من تظنين نفسك؟

كانت هناك بعض الأشياء التي استطاعت روز وشقيقها براين التحدث بشأنها بأمان، دون التطرق إلى المبادئ أو بيان الآراء، وكان من بين تلك الأشياء ميلتون هومر. تذكر كلاهما حين كانا مصابَيْن بالحصبة وكان هناك إخطار معلَّق على الباب بوضعهما قيد الحجر الصحي؛ كان ذلك منذ زمن، قبل وفاة والدهما وقبل التحاق براين بالمدرسة، جاء ميلتون هومر عبر الشارع وقرأه. سمعاه وهو قادم عبر الجسر، وكالعادة كان يشكو ويتذمر بصوت عالٍ. ولم يكن يغلق فمه عن الشكوى في طريقه إلى البلدة ما لم يحشُه بالحلوى؛ وفيما عدا ذلك كان يصيح في الكلاب ويتحرش بالأشجار وأعمدة الهاتف، وهو يجترُّ الشكاوى والأحزان القديمة.

صاح وهو يضرب سور الجسر: «ولم أفعل، ولم أفعل، ولم أفعل!»

أسدل روز وبراين اللحاف الذي كان معلقًا على النافذة ليحجبا الضوء حتى لا يصيبهما العمى.

قال براين بنبرة امتنان: «ميلتون هومر.»

حينئذ رأى ميلتون هومر الإخطار على الباب، فاستدار وصعد السلم ليقرأه، فقد كان يجيد القراءة؛ كان يسير عبر الشارع الرئيسي ويقرأ جميع اللافتات بصوت عالٍ.

تذكر روز وبراين هذا الموقف واتفقا على أن ذلك الباب كان الباب الجانبي، حيث قامت فلو فيما بعد بتركيب الشرفة المغطاة بالزجاج؛ وقبل ذلك لم يكن هناك سوى رصيف خشبي مائل، وتذكرا ميلتون هومر وهو يقف عليه. فإذا كان إخطار الحجر الصحي هناك وليس على الباب الأمامي، المؤدي إلى داخل متجر فلو، فلا بد إذن أن المتجر كان مفتوحًا؛ بدا ذلك غريبًا ولم يكن له تفسير سوى أن فلو كانت قد تنمرت بمسئول الصحة. لم تستطع روز أن تتذكر؛ كل ما استطاعت تذكُّره كان ميلتون هومر وهو يقف على الرصيف ورأسه الكبير مستند إلى أحد الجانبين وقبضته مرفوعة استعدادًا للنقر على الباب.

قال ميلتون هومر: «حصبة؟ هه.» لم يقرع الباب في النهاية؛ بل اقترب برأسه من الباب وأخذ يصيح: «لا يمكنكم تخويفي!» ثم استدار ولكنه لم يغادر الفناء. اتجه نحو الأرجوحة، وجلس فوقها، وأمسك بالحبال، وبدأ في أرجحة نفسه، وكان متجهمًا في البداية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى الابتهاج المتصاعد العاتي.

صاحت روز: «ميلتون هومر على الأرجوحة، ميلتون هومر على الأرجوحة.» وهرعت من النافذة إلى بئر السلم.

جاءت فلو من حيث كانت كي تطل من النافذة الجانبية.

قالت فلو باندهاش: «إنه لن يضرها.» ظنت روز أن فلو ستطارده بالمقشة. بعدها تساءلت: «هل يمكن أن تكون فلو قد خافت؟» ذاك أمر مستبعد. إنها مسألة امتيازات يحظى بها ميلتون هومر.

«لا أستطيع الجلوس على المقعد بعد أن جلس عليه ميلتون هومر!»

«أنتِ! فلتعودي إلى الفراش.»

وعادت روز إلى حجرة الحصبة المظلمة كريهة الرائحة وبدأت في إخبار براين قصة كانت تظن أنها لن تعجبه.

«حين كنتَ رضيعًا، جاء ميلتون هومر وحملك.»

«لا، لم يفعل.»

«بل جاء وحملك وسأل عن اسمك. أذكر ذلك جيدًا.»

خرج براين متجهًا نحو بئر السلم.

«هل جاء ميلتون هومر وحملني وسأل عن اسمي؟ هل قام بذلك فعلًا حين كنت رضيعًا؟»

«أخبِر روز أنه قد فعل الشيء نفسه معها.»

كانت روز تعلم أن ذلك كان احتمالًا واردًا، على الرغم من أنها لم تكن ستذكره. لم تكن تعرف حقًّا إن كانت تتذكر قيام ميلتون هومر بحمل براين، أم أن هناك من أخبرها بذلك. كان ميلتون هومر كلما وُلد طفل في أي منزل، في ذلك الماضي القريب حين كان الأطفال لا يزالون يولدون في المنازل، يأتي بأسرع ما يمكن ويطلب رؤية الوليد، ثم يسأل عن اسمه، ويلقي خطبة معدَّة سلفًا. كان الهدف من الخطبة أن يُرجى للطفل إذا عاش أن يحيا حياة مسيحية، أما إذا مات فيرجى له دخول الجنة مباشرة. كانت نفس فكرة التعميد، ولكن ميلتون لم يكن يدعو باسم الآب أو الابن، أو يفعل أي شيء بالماء. وكان يفعل كل ذلك على مسئوليته الشخصية. كان يبدو أن ثمة لعثمة تداهمه في تلك اللحظة لم تكن لتداهمه في أوقات أخرى، أو كان يتلعثم عن عمد لكي يضفي على عباراته ثقلًا. كان يفغر فاه ويتأرجح جيئة وذهابًا متناولًا كل عبارة بصوت نخر عميق.

«وإذا قدِّر للطفل … قدر للطفل … قدر للطفل … أن يعيش …»

بعد ذلك بسنوات كانت روز تقلد ذلك في غرفة معيشة أخيها، متأرجحة جيئة وذهابًا وهي تغني، وكانت كل «إذا» تخرج منها وكأنها انفجار، لتصل إلى الانفجار الأساسي لكلمة «يعيش».

«سوف يحيا … حياة صالحة … وسوف … وسوف … وسوف … لن يأثم. سوف يحيا حياة صالحة … حياة صالحة … لن يأثم. لن يأثم!»

«وإذا قدِّر للطفل … وإذا قدر للطفل … وإذا قدر للطفل … أن يموت …»

قال براين: «يكفي ذلك الآن. يكفي ذلك يا روز.» ولكنه ضحك. كان يمكنه أن يطيق طريقة روز الدرامية حين تكون عن هانراتي.

قالت فيبي زوجة براين: «كيف يمكنكِ تذكُّر ذلك؟» آملة أن توقف روز قبل أن تتمادى لأطول من اللازم وتثير حنق براين، «هل كنتِ ترينه وهو يفعل ذلك؟ أكنتِ ترينه كثيرًا إلى هذا الحد؟»

قالت روز ببعض الدهشة: «كلا، لم أره يفعله، بل رأيت رالف جيلسبي وهو يقلد ميلتون هومر. كان رالف أحد الصبية في المدرسة.»

