز؛ فلن تقبل الأمر. أخذت تركض حول الغرفة محاوِلةً الوصول للأبواب، ووالدها يعيق طريقها. لم يبدُ عليها أي ملمح من الشجاعة أو القدرة على الصمود. أخذت تركض، وتصرخ، وتتوسل، ووالدها يجري وراءها، ضاربًا إياها بالحزام متى سنحت له الفرصة، ثم ألقى به واستخدم يديه. ضربة على الأذن، وأخرى على الأذن الثانية. ضربات متتالية، ورأسها يطن. ضربة على الوجه. تنهض لتقف قبالة الحائط، فتتلقى ضربة أخرى على وجهها. يهزها والدها، ويدفعها نحو الحائط، ويركل ساقيها. أخذت تتلعثم في الكلام، وقد جُنَّ جنونها، وتصرخ: «سامحني! أرجوك، سامحني!»

أخذت فلو تصرخ أيضًا: «كفى! توقف!»

لكن الأمر لم ينتهِ بعدُ في نظره، فألقى روز على الأرض، أو لعلها هي من ألقت بنفسها، وأخذ يركل ساقيها مجددًا. لم تعد تنطق بكلمات، لكنها أخذت تُصدر أصواتًا عالية، الأمر الذي جعل فلو تصيح: «يا إلهي! ماذا إذا سمعها الناس؟» كان صوت المهانة والهزيمة ذلك هو ملاذ روز الأخير؛ إذ يبدو أنه توجَّب عليها لعب دورها في هذا الأمر بنفس الفظاظة والمبالغة التي لعب بها أبوها دوره. فلعبت دور الضحية مع انغماس ذاتي يثير — أو ربما تطمح في أن يثير — ازدراء والدها الأخير.

بدا أنهما سيبذلان كل ما في وسعهما في هذا الأمر، وسيصلان إلى أقصى الحدود الممكنة.

في الواقع، ما كانا ليصلا إلى أقصى الحدود بالفعل؛ فهو لم يتعمد إيذاءها قط، وإن كانت تدعو الرب أحيانًا، بالطبع، أن يفعل ذلك. فكان يضربها بباطن يده، ولم يتمادَ في ركلاته أيضًا.

توقَّفَ الآن عن الضرب؛ إذ أخذ يلهث. سمح لفلو بالتدخل، وأمسك بروز ليرفعها عن الأرض، ودفعها في اتجاه فلو، مُصدِرًا صوت اشمئزاز. تلقَّتها فلو، وفتحت الباب المؤدي للسلالم، ودفعتها لأعلى.

«اصعدي إلى غرفتك الآن! أسرعي!»

صعدت روز السلالم وهي تتعثر، أو بالأحرى تسمح لنفسها بالتعثر والسقوط. لم تغلق باب غرفتها بقوة؛ لأن مثل هذا الفعل قد يجعل والدها يسعى وراءها مجددًا، هذا فضلًا عن أنها ضعيفة بالفعل. استلقت في السرير، وتمكنت من أن تسمع فلو عبر ثقب مدخن الموقد وهي تنتحب بصوت مسموع، وتستنكر ما فعله والدها، في حين قال لها الأب حانقًا إنها كان يجدر بها إذن السكوت، إذا لم ترغب في معاقبة روز كان عليها ألا توصي بذلك. فردت فلو بأنها لم توصِ مطلقًا بمثل هذا الضرب بالحزام.

