الرسالة السابعة

من الجسمانيات الطبيعيات في أجناس النبات

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ

(١) فصل

اعلم أيها الأخ البار الرحيم — أيَّدك الله وإيانا بروح منه — أنه لما فرغنا من ذكر الجواهر المعدنية وبينَّا طرفًا من كيفية تكوينها وكمية أجناسها وفنون أنواعها وخواص منافعها ومضارها في رسالة لنا، وبيَّنَّا فيها أن آخِر مرتبة الجواهر المعدنية متصلة بأول مرتبة الجواهر النباتية، فنريد أن نتبعها برسالة النبات، ونبيِّن فيها أيضًا طرفًا من كيفية سريان القوى الثابتة فيها، والغرض منها تعديل أجناس النبات وكيفية تكوينها ونشوئها وأسباب اختلاف أنواعها من الأشكال والألوان والطعوم والروائح وأوراقها وأزهارها وحبوبها وبذورها ونموها وعروقها وقضبانها وأصولها من المنافع، فإن أول مرتبة النبات متصلة بأول مرتبة الحيوانية، وآخر مرتبة الحيوانية متصلة بأول مرتبة الإنسانية، وآخر مرتبة الإنسانية متصلة بأول مرتبة الملائكة الذين هم سكان السموات وقاطنو الأفلاك الذين خلقهم الله — تبارك وتعالى — لعمارة عالمه مطيعين في طاعته، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وهم من خشيته مشفقون.

فنقول: اعلم يا أخي بأنك مندوب للقاء ربك، ومبعوث من هذه الدنيا إلى هذه المرتبة، ومقصود بك إليها منذ يوم خُلقتَ، تنتقل من حال أدْوَن إلى حال هي أتمُّ وأكمل وأشرف، إلى أن تَلقَى ربك وتشاهده، فيوفي لك ما وعدك، فمن تلك الحالات ما قد جاوزتَ وشاهدتَ، ومنها ما لم تبلغها بعدُ، وأنك قد أتى عليك حينٌ من الدهر لم تك شيئًا مذكورًا، ثم خُلقتَ نطفة من ماء مهين، ثم نُقلتَ إلى الرحم في قرار مكين، ومكثتَ هناك تسعة أشهر لتتميم البنية وتكميل الصورة، ثم نُقلتَ إلى هذا الجو الفسيح ومكثتَ أربع سنين لإكمال التربية واشتداد القوة، وشاهدتَ بالحواس محسوساتها، وحصل لك الفهم والذهن والتمييز والتفكر والروية والمعرفة الغريزية، ثم أُسلمتَ إلى المكتب وعُلِّمتَ ما لم تكن تعلم من القراءة والكتابة والآداب والرياضيات وحساب الدواوين والكيل والموازين، ثم نُقلتَ إلى مجلس أهل العلم والفضل في المساجد والصلوات والمشاهد والأعياد، وإلى الأسواق والصنائع والأسفار لتشاهد هذا العالم بما فيه من الجبال والبراري والبحار والمدن والقرى والأنهار، وعاينتَ فيه أصناف الخلائق من الحيوان والنبات والمعادن، وعرفتَ تصاريف أحوالها في الحرِّ والبرْد والليل والشتاء والصيف والنور والظلام وتصاريف الرياح والغيوم والأمطار، وعاينتَ دوران الأفلاك وطوالع البروج، ومسيرات الكواكب، وحوادث الأيام، ونوائب الحدثان، كل ذلك كيما تنتبه نفسُك من نوم الغفلة وتستيقظ من رقدة الجهالة، وتتفكر فيما شاهدتَ، وتعتبر ما رأيتَ من أحوال هذه الدنيا.

ولتعلم علمًا يقينًا أنك منتقل من ها هنا إلى حالة أخرى بعد الموت، وتنشأ نشأة أخرى، فكن مستعدًّا للرحلة وتزوَّدْ للسفر قبل فناء العمر وتقارب الأجل، وهو أن تتخلَّق بأخلاق الملائكة، وتتزيَّن بشمائلها، وتترك أخلاق إخوان الشياطين وجنود إبليس أجمعين، وقد بيَّنَّا كيفية ذلك في رسائلنا الإحدى والخمسين رسالة، فاعرف من هناك إن شاء الله.

واعلم أخي — أيَّدك الله وإيانا بروح منه — بأن المصنوع المحكَم يدل على الصانع الحكيم، وإن كان الصانع الحكيم محتجبًا عن إدراك الأبصار، وكل عاقل إذا تأمل أحوال النبات من فنون أشكال أصولها وامتداد عروقها في الأرض وتفرع أغصانها في الهواء، وتقطيع أوراقها في فنون الأشكال وألوان أزهارها من الأصباغ، واختلاف صور حبوبها وأشكال أثمارها من الصغر والكبر واختلاف ألوانها وطعومها وروائحها يتبين له ويعلم علمًا ضروريًّا بأن لها صانعًا حكيمًا؛ لأن عقله يشهد له بأن الأركان الأربعة المتضادَّة القُوَى المتنافِرة الطباع لا تجمع ولا تأتلف ولا تصير على هذه الأوصاف التي تقدَّم ذكرها إلا بقصد صانع حكيم لا يشك فيه، لكن إذا لم يتفكر في كيفية صنعته لِمَ فعل هكذا، ولم يفعل كذا وكذا؟ لا يفهم ولا يدري ولا يتصور له ذلك، فمِن أجْل هذا احتجنا إلى أن نذكر من هذا الفن طرفًا ليزداد علمًا كلُّ مَن يسمعه ويتفكر فيه.

واعلم يا أخي — أيدك الله وإيانا بروح منه — بأن النبات مصنوعات ظاهرة جليَّة لا تَخفَى، ولكن صانعها وعلتها باطنة خفية محتجبة عن إدراك الأبصار لها، وهي التي يُسمِّيها الفلاسفة القوى الطبيعية، ويسمِّيها الناموس الملائكةَ وجنود الله الموكَّلين بتربية النبات وتوليد الحيوانات وتكوين المعادن، ونحن نسميها النفوس الجزئية، والعبارات مختلفة والمعنى واحد، وإنما نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطبيعية، وصاحب الشرع إلى الملائكة ولم ينسبها إلى الله — تعالى — لأنه يَجِلُّ الباري — جلَّ ثناؤه — عن مباشرة الأجسام الطبيعية والحركات الجرمانية والأعمال الجسدانية، كما يجل الملوك والسادة والرؤساء عن مباشرة الأفعال بأنفسها، وإن كانت تُنسَب إليها على سبيل الأمر بها والإرادة لها كما يُقال: بنى الإسكندر السد، وبنى سليمان مسجد إيليا، وبنى المنصور مدينة السلام، إذ كان بناؤها بأمرهم لا يتولَّوْن الأفعال بأنفسهم، فعلى هذا المثال تُنسب أفعال عباد الله إلى الله — جلَّ ثناؤه — كما ذكر هو بقوله — تعالى — لنبيِّه محمد صلى الله عليه وآله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى، وقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ، وقال: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ، وآيات كثيرة في هذا المعنى في القرآن المبين.

