الفصل السادس

عبطاء بالعمد والحساب

أسبوع للحضارة المصرية

تلعب في حياتنا الصدف، هذا صحيح، أما أن تلعب الصدف دورًا في الكتابة عن موضوع فذلك ما لم أحسب له حسابًا قط، وهذا ما قد حدث. والموضوع عن آسيا لا يزال، ولكن المشهد سينتقل فجأة إلى برلين، وإذا كانت معرفتنا بآسيا قد عمَّقت معرفتنا بأنفسنا نحن، فمعرفتنا بأوروبا، وفي حدود موضوعنا أيضًا، بالقطع ستُعمِّق معرفتنا بآسيا، وبالتالي بأنفسنا.

والصدف هي التي جعلتْني، قبل أن أنتهي من الكتابة عن آسيا، أجد نفسي مُجبَرًا على السفر إلى برلين، وبرلين ليسَت هي كل أوروبا، ولكن ألمانيا كانت دائمًا وستكون عُقدة أوروبا، بؤرة أوروبا، عُصارة أوروبا المركزة.

وقد يبدو التسلسُل مُضحكًا، ولكن بالتأكيد يَحمل جانبًا من الحقيقة، فلنُحاول إذن أن نفهم بورة أوروبا وعُقدتها لنفهم آسيا أكثر، وأنفسَنا أكثر وأكثر.

بدأ كل شيء طبيعيًّا للغاية، في بريد الصباح وجدتُ خطابًا من ألمانيا، الخطاب دعوة من «الأكاديمية الإنجيلية» لحضور أسبوع «للحضارة المصرية» يُقام في الأكاديمية وتُلقى فيه محاضَراتٌ عن مصر والعالم العربي، وتُقرأ فيه قصص مصرية مترجمة إلى الألمانية، وشعر، وتُعرَض فيه أفلام عربية، تمَّ هناك لقاء مفتوح مع جمهور برلين، ومقابَلات في التليفزيون والإذاعة … إلخ، شيء لا يَكاد يُصدَّق. أكاديمية في برلين وكر المخابَرات والدعايات المركزية والألمانية والإسرائيلية وكل مخابرات في الدنيا، تدعونا، وتفعل من أجلنا كل هذا وعلى حسابها. شيء لا يكاد يُصدَّق، ولكنه الحقيقة، الخطاب واضح وصريح.

رحتُ أفكر، إنها فرصة لأدبنا وحضارتنا وقضيتنا من الحمق أن نَفقِدها. لقد أغلقت ألمانيا الغربية نفسها على ما تقوله إسرائيل، ومنذ سنين، أيكون الأوان قد آن لتستيقظ وتحاول أن تعرف الوجه الآخر للقضية؟

أيكون الضمير الألماني قد بدأ يصحو ويؤنِّب نفسه؛ لأنه تكفيرًا عن ذنبه في حق اليهود أصبح شريكًا في جريمة ضد العرب والفلسطينيين بالذات.

ورفعتُ الدعوة للأستاذ رئيس التحرير والسيد وزير الإرشاد، وجاءت الموافَقة، ولم يبقَ إلا تحديد موعد السفر.

ولكن السفر تأجَّل مرةً بسبب أنه جاء يوم العيد، ومرةً لأن موعد إيقاف إطلاق النار أو بالأصح إلغائه قد حان. وارتبط الشرقاوي بالعمل في فيلم محمد رسول الله. وانشغلَت أنا بالمسرح، وبدأ حماسي للسفر يَفتر، خاصة وقد كنا في يناير وأعرف بشاعة البرودة في الشمال.

ولكني فوجئت بالخطابات تنهال من الطلبة المصريين في برلين على رئيس التحرير وتُحوَّل للدكتور لويس عوض، الذي يلقاني على الغداء معاتبًا لائمًا: كيف لم نذهب وكيف أن الطلبة فيما كتبوا قد قالوا إن «كُتَّابنا» قد أساءوا لسُمعتنا كثيرًا بتخلفهم عن الحضور، وإن الألمان اعتبروا أننا نخاف المواجَهة ونخاف الإحراج، وأن لا بدَّ من السفر.

وسافرنا.

بعثة صغيرة أتشرف برئاستها.

أحسَسنا أننا نكاد نُفلت فرصة للوطن قلَّ أن تعوض، وأن تأنيب الضمير لن يُغادرنا.

وصلْنا إلى برلين، كانت باردة ترتعش، وصرنا نرتعش. وثبت أن ملابس شتائنا التي جئنا بها لا تصلح حتى لصيف الشمال.

وبدأت الصدمات

اكتشفنا أولًا أن الأكاديمية تلك ليسَت بمعناها المرادف تماما في اللغة العربية، ولكنها هيئة أشبه ما تكون بالمجمع اللغوي مثلًا، جماعة الأكاديميِّين اللاهوتيين الذين تُنفق عليهم الكنيسة البروتستانتية. مبنى صغير أنيق قابع في آخر الدنيا. هناك على طرف بحيرة «وانزه» التي انتحر على شاطئها شاعر ألماني لا أذكر اسمه ومعه حبيبته.

والمكان فعلًا يُغري بالانتحار؛ فهو وحيد معزول، بعيد جدًّا عن وسط المدينة، نفسَ بُعدِ حلوان عن قلب القاهرة، التاكسي يأخذ في قطْع المسافة بما يوازي ثلاثة جنيهات مصرية.