•••

كانت الوظيفة العامة الأخرى التي كان ميلتون هومر يشغلها، حسبما تتذكر روز وبراين، هي المشاركة في المسيرات التي تقدم عروضًا. كان هناك الكثير من المسيرات في هانراتي؛ مثل مسيرة أورانج ووك في الثاني عشر من يوليو؛ ومسيرة عرض المدارس الثانوية العسكرية في شهر مايو؛ ومسيرة عرض لأطفال المدارس في يوم العيد القومي للإمبراطورية؛ ومسيرة عرض الكنيسة؛ ومسيرة عرض سانتا كلوز؛ ومسيرة عرض قدامى نادي الليونز. كان من أكثر الأشياء التي يمكن أن تقال عن أي شخص في هانراتي ازدراءً وتحقيرًا أنه مغرم بالمشاركة في المسيرات والعروض، إلا أن كل شخص تقريبًا في البلدة — في قلب البلدة، وليس هانراتي الغربية، كما هو متعارف عليه — كانت ستواتيه الفرصة للمشاركة في المسيرات علنًا في أحد الأحداث المنظمة والمعتمدة. وكان الشرط الوحيد لذلك أنه لا بد ألا يبدو عليك الاستمتاع بذلك؛ فكان عليك أن تعطي الانطباع بأن شيئًا ما دعاك للمشاركة دون سبب معلوم، وأنك على استعداد لأداء واجبك، وأنك منشغل بشكل جاد بالمفاهيم التي يُعلي من شأنها هذا العرض.

كان عرض أورانج ووك هو أروع جميع تلك العروض؛ فكان الملك بيلي يتقدم المسيرة ممتطيًا ظهر حصان أقرب ما يكون للبياض الخالص، والفرسان ذوو الأحصنة السوداء في المؤخرة، بينما يمتطي أنبل رُتب جماعة الأورانج — وهم عادة ما يكونون مجموعة من المزارعين كبار السن نحفاء وفقراء يتسمون بالإباء والتعصب — خيولًا سوداء، ويرتدون قبعات سوداء عالية توارثها الأبناء عن آبائهم، والمعاطف ذات الذيل المشقوق. كانت جميع الرايات عبارة عن مشاهد مجسدة — على حرير رائع ومطرزات باللونين الأزرق والذهبي، أو البرتقالي والأبيض — لانتصار البروتستانت، وأزهار الليلك والأناجيل المفتوحة، وشعارات التُقى والشرف والتعصب الأعمى المتقد. وكانت السيدات يأتين تحت مظلاتهن الواقية من الشمس، وكانت زوجات أفراد جماعة الأورانج وبناتهم يرتدين جميعًا ثيابًا بيضاء دلالة على النقاء. تأتي بعد ذلك الفرق الموسيقية، والمزامير والطبول، والراقصون الموهوبون في رقصة الخطوة ويؤدون عروضًا على عربة قش نظيف تُستخدم كمسرح متحرك.

كان ميلتون هومر يأتي كذلك. كان بإمكانه أن يظهر في أي مكان في العرض، وكان يغير موقعه من آنٍ لآخر، فتراه يخرج من خلف الملك بيلي أو الفرسان السود أو الراقصين أو الأطفال الخجولين ذوي الأوشحة البرتقالية الذين يحملون الرايات. كان يظهر بوجه قاسٍ وصارم خلف الفرسان السود، ويرفع رأسه كما لو أن قبعة سوداء عالية تعلوه؛ أو يظهر خلف السيدات يهز وركيه ويتلاعب بمظلة وهمية. كان مقلدًا ذا مواهب عاتية وطاقة بشعة. كان بوسعه أن يحول عرض الراقصين المنمق الأنيق إلى وثبات مرحة لشخص معتوه، محافظًا على الإيقاع الحركي.

كانت أورانج ووك هي أفضل فرصة له في مسيرات العروض، ولكنه كان يظهر فيها جميعًا. يسير مرفوع الرأس خافقًا بذراعيه، بخطى شامخة خلف الضابط قائد العرض في مسيرة الكنيسة. وفي مسيرة العيد القومي للإمبراطورية، كان يزوِّد نفسه براية حمراء، وعلم الاتحاد الملكي، ويديرها فوق رأسه كلعبة الخيول الدوارة. أما في عرض سانتا كلوز، فكان يخطف الحلوى المعدة للأطفال؛ ولم يكن يفعلها على سبيل الدعابة.

لعلك ستفكر أن أي مسئول في هانراتي كان بوسعه وضع حد لهذا، فقد كانت مساهمة ميلتون هومر في أي عرض مساهمة سلبية تمامًا، معدَّة فقط — إن كان لدى ميلتون هومر القدرة على إعداد أي شيء — لجعل العرض يبدو بمظهر أحمق. لماذا لم يحاول المنظمون والعارضون إبعاده؟ لا بد أنهم قد قرروا أن القول أسهل من الفعل في هذا الصدد. فقد كان ميلتون يعيش مع خالتيه المسنتين اللتين لم تتزوجا، ولأنه كان يتيم الأبوين، لم يكن أحد ليرغب في أن يطلب من السيدتين المسنتين أن تُلزمانه المنزل. لا بد أن الأمر قد بدا وكأن لديهما من الأعباء ما يكفي. كيف يمكنهما إلزامه المنزل بمجرد سماع صوت الفرقة الموسيقية؟ ربما كان عليهما أن يحبسانه في المنزل ويقيدانه. ولم يرغب أحد في جرجرته وإبعاده بمجرد أن تبدأ العروض؛ فقد كانت احتجاجاته ستفسد كل شيء. فلم يكن هناك أدنى شك في أنه سيحتج؛ فقد كان قوي البنية، ذا صوت عميق، وكان رجلًا قويًّا، وإن لم يكن طويل القامة للدرجة. كان في حجم نابليون تقريبًا. كان يركل البوابات والأسوار حين يحاول الناس منعه من دخول أفنية منازلهم. ذات مرة حطَّم عربة أحد الأطفال على الرصيف لمجرد أنها كانت في طريقه. لذا لا بد أن السماح له بالمشاركة كان الاختيار الأمثل تحت هذه الظروف.

لم يكن ذلك يتم لكونه أفضل الخيارات السيئة فقط، فلم ينظر أحد إلى ميلتون بعين السخط في أي عرض؛ فقد كان وجوده معتادًا لدى الجميع، حتى قائد المسيرة كان يسمح له بأن يقلده على نحو ساخر، ولم يكن الفرسان السود بما بهم من أحزان دفينة يلقون له بالًا. كان الناس يكتفون بقول: «أوه، ها هو ميلتون» من الرصيف. لم يكن ليثير الكثير من الضحك عليه، وإن كان الغرباء الموجودون في البلدة — وهم الأقارب القادمون من المدينة ممن يُدعَون لمشاهدة العرض — قد يشيرون إليه ويأخذون في الضحك بشكل هستيري، ظنًّا منهم أنه موجود بشكل رسمي وبهدف الترويح الكوميدي، مثل المهرجين الذين كانوا في الواقع رجال أعمال صغارًا يفشلون في تحريك العجلات.

كان الزائر يقول: «من هذا؟» وكانت الإجابة تأتيه بلامبالاة وبنوع من الكبرياء غير المفهوم: «هذا فقط ميلتون هومر. لن يكون العرض عرضًا بدون ميلتون هومر.»