واعلم يا أخي — أيدك الله وإيانا بروح منه — بأن العاقل اللبيب إذا تأمل أحوال النبات وتفكَّر فيها واعتبرها، فلا يجد شيئًا منها يخرج عن صورة جنسه أو يتجاوز عن أشكال نوعه؛ وذلك أنه ما رُئيتْ قطُّ ورقة زيتون خرجت من شجرة جَوْز، ولا حبة شعيرة خرجتْ من سنبلة حنطة.

وعلى هذا المثال والقياس سائر أنواع الحبوب والثمار والبقول والحشائش، تراها كل واحدة منها حافظة صورة أبناء جنسها، وشكل نوعها كأنها صُبَّتْ في قوالب مختلفة الأشكال محفوظة الأنواع.

وهكذا حكم كل الحيوانات التامة الخلقة الكاملة الصورة محفوظة صور أجناسها، وأشكال أنواعها في أشخاصها، وذلك أنه ما رُئِي قط خرج مُهْر من رَحِم ناقة، ولا جَدْيٌ خرج من رحم بقرة، ولا كُرْكِيٌّ خرج من بيض نعامة ولا فَرُّوج خرج من بيض حمامة.

وإذا فكَّر العاقل اللبيب في هذه الأشياء، وطلب العلة فيها وبحث عنها، فربما يتخيل له أو يتوهم بأنه ليس في قدرة الصانع غير ذلك، أو يظن أن الهَيُولَى لا تقبل إلا تلك الصورة أو يقول إن الحكمة لا تقتضي غير ذلك، فإن توهَّم وظن أنه ليس في قدرة الصانع غير ذلك، فإن عقله ينكر ذلك عليه؛ لأن مَن يقدر على اختراع مصنوع فهو على تغيير بنيته أقدَر، وإن ظَنَّ أو توهم بأن الهَيُولَى لا تقبل غير ذلك من الصور فكيف وهي موضوعة لقبول جميع الصور، فقد أخطأ، وإن قال إن الحكمة لا تقتضي غير ذلك، فما وجه المنع في الحكمة أن يَخرُج عِجْل من رحم ناقة، أو جَمَلٌ من رحم بقرة أو جَدْي من رحم عنزٍ أو فرُّوج من بيضة حمامة؟ بيِّن لنا ذلك.

واعلم يا أخي — أيَّدك الله وإيَّانا برُوح منه — بأن لكل نوع من النبات أصلًا، فما لأصله كيموس١ ما ولكيموسه مزاج ما، لا يتكون من ذلك المزاج إلا ذلك الكيموس، ولا يتكون من ذلك الكيموس إلا ذلك النوع من النبات، وإن كان يُسقَى بماء واحد وينبت في تربة واحدة ويلحقها نسيم هواء واحد وتنضجها حرارة شمس واحدة، فالهَيُولَى الأولى موضوعة لقبول جميع الصور، ولكن الهيولات الثواني كل واحدة منها لا تقبل الصور إلا بأعيان مخصوصة.

والمثال في ذلك أن التراب والماء موضوعة لشجرة الحنطة ولشجرة القطن، ولكن من القطن لا يجيء إلا الغزل، ومن الغزل الثوب، ومن الثوب القميص وغيره، ومن الحنطة لا يجيء إلا الدقيق، ومن الدقيق العجين ومن العجين الخبز.

فعلى هذا المثال والقياس تختلف أحوال النبات؛ وذلك أن رطوبة الماء ولطائف أجزاء التراب إذا حصلت في عروق النبات تغيَّرتْ وصارتْ كيموسًا على مزاج ما لا يجيء من ذلك الكيموس والمزاج غير ذلك النوع من النبات، وكذلك حكم أوراقه ونَوْره وثمره وحبه.

(٢) فصل

ثم لما كان النبات مختلف الطباع من الطعوم والألوان والروائح؛ لأنها غذاء للحيوان، وكانت الحيوانات مختلفة الطباع جعل كل نوع من النبات غذاء لنوع من الحيوان ودواء لداء يعرض لها، مذكور ذلك في كتب الطب والبيطرة بشرحها.

واعلم يا أخي — أيَّدك الله وإيَّانا برُوح منه — بأن لكل نوع من النبات أربع علل: علة هيولانية، وعلة فاعلية، وعلة تمامية، وعلة صورية.

فأما العلة الهيولانية فهي الأركان الأربعة: النار والهواء والماء والأرض.

وأما العلة الفاعلية فهي قُوى النفس الكلية.

وأما العلة التمامية فإنها من أجْل الحيوان غذاء لها ومنافع.

وأما العلة الصورية فهي أسباب فلكية شرحها يطول، وكل ذلك بإذن الباري — جلَّ ثناؤه، ونريد أن نفصِّل كل علة منها ونشرحها ليكون في ذلك عبرة لأولي الأبصار ومعرفة لأولي الألباب.

وذلك أن أجزاء الأركان إذا اجتمعتْ واختلطتْ وامتزجتْ واتَّحدْت صارتْ هَيُولَى ليتكوَّن النبات، والمسبِّب في اجتماعها واختلاطها هو دوران الأفلاك حول الأركان ومسيرات الكواكب في البروج ومطارح شعاعاتها في جوِّ الهواء نحو مركز الأرض، كل ذلك بإذن الله — تعالى — ولطيف حكمته، فهو الذي خلق الأفلاك وأدارها، وقسم البروج وأطلعها، وصوَّر الكواكب وسيَّرها، وأرسل النفوس ووكَّلها، فتبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين.

وأما كيفية ذلك فنحن نذكرها ونبيِّنها لقوم يعقلون بعون الله وحسن توفيقه إن شاء الله.

واعلم يا أخي — أيَّدك الله وإيَّانا برُوح منه — أن الشمس إذا طلعتْ على آفاق البلاد، وأشرقتْ على جوِّ الهواء، وأضاءتْ على وجه الأرض حَمِيَتْ مياه البحار والأنهار ولطفت أجزاؤها، وصارت بخارًا لطيفًا خفيفًا، وارتفعت في الهواء في جو السماء، حتى إذا بلغت إلى سطح الزمهرير، وجاوزت كرة النسيم بردتْ هناك واجتمعتْ ووقفتْ وغلظتْ وتراكمتْ وصارتْ غيومًا وسحابًا وضبابًا وطلًّا وصقيعًا، وتراكمتْ وساقتْها الرياح إلى رءوس الجبال ووجوه البراري والقفار والقرى والسوادات والمزارع، وهطلتْ هناك الأمطار وابتلَّ وجهُ الأرض، وشرب التراب رطوبةَ الماء واختلطتْ أجزاؤه واتَّحدتْ، فإذا طلعتِ الشمس على وجه الأرض وسخَّنتْها حيث تلك الأجزاء المائية جفَّتْ وأخذتْ ترتقي من قعر الأرض إلى وجهها ورفعتْ معها تلك الأجزاء الأرضية المتحدة بها إلى ظاهر سطح الأرض، ثم إنَّ قُوَى النفس البسيطة التي هي دون فلك القمر السارية في الأركان تُصوِّر من تلك المادة أنواع النبات بفنون أشكالها وألوان أصباغها، كما يعمل الصناع البشريون في أسواق المدن فنون المصنوعات من الهَيُولَيَات الموضوعات في صناعتهم المعروفة، كما بيَّنَّا في رسائلنا.

واعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلية الفلكية البسيطة التي ذكرنا أنها تعمل أجناس النبات وأنواعها هي التي ذُكرتْ في كتب الأنبياء — عليهم السلام — أنها ملائكة الله وجنوده الموكَّلون بها، وذُكر أنه قد ورد في الأخبار المتواترة بأن مع كل ورقة وثمرة وحبة تخرجها الأرض من النبات مَلَكًا موكَّلًا يُربِّيها وينشئها ويحفظها من الآفات العارضة لها إلى أن تتمَّ وتكمل وتبلغ إلى أقصى مدى غاياتها، ومنتهى نهاياتها، كل ذلك بإذن الله خالقها وباريها، وكذلك حكم الحيوانات أجمع، كما ذكر الله — جلَّ ثناؤه — بقوله: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ، ونحن نسمي ما كان منها موكلًا بالنبات النفس النباتية، واعلم يا أخي أن الله — جلَّ ثناؤه — قد أيد النفس النباتية بسبع قُوًى فعالة؛ وهي القوة الجاذبة والقوة الماسكة والقوة الهاضمة والقوة الدافعة والقوة الغاذية والقوة المصوِّرة والقوة النامية.

واعلم يا أخي — أيَّدك الله وإيَّانا برُوح منه — بأن كل قوة من هذه تفعل شيئًا خلاف ما تفعل القوة الأخرى في أجسام الحيوان والنبات، فأما أول فعلها في تكوين النبات فهو جذبها عصارات الأركان الأربعة ومصُّها لطينها وما فيها من الأجزاء المشاكلة لنوع نوع من أصول النبات، ثم إمساكها لها بالقوة الماسكة، ثم نضجها لها بالهاضمة، ثم دفعها إلى أطرافها بالدافعة، ثم تغذيتها لها بالغاذية، ثم النمو والزيادة في أقطارها بالنامية، ثم التصوير لها بأنواع الأشكال والأصباغ بالمصوِّرة، وذلك أن القوة الجاذبة إذا مصَّت نداوة الماء بعروق النبات كما يمتص الحجَّام الدم بالمحجمة، أو كما تمص النار الدهن بالفتيلة، وجذبتْها انجذبتْ معها الأجزاء الترابية اللطيفة لشدة انجذابها، فإذا حصلت تلك المادة في عروق النبات نضجتها الهاضمة، وصارت كيموسًا على مزاج ما شاكلها من الجرم والعروق، وتناولتْها القوة الغاذية، وألصقتْ بكل شكل ما يلائمه من تلك المادة، وزادت في أقطارها طولًا وعرضًا وعمقًا، وما فضل من تلك المادة ولطف ورق دفعتْه إلى فوق في أصول النبات وقضبانها وأغصانها أو جذبتْه الجاذبة إلى هناك وأمسكتْه الماسكة لئلا يسيلَ راجعًا إلى أسفل، ثم إن القوة الهاضمة تنضجها مرة ثانية وتغيِّر مزاجها وكيفيتها وتصيرها مشاكِلة لجرم الأصول والفروع والأغصان ومادة لها، وزادت في أقطارها طولًا وعرضًا وعمقًا، وما فضل منها ولطف ورقَّ دفعتْه إلى فوق إلى أعالي الفروع والقضبان والأغصان، وجذبتْه الجاذبة إلى هناك وأمسكتْه الماسكة، ثم إن القوة الهاضمة طبختْها مرة ثالثة وأنضجتْها وصيَّرتْها على مزاج آخَر مشاكلًا لجرم الورق والنَّوْر والزَّهْر وأكمام الحب والثمر مادة لها، وتزيَّدتْ في أقطارها طولًا وعرضًا وعمقًا، وما لطف منها ورقَّ صيَّرتْه مادة للحب والثمر، وأمسكتْه هناك بالماسكة، ثم إن القوة الهاضمة تطبخها مرة رابعة وتنضجها وتلطِّفها وتميِّزها وتصيِّر الغليظ منها والكثيف منها مادة لجرم القشور والنوى، وتزيد فيها طولًا وعرضًا وعمقًا، وتصيِّر اللطيف الصافي منها مادة للفِّ الحب والثمر وهو الدقيق والدهن والشيرج والدبس، واللون والطعم والرائحة مختلفة طباعها ومنافعها ومضارها وأمزجتها في درجاتها، ولما هي مذكورة في كتب الطب وكتب الأغذية والحشائش بشرحها تركنا ذكرها مخافة التطويل، فهذه الأفعال التي ذكرناها كلها أفعال النفس النباتية الخادمة للنفس الحيوانية المتوسطة بينها وبين الأركان الأربعة، تتناول بعروقها عصاراتها نِيًّا فجًّا ثم تصفِّيها وتطبخها وتُناوِلها الحيوان غذاءً لطيفًا صافيًا لذيذًا هنيئًا مريئًا، كل ذلك لطف من الله — جلَّ ثناؤه — بخلقه وشفقته عليهم ورحمة لهم ورفق بهم، فله الحمد والثناء والشكر والدعاء، ومنه الفضل والنعماء والآلاء والإحسان في الآخرة.

واعلم يا أخي أن النباتات هي كل جسم يخرج من الأرض ويتغذَّى وينمو، فمنها ما هي أشجار تُغرَس قضبانها أو عروقها، ومنها ما هي زروع تُبذَر حبوبها أو بذورها أو قضبانها، ومنها ما هي أجزاء تتكون من أجزاء الأركان إذا اختلطت وامتزجت كالكلأ والحشائش، فهذه الثلاثة الأجناس يتنوع كل واحد منها أنواعًا كثيرة من جهات عدة وصفات مختلفة، نحتاج أن نذكر منها طرفًا ونشرحها ليكون قياسًا على باقيها، ودليلًا من القليل على الكثير، ونبدأ أولًا بذكر الأشجار فنقول: إن الشجر هو كل نبت يقوم على ساقه منتصبًا أصله مرتفعًا في الهواء، ويدور عليه الحول لا يجفُّ، وأما النجم فهو كل نبت لا يقوم أصله على ساقه مرتفعًا في الهواء، بل يمتدُّ على وجه الأرض أو يتعلق بالشجر ويرتقي معه في الهواء كيما يحصل عند ثقل ثماره بتلابيبه كشجرة الكَرْم والقَرْع القِثَّاء والبِطِّيخ، وما شاكَلَها.

واعلم بأن من الشجر ما هو تامٌّ كامل، ومنها ما هو ناقص غير كامل، فالتام الكامل من الأشجار ما كان له هذه التسعة الأجزاء، وهي الأصل والعروق والقضبان والفروع والورق والنَّوْر والثمر واللحا والصمغ، والناقص منها ما ينقص واحدة من هذه الأوصاف وأكثر كشجرة الدُّلْب، وأم غَيْلان، والحلاف، والطرفا، وما شاكلها مما لا ثمرة لها، أو ما لا ورقة لها، أو ما لا نَوْر لها، أو ما لا صمغ لها.