أخذا يتجادلان حول ذلك، وأخذ صوت فلو الخائف يقوى ويستعيد ثقته مجددًا. وبمرور الوقت ومع استمرار الجدال، عاد كلٌّ منهما لطبيعته؛ فسرعان ما صارت فلو هي التي تتحدث، بينما توقَّف الأب عن الحديث. كان على روز مقاومة نشيجها العالي لكي تتمكن من سماعهما. وعندما فقدت الاهتمام في أن تسمع، ورغبت في النشيج أكثر، وجدت نفسها غير قادرة على ذلك؛ فقد تحولت إلى حالة من الهدوء أدركت فيها أن ما حدث من وحشية قد وصل إلى منتهاه وآخره. وفي هذه الحالة، تأخذ الأحداث والاحتمالات منحًى بسيطًا لطيفًا، وتصير الاختيارات واضحة على نحو رحيم. والكلمات التي تَرِد على الذهن ليست احتجاجية، وقلما تكون شرطية أيضًا. «مطلقًا» كلمة يتصحح بها الوضع فجأة؛ فقررت أنها لن تتحدث معهما مطلقًا، ولن تنظر إليهما مطلقًا فيما عدا نظرات الاشمئزاز، ولن تسامحهما أبدًا. سوف تعاقبهما، وتقضي عليهما. وبعد أن أحاطت نفسها بهذه القرارات النهائية، وفي ظل آلامها الجسدية، شعرت براحة غريبة تجاوزت فيها نفسها، وتجاوزت فيها المسئولية.

ماذا إذا تُوفيت الآن؟ ماذا إذا انتحرت؟ ماذا إذا هربت؟ أيٌّ من هذه الأمور سيكون مناسبًا. الأمر كله متوقف على الاختيار وتصور السبيل. أخذت تسبح في تلك الحالة من التسامي والصفاء كما لو كانت تحت تأثير مخدر ما.

وكما هو الحال بالضبط عندما تعيش لحظة تحت تأثير المخدر تشعر فيها بأنك في أمان وسكينة وبأنك بعيد عن الآخرين، ثم في اللحظة التالية مباشرةً وبدون سابق إنذار تعلم أن كلَّ ما تمتعتَ به من حماية قد تحطم تمامًا، وبالرغم من أن الأمر لا يزال يبدو أنه على ما يرام، مرت بروز الآن مثل هذه اللحظة — وهي اللحظة، في الواقع، التي سمعت فيها فلو وهي تصعد درجات السلم — التي تجمع بين حريتها وسلامها الحالي وتيقنها من الانحدار الكامل الذي ستشهده الأحداث بدءًا من تلك اللحظة.

دخلت فلو الغرفة دون أن تطرق الباب، لكن بتردد يدل على أنها ربما فكرت في طرق الباب قبل الدخول. أحضرت معها برطمان مرهم بارد الملمس. تمسَّكت روز بالميزة التي تمتعت بها قدر الإمكان؛ فاستلقت بوجهها على السرير، رافضةً التعبير عن إدراكها دخول فلو الغرفة، أو الرد عليها.

قالت فلو بتوتر: «بالله عليك! لم يُصِبْكِ سوء، أليس كذلك؟ فلتضعي هذا المرهم على جسدك وستشعرين بتحسن.»

كانت فلو تتظاهر؛ فهي لم تكن متأكدة من الضرر الذي لحق بروز. أزالت فلو الغطاء عن علبة المرهم البارد، وتمكنت روز من شم رائحته؛ تلك الرائحة الحميمية الطفولية المهينة. لن تسمح لها بالاقتراب منها، لكن لكي تتجنب كتلة المرهم التي حملتها فلو في يدها، كان عليها التحرك؛ فأخذت تقاوم وتتصدى لفلو، فخسرت كرامتها بأن سمحت لها برؤيتها وهي بخير ولم يُصِبها سوء.

فقالت فلو: «حسنًا، كما تشائين. سأتركه هنا ويمكنك وضعه متى تشائين.»

