الفصل الأول

علم الأخلاق

(١) ماهية علم الأخلاق ومسائله

كلنا يحكم على بعض الأعمال بأنها خير، وعلى بعضها بأنها شر، فنقول: العدل خير، والظلم شر، وأداء الدَّين إلى صاحبه خير، وإنكار المدين ما عليه شر، وهذا الحكم متداول بين الناس رفيعهم ووضيعهم، عالمهم وجاهلهم، على لسان الفيلسوف في بحثه عن أعمال الإنسان، وعلى ألسنة الصناع في صناعتهم، بل والأطفال في ألعابهم، فما معنى الخير والشر؟ وبأي مقياس أقيس العمل فأحكم عليه بأنه خير أو شر؟

كذلك نرى الناس يعملون أعمالا لغاية يطلبون تحقيقها، والناس يختلفون إختلافا كبيرا في هذه الغايات التي ينشدونها، فبعضهم يطلب المال، وآخر يطلب الجاه، وآخر يطلب العلم وفريق يزهد في كل ذلك ويطلب رضا الله بالعمل الصالح، ويأمل النعيم المقيم في الدار الآخرة، ولكن كثير من هذه الغايات التي يطلبونها ليست هي الغاية الأخيرة، فلو سألت إنسانا لم يعمل هذا العمل؟ لقال: إنه يعمله طلبا للمال، ولو سألته لم يطلب المال؟ لقال: إنه يطلبه ليبني قصرا ويكون أسرة، ولو سايرته في آماله وسألته لم يريد القصر والأسرة؟ لقال: إنه يرغب أن يكون في الحياة سعيدا — إذن — المال والقصر والأسرة ليست غايات أخيرة، إنما الغاية الأخيرة له أن يكون سعيدا — فهل للناس جميعا غاية أخيرة واحدة يطلبونها أو بعبارة أخرى ينبغي أن يطلبوها؟ وما هي؟

عن كل هذا يبحث علم الأخلاق.

فهو علم يوضح معنى الخير والشر، ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضا، ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدها الناس في أعمالهم، وينير السبيل لعمل ما ينبغي.

(٢) موضوعه ومسائله والأعمال الإرادية وغير الإرادية

يؤخذ مما ذكرنا أن علم الأخلاق يبحث عن أعمال الناس فيحكم عليها بالخير أو الشر، ولكن ليست كل الأعمال صالحة لأن يحكم عليها هذا الحكم، فكثير من الأعمال لا يصح أن يقال: إنها خير ولا شر، ولبيان ذلك نقول: تصدر من الإنسان أعمال غير إرادية كالتنفس ونبض القلب ورمش العين عند الإنتقال فجأة من ظلمة إلى نور، فهذه الأعمال تسمى (أعمالا غير إرادية)، وهي ليست من موضوع علم الأخلاق، فلا نحكم عليها بخير ولا شر، ولا يقال: إن الإنسان خيّر لأن قلبه ينبض نبضا حسنا، أو معدته تهضم هضما جيدا، كما لا يقال: إنه شرير لأن قلبه لا ينبض كما ينبغي، ومعدته لا تهضم هضما حسنا، لأنه لا دخل لإرادة الإنسان في ذلك، وكل إنسان يريد أن ينبض قلبه وتهضم معدته على أحسن وجه ولكن إرادته لا أثر لها في ذلك.

وتصدر من الإنسان أعمال بعد التفكير في نتائجها وإرادة عملها، كمن يرى أن بناء مستشفى في بلده ينفع قومه ويخفف مصائبهم فيتبرع بالمال لبنائه وإدارته، وكمن يقدم على قتل عدوه فيفكر في وسائل ذلك ثم ينفذ ما عزم عليه، فهذه الأعمال تسمى «أعمالإ إرادية» وهي موضوع علم الأخلاق، فيحكم عليها بأنها خير أو شر، وعلى فاعلها بأنه خيّر أو شرّير.

وهناك نوع من الأعمال بين الاثنين، فله شبه بالأعمال الإرادية وله شبه بالأعمال غير الإرادية، فهل هو من موضوع علم الأخلاق؟ كما في الأمثلة الآتية:
  • (١)

    من الناس من يأتي أعمالإ وهو نائم، فلو أن أحدهم أشعل نارا بمنزله وهو في هذه الحالة، أو أطفأ نارا كادت تحرق المنزل، فهل هذا عمل إرادي يحكم عليه بأنه خير في الحالة الأولى وشر في الثانية؟

  • (٢)

    قد يصاب إنسان بداء النسيان فيترك عملا كان يجب عليه عمله في وقته، أو يخلف موعدا وعده.