•••

«أحمق القرية.» هكذا قالت فيبي، محاولة فهم الأمور بأدبها الذي لا ينضب ولا يُحمد، فقال براين وروز إنهما لم يسمعاه يوصف بهذا الوصف من قبل. لم تكن نظرتهما لهانراتي بوصفها قرية، فالقرية في نظرهما عبارة عن مجموعة من المنازل وسط مناظر طبيعية خلابة تحيط بكنيسة ذات برج كتلك المرسومة على بطاقات التهنئة بالكريسماس. والقرويون هم الجوقة في ملابسهم الخاصة في أوبريتات المدارس الثانوية. ولو اقتضت الضرورة وصف ميلتون هومر لأحد الغرباء، كان الناس يقولون إنه «مختل». كانت روز تتساءل، حتى في ذلك الوقت، عن مكمن هذا الاختلال، وكانت لا تزال تتساءل، وتوصلت إلى أن الإجابة الأسهل لهذا السؤال هي العقل. لا بد أن ميلتون هومر كان بلا شك يحظى بمعدل ذكاء منخفض. أجل؛ ولكن كان هذا هو حال الكثير من الناس في هانراتي وخارجها، ومع ذلك لم يكونوا يفضحون أنفسهم مثلما كان يفعل؛ فقد كان يجيد القراءة بلا صعوبات، كما تبيَّن في حالة لافتة الحجر الصحي؛ وكان يجيد عد قطع نقوده الباقية، كما يتضح في العديد من الحكايات عن محاولة الناس الاحتيال عليه. فكرت روز الآن أن ما كان غائبًا هو حس الاحتراز، إنه الضبط الاجتماعي، على الرغم من عدم وجود مثل هذه المسميات في ذلك الوقت. إن أي شيء يفتقده الأشخاص العاديون حال سكرهم، لم يكن لدى ميلتون هومر بالمرة، أو لعله قد اختار ألا يمتلكه — وهذا هو ما يثير اهتمام روز — في مرحلة ما في بداية حياته. حتى تعبيراته، نظراته اليومية، كانت تلك التي يبديها السكارى في أقصى حالاتهم سوءًا من جحوظ العينين، النظرات الشزرة، النظرات النهمة التي بدت جريئة بشكل محسوب، وفي نفس الوقت بدت عاجزة ولاإرادية. هل شيء كهذا ممكن؟

كانت السيدتان اللتان يعيش معهما ميلتون هومر شقيقتَي والدته، كانتا توءمين تُدعيان هاتي وماتي ميلتون، وعادة ما كانتا تُدعيان الآنسة هاتي والآنسة ماتي؛ ربما لصرف الأنظار عن أي وقع سخيف قد يخلِّفه اسماهما. وقد سُمي ميلتون على اسم عائلة والدته، وكان ذلك تقليدًا شائعًا، وعلى الأرجح لم يفكر أحد في ربطه باسمَي اثنين من كبار الشعراء؛ فلم يرد أي ذكر لتلك المصادفة، وربما لم تُلاحَظ. ولم تلاحظها روز إلى أن جاء يوم كانت في المدرسة الثانوية حين نقر الصبي الجالس خلفها على كتفها وأطلعها على ما كتبه في كتاب اللغة الإنجليزية الخاص به. كان قد حذف كلمة «تشابمان» المذكورة في عنوان إحدى القصائد، وكتب بدلًا منها كلمة «ميلتون»، بحيث صار العنوان: «عند النظرة الأولى لميلتون هومر».

كان أي ذكر لميلتون هومر بمنزلة دعابة، ولكن هذا التغيير في العنوان كان بمنزلة دعابة كذلك؛ لما تضمنه من إشارة، ضعيفة نوعًا ما، إلى سلوك ميلتون هومر الأكثر خزيًا. تتلخص القصة في أنه حين كان يقف خلف أحد الأشخاص في طابور أمام مكتب البريد أو دار عرض سينمائي، كان يفتح معطفه ويقدم نفسه، ثم يدفع نفسه للأمام ويبدأ في الاحتكاك. غير أنه بالطبع لم يكن يتمادى كثيرًا؛ إذ كان الشخص ضحية هذا الاحتكاك يبتعد عن طريقه. وقيل إن الصبية كانوا يتحدون بعضهم البعض لكي يجعلوه يتخذ موضعه في الصف، ويبقون أمامه على مسافة قريبة، وفي اللحظة الأخيرة، يقفزون جانبًا ويفضحونه وهو في هذه الحالة.

وعلى أثر هذه القصة — سواء أكانت حقيقية أم لا، وما إذا كانت قد حدثت مرة واحدة فقط بدافع من الاستفزاز أم كانت تحدث طوال الوقت — كانت السيدات يعبرن الشارع بعيدًا حين يرين ميلتون قادمًا، وينبَّه على الأطفال بالبقاء بعيدًا عنه. وكانت فلو تعبِّر عن ذلك بقولها: «لا تدعوا ذلك المعتوه يحوم حولكم.» كان يُسمح له بدخول المنازل في تلك المناسبات التي تشمل طقوسًا وشعائر حين يكون هناك مولود جديد — وهي المناسبات التي تضاءلت مع شيوع الولادات في المستشفى — ولكن في أحيان أخرى كانت الأبواب تُغلق في وجهه؛ فكان يأتي ويطرق الباب، ويركل ألواح الباب بقدمه، ثم ينصرف. ولكن كان مسموحًا له بدخول الأفنية؛ لأنه لم يكن يأخذ الأشياء، وكان بإمكانه إحداث الكثير من التلفيات إذا ما غضب.

بالطبع كان الأمر يختلف تمامًا حين تصطحبه إحدى خالتيه؛ ففي تلك الأوقات كان يبدو بائس المظهر وحسن السلوك؛ كانت كل عواطفه وقدراته، أيًّا كانت ماهيتها، تختفي وتتوارى. كان يأكل الحلوى التي تشتريها له خالته بدون غلافها الورقي، ويقدمها للآخرين حين يؤمر بذلك، مع أن أحدًا لم يكن ليلمس شيئًا قد تكون أصابع ميلتون هومر لمسته، أو بورك بلعابه، سوى أكثر الأشخاص نهمًا على وجه الأرض. رأت الخالتان أنه ينبغي أن يقصِّر شعره؛ فقد كانتا تبذلان أقصى جهدهما لتجعلاه حسن الطلعة، فتقومان بغسل ملابسه وكيِّها وإصلاحها، ويرسلانه للخارج بمعطف المطر والحذاء الطويل المطاطي، أو بقبعة ووشاح من الصوف المغزول، على حسب ظروف الطقس. تُرى هل كانتا على دراية بسلوكه حين يكون بعيدًا عنهما؟ لا بد أنهما سمعتا به، وإذا كانت قد سمعتا، فلا بد أن ذلك سبَّب لهما معاناة لما عرف عنهم من كبرياء وعزة وتمسُّك بالأخلاقيات الميثودية؛ فقد كان جدهما هو من أنشأ مشغل الكتان في هانراتي وأجبر جميع موظفيه على قضاء ليالي السبت في فصل لتعليم الإنجيل يتولى الإشراف عليه بنفسه. كذلك كانت عائلة هومر عائلة كريمة. اعتقد الناس أن بعض أفراد العائلة أيدوا فكرة وضع ميلتون في مصحة علاج نفسي، لكن سيدات عائلة ميلتون لم يكن ليفعلن ذلك، ولم يُشر أحد إلى أن رفضهن كان نابعًا من طيبة القلب.

«إن كبرياءهن ليمنعنهن من أن يضعنه في المصحة النفسية.»