في وقت لاحق ظهرت فلو وهي تحمل صينية، ووضعتها دون أن تنبس ببنت شفة، وغادرت الغرفة. كان على الصينية كوب كبير من الحليب بالشوكولاتة ممزوج بشعير «فيتا مالت» الموجود في المتجر. هناك بعض آثار الشعير في قاع الكوب. كان على الصينية أيضًا بعض الشطائر المُعدَّة على نحو منسَّق وفاتح للشهية. كانت محشوة بسلمون أحمر مُعلَّب من الدرجة الأولى الممتازة، والكثير من المايونيز. كان هناك أيضًا بعض كعك الزبد المأخوذ من إحدى عبوات المخبوزات، وبسكويت بالشوكولاتة محشو بالنعناع. كانت تلك الأطعمة المفضلة لدى روز؛ الشطائر والكعك والبسكويت، لكنها أشاحت بوجهها بعيدًا، ورفضت النظر إلى الطعام. لكن ما إن تركتها فلو وحدها مع هذه الأطعمة الشهية حتى أغرتها على نحو بائس، أزعجها، وأبعدها عن أفكار الانتحار أو الهروب بسبب رائحة السلمون، وإغراء الشوكولاتة المقرمشة. فمدت إصبعها لتمرره حول طرف إحدى الشطائر (أزالت فلو القشور!) لتحصل على ما يتساقط منها وتتذوقه، ومن ثم، قررت تناول إحدى هذه الشطائر لتقوى على رفض تناول البقية؛ فلن يُلاحِظ أحد تناولها شطيرة واحدة. لكن بعد أن أفسدت عزيمتها هذه الأطعمة الشهية، تناولت جميع الشطائر، وشربت الحليب بالشوكولاتة، وأكلت الكعك والبسكويت، وأخرجت شراب الشعير من قاع الكوب بإصبعها، كل ذلك بالرغم من نحيبها بصوت مسموع إثر شعورها بالخجل مما فعلت؛ لكن الأوان كان قد فات.

ستأتي فلو وتأخذ الصينية. ربما ستقول لروز: «أرى أنكِ قد استعدتِ شهيتك»، أو «هل أعجبك الحليب بالشوكولاتة؟ هل كان الشراب كافيًا فيه؟» وذلك حسب مدى شعورها هي بالذنب. وفي كافة الأحوال، ستخسر روز ما تمتعت به من ميزة، وستدرك أن مجريات الحياة ستعود لطبيعتها، وأنهم سيجلسون حول المائدة يتناولون الطعام ثانيةً، ويستمعون للأخبار في الإذاعة، وسيكون ذلك في صباح اليوم التالي، أو ربما في المساء. وبالرغم من استبعاد ذلك وعدم ترجيحه، فسوف يشعرون بالإحراج، لكن بقدر أقل من المتوقَّع بالوضع في الاعتبار ما صدر عنهم من سلوك. سوف يشعرون بخمول عجيب، وتراخي المتماثلين للشفاء، مع بعض الرضا.

وفي إحدى الليالي، وبعد مشهد كهذا، كانت الأسرة جميعها في المطبخ. كان ذلك، بلا شك، أحد أيام الصيف، أو على الأقل في أثناء الطقس الدافئ، إذ كان والدها يتحدث عن الرجل العجوز الذي يجلس على المقعد أمام المتجر.

سأل والدها، وهو يلوِّح برأسه ناحية المتجر للإشارة إلى ما يعنيه، بالرغم من عدم وجود أحد في ذلك الوقت المتأخر، إذ عاد الجميع إلى منازلهم مع حلول الظلام: «هل تعلمون ما يتحدثون عنه الآن؟»

قالت فلو: «أتقصد أولئك المسنين المغفلين؟ عم يتحدثون؟»

كانت ثمة أُلفة بينهما، ولم تكن زائفة تمامًا، لكنها كانت متكلفة بعض الشيء عما يكون الحال بينهما في المعتاد وهما بمفردهما.

أخبرهم الأب حينذاك بأن أولئك المسنين قد توصلوا إلى فكرة بأن ما يبدو كالنجم في غرب السماء — ذلك النجم الذي يظهر بعد الغروب مباشرةً، نجم المساء — هو في الواقع منطاد بمحرك يجوب سماء مدينة «باي سيتي» بولاية ميشيجان الأمريكية على الجانب الآخر من بحيرة هورون، وأن هذا المنطاد هو ابتكار أمريكي أُطلِق في السماء لمنافسة الأجرام السماوية. واتفقوا جميعًا على هذه الفكرة، فقد راقت لهم. ويعتقدون أن هذا المنطاد مضاء بعشرة آلاف مصباح كهربائي. اختلف والد روز مع هذه القصة بقوة، مشيرًا إلى أن ما رأوه هو كوكب الزهرة الذي ظهر في السماء قبل اختراع المصباح الكهربائي بسنوات طوال. لكنهم لم يسمعوا من قبل عن كوكب الزهرة.