  • (٣)

    قد يستغرق الفكر عمل، كمن يشتغل بحل مسألة هندسية، أو يقرأ في رواية لذيذة، فيلهيه ذلك عن درس واجب أو عمل مفروض.

هذه الأعمال كلها — بالتأمل فيها — نرى أنها أعمال غير إرادية، فليس النائم في المثال الأول قد تعمد إحراق المنزل وقدر نتائجه، لذلك لا يحكم على عمله هذا بأنه خير أو شر، لأنه لا إرادة له، ولا يسأل عنه، وإنما يسأل عنه ويحاسب عليه إذا كان يعلم أنه مصاب بهذا المرض وأنه يأتي أعمالا خطرة وهو نائم، ثم لم يحتط وقت صحوه وانتباهه لما قد يحصل عند نومه، بأن يحول بين نفسه والنار وأدواتها، فهو مسئول خلقيا عن عدم الإحتياط وقت الإنتباه، لأنه شيء إرادي، كان في مكنته أن يحتاط له ثم لم يفعل، وكذلك الشأن في الأمثلة التي ذكرناها ونحوها، فلو أنك نمت وتركت النار مشتعلة في موقد ثم طارت شرارة أحرقت المنزل لا يسمع لقولك: «إن هذه ليست خطيئتي ولست قادرا أن أمنع النار أن ترمي بالشرر وأنا نائم» إذ يقال لك: «إنك عالم أن ستنام، وقد أردت النوم، وعالم أن النار مشتعلة، وكان في إمكانك أن تحتاط وقت انتباهك باطفائها، وعالم أنك ستكون في حالة عدم شعور، فكان ينبغي أن تستعد وقت شعورك لما قد يطرأ وقت عدم شعورك، وذلك باطفاء النار، فنحن إنما نحكم عليك بالخطأ والصواب بالنظر إلى عدم الإحتياط، وهو شىء إرادي».

ومثل ذلك الإتيان بعمل مع الإعتذار بجهل النتائج التي تصدر عنه — وكمن كان يعلم من نفسه أنه حادّ الطبع غضوب، لا يضبط نفسه عند سماع كلمة تؤلمه، فيسب أو يضرب من غير شعور، فلو أنه غشى الجمعيات التي هي مظنة لإثارة غضبه وأتى بما يستنكر كان مسئولا عن عمله، — لما ذكرناه — وكذلك الأعمال التي أعتيدت حتى صار صاحبها يأتيها من غير إرادة، فإنه يسأل عنها، لأن الإعتياد نتيجة عمل إرادي متكرر، فلا يعذر طالب بأنه إنما يدخن لأن التدخين أصبح عادة متمكنة منه، لأنه — على فرض تمكنه كما يدعي — إنما إنغمس في هذه العادة بعد أن دخن جملة مرّات وهو حرّ مختار مريد حتى صارت عادة، وهكذا.

والخلاصة: أن موضوع علم الأخلاق هي الأعمال التي صدرت من العامل عن عمد وإختيار، يعلم صاحبها وقت عملها ماذا يعمل، وكذلك الأعمال التي صدرت لا عن إرادة ولكن كان يمكن تجنب وقوعها عندما كان مريدا مختارا، فهذان النوعان يحكم عليهما بالخير أو الشرّ — وأما ما يصدر لا عن إرادة وشعور، ولا يمكن تجنبه في حالة الإختيار، فليس من موضوع علم الأخلاق.

(٣) التبعة الأخلاقية (المسئولية الأخلاقية)

مما تقدم نفهم أن التبعة لا تكون إلا إذا وجدت الإرادة، فما لا دخل لإرادة الإنسان فيه لا يسأل عنه، ولا يلام عليه، ولا يمدح أو يذم من أجله، فلا يمدح الشخص لطوله، ولا يذم لقصره، من الناحية الأخلاقية، ولا يقال: إنه خيّر لأنه جميل الوجه ولا شرير لأنه قبيحه، لأن هذه الأشياء وأشباهها لا عمل لإرادة الإنسان فيها. وليس يلام الإنسان على سوء صحته، ولا يمدح على حسنها إلا بمقدار ماله من أعمال إرادية في ذلك، كسيره في حياته في نظام صحي أو إهماله ذلك.