واعلم بأن مِن الأشجار التامة ما هي أتم وأكمل من بعض وتتفاضل في ذلك جهات عدة؛ فمنها ما هو من جهة أصولها؛ وذلك أن منها ما يقوم على أصول، ويرتفع في الهواء ويتفرَّع في الجهات كشجرة التِّين، والتُّوت، واللَّوْز، والجَوْز، وغيرها، ومنها ما يرتفع في الهواء منتصبًا مفردًا مثل شجر النَّخْل والسَّرْو والقنا والصفصاف والسَّاج وغيرها، وهكذا حكم عروقها في الأرض؛ فإن منها ما تنزل عروقه في الأرض كالأوتاد منتصبة، ومنها ما يذهب في الجهات على الاستقامة، ومنها ما ينعطف ويتعوج ويلتفُّ، ومنها ما يُجاور بعضه بعضًا في منابته ويزدحم، ومنها ما ينفرد ولا ينبت تحتها معها غيرها، ومن النبات والشجر ما ورقه وثمرته متناسبات في الكِبَر، واللون، والشكل، واللمس، كالأترجِّ والنارنج والليمون والكِمَّثْرَى والتفاح وما شاكلها، ومن النبات والشجر ما ثمرته وحبه غير مناسب لورقه في الكبر مثل شجر الرمان، والتين، والعنب، والجوز، والنخل وغيرها مما شاكلها، وذلك أن شجرة الأترج مدحرج الشكل ثمرها أخضر اللون لين اللمس مناسب لورقه والنارنج مستدير الشكل مناسب لورقة شجره، والكمثرى مخروط الشكل وكذلك ورقة شجرته، والتفاح مستدير الشكل، وكذلك ورقة شجرته.

وأما ثمرة الرمان فغير مناسبة في الكِبَر لورقة شجرتها، وكذلك التِّين والعنب وغيرهما، وعلى هذا القياس حكم حبوب النبات وبذورها منها ما هو مناسب، ومنها ما هو غير مناسب، كل ذلك لعللٍ وأسبابٍ ومآرب.

(٣) فصل في بيان أجناس النبات من جهة الأماكن

واعلم يا أخي بأن من النبات ما ينبت في البراري والقفار، ومنه ما ينبت على رءوس الجبال، ومنه على شطوط الأنهار وسواحل البحار، ومنه ما ينبت في الآجام والغياض، ومنه ما يزرعه الناس ويغرسونه في القُرَى والسوادات والبساتين والأفرجة.

واعلم يا أخي بأن أكثر النبات ينبت على وجه الأرض إلا القليل منه، فإنه ينبت تحت الماء كقصب السكر والأرز والنَّيْلَوْفَر وأنواع من العكش.

ومن النبات ما ينبت على وجه الماء كالطحلب، ومنه ما ينسج على الشجر والنبات كالكثوثا واللبلاب، ومنه ما ينبت على وجه الصخور، كخضراء الدِّمَن.

ومن النبات ما لا ينبت إلا في البلدان الدفيئة، ومنه ما لا ينبت إلا في البلدان الباردة، ومنه ما لا ينبت إلا في التربة الطيبة، ومنه ما لا ينبت إلا في الرمال وبين الحصى والحجارة والصخور والأرض اليابسة، ومنه ما لا ينبت إلا في الأراضي السبخة المشورجة.

(٤) فصل في اختلاف النبات من جهة الأزمان

اعلم بأن أكثر العشب والكلأ والحشائش ينبت في أيام الربيع لاعتدال الزمان وطيب الهواء وكثرة الأمطار المتقدِّمة في الشتاء، وأما الذي ينبت منها في الفصول الثلاثة فهي قليلة، فمنها ما يزرعها الناس ويتعهدونها بالسقي كالحنطة والشعير والباقلا والعدس وغيرها مما يُزرع في الخريف ويُحصد في الربيع، ومنها ما يُزرع في الشتاء ويُدرِك في الربيع كالقثاء والخيار والباذنجان، ومنها ما يُزرع في الخريف ويستحكم في الشتاء كالجزر والشلغم والكرنب والقرنبيط، ومنها ما يُزرع في الصيف ويُحصد في الخريف كالسمسم والذرة والأرز وغيرها، ومنها ما يُزرع في الربيع ويستحكم في الخريف كالقطن والقنب وغيرها.

واعلم يا أخي أن الباري الحكيم — جلَّ ثناؤه — جعل أوراق النبات زينة لها ودثارًا لثمارها ووقاية لحبوبها ونَوْرها وزهرها من الحرِّ والبرد المفرطين، ومن الرياح العواصف والغبار وشدة وهج الشمس، وجعلها أيضًا ظلالًا للحيوانات وكنًّا لها وسترًا ووطاء وغذاء ومادة لأجسادها وأدوية ومنافع كثيرة، وهكذا حكم ثمارها وحبوبها وبذورها ولحائها وعروقها وأصولها ولبسها وقضبانها وفروعها، كل واحدة من هذه الأنواع ذات منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله، وذُكر منها طرف في كتب الطب وكتاب الحشائش، وما لم يُعلم ولم يُذكر أكثر مما عُلم وذُكر.

واعلم يا أخي بأن من أوراق الشجر والنبات ما هو مستطيل الشكل، ومنه ما هو مخروط الرأس مدوَّر الأسفل، ومنه مستدير الشكل، ومنه سقطي الشكل صليبي، ومنه ليلساني الشكل، وسابوري الشكل، ومنه زيتوني الشكل، ومنه جابوتي الشكل، ومنه ذو الأصابع مقسوم بنصفين، ومنه مثلثات، ومنه مزدوجات متقابلات، ومنه مفردات متجانبات، ومنه واسع عريض طويل، ومنه ضيق العرض قليل الطول ثخين لين، ومنه غليظ خشن، ومنه دقيق أملس شفاف أملس، ومنه طيب الرائحة، ومنه منتن الرائحة، ومنه مُرُّ الطعم، ومنه حلو الطعم، وغيرها من الطعوم.

وأكثر ألوان ورق النبات أخضر، ولكن منها مشبع اللون، ومنها أغبر اللون، ومنها صافي اللون، ومنها كمد اللون، ومنها لون ظاهرها خلاف باطنها، وهكذا حكم ثمارها وحبوبها وبذورها وأنوارها وأزهارها، كل ذلك لعلل وأسباب ومآرب، ذلك تقدير العزيز العليم، وذلك أن من الثمار ما له قشرة رقيقة نسجها حريري شفاف، ومنها ما قشرته غليظة نسجها ليفي موزي، أو غضروفي صلب، أو خزفي يابس، أو شبكي مربع واسع، أو نسيجي كروشي ثخين، ومن الثمار ما في جوف قشرته شحمة ثخينة أو جامدة أو رطبة سيالة عذبة أو حلوة أو عفصة أو مُرَّة أو مالحة أو تفهة أو حامضة أو دهنية دسمة، ومن الثمار ما في جوف شحمه نواة مستديرة الشكل مستطيلة أو مخروطة أو مصمتة أو مجوَّفة أو في داخلها لبة دسمة أو مُرَّة أو حلوة أو طعم آخر من الطعوم التسعة، ومن الثمار ما في جوف شحمه حبٌّ صغار أو كبار، صلب أو رخو، عليها رطوبة لزجة أو تكون قشفة صلبة مختلفة الأشكال، أو مجوَّفة في داخلها لب أو تكون فارغة.