كانت الآنسة هاتي ميلتون تدرِّس اللغة الإنجليزية في المدرسة الثانوية، ولطول فترة تدريسها هناك — إذ تجاوزت مدة جميع المدرسين الآخرين مجتمعين — كانت أهم من المدير نفسه. كانت حادثة تبديل اسم القصيدة الأكثر جرأة وإمتاعًا لأنها حدثت في وجودها. أكثر ما اشتهرت به هو حفظ النظام، وهو ما كانت تفعله دون جهد جهيد، من خلال قوة حضورها المؤثر بصدرها الكبير ونظاراتها ومسحوق التلك الذي يعطرها وبراءة ملامحها، ورفضها إدراك وجود أي اختلاف بين المراهقين (لم تكن تستخدم تلك الكلمة) وبين طلاب الصف الرابع. ذات يوم كتبت قصيدة طويلة على السبورة وطلبت من الجميع نسخها، ثم حفظها عن ظهر قلب، على أن يسردوها غيبًا في اليوم التالي. كان ذلك حين كانت روز في السنة الثالثة أو الرابعة من المرحلة الثانوية، ولم تكن تصدق أن هذه التعليمات يجب أن تؤخذ حرفيًّا؛ فقد كانت تحفظ الشعر بسهولة، ما جعل من المنطقي بالنسبة لها أن تتجاوز عن الخطوة الأولى. فقرأت القصيدة وحفظتها، بيتًا بيتًا، ثم رددتها في عقلها مرتين، وبينما كانت تفعل ذلك، سألتها الآنسة هاتي لماذا لم تقم بنسخها.

فأجابت روز بأنها كانت تعرف القصيدة بالفعل، على الرغم من أنها لم تكن واثقة تمامًا من كون ذلك صحيحًا.

قالت الآنسة هاتي: «أحقًّا تعرفينها. إذن قفي واجعلي وجهك لمؤخرة الفصل.»

فعلت روز ذلك وهي ترتجف جراء ما أبدته من تفاخر.

«الآن رددي القصيدة أمام الفصل.»

كانت ثقة روز في محلها؛ فقد رددتها دون أدنى مشكلة.

ما الذي توقعت أن يحدث بعد ذلك؟ دهشة وإطراءات واحترام غير معهود؟

قالت الآنسة هاتي: «حسنًا، ربما تكونين على دراية بالقصيدة، ولكن هذا ليس عذرًا لعدم تنفيذ ما طُلب منك. اجلسي واكتبيها في دفترك. أريدك أن تكتبي كل بيت ثلاث مرات، وإذا لم تنتهي، فستبقي لما بعد الرابعة.»

واضطرت روز بالطبع للبقاء بعد الرابعة وهي تستشيط غضبًا ومنهمكة في الكتابة بينما كانت الآنسة هاتي تُخرج أدوات الكروشيه الخاصة بها. وحين وضعت روز النسخة المكتوبة على مكتبها، قالت الآنسة هاتي برقَّة كافية مغلَّفة بالحسم: «لا يمكنك أن تمضي وأنت تعتقدين أنك أفضل من الآخرين لمجرد أن بإمكانك حفظ القصائد. من تظنين نفسك؟»

لم تكن تلك هي المرة الأولى في حياتها التي تُسأل فيها روز مَن تظن نفسها؛ بل إن السؤال غالبًا ما يخطر لها كناقوس ذي رنين رتيب ولم تكن تُلقي له بالًا. ولكنها فهمت بعد ذلك أن الآنسة هاتي لم تكن معلمة سادية تتلذذ بتعذيب طلابها؛ فقد أحجمت عن قول ما قالته الآن أمام الفصل. ولم تكن انتقامية؛ فهي لم تكن تنتقم؛ لاعتقادها أن روز قد أثبتت أنها مخطئة. لقد كان الدرس الذي تحاول تلقينها إياه هنا أهم بالنسبة لها من أية قصيدة، وكانت تعتقد حقًّا أن روز بحاجة إليه، ويبدو أن كثيرين آخرين كانوا يعتقدون أنها بحاجة إليه أيضًا.

•••

دُعي جميع طلاب الفصل في نهاية السنة الأخيرة لحضور عرض لشرائح الفانوس السحري في منزل آل ميلتون. كانت شرائح العرض من الصين، حيث كانت الآنسة ماتي، التوءم التي لا تعمل، في بعثة تبشيرية في شبابها. كانت الآنسة ماتي في غاية الخجل، ولذا بقيت في الخلفية تقوم بتشغيل الشرائح، بينما تولَّت الآنسة هاتي التعليق عليها. عرضت شرائح الفانوس صورًا لقرية صفراء، كما كان متوقعًا إلى حد بعيد؛ فكانت التلال صفراء، والسماء صفراء، والناس ذوي بشرة صفراء، والعربات اليدوية، والمظلات، التي كانت جميعًا جافة وذات شكل أشبه بالورق، وهشة، مع خطوط سوداء متعرجة حيث كان الطلاء متشققًا، على المعابد والطرق والوجوه. كانت تلك هي المرة الأولى والوحيدة التي جلست فيها روز في ردهة منزل آل ميلتون، وفي تلك الفترة كان ماو يتولى الحكم في الصين، وكانت الحرب الكورية على أشدها، ولكن الآنسة هاتي لم تقدم أية تنازلات للتاريخ، مثلما لم تقدِّم تنازلات لحقيقة أن أفراد جمهورها كانوا ما بين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من عمرهم.

قالت الآنسة هاتي: «الصينيون وثنيون غير متمدنين، وهذا هو السبب في وجود متسولين لديهم.»

كان هناك متسول يجلس على ركبتيه في الشارع ويمد ذراعيه لسيدة ثرية تجلس في العربة التي يسوقها رجل، دون أن تلقي له بالًا.

قالت الآنسة هاتي: «إنهم يأكلون أشياء لا نستطيع أن نلمسها.» كانت هناك صور لصينيين يغرسون عصيًّا في أطباق. «ولكنهم يتبعون نظامًا غذائيًّا أفضل حين يتحولون إلى المسيحية. فقد كان الرعيل الأول من المسيحيين أطول ببوصة ونصف.»

ظهر في الصور المسيحيون من الرعيل الأول واقفين في صف فاغرين أفواههم، يغنون على الأرجح، يرتدون ثيابًا باللونين الأبيض والأسود.

بعد انتهاء العرض، قُدمت أطباق تحمل شطائر وبسكويتًا وكعكًا، جميعها معدة في المنزل ومذاقها غاية في الروعة. وفي أكواب ورقية صُب كوكتيل من عصير العنب وجعة الزنجبيل. كان ميلتون جالسًا في أحد الأركان مرتديًا سترته الثقيلة الصوفية الخشنة وقميصًا أبيض ورابطة عنق، تساقطت عليها بعض قطرات الكوكتيل وفتات الطعام.

قالت فلو بنبرة يشوبها التهديد قاصدة ميلتون: «يومًا ما سوف ينفجر في وجوههم.» هل كان من الممكن أن يكون هذا هو السبب في قدوم الناس، عامًا بعد عام، لمشاهدة شرائح الفانوس وتناول الكوكتيل الذي كان محور كل الدعابات والنكات؟ ليروا ميلتون بوجنتيه ومعدته المنتفخين وكأنما كان — بسوء قصد — على استعداد لينفث ما في فمه عليهم؟ إن كل ما فعله أنه قد أتخم نفسه بالطعام بكم لا يصدق. بدا وكأنه قد ابتلع مربعات التمر والكعك المحلى وقطع النانيمو وحبات الفاكهة وكعك الزبد، وكعك البراوني معًا، مثلما تلتهم الأفعى الضفادع. كان ميلتون منتفخًا مثلها تمامًا.