كذلك لا يسأل الإنسان عما لم يمنح من ملكات عقلية أو فنيه، فالناس لم يخلقوا جميعا وعندهم استعداد بقدر واحد للرياضة أو للفنون الجميلة، فمن لم يخلق رياضيا لا يكون مسئولا عن ضعفه الرياضي، إنما يكون مسئولا إذا كان عنده الإستعداد الكافي وكان ينقصه المران والجدّ ثم لم يمرن ولم يجدّ وهكذا.

والطفل الرضيع إذا بكى وأسهر أمه طول الليل لا يسأل عن عمله لأنه لا إرادة له، والصيدلي إذا أخطأ فأعطى الممرضة دواء غير المكتوب في تذكرة الطبيب فناولته الممرضة للمريض وهي جاهله به فمات منه كان المسئول هو الصيدلي لا الممرضة، لأنها لا إرادة لها في ذلك، والصيدلي هو المسئول لإهماله في عمله.

فمتى وجدت الإرادة وجدت المسئولية، وما لم توجد الإرادة فلا مسئولية، فالأعمال التي ليس في طاقة الإنسان التحرز عنها والتي غُلب فيها على نفسه لا يسأل عنها، كأعمال المجنون والمغمى عليه، وكذلك أعمال المكره، فمن أمسك بيد آخر واضطره لارتكاب جريمة ولم يستطع المكره بحال أن يقاومه لم يكن مسئولا، إنما المسئول من أكرهه على العمل.

وهنا كثيرا ما يعرض هذا السؤال وهو: هل إرادة الإنسان حرة حتى يكون مسئولا عن عمله؟ هذه المسألة من المسائل المشكلة التي طال فيها الجدل قديما وحديثا، فيذهب بعض الباحثين إلى أن الإنسان مجبر ليس حر الإرادة؛ ذلك لأن إرادة الإنسان تتأثر بشيئين: الوراثة والبيئة، فهو يرث من أبويه ميولا خيره وميولا شريرة، وكذلك تؤثر فيه البيئة التي حوله من بيت ومدرسة وأصدقاء وكتب ونحو ذلك، فمن نشأ من أبوين مجرمين، وورث منهما الميل إلى الإجرام، وشب بين مجرمين وسمع أحاديثهم كان مجرما لا محالة، ولم يكن حر الإرادة فيما يفعل، وليس في استطاعته إلا أن يكون مجرما، وإذا أردت إصلاحه فأصلح البيئة التي يعيش فيها، وأنقله من بيئته السيئة إلى بيئة خيرة، ولكنّ في هذا الرأي غلوا، فإن الإرادة — وإن كانت تتأثر بالوراثة والبيئة إلى درجة كبيرة — فإنها لا تفقد حريتها، وأوضح دليل على ذلك ما نشعر به في أنفسنا من أننا أحرار في الإختيار، وأننا نستطيع أن نعمل الشىء وألا نعمله، فمن كذب شعر من نفسه بأنه كان يستطيع ألا يكذب، ومن أجل هذا يندم على كذبته، ولو كان كذبه محتما عليه ما ندم — ولولا أن إرادة الإنسان حره في اختيار الخير والشر لما كان هناك معنى للتعاليم الأخلاقية — ولكان الأمر بفعل الخير والنهي عن الشر ضربا من العبث، ولما كان هناك معنى للثواب والعقاب والمدح والذم.

وهناك نوعان من المسئولية: مسئولية قانونية، ومسئولية أخلاقية، فالإنسان إذا خالف قانون البلاد كان مسئولا أمام القضاء، وعوقب من أجل مخالفته، وإذا خالف أوامر الأخلاق كان مسئولا أمام الله وأمام ضميره، والمسئولية الأخلاقية أوسع دائرة من المسئولية القانونية: ذلك لأن القانون لا يأمر ولا ينهي إلا إذا استطاع أن يعاقب من يخالف أمره ونهيه بالعقوبات التي نص عليها، أما الأخلاق فسلطانها أوسع، لأن من يتولى لها المثوبة والعقوبة هو الله والضمير، وكلاهما يشرف على الأعمال الظاهرة والباطنة — فالقانون لا يستطيع أن ينهى عن الكذب والحسد لأنه لا يستطيع أن «يسأل» من يرتكبهما، ولو حاول أن يعاقب الكاذب أو الحاسد لارتكب من إضرار الناس بالوشاية والتجسس أكثر مما يصلح، أما الأخلاق فتنهى عن الكذب والحسد وتنهى عن أكثر من ذلك. فتسأل الإنسان عن نياته التي في أعماق نفسه ولو لم يصدر عنها عمل، وتكل مكافأته على نياته الحسنة ومعاقبته على نياته السيئة إلى الله وإلى ضميره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