واعلم يا أخي بأن بين أوراق الشجر والنبات وبين ثمارها وحبوبها ونَوْرها وأزهارها مناسبات ومشاكلات في الصغر والكبر أو متباينات متفاوتات من جهات عدة، فمنها من جهة الصورة والشكل، ومنها من جهة اللون والطعم والرائحة، ومنها من جهة اللين والخشونة والصلابة والرخاوة، ومنها من جهة الكبر والصغر والسعة والضيق والثخن والرقة والشفافة والكمد والازدواج والانفراد وغير ذلك مما يطول شرحه، كل ذلك لعلل وأسباب ومآرب لا يعلم كنهها إلا الله — تعالى — الذي خلقها وأبدعها كما علمها.

ولكن نذكر من ذلك طرفًا ونُخبِر بعللها الهيولانية وأسبابها الصورية وأغراضها التمامية؛ ليكون دليلًا على الباقية وتنبيهًا لنفوس الغافلين عن التفكر في غرائب مصنوعات الباري الحكيم — جلَّ ثناؤه — ويكون عبرة لأولي الأبصار الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض والآيات التي في الأنفس والآفاق، وليكون أيضًا إرشادًا لقلوب المتحيِّرين الذين يظنون أنها ليست بصنع صانع حكيم ولا قصد قاصد، بل اتفاق، وينسبونها إلى الطبيعة ولا يدرون ما الطبيعة، وإلى النجوم والأفلاك ولا يدرون كيف ذلك ولم ذلك ولماذا وُجد؟

واعلم يا أخي بأن من الثمار ما هو طويل الشكل مدحرج الخلقة مختلف الألوان على نواة قشرة رقيقة حريرية لينة اللمس صلبة النسج، وعلى هذه النواة شحمة ثخينة عليها قشرة صلبة ملساء، وعلى ظهر النواة نقرة، وفي الجانب المقابل خضرة مستطيلة فيها حشو ليفي، وعلى رأس الثمرة من خارج قِمَعة عليها شظيات متفرقة متشبثة بالثمرة، ومادة هذه الثمرة من قبل النضج عفصة، وبعد النضج حلوة لزجة وهو التمر.

ومن الثمار ما شكله مستدير وخلقته كبيرة، عليه قشرة كثيفة ليفية ثخينة مجوفة من داخل واسعة فيها خزائن مقومة، وفيها دعاص مقسمة عليها حبوب مرصعة أشكالها مخروطة في جوف تلك الحبوب نواة خزفية رخوة في داخلها لبة دسمة، وفي أسفل رأس الثمرة من خارج فتحة مستديرة فيها غشاوة ليفية، وعليها شظيات نابتة وحولها شرفات قائمة مخروطة وهو ثمر الرمان.

ومن الثمار ما شكله مستدير، وشحمته ثخينة في جوفه نواة مستديرة حسن الملمس في داخل النواة لبة دسمة، وهو النبق.

ومن الثمر ما شكله مستدير سفطي، عليه قشرة ليفية ثخينة من داخلها قشرة أخرى خزفية صلبة مجوفة فيها خزائن مقسومة فيها لبة دسمة عليها قشرة رقيقة وبينها حجب منخرقة أقسامها مهندمة، وإذا فصلت هذه الثمرة انفصلت بنصفين كالسفطين، وهي ثمرة الجوز.

ومن الثمار ما شكله مخروط سفطي وعليه قشرة ليفية في داخلها قشرة خزفية صلبة فيها ثقب نافذ فيها فتائل ليفية، وفي داخل هذه القشرة لبة دسمة عليها قشرة رقيقة صلبة، وهي ثمرة اللوز.

ومن الثمار ليس له نوى وعليه قشرة لحمية، وشكله مخروط صنوبري، وفي أسفله ثقبة مستديرة فيها شظيات زيبرية، وفي جوف هذه الثمرة حبوب صغار رخوة وطعم مادته قبل النضج لين أبيض غليظ حادٌّ مُحرق، وبعد النضج طعمه حلو، وهو ثمرة التين.

ومن الثمار ما أشكاله مختلفة مستدير ومستطيل ومدحرج ومخروط ومختلف الألوان؛ أسود وأبيض وأحمر وأصفر وأغبر، عليه قشور رقيقة صلبة ملسة ملصقة بشحمتها، وفي جوف شحمتها حبوب مختلفة الأشكال زيتونية فقاعية مضاعفة ومفردة ومزدوجة وثلاثة أربعة خزفية وعظامية، ومنها صلبة، ومنها رخوة في جوف تلك الحبوب لبة دسمة، ومادة شحمتها قبل النضج حامضة، وقبل ذلك عفصة، وبعد النضج حلوة، وهي ثمرة الأعناب.

ومن الثمار ما أشكاله مخروطة أو صدفية عليها قشور رقيقة ملتصقة بشحمتها، وهي غليظة ثخينة في داخلها نواة خزفية أشكالها صدفية داخلها ملساء فيها لبة دسمة، وألوان هذه الثمار مختلفة وطعمها عذب وحلو ومر وحامض، وقبل النضج كلها عفصة وهي الإجاص والمشمش والخوخ وأمثالها.

ومن الثمار ما أشكاله كرية أو مستطيلة أو مدحرجة، وعليها قشور لحمية غليظة طعم شحمتها حامض، وفي داخلها حب صغار على دعاص مرصعة شبه التلال ما بين خللها لحمة طعمها حامض، وألوان قشرها أحمر وأخضر وأصفر ومادتها قبل النضج عفصة مثل الأترج والنارنج والليمون وما شاكلها.

ومن الثمار ما هي ذات حبة صغيرة، وفي داخلها نواة خزفية، وفي جوفها لبة دسمة مثل الحبة الخضراء والفستق والسماق وحب الصنوبر.

ومن الثمار ما لا ينضج مثل البلوط والعفص وثمر السرو والإهليلج.

واعلم يا أخي — أيَّدك الله وإيَّانا برُوح منه — بأن الباري — جلَّ ثناؤه — لمَّا أبدع الموجودات واخترع الكائنات جعل أصلها كلها من هَيُولَى واحدة وخالف بينها بالصور المختلفة وجعلها أجناسًا وأنواعًا مختلفة متفننة متباينة وقوى ما بين أطرافها وربط أوائلها وأواخرها بما قبلها رباطًا واحدًا على ترتيب ونظام لما فيه من إتقان الحكمة وإحكام الصنعة لتكون الموجودات كلها عالمًا واحدًا منتظمًا نظامًا واحدًا وترتيبًا واحدًا لتدل على صانع أحد.

فمِن أجْل تلك الموجودات المختلفة الأجناس المتباينة الأنواع المربوطة أوائلها بأواخرها وأواخرها بما قبلها في الترتيب وانتظام المولدات، الكائنات التي دون فلك القمر، وهي أربعة أجناس: المعادن والنبات والحيوان والإنسان، وذلك أن كل جنس منها تحته أنواع كثيرة، فمنها ما هو في أدون المراتب، ومنها ما هو في أشرفها وأعلاها.

ومنها ما هو بين الطرفين فأدون أطراف المعادن مما يلي التراب الجص والزاج وأنواع الشبوب، والطرف الأشرف الياقوت والذهب الأحمر والباقي بين هذين الطرفين من الشرف والدناءة، كما بيَّنَّا في رسالة المعادن.

وهكذا أيضًا حكم النبات؛ فإنه أنواع كثيرة متباينة متفاوتة، ولكن منه ما هو في أدون الرتبة مما يلي رتبة المعادن، وهي خضراء الدِّمَن.