•••

كان الميثوديون قومًا يتلاشى نفوذهم في هانراتي، ولكن ببطء؛ فقد ولَّت أيام فصل الإنجيل الإجباري. ربما لم يدرِ آل ميلتون ذلك، وربما كانوا يدرون، ولكنهم كانوا يضعون قناعًا بطوليًّا على انحدارهم؛ فكانوا يتصرفون وكأن شروط التقوى لم تتغير، وكأن صلتها بالرخاء ورغد العيش لم تتغير. كان منزلهم الطوبي، المتخم بالرفاهية، ومعاطفهم بياقاتها ذات الفراء الأنيق الباهت، كلها تصدع بالميثودية، في افتقارها المتعمد للأناقة، وثقلها، وملاءمتها. كان كل شيء يتعلق بهم يبدو وكأن لسان حاله يقول إنهم قد كدُّوا في العمل الدنيوي لأجل الله، وأن الله لم يخذلهم. فلأجل الله كانت أرضية الردهة مصقولة بالشمع حول السجادة الطويلة، والسطور مرسومة بشكل متقن بقلم واضح في دفتر الشيكات، والنباتات الاستوائية مزدهرة، والأموال وجدت طريقها إلى البنك.

لكن وقعت أخطاء في تلك الأيام، وكان الخطأ الذي ارتكبته السيدتان ميلتون يتمثل في صياغتهما عريضة احتجاج تمهيدًا لإرسالها إلى هيئة الإذاعة الكندية تطالبان فيها بحذف البرامج التي تتعارض مع مواعيد الذهاب إلى الكنيسة في ليالي الأحد من خريطة البث: إدجار برجن وتشارلي ماكارثي؛ جاك بيني؛ فريد آلين. وجعلتا الكاهن يتحدث عن عريضتهما في الكنيسة. كان ذلك في الكنيسة المتحدة حيث كانت الطائفة الإنجيلية المشيخية والطائفة الجماعية تفوقان الطائفة الميثودية من حيث العدد، ولم تكن روز قد شهدت هذا المشهد بعينيها، بل وصفته لها فلو. فبعد أن ظلتا منتظرتين، اعتزمت الآنسة هاتي والآنسة ماتي، كلٌّ على أحد جانبي الحشد المُجتَمِع، استقطاب الناس وحملهم على التوقيع على العريضة، التي كانت موضوعة على طاولة صغيرة في رواق الكنيسة. كان ميلتون هومر جالسًا خلف تلك الطاولة. كان لزامًا عليه أن يكون موجودًا؛ فلم تكونا تدعانه يفلت من الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، وكلفتاه بمهمة لتشغلاه؛ فكان مسئولًا عن أقلام الحبر، وكانت مهمته التأكد من أنها ممتلئة ومناولتها للموقعين.

جاء بعد ذلك الجزء البديهي من الخطأ؛ فقد واتت ميلتون فكرة رسم شوارب على وجهه، وقام بذلك بالفعل دون الاستعانة بمرآة، فامتدت الشوارب تلتف إلى وجنتيه الكبيرتين الحزينتين، لأعلى نحو عينيه المحتقنتين بالدم اللتين تطايرت منهما نذر السوء. وكان قد وضع القلم في فمه أيضًا، ومن ثم تلطخت شفتاه بالمداد. باختصار، جعل من نفسه مشهدًا كوميديًّا لدرجة أنه قد صار ممكنًا التعامل مع العريضة التي لم يكن أحد يريدها في الواقع ككوميديا أيضًا، وصار بالإمكان النظر إلى نفوذ الأختين ميلتون، سلالة الميثوديين المؤسسين لمشغل الكتان، كشيء من الماضي. فابتسم الناس وانصرفوا؛ لم يكن هناك شيء يمكن فعله. بالطبع لم تعنفه السيدتان ميلتون أو تحاولا تهذيبه بأي شيء أمام العامة، واكتفتا فقط بتحميله العريضة وأخذتاه إلى المنزل.

قالت فلو: «كانت تلك هي النهاية لاعتقادهما أن بوسعهما التحكم في الأمور.» وكما هو الحال دائمًا، كان من الصعب تحديد أية هزيمة سعدَتْ أكثر برؤيتها؛ هل كانت الهزيمة على الصعيد الديني أم هزيمة التصنع والإدعاء؟

•••

كان الصبي الذي أطلع روز على القصيدة في حصة الآنسة هاتي للغة الإنجليزية في مدرسة هانراتي الثانوية هو رالف جيلسبي، وهو نفس الصبي الذي تخصص في تقليد ميلتون هومر. وحسبما تتذكر روز، لم يكن قد بدأ في مسألة التقليد تلك في الوقت الذي أطلعها فيه على القصيدة، فقد جاءت لاحقًا، خلال الأشهر القليلة الأخيرة له في المدرسة. كان في معظم الحصص يجلس أمام روز أو خلفها، لأن كليهما بدأ اسمه بنفس الحرف. وخلاف ذلك التقارب الأبجدي، كان بينهما شيء أشبه بتماثل عائلي، ليس في الشكل وإنما في العادات أو الميول. وبدلًا من أن يتسبب لهما ذلك في الإحراج، كما كان سيحدث لو كانا أخًا وأختًا بالفعل، جمع بينهما في مؤامرة نافعة. كان كلاهما يفقد جميع الأقلام الرصاص، والمساطر، والمماحي، وسنون أقلام الحبر، والورق المسطر، وأرواق الرسم البياني، والفرجار، والمناقل، اللازمة لحياة مدرسية ناجحة، أو يضعانها في موضع غير موضعها، أو لا يوفران لأنفسهما ما يكفي منها مطلقًا؛ كلاهما كان يلطِّخ نفسه بالمداد، وعرضة لحوادث السكب وتجفيف الحبر؛ كلاهما كان مهملًا في أداء الفروض المدرسية، ولكن يصيبهما الذعر من عدم القيام بها. لذا كانا يبذلان أقصى جهدهما ليساعد أحدهما الآخر، بمشاركة أي موارد بحوزتهما، واستجداء مَن حولهما من الطلاب الأحسن تدبيرًا، والبحث عن الفرض المدرسي لأحد الطلاب لنسخه. نشأت فيما بينهما ما يشبه زمالة الأسرى أو الجنود الذين لا يقوون على الخروج في الحملات، ولا يتمنون سوى البقاء وتجنب المعركة.

لم يكن ذلك هو كل شيء؛ فقد أصبحت أحذيتهما على معرفة وثيقة ببعضها، إذ كانت تشتبك وتتدافع في اشتباكات اتخذت طابعًا وديًّا وخاصًّا، وفي بعض الأحيان كانا يسترخيان معًا للحظات في محاولة للتشجيع المبدئي؛ وكان ذلك العطف المتبادل يعينهما بشكل خاص على اجتياز تلك اللحظات التي كان يتم فيها اختيار طلاب لحل مسائل رياضية على السبورة.

ذات مرة دخل رالف بعد الظهر وقد غطى شعره الثلج، فانحنى للأمام ونفض الثلج على مكتب روز قائلًا: «ألديك مثل تلك القشرة الزرقاء؟»

«كلا، إن قشوري بيضاء.»