قالت فلو: «جَهَلة!» وكانت روز تعلم — وتعلم أن والدها يعلم — أن فلو أيضًا لم تسمع من قبل عن كوكب الزهرة. ولإلهائهم عن ذلك، أو حتى للاعتذار عما صدر منها، وضعت فلو فنجان الشاي الذي كانت تشربه، واسترخت برأسها لتسنده على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وألقت بقدميها على كرسي آخر (وتمكنت على نحو ما من دس فستانها احتشاما بين ساقيها في الوقت نفسه)، واستلقت متيبسة كاللوح الخشبي، فصاح براين مبتهجًا: «لتفعليها! لتفعليها!»

تمتعت فلو بأطراف مرنة وقوية للغاية، وفي أوقات الاحتفالات أو الطوارئ، كانت تقوم بحيل باستخدام هذه المرونة.

التزم الجميع الصمت، بينما أدارت فلو جسدها دون أن تستخدم ذراعيها على الإطلاق، وإنما مجرد ساقيها وقدميها، وصاح الجميع في ابتهاج، بالرغم من رؤيتهم تلك الحيلة من قبل.

وبينما كانت فلو تؤدي حيلتها، تخيلت روز صورة ذلك المنطاد ذي المحرك؛ فتخيلته فقاعة شفافة طويلة، وله خيوط من الأضواء الماسية تطفو في سماء أمريكا الرائعة.

قال والد روز وهو يصفق لفلو: «كوكب الزهرة! عشرة آلاف مصباح كهربائي!»

خيَّم شعور بحرية التصرف، والاسترخاء في الغرفة، بل وطغت موجة من السعادة أيضًا على المكان.

•••

بعد ذلك الحين بسنوات طوال، وفي صبيحة أحد أيام الآحاد، قامت روز بتشغيل المذياع. كان ذلك أثناء إقامتها بمفردها في تورونتو.

حسنًا، سيدي.

لقد كان المكان مختلفًا تمامًا في أيامنا عن الوقت الحاضر. اختلف بالتأكيد.

فكانت وسيلة المواصلات آنذاك هي الخيول؛ الخيول والعربات التي تجرها الخيول. وكانت هذه العربات تتسابق في الشارع الرئيسي جيئة وذهابًا في ليالي السبت.

فقال المذيع، أو المحاور، بصوت مشجع وهادئ: «مثل سباقات عجلات الخيول القديمة.»

لم أرَ هذه العجلات من قبل.

«لا، يا سيدي. أقصد سباقات عجلات الخيول الرومانية قديمًا. كان ذلك في قديم الزمان.»

لا بد وأن هذا حدث قبل مولدي بوقت طويل. أنا أبلغ من العمر مائة عام وعامين.

«هذا عمر رائع، يا سيدي.»

إنه كذلك، بالفعل.

تركت روز المذياع مفتوحًا، بينما تجوَّلت في مطبخ الشقة لتعدَّ لنفسها كوبًا من القهوة. بدا الأمر لروز وكأنه لقاء مسرحي؛ أي مشهد من مسرحية ما، وأرادت أن تعرف ما هي. كان صوت الرجل العجوز يوحي بالغطرسة والمشاكسة، في حين بدا المحاور بائسًا ومتخوفًا للغاية، بالرغم مما بدا ظاهريًّا عليه من دماثة وهدوء. فكان للمستمع أن يتصور بالتأكيد حمل ذلك المحاور الميكروفون أمام مُعمِّر متفاخر أهوج عديم الأسنان، متسائلًا عما يفعله في ذلك المكان، وما من المفترض أن يقوله بعد ذلك.

«لا بد أنها كانت خطيرة للغاية.»

«ماذا تقصد؟»

«سباقات العربات التي تجرها الخيول.»

لقد كانت كذلك بالفعل؛ فكانت الخيول المستخدمة في هذه السباقات من الخيول الهاربة، وتقع العديد من الحوادث. وكان البعض يتجرجرون على الحصى وتلحق الجروح بوجوههم، وما كان الأمر يهم كثيرًا إذا ما تُوفوا.