ومنها ما هو في أشرف الرتبة مما يلي رتبة الحيوان، وهي شجرة النخل، وبيان ذلك أن أول المرتبة النباتية وأدونها مما يلي التراب هي خضراء الدمن، وليس بشيء سوى غبار يتلبَّد على الأرض والصخور والأحجار، ثم تصيبه الأمطار وأنداء الليل، فيصبح بالغد كأنه نبت زرع وحشائش، فإذا أصابه حرُّ شمس نصف النهار جفَّ، ثم يصبح من غد مثل ذلك من أول الليل وطيب النسيم، ولا تنبت الكماة ولا خضراء الدمن إلا في أيام الربيع في البقاع المتجاورة لتقارب ما بينهما؛ لأن هذا معدن نباتي، وذلك نبات معدني.

وأما النخل فهو آخِر المرتبة النباتية مما يلي الحيوانية، وذلك أن النخل نبات حيواني؛ لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات وإن كان جسمه نباتًا، بيان ذلك أن القوة الفاعلة منفصلة من القوة المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مبايِنة لأشخاص الإناث، ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك للحيوان.

فأما سائر النبات فإن القوة الفاعلة فيها ليست بمنفصلة عن القوة المنفعلة بالشخص بالفعل حسب ما بيَّنَّا في رسالة لنا، وأيضًا فإن النخل إذا قُطعت رءوسها جفَّتْ وبطل نموُّها ونشوءها وماتتْ.

كل ذلك موجود في الحيوان، فبهذا الاعتبار تبيَّن أن النخل نباتي بالجسم حيواني بالنفس؛ إذ كانت أفعاله أفعال النفس الحيوانية وشكل جسمه شكل النبات.

وفي النبات نوع آخر فعلُه أيضًا فعلُ النفس الحيوانية لكن جسمه جسم النبات، وهو الكثوث؛ وذلك أن هذا النوع من النبات ليس له أصل ثابت في الأرض كما يكون لسائر النباتات، ولا له أوراق كأوراقها؛ بل إنها تلتفُّ على الأشجار والزروع والشوك فتمتص من رطوبتها وتتغذَّى بها كما يتغذَّى الدود الذي يدبُّ على ورق الأشجار وقضبان النبات ويقرضها فيأكلها ويتغذَّى بها، وهذا النوع من النبات وإن كان جسمه يشبه النبات، فإن فِعْل نفسه فعْل الحيوان، فقد بان بما وصفنا أن آخر الرتبة النباتية متصل بأول المرتبة الحيوانية، وأما سائر المراتب النباتية فهي بين هذين.

واعلم يا أخي بأن أول مرتبة الحيوان متصل بآخر مرتبة النبات، وآخِر مرتبة الحيوان متصل بأول مرتبة الإنسان، كما أن أول المرتبة النباتية متصل بآخر المرتبة المعدنية، وأول المرتبة المعدنية متصل بالتراب والماء كما بيَّنَّا قبلُ، فأدوَنُ الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط وهو الحلزون، وهي دودة في جوف أنبوبة تنبت تلك الأنبوبة على الصخر الذي في سواحل البحار وشطوط الأنهار، وتلك الدودة تخرج نصف شخصها من جوف تلك الأنبوبة، وتبسط يمنة ويسرة تطلب مادة يتغذى بها جسمها، فإذا أحسَّتْ برطوبة ولين انبسطت إليه، وإذا أحسَّتْ بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصَتْ في جوف تلك الأنبوبة حذرًا من مؤذٍ لجسمها ومفسد لهيكلها، وليس لها سمع ولا بصر ولا شمٌّ ولا ذَوْق إلا الحس واللمس فقط، وهكذا أكثر الديدان التي تتكون في الطين، وفي قعر البحار وأعماق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم؛ لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أنْ لا تُعطي الحيوان عضوًا لا يحتاج إليه جذب المنفعة ودفع المضرة؛ لأنها لو أعطتْه ما لا يحتاج إليه لكان وبالًا عليه في حفظه وبقائه.

فهذا النوع حيوان نباتي؛ لأن جسمه ينبت كما ينبت بعض النبات ويقوم على ساقه قائمًا، وهو من أجْل أن يتحرك جسمه حركة اختيارية حيوان، ومن أجل أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص الحيوان رتبة في الحيوانية، وتلك الحاسة أيضًا فقد يشارك بها النبات؛ وذلك أن النبات له حسُّ اللمْسِ فقط، والدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع الندِيَّة وامتناعه من إرساله نحو الصخور واليبس، أيضًا فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل عنه طالبًا للفسحة والسعة، فإن كان فوقه سقف يمنعه من الذهاب علوَّا، وكان له ثقب من جانب مال إلى نحو تلك الناحية حتى إذا طال طلع من هناك.

فهذه الأفعال تدل على أن له حسًّا وتمييزًا بمقدار الحاجة، وأما حس الألم فليس للنبات، وذلك أنه لم يَلِقْ بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألمًا ولم تجعل له حيلة الدفع كما جعلت للحيوان؛ وذلك أن الحيوان لما جعلت له أن يحس بالألم جعلتْ له أيضًا حيلة الدفع إما بالفرار والذهاب والهرب، وإما بالتحرُّز، وإما بالممانعة، فقد بان بما وصَفْنا كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي النبات، فنريد أن نبيِّن كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسان فنقول: إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليستْ من وجه واحد، ولكن من عدة وجوه، وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدنًا للفَضْل وينبوعًا للمناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان، ولكن عدة أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها ما قاربها بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثير من أخلاقه، ومنها كالطائر الإنساني أيضًا، ومثل الفيل في ذكائه وكالببغاء والهزار ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات والألحان والنغمات، ومنها النحل اللطيف الصنائع إلى ما شاكل هذه الأجناس، وذلك أنه ما من حيوان يستعمله الناس ويأنس بهم إلا ولنفسه قرب من نفس الإنسانية.

أما القرد فلقرب شكل جسمه من شكل جسد الإنسان صارت تُحاكِي أفعال النفس الإنسانية، وذلك مُشاهَد منه مُتعارَف بين الناس.

وأما الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أنه صار مركبًا للملوك؛ وذلك أنه ربما بلغ من أدبه أنه لا يبول ولا يروث ما دام بحضرة الملك أو حاملًا له، وله أيضًا مع ذلك ذكاء وإقدام في الهيجاء وصبر على الطعن والجراح كما يكون الرجال الشجعان، كما وصف الشاعر فقال:

وإذا شَكَا مُهْري إليَّ جراحَه
عند اختلاف الطعن قلتُ له اقدما
لما رآني لستُ أقبَل عُذْرَه
عض الشكيم على اللجام وحَمْحَمَا

وأما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه، ويمتثل الأمر والنهي كما يمتثل الرجل العاقل المأمور المنهي.

فهذه الحيوانات في آخِر مرتبة الحيوان مما يلي رتبة الإنسان؛ لما يظهر فيها من الفضائل الإنسانية، وأما باقي أنواع الحيوانات فهي فيما بين هاتين المرتبتين، فسبحان الخالق البارئ القادر القاهر الحكيم العالِم الذي خلق الخلائق بقدرته وفضَّل البعض على البعض برحمته، وخلق النبات مع اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها ومنافعها مصلحة ومنفعة لخلقه، وخلق الحيوانات الخسيسة والشريفة لنظام العالَم ومعايش الخلائق بوجدانهم، تعالى الله علوًّا كبيرًا.