بدت تلك لحظة من الألفة في نظر روز، بصراحتها الطبيعية، ودعابات الطفولة المستحضرة. ذات يوم آخر، في ساعة الظهيرة، وقبل أن يدق الجرس، دخلت روز الفصل ووجدته، وسط حلقة من المتفرجين، يمارس تقليده لميلتون هومر. انتابها الدهشة والقلق؛ اندهشت لأن خجله في الفصل دائمًا ما كان يماثل خجلها، وكان من أحد الأشياء التي جمعتهما؛ أما القلق، فكان لخشيتها من أنه قد لا يستطيع النجاح في مهمته ويفشل في إضحاكهم. ولكنه أجاد بشكل رائع؛ فقد اتخذ وجهه الكبير الشاحب الرقيق ملامح اليأس الأحمق الذي كان يظهر على وجه ميلتون؛ وكانت عيناه تجحظان ووجنتاه تهتزان وكلماته تخرج بنبرة رتيبة تنويمية جشاء. كان ناجحًا لدرجة أذهلت روز وأذهلت الجميع أيضًا. ومنذ ذلك الحين بدأ رالف في ممارسة التقليد؛ كان يقلد كثيرين، ولكن ميلتون هومر كان بمنزلة علامته المسجلة. لم تتعافَ روز قط من هاجس ودي فيما يتعلق به، كان لديها شعور آخر أيضًا نحوه، لم يكن حسدًا وإنما نوعًا متقلقلًا من الحنين والتوق. كانت تريد أن تفعل المثل، لا أن تقلد ميلتون هومر؛ إذ لم تكن ترغب في ذلك، وإنما أرادت أن تشبع طموحها بتلك الطريقة السحرية المحرِّرة، أرادت أن تغير نفسها؛ كانت تريد امتلاك الشجاعة والقدرة.

لم يمر وقت طويل على ظهور تلك المواهب علانية قبل أن يترك رالف جيلسبي المدرسة. افتقدت روز قدميه وأنفاسه وأصابعه وهي تنقر على كتفها. كانت تقابله بين الحين والآخر في الشارع، ولكنه لم يكن يبدو نفس الشخص تمامًا. لم يكونا يتوقفان مطلقًا للحديث معًا، فقط يتبادلان التحية وينطلقان مسرعين. ظلَّا سنوات قريبين ويجمع بينهما نوع من التواطؤ، أو هكذا بدا الأمر، واحتفظا طوال تلك المدة بنوع من الألفة الزائفة، ولكنهما لم يكونا يتحدثان معًا قط خارج نطاق المدرسة، ولم يتجاوزا مطلقًا حدود المعرفة بالغة الرسمية أحدهما للآخر، وبدا أنهما لم يستطيعا ذلك الآن أيضًا. لم تُقدِم روز قط على أن تسأله لمَ هجر المدرسة، بل لم تكن تعرف حتى إذا كان قد عثر على وظيفة. كان كلاهما يعرف الآخر كملامح منفصلة، ولكن لم يستطع أحدهما مواجهة الآخر ككيان كامل.

بعد فترة لم تعد روز تراه في الشارع، وسمعت أنه التحق بسلاح البحرية. لا بد أنه كان ينتظر حتى يبلغ السن المناسبة للقيام بذلك. التحق رالف بالبحرية وغادر إلى هاليفاكس. كانت الحرب قد وضعت أوزارها، والقوات البحرية تمارس مهام وقت السلم لا أكثر. وعلى النحو نفسه كان غريبًا بالنسبة لها أن تتخيل رالف جيلسبي في زي البحرية الرسمي، على ظهر مدمرة، وربما يُطلق المدفعيات. كانت روز قد بدأت للتو في إدراك أن الصبية الذين عرفتهم، مهما قد يبدو عليهم من افتقار للكفاءة والمقدرة، سوف يصبحون رجالًا، ويُسمح لهم بالقيام بالأشياء التي كانت تعتقد أنها تتطلب موهبة وصلاحية أكبر بكثير مما لديهم.

في فترة ما قبل أن تهجر المتجر، وقبل أن يسبب لها التهاب المفاصل عجزًا بالغًا، كانت فلو تخرج لمباريات البينجو وفي بعض الأحيان كانت تلعب الورق مع جيرانها في قاعة. حين كانت تعود روز إلى المنزل في زيارة كان الدخول في حديث معها أمرًا عسيرًا، لذا كانت تسأل فلو عن الاشخاص الذين رأتهم في القاعة. كانت تطلب منها أخبارًا عن اثنين من جيلها هما هورس نيكلسون ورانت تشيسترتون، اللذين لم تستطع حقًّا أن تتخيلهما رجالًا ناضجين؛ هل شاهدتهما فلو؟

«هناك شخص أراه هناك طوال الوقت، رالف جيلسبي.»

فقالت روز إنها اعتقدت أن رالف جيلسبي في البحرية.

«كان هناك بالفعل، ولكنه عاد الآن. لقد تعرض لحادث.»

«حادث من أي نوع؟»

«لا أدري. كان ذلك في البحرية. لقد مكث في مستشفى البحرية ثلاث سنوات كاملة. كان عليهم أن يعيدوا ترميمه من البداية. إنه بخير الآن، فيما عدا أنه يمشي بعرج؛ إنه يمشي بصعوبة نوعًا ما.»

«أمر سيئ للغاية.»

«حسنًا، نعم. هذا رأيي أنا أيضًا؛ فأنا لا أحمل أية ضغينة تجاهه، ولكن ثمة بعض الناس في قاعة المحاربين القدماء لديهم شعور سيئ تجاهه.»

«يحملون ضغينة تجاهه؟»

قالت فلو في دهشة وتهكم على روز لعدم وضعها في الاعتبار حقيقة أساسية من حقائق الحياة، وتوجهًا طبيعيًّا للغاية في هانراتي: «بسبب المعاش. إنهم يعتقدون أنه يحصل على ما يكفيه لبقية حياته. أنا أقول إنه لا بد أنه عاني من أجل ذلك. يقول البعض إنه يحصل على الكثير، لكنني لا أعتقد ذلك. إنه لا يحتاج للكثير، فهو يعيش بمفرده. ولكنه لا يعترف إذا كان يعاني ألمًا. مثلي. فأنا لا أعترف. ابكي وسوف تبكين وحدك. إنه لاعب نيشان بارع، كما يبرع في لعب أي لعبة، ويمكنه أيضًا أن يقلد الآخرين ببراعة.»

«ألا يزال يقلد ميلتون هومر؟ اعتاد أن يقلده في المدرسة.»

«نعم يقلده، إنه مضحك للغاية في ذلك. إنه يقلد أشخاصًا آخرين كذلك.»

«ألا يزال ميلتون هومر حيًّا؟ ألا يزال يخرج في العروض والمسيرات؟»

بالتأكيد لا يزال حيًّا، ولكنه هدأ كثيرًا. إنه هناك في دار الرعاية ويمكنكِ أن تريه في يوم مشمس من على الطريق السريع يراقب حركة السيارات ويلعق الآيس كريم. لقد تُوفيت السيدتان.»

«إذن لم يعد يشارك في العروض؟»

«لم يعد هناك عروض ليشارك فيها، لقد تراجعت العروض إلى حد بعيد؛ فجميع أفراد جماعة الأورانج على فُرش الموت، ولن يكون هناك إقبال على أي حال؛ إذ أصبح الناس يفضلون البقاء بالمنزل ومشاهدة التليفزيون.»

•••

في زيارات لاحقة وجدت روز أن فلو قد انقلبت على قاعة المحاربين القدماء.

«لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء المعتوهين.»

«أي معتوهين؟»

«هؤلاء الجالسين هناك يروون نفس القصص الحمقاء ويحتسون الجعة. إنهم يصيبونني بالغثيان.»

كان ذلك جزءًا لا يتجزأ من طبيعة فلو؛ فكان الأشخاص، والأماكن، ووسائل التسلية تدخل دائرة التفضيل فجأة وتخرج منها فجأة. ومع السن صارت الانقلابات أكثر حدة وتكرارًا.

«ألم تعودي تحبين أيًّا منهم؟ ألا يزال رالف جيلسبي يتردد على المكان؟»

«أجل، إنه يحبه لدرجة أنه حاول أن يجد لنفسه وظيفة هناك، لقد حاول أن يحصل على وظيفة بدوام جزئي بالحانة. يقول بعض الناس إنه قد قوبل بالرفض؛ لأن لديه معاشًا بالفعل، ولكن أعتقد أنه رُفض بسبب سوء سلوكه.»