بعض الخيول كانت تستطيع القفز لأعلى، في حين تطلَّب البعض وضع الخردل تحت ذيولها. وبعضها ما كان ليتحرك على الإطلاق. هكذا الحال مع الخيول، بعضها يعمل بكد إلى أن يسقط ميتًا من الإعياء، والبعض الآخر لا يقوى حتى على التزاوج.

كان لقاءً حقيقيًّا بالتأكيد، وإلا ما كانوا ليذكروا تلك الكلمات، فلن يخاطروا بذكرها. لكنها عندما تصدر من رجل عجوز، فإنها توحي بالطابع المحلي. وأي شيء يصدر عن شخص بلغ من العمر مائة عام يبدو مبهجًا ولا ضرر منه.

كانت الحوادث تقع دومًا آنذاك؛ في الطواحين، ومسابك المعادن. لم تكن هناك احتياطات للسلامة.

«لم تكن هناك الكثير من الإضرابات آنذاك، أليس كذلك؟ ولم تكن هناك أيضًا الكثير من النقابات العمالية؟»

يستسهل الجميع الأمور هذه الأيام، أما نحن، فكنا نعمل ونسعد بما نحصل عليه. هذا ما كنا نفعله.

«لم يكن لديكم تليفزيون.»

لم يكن لدينا تليفزيون. ولم يكن لدينا مذياع. ولم تكن لدينا عروض مصورة.

«لقد أعددتم وسائل الترفيه الخاصة بكم.»

نعم، هكذا جرت الأمور.

«لقد تمتعتم بخبرات لن يحصل عليها شباب اليوم أبدًا.»

نعم، خبرات.

«هل يمكنك ذكر أيٍّ منها لنا؟»

لقد أكلت لحم خنزير الأرض ذات مرة. كان ذلك في الشتاء. لا أعتقد أنه بإمكانك تناوله.

توقف الحديث لوهلة للتقدير على ما يبدو، ثم أعلن صوت المذيع أن ما سبق كان لقاءً مع السيد ويلفريد نيتلتون من هانراتي بأونتاريو، أُجري معه في عيد ميلاده الثاني بعد المائة، وذلك قبل وفاته بأسبوعين الربيع الماضي. لقد كان حلقة وصل حية بماضينا. وعُقِد ذلك اللقاء في دار «واواناش كنتري هوم» للمسنين.

هات نيتلتون.

الخبير بشئون الخيل يتجاوز عمره المائة عام. تُلتقَط له الصور يوم عيد ميلاده، وتلتف حوله الممرضات، وتنهال عليه القبلات بلا شك من إحدى الفتيات الصحفيات، وفلاش الكاميرات يومض حوله، ومُسجِّل الشرائط يسجل صوته. أقدم سكان المدينة؛ أقدم خبير بشئون الخيل؛ حلقة الوصل الحية بماضينا.

أطلَّت روز من نافذة مطبخها على البحيرة الموحشة، كانت تتوق لأن تخبر أحدًا بما يدور في ذهنها. كانت فلو ستستمتع على الأرجح بهذا الحديث الذي أُذيع. تذكَّرت قولها: «تخيلي!» على نحو يوحي بأن أسوأ شكوكها قد تأكد بالفعل على نحو رائع. لكن فلو كانت في نفس المكان الذي توفي فيه هات نيتلتون، ولم يكن هناك أية طريقة يمكن أن تصل بها روز إليها. كانت فلو هناك أيضًا عند تسجيل اللقاء مع هات، مع أنها لم تسمعه، ولم تعلم شيئًا عنه بالتأكيد. فبعد أن أودعتها روز نفس دار المسنين بعامين، توقفت تمامًا عن الكلام، وانعزلت عن الآخرين، وقضت أوقاتها جالسة في أحد أركان سريرها، وقد بدا عليها الخبث وسوء الطباع. لم تكن تردُّ على أحد، وإن أظهرت مشاعرها بين الحين والآخر بِعضِّها إحدى الممرضات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