وإذ قد فرغنا من ذكر مراتب الحيوانية مما يلي مراتب الإنسانية، فينبغي أن نذكر أولًا المرتبة الإنسانية مما يلي الحيوانية.

(٥) فصل في مرتبة الإنسانية

اعلم يا أخي بأن أول مرتبة الإنسانية التي تلي مرتبة الحيوانية هي مرتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات، ولا يعرفون من العلوم إلا الجسمانيات، ولا يطلبون إلا إصلاح الأجساد، ولا يرغبون إلا في رُتَب الدنيا، ولا يتمنَّوْن إلا الخلود فيها مع علمهم بأنه لا سبيل لهم إلى ذلك، ولا يشتهون من اللذَّات إلا الأكل والشرب مثل البهائم، ولا يتنافسون إلا في الجِمَاع والنِّكَاح كالخنازير والحمير، ولا يحرصون إلا على جمع الذخائر من متاع الحياة الدنيا، ويجمعون ما لا يحتاجون إليه كالنمل، ويحبون ما لا ينتفعون به كالعقعق، ولا يعرفون من الزينة إلا أصباغ اللباس كالطواويس، ويتهارشون على حطام الدنيا كالكلاب على الجِيَف، فهؤلاء وإن كانتْ صورهم الجسدانية صورة الإنسان فإن أفعال نفوسهم أفعال النفوس الحيوانية والنباتية، فأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون منهم أو مثلهم وإيانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد.

وأما رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة فهو أن يجتهد الإنسان ويترك كل عمل وخُلُق مذموم قد اعتاده من الصِّبا، ويكتسب أضداده من الأخلاق الجميلة الحميدة، ويعمل عملًا صالحًا، ويتعلم علومًا حقيقية ويعتقد آراء صحيحة حتى يكون إنسان خير فاضلًا، وتصير نفسه مَلَكًا بالقوة، فإذا فارقتْ جسدَها عند الموت صارتْ ملكًا بالفِعْل، وعُرج بها إلى ملكوت السماء، ودخلت في زمرة الملائكة، ولقيتْ ربَّها بالتحية والسلام كما ذكر الله — جلَّ ثناؤه: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ، وقال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وقال تعالى: لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، وقال: ادخلوا الجنة التي كنتم توعدون، وآيات كثيرة من القرآن في هذا المعنى.

وإذ قد ذكرنا طرفًا من كيفية أصول الأشجار وثمارها وأوراقها ذكرًا مجملًا، فنريد أن نذكر أيضًا طرفًا من علل فنون تركيبها والأسباب التي من أجْلها وَجَب أن تكون كذلك ليتبيَّن ما الغرض منها، والعناية الربانية بها والحكمة الإلهية فيها؛ لتكون دليلًا وقياسًا على غيرها مما لا يَعلَم أحدٌ كُنْهَ غاياتها إلا الله الذي خلقها وصوَّرها وأنشأها وأتمَّها لبلوغ غاياتها وتمام نهاياتها.

فمِن ذلك شجرة النخيل فإنها كثيرة العروق دقيقتها بطيئة النشوء طويلة العمر منتصبة الارتفاع مستديرة الأصل، مسدسة مخارج السعف مستطيلة الأوراق مزدوجة مقابل رخو الجرم متخلخلة تركيب الجسم محشو خللها بزيبر رخو ملتف حوله على أصول سعفه ليفات منسوجة موازية طبقات ثلاث.

وأما علة كثرة عدد عروق هذه الشجرة فهي لكيما تجذب بها القوة الطبيعية الجاذبة للمواد الكثيرة، وذلك لشدة حاجة هذا الجنس من النبات إلى المواد الكثيرة لكِبَر جثَّتها وعظم جرمها وطول قامتها وكثرة عدد سعفاتها وأوراقها لكيما تستعمل في جرم أصولها طولًا وعرضًا وعمقًا وبعضها في جرم سعفها مثل ذلك، وبعضها في جرم أوراقها مثل ذلك، وبعضها في ليفها، وبعضها في جرم أكمام طلعها وبعضها في جرم قضبان قنواتها، وبعضها في جرم نواة ثمرها، ودبسها وشيرجها.

وأما العلة في جعل تركيب جسم أصلها رطبًا رخوًا متخلخلًا فلكيما يسهل على القوى الطبيعية جذب تلك المواد من أسفلها إلى أعاليها ورءوس أجذاعها وفروع سعفها وأوراقها، فلو كان جرم أصلها صلبًا متكاثفًا مكتنزًا كسائر الأشجار الطوال كالسَّاج والدُّلْب والسَّرْو، لعَسُرَ على القُوَى الطبيعية جذْب تلك المواد إلى هناك، ولكثرة عدد عروق شجر النخل ولطافته علة أخرى، وذلك أن أصل جرمه لما كان مركبًا من قضبان كأنها خيوطات مجموعة متداخلة جعل لكل خيط منها عروق ممتدة في الأرض تمتص بها المواد إلى ذلك الخيط مفردًا ليسهل على الطبيعة تقسيم تلك المواد على تلك القضبان من أول الأمر، ولما كان تركيب جرم شجر النخل على ما ذكرنا من الرخاوة والتخلخل لفَّتْ عليها الطبيعة سعفات من الليف على أصول مخارج سعفاتها من أجذاعها كأنها مآزر مشدودة على وسط حمَّال متشمِّر؛ كل ذلك لكيما تمسك أصول تلك السعفات على جذوعها، ولا تنفصل عنها عند هزِّ الرياح العاصفة لها، ولا تتصدع تلك الأجذاع من ثقل أعاليها على أسافلها عند مَيَلانِها يمنة ويسرة عند تحريك الرياح لها.

وأما السبب الذي من أجله جُعل على الطَّلْع الغلاف، فلكيما يحفظه ويصونه من الآفات العارضة من البرد والحر المفرِطين والمطر الشديد والرياح والعواصف والغبار وما شاكل هذه الأشياء المُضرَّة بها؛ لأنها تَخرُج رطبة ندية رخصة رخوة، فإذا استحكمتْ واشتدَّتْ انشقَّتْ تلك الأكمام والغلف عنها، وظهرتْ لنسيم الهواء وحرارة الجو لتربو وتسمن وتنضجها حرارة الشمس وتصير بُسرًا ورُطَبًا جنيًّا هضيمًا ثم تجفُّ وتصير تَمرًا ودبسًا جامدًا.

وأما النساجة الحريرية التي على نواه فجُعلتْ حاجزة بين جرم النواة، ودبس الثمرة لئلا يمتص عفوصة جرم النواة وغلظ جوهرها دبس الثمر وشيرجها؛ لأن من طبع جواهر الأجسام الأرضية أن تشرب نداوة الرطوبات الرقيقة الدهنية، وتمتصها، فلو لم تجعل تلك الغشاوة الرقيقة الحريرية النسج هناك لاختلط دبس الثمرة مع جرم نواتها، وقلَّ الانتفاع بها.

وأما الحفرة المستطيلة في جرم نواة الثمرة والفتيلة التي فيها، فإنما جعلت تلك لكيما تجري فيها تلك المواد من أولها إلى آخرها، وتجمد أولًا فأولًا.