«كيف؟ هل يعاقر الخمور إلى حد الثمالة؟»

«لا يمكنك الجزم بذلك، إنه يتبع نفس النهج، التقليد، ولنصف الوقت تجدينه يقلد شخصًا لا يعرف الوافدون الجدد إلى البلدة حتى مَن هو هذا الشخص، ومن ثم يظنون أن رالف يتحامق لا أكثر.»

«مثل ميلتون هومر؟»

«هذا صحيح. كيف لهم أن يعرفوا أنه من المفترض أن يكون ميلتون هومر، وكيف يبدو ميلتون هومر؟ إنهم لا يعرفون. إن رالف لا يعرف متى يتوقف. لقد ظل يقلد ميلتون هومر حتى بدا أحمق مثله ورفض الجميع منحه وظيفة.»

•••

بعد أن اصطحبت روز فلو إلى الدار — لم ترَ ميلتون هومر هناك، وإن كانت قد رأت أشخاصًا آخرين ظنت أنهم قد قضوا منذ زمن — ومكثت بالمنزل لتنظيفه وتجهيزه للبيع، قام جيران فلو — الذين فكروا أنها لا بد وحيدة في ليلة سبت — باصطحابها إلى قاعة المحاربين القدماء. لم تعرف كيف ترفض، ومن ثم وجدت نفسها تجلس إلى طاولة طويلة في الطابق السفلي للقاعة، حيث تقع الحانة، في نفس اللحظة التي كان يعبر فيها آخر شعاع للشمس حقول الفاصوليا والذرة، عبر ساحة انتظار السيارات المغطاة بالحصى، ويخترق النوافذ العالية صابغًا الجدران ذات الخشب الرقائقي. كانت الجدران تعج بصور فوتوغرافية حملت أسماء مكتوبة بخط يدوي لصقت على إطاراتها. نهضت روز لتلقي نظرة عليها. حرب المائة والستة أيام، قبيل الإبحار مباشرة، ١٩١٥. ثمة صور للعديد من أبطال تلك الحرب، حمل أسماءهم الأبناء وأبناء الأشقاء، ولكن لم يكن وجودهم معروفًا لها. حين عادت إلى الطاولة، كانت مباراة في لعب الورق قد بدأت. تساءلت إن كان النهوض عن الطاولة للنظر إلى الصور قد تسبب في تشويش. ربما لم يسبق أن نظر أحد إليها مطلقًا؛ ربما لم تكن تلك الصور للمشاهدة؛ كانت هناك فحسب، مثل الخشب الرقائقي على الجدران. دائمًا ما ينظر الزوار من الغرباء إلى الأشياء، ويبدون اهتمامًا بها، ويتساءلون من هذا، ومتى كان ذاك، محاولين نفخ الروح في الحوار. إنهم يقدِّمون الكثير، ويرغبون في الخروج بالكثير، وربما كان يبدو الأمر وكأنها تجوب أرجاء المكان طلبًا لاهتمام الآخرين.

جلست سيدة وقدمت نفسها. كانت زوجة أحد الرجال الذين يلعبون الورق. قالت مخاطبة روز: «لقد رأيتكِ على شاشة التليفزيون.» كانت روز دائمًا ما تعمد قليلًا إلى التبرير والاعتذار حين يقول أحدهم ذلك؛ لذا كان عليها أن تُحكِم السيطرة على ما كانت تدركه في نفسها من اندفاع سخيف للاعتذار. وهنا، في هانراتي، كان هذا الاندفاع أقوى من المعتاد. كانت مدركة أنها قد فعلت أشياء لا بد أنها بدت متفاخرة. تذكَّرت أيامها كمحاورة تليفزيونية، وثقتها وسحرها الخادعين؛ وفي هانراتي لا بد أنهم يدركون كم كان ذلك مجرد بهرجة زائفة أكثر من أي مكان آخر. أما عملها بالتمثيل، فذاك شأن آخر. لم تكن الأشياء التي تخجل منها هي تلك التي لا بد أنهم يعتقدون أنها تخجل منها؛ لم يكن الخجل من صدر عارٍ مترهل، وإنما من فشل لم تستطع فهمه أو تفسيره.

لم تكن السيدة التي تتحدث إليها من هانراتي، فقد قالت إنها جاءت من سارنيا حين تزوجت من خمسة عشر عامًا.

«ما زلتُ أجد صعوبة في التعود. والحق أنني أجد صعوبة في التعود عليها بعد الحياة في المدينة. تبدين أفضل في الطبيعة من المسلسل.»

قالت روز: «أتمنى ذلك.» وراحت تحدِّثها كيف كانوا يضعون لها مساحيق التجميل. كان الناس يبدون اهتمامًا بمثل تلك الأشياء، وكانت روز أكثر ارتياحًا بمجرد أن تحولت دفة الحديث إلى التفاصيل الفنية.

قالت السيدة: «حسنًا، ها هو رالف العجوز.» وتحركت لتفسح مكانًا لرجل نحيف أشيب الشعر يحمل بين يديه كوبًا من الجعة. كان هذا الرجل هو رالف جيلسبي. لم تكن روز لتعرفه لو كانت قد قابلته في الشارع، وكان سيبدو غريبًا بالنسبة لها، ولكن بعد أن أنعمت النظر إليه للحظات، لم يبدُ هناك أي تغيير قد طرأ عليه، لم يتغير عن الشخص الذي كان عليه وهو في السابعة عشرة أو الخامسة عشرة، كان شعره الرمادي — الذي كان بنيًّا فاتحًا في الماضي — لا يزال منسدلًا على جبهته، ووجهه لا يزال شاحبًا وهادئًا وكبيرًا بالنسبة لجسمه، تكسو وجهه نفس النظرة الخجولة الحذرة الكتومة. ولكن كان جسده أكثر نحافة، وبدت كتفاه وكأنما انكمشتا معًا. كان يرتدي كنزة ذات أكمام قصيرة بياقة صغيرة وثلاثة أزرار تزيينية؛ كانت زرقاء فاتحة بخطوط طولية باللونين البيج والأصفر. بدت هذه الكنزة لروز تشير إلى أناقة رجل تقدم في العمر، شكل من المراهقة المتحجرة. لاحظت أن ذراعيه هرمتين ونحيلتين وأن يديه ترتجفان بشدة لدرجة أنه كان يستخدمهما معًا لرفع كوب الجعة إلى فمه.

قالت السيدة القادمة من سارنيا: «لن تمكثي هنا طويلًا، أليس كذلك؟»

فقالت روز إنها متوجهة إلى تورونتو غدًا الأحد، ليلًا.

قالت السيدة: «لا بد أن لديك حياة حافلة.» قالتها بتنهيدة كبيرة، لاح فيها حسد واضح كان كفيلًا في حد ذاته بأن يعلن عن أصول صاحبته التي لا تنتمي للبلدة.

كانت روز تفكر أنها ستتجه يوم الاثنين لمقابلة رجل لتناول الغداء وممارسة الحب. كان هذا الرجل هو توم شبرد، الذي عرفته منذ فترة طويلة. في وقت ما وقع في حبها، وكان يكتب لها خطابات غرامية، وفي آخر مرة كانت معه في تورونتو، وبينما كانا معًا في الفراش يحتسيان الجين والتونيك — إذ كانا دائمًا ما يمعنان في الشرب حين يكونان معًا — خطر لروز فجأة، أو علمت، أن هناك شخصًا ما في حياته الآن، امرأة يحبها، وكان يغازلها ويتودد إليها من بعيد، وربما يكتب لها خطابات، وأنه كان هناك حتمًا امرأة أخرى يضاجعها بعنف وقوة في الوقت الذي كان يكتب فيه لها هي الخطابات. كذلك، وطوال الوقت، كانت هناك زوجته. أرادت روز أن تسأله عن هذا؛ عن الضرورة، الصعوبات، الرغبات المشبعة. كان اهتمامها ودودًا وغير انتقادي، ولكن كان لديها من الإدراك ما يكفي لأن تعرف أن السؤال لن يفيد.

تحولت المحادثة في قاعة المحاربين القدماء إلى تذاكر اليانصيب، ومباريات البينجو، والمكاسب. كان الرجال الذين يلعبون الورق — وكان من ضمنهم جار فلو — يتحدثون عن رجل من المفترض أنه قد فاز بعشرة آلاف دولار، ولم يعلن الحقيقة؛ لأنه قد أفلس قبل بضع سنوات ويدين بأموال لكثير من الناس.

قال أحدهم إنه لو كان قد أعلن إفلاسه، لما أصبح مدينًا بأي أموال بعد ذلك.

فقال آخر: «ربما لم يكن مدينًا بها آنذاك. ولكنه يدين بها الآن. والسبب هو أنه قد حصل عليها الآن.»

ولاقى هذا الرأي تأييدًا بشكل عام.

نظرت روز ورالف جيلسبي أحدهما إلى الآخر. كانت هناك نفس الدعابة الصامتة، نفس التواطؤ، الارتياح؛ نفس كل شيء.

قالت روز: «سمعتُ أنك مقلد بارع.»

كان ذلك خطأً؛ لم يكن ينبغي أن تقول أي شيء. فهز رأسه ضاحكًا.

«أوه، هيا. سمعتُ أنك تقلد ميلتون هومر بشكل مثير.»

«لا أعرف شيئًا عن ذلك.»

«ألا يزال موجودًا؟»

«على حد علمي هو موجود في دار المسنين.»

«أتذكُر الآنسة هاتي والآنسة ماتي؟ حين أقامتا عرض شرائح الفانوس السحري في منزلهما.»

«بالتأكيد.»

«لا تزال صورتي الذهنية عن الصين قائمة إلى حد كبير على تلك الشرائح.»

مضت روز تتحدث هكذا، على الرغم من أنها تمنت لو استطاعت أن تتوقف. كانت تتحدث بأسلوب ربما كان سيُعتبر في مكان آخر مسليًا ووديًّا ولعوبًا ولا مغزى من ورائه. لم تتلقَّ استجابة كبيرة من رالف جيلسبي، على الرغم من أنه بدا منتبهًا ومرحِّبًا. وطوال الوقت الذي تحدثت فيه كانت تتساءل عما كان يريد أن يسمعه منها. لقد كان يريد شيئًا بالفعل، ولكنه لم يكن ليقدم على أية خطوة للحصول عليه. وكان لا بد لانطباعها الأول عنه كشخص متملق خجول خجلًا صبيانيًّا أن يتغير. كان هذا هو ظاهره. أما في داخله، فكان مغرورًا، ومستسلمًا لحياة الارتباك والحيرة، ومعتدًّا بنفسه. كانت تتمنى لو تحدث إليها من هذا المستوى، وكانت تعتقد أنه يتمنى ذلك أيضًا، ولكن كان هناك ما يمنعهما.

ولكن حين تذكَّرت روز تلك المحادثة غير المرضية، بدا وكأنها قد استرجعت موجة من الطيبة، والتعاطف، والصفح، على الرغم من عدم التفوه بأية كلمات من هذا القبيل. وبدا ذلك الخزي الذي تحمله معها أينما ذهبت وقد خفَّت وطأته. لقد كان الشيء الذي تخجل منه، في التمثيل، أنها ربما كانت تلفت الانتباه إلى الأشياء الخاطئة، وتجسِّد سلوكيات هزلية تثير الضحك، حينما كان هناك دائمًا شيء أبعد، نبرة، عمق، ضوء، لم تستطع ولم تكن لتستطيع الوصول إليه. ولم تكن شكوكها بهذا الشأن مقتصرة على التمثيل فقط؛ فكل شيء فعلته كان يمكن النظر إليه في بعض الأحيان كخطأ. ولم يكن شعورها بهذا قويًّا مثلما كان حين تحدثت إلى رالف جيلسبي، ولكن عندما فكرت فيه بعد ذلك بدت أخطاؤها غير ذات أهمية. كان لديها من الشجاعة بما يكفي لتتساءل عما إذا كانت مشاعرها نحوه مجرد حميمية جنسية، فضول جنسي؛ لم تكن تعتقد أنه كان كذلك. يبدو أن هناك مشاعر لا يمكن التحدث عنها إلا من خلال ترجمتنا لها؛ وربما لا يمكن التصرف على أساسها إلا من خلال هذه الترجمة؛ لذا فإن عدم الحديث عنها وعدم التصرف على أساسها هو المسار الصحيح الذي يجب اتخاذه؛ لأن هذه الترجمة مشكوك فيها، وخطيرة أيضًا.

لهذه الأسباب لم توضح روز أي شيء آخر عن رالف جيلسبي لبراين وفيبي حين استرجعت احتفال ميلتون هومر مع المواليد أو تعبيره عن سعادة شيطانية وهو على الأرجوحة. بل لم تذكر حتى أنه قد توفي. كانت تعلم أنه قد توفي؛ لأنه كان لا يزال لديها اشتراك في جريدة هانراتي. وكانت فلو قد منحت روز اشتراكًا لمدة سبع سنوات في عيد الميلاد الماضي حين شعرت بأنها مضطرة لتقديم هدية؛ وكعادة فلو كانت تقول إن الصحيفة متاحة لكي يشترك الناس فيها فقط وليس بها ما يستحق القراءة. عادة ما كانت روز تقلِّب صفحات الجريدة سريعًا وتضعها في الموقد، ولكنها رأت الخبر الذي كان في الصفحة الأولى عن رالف:

وفاة ضابط سابق في البحرية

أصيب السيد رالف جيلسبي، ضابط صف بحري متقاعد، بإصابات خطيرة في الرأس في قاعة المحاربين القدماء ليلة السبت الماضي. لم يتورط أي شخص في الحادث، ولسوء الحظ لم تُكتشف جثة السيد جيلسبي إلا بعد مرور عدة ساعات. ويُعتقد أنه قد ظن خطأ أن باب القبو هو باب الخروج واختلَّ توازنه، الذي لم يكن مستقرًّا بسبب إصابة قديمة ألمت به خلال عمله بالبحرية وتركته مصابًا بعجز جزئي.

ومضت الصحيفة تسرد أسماء والدَي رالف، اللذين كانا فيما يبدو لا يزالان على قيد الحياة، وأخته المتزوجة. وقد تولَّت رابطة المحاربين القدماء مراسم الجنازة.

لم تخبر روز أحدًا بذلك، وكانت سعيدة لوجود ولو شيء واحد لم تفسده بإخبار الآخرين عنه، على الرغم من أنها كانت تعرف أن عدم وجود مادة هو ما منعها من التحدث بقدر ما منعها ذلك التكتم المشرف. فما الذي كان يمكنها أن تقوله عن نفسها وعن رالف جيلسبي، عدا أنها شعرت أن حياته — القريبة من حياتها، بل الأقرب إلى حياتها من حياة الرجال الذين أحبتهم — أفضل قليلًا من حياتها؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