وأما النقرة التي على ظهر النواة فإنما جُعلت تلك بابًا ومخرجًا عند الغرس، ومن هناك يخرج العرق النازل في الأرض ليجذب المواد ويمتص النداوة والرطوبة من المغرس، ومن هناك تخرج الطاقة المُورِقة التي تبدو أولًا وتظهر من الأرض عند الغرس ثم تصير أصلًا وجذعًا على مرور الأيام وطول الزمان.

وأما الأقماع التي على رءوس الثمرات فجعلت تلك مصفاة للمواد التي تجذبها القوى الطبيعية إلى هناك وتميز الغليظ من اللطيف، وترسل الليف الرقيق إلى ظاهر جرم الثمرة، وتجمده عليها دبسًا وشيرجًا، وترسل الغليظ الفحل إلى جرم النواة وتجمده عليها.

وأما ثمار الجوز واللوز والفستق وأشباهها، فتفعل بها الطبيعة مثل هذا التمييز سواء، ولكنها ترسل الغليظ الفحل إلى ظاهرها، واللطيف الرقيق إلى باطنها بالعكس مما تفعل في ثمرة التمرة.

وأما ثمرة التِّين والجميز فلم يميز لطيفها من غليظها؛ لأن موادها وكيموسها معتدلان، وليس بين الأجزاء الأرضية والأجزاء المائية كثير تفاوت، فلم تَحْتَجِ الطبيعة أن تميِّزهما وتفصلهما مثل ما فعلتْ في ثمرة التمرة والجوز وما شاكلها من سائر الثمار، بل قد ميَّزت الطبيعة تلك المادة بأجزاء أخرى، فجعلت في داخل الثمرة حبوبًا صغارًا، وعلى خارجها قشرة رقيقة ظاهرة صاينة لرطوبتها من الغبار والقذى.

وأما كيفية تركيب عروق شجرة التين وجرم أصولها وقضبانها وورقها وثمرها فهي على غير تركيب شجرة النخلة؛ وذلك أن عروق التين غلاظ ذاهبات تحت الأرض في الجهات مستقيمًا ومعوجًّا في عمقها، وفيها تجويفات مثل ما في جوف القصب، لكنها أضيق قليلًا، وهكذا تركيب أصول شجر التين وقضبانها وفروعها فيها تجويفات لطيفة، ولها عُقَد مثل عُقَد القصب، وفي تلك التجويفات زيبرية محشوة خللها.

وأما سبب تلك التجويفات التي في عروقها وأصولها وقضبانها فهو لكيما يسهل على القوى الطبيعية الجاذبة جذب تلك المواد من عمق الأرض والتي هي الأجزاء الأرضية ورطوبات مائية إلى أصول أشجارها ورفعها من أسافلها إلى أعالي رءوسها وأطراف فروعها، وجُعلتْ تلك العُقَد في مواضع تلك التجويفات، وحُشيتْ زيبرًا لكيما يسهل على القوة الماسكة إمساك تلك المواد هناك؛ لئلا ترجع إلى أسفل بثقلها، وتبقى هناك تهضمها القوة الهاضمة، وتستعملها القوة الغاذية وتزيد في أجرامها وأطرافها طولًا وعرضًا وعمقًا القوة النامية.

وأما شجرة العنب فقد ركب جرم أصولها وجسم قضبانها تركيبًا غير تركيب شجرة النخل والتين، أما عروقها فتذهب تحت الأرض ممتدة في الجهات دقاقًا وغلاظًا، وفيها تجويفات مثل ما في عروق شجرة التين، ولكن جرم أصولها يمتد طويلًا على وجه الأرض، ولا يكاد يقوم على ساقه مرتفعًا في الهواء كثيرًا كغيره من الأشجار، وعلى ظاهر قضبانه عُقَد وأنابيب ظاهرة مجوَّفات محشوَّة زيبرًا مثل قضبان شجر التين للغرض الذي ذكرنا، وعليها ألْيِفة منسوجة رخوة سلسة، وعند عُقَد قضبانها تخرج شظيات لينة منبثَّة تلتفُّ على الأشجار وتتعلق بها وترتقي عليها لتحل عليها ثقل ثمرتها؛ لأن أصولها دقيقة لا تُطيق حمْلَها، ويخرج من ثمرتها حبات مجتمعة متجاورة متعلِّقة لتغطِّيها ورقة واحدة على عناقيدها غير محتاجة إلى غلاف أو أكمام تصونها من الآفات مثل ما تحتاج ثمرة النخل؛ لأن مثل مادتها غليظة صلبة عفصة لا تعرض لها الآفات كما تعرض لثمرة النخل؛ لأنها تخرج رخوة رخصة ندية تَرِفة تُسرِع إليها الآفات.

وأما تركيب ثمرة العنب وحباتها فإذا نضجتْ تبيَّن عليها هناك قشرة رقيقة حريرية النسج جعلت تلك لتحفظ رطوباتها هناك ودبسها وشيرجها من الآفات العارضة لها من الرياح والغبار، وحرارة الشمس أن تنشف تلك الرطوبات أو تحلِّلها كما تفعل بالمياه المستنقعات، وجُعل في وسط لحمِها عجمات صلبة خزفية مجوفة في داخلها لب دسم هو بذر العنب وبذوره، وإنما لم يَحتَجْ إلى أن يكون بين تلك العجمات وبين دبس العنب غشاوة رقيقة مثل ما بين نواة التمرة ودبسها كما ذكرنا قبلُ؛ لأن تلك العجمات وإن كانت جواهرها أرضية عفصية فهي صغيرة وهي أيضًا رخوة ليست صلابتها كصلابة نواة التمرة وغلظ جوهرها، وعلة أخرى أنها مجوَّفة في داخلها لبٌّ دسم فلم تجفَّ الطبيعة حتى تنشف تلك العجمات بشيرج العنب، ولم تجعل بينهما حاجزًا كما جعلت في خلقة التمرة، وعلة أخرى أيضًا أن دبس العنبة وشيرجها كثير بالإضافة إلى جرم تلك العجمات، وليس حكم جرم نواة التمرة ودبسها مثل ذلك، بل جرم نواتها بالإضافة إلى دبسها وشيرجها كثير، فإن قال قائل أو ظن متوهِّم أن الأشجار تُغرس ولا تحتاج إلى بذر يزرع وبذر يحفظ إلى وقت الحاجة، فما الحكمة في كون عجمات العنب وحبات ثمرة التين وغيرها في جوفها؟! فليعلم هذا القائل بأن الحكمة الإلهية والعناية الربانية لم يذهب عليها هذا المقدار من العلم، ولكن خَفِيَتْ عليك تلك العلة وذلك السبب، فاعترضتْك الشكوك والحيرة والظنون والتخيُّل الفاسد والوهم الكاذب، وقد ذكرنا علَّتَها وسببها وجواب سؤالك في موضع آخر تجده إن شاء الله تعالى.

(تمَّت الرسالة السابعة من الطبيعيات في ماهية النبات، وهي الرسالة العشرون من رسائل إخوان الصفا، وتتلوها الرسالة الثامنة في بيان تكوين الحيوانات.)
١  الكيموس معناه الخلط، وهي لفظة سريانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