المهم، ها نحن وصلنا يا سادة، ها نحن قد وصلنا يا إخواننا الطلبة المصريين، بعثة مكوَّنة من كاتب وشاعر وصحفي، وقد انضمَّ إلينا مفكر جامعي أريب هو الدكتور مصطفى هيكل، وقد جاء من برلين الشرقية ليَحضُر معنا أسبوع الحضارة.

أقيم اللقاء الأول في قاعة الجلوس بالأكاديمية، حضر حوالي الثلاثين شخصًا، تكلمنا عن الأدب والثقافة والالتزام، عن الحرب والسلام، عن اليهود والعرب، عن حركة التحرير الوطني. والإصغاء تامٌّ وجميل، ولا اعتراض بالمرة. هم جميعًا، حتى اليهود منهم، معنا على طول الخط، وكلهم، وبلا استثناء — وهذا هو الغريب في الأمر — مؤمنون بالاشتراكية، بل بالتحديد بالماركسية اللينينية.

أحسست أن في الأمر شيئًا غير مفهوم. قطَعنا كل هذه المسافة، وتركنا المشغوليات والأعمال لنجيء لثلاثين مستمعًا، حتى لو كانوا من الألمان، لثلاثين هم قبل حضورنا معنا!

أقول أحسستُ، وسكت. وجاء موعد لقائي مع الجمهور «العريض» في ليلة ندوتي. كنت خلال الأيام بل ربما الساعات التي مرَّت قد بدأتُ أُلاحظ أشياء غريبة، هذا التعاون المفرط بين الهرميشلر وأكاديميته، وبين كل الطلبة المصريين الذين سُمح لهم بمقابلتنا أو قابلناهم، لكأنه شيء أشبه ما يكون بالتنظيم. بل إن الأكاديمية تُقدِّم لطلبتنا مكان النادي، وترعاهم من كل النواحي! كيف يحدث هذا وأعضاء الأكاديمية باستثناء ميشلر — حسب قوله — ضد مصر والعرب، ومع إسرائيل قلبًا وقالبًا؟ هل يَملك ميشلر كل هذه السطوة على زملائه؟ ولماذا يرتبط طلبتنا فلذات أكبادنا بأكاديمية كهذه، خاصة وهم بعيدون عن المكتب الثقافي ومستشار المكتب الثقافي في بون، الذي دارت هذه الأحداث كلها، وأقيم الأسبوع دون أن يَتكرَّم بحضوره ولو حتى ليُلقي لنا بعض الضوء في وسط كل تلك المعميات؟ المُضحِك أن لا مسئول مصريًّا واحدًا هنا، والهيئة المصرية الوحيدة هي نادي الطلبة المصريين الذي يحتلُّ حُجرةً من مبنى نادي الأكاديمية. لم تعجبْني هذه «الرعاية» حتى لو كانت قادمة من صديق؛ فهو مهما كان أجنبيًّا وباستمرار ستكون الرعاية لمصلحتِه وليس أبدًا لصالحنا.

ثم عرفتُ أشياء: كانت نفس الأكاديمية قد دعت نصَّابًا إسرائيليًّا اسمه أفنيري، محام وصاحب حزب يدعو لتحرير إسرائيل من الصهيونية ويؤكِّد أن هدفه هو إحداث لقاء بين المثقفين العرب والإسرائيليين. أقول نصَّاب لأنك ما إن تبدأ تحك جلده حتَّى يسقط الطلاء البراق في الحال، ويتبين الرجل على حقيقته، وترٌ آخر، ربما من مقام أعلى، هذا صحيح، ولكنه داخل في تكوين الآلة التي تَعزف بها إسرائيل نغمة فرضها لوجودها وأطماعها. آلة تحوي العجب. من الحزب الشيوعي إلى حزب جاحال. لديها لكل أذن في الدنيا بوقها الخاص الذي تَستعذِب سماعه. العلم الإسرائيلي لونه أبيض ولكن وجه إسرائيل له ألف لون، وعلى ما تهوى أنت تتلون.

figure
جندي ألماني.

أفنيري ذهب إلى برلين فاستطاعت هذه الأكاديمية نفسها أن تُقيم الدنيا وتُقعِدَها، حتى لقد بلغت عدد الساعات التي تحدث فيها وظهر في التليفزيون وفي مدة أسبوع واحد ثلاثين ساعة، غير عشرات الأحاديث واللقاءات والندوات ولقاءات الميكرفون.

أنكون إذن «ديكور» عدالة؟!

في صمتٍ جاءوا بنا. في آخر الدنيا على بحيرة «وانزه» أبعدونا، سرِّية زيارتنا أو تكاد! خبر واحد في أية صحيفة لم يُنشر عن الأسبوع ولا عن حضور البعثة. هكذا بدأتُ أسأل «باستور» ميشلر عن حكايته بالضبط، ولماذا هو مُتحمِّس يا ترى لنا؟

الشخصية الألمانية القهرية

والهر ميشلر رجل قارب الستين ولكنَّه جم النشاط، تبدو عليه الطيبة ولكنَّكَ لا تدري لماذا تتردَّد دائمًا في تسليم حسن نيتك لطيبته. هو في رأيي مثال نموذجي لهذا الجيل من الشعب الألماني. الجيل الذي عاصر هتلر وعاش الحرب ونجا بطريقة أو بأخرى من الهلاك.

والشخصية الألمانية، وقد جاء أوان الحديث عنها، شخصية نادرة التكوين بلا شك. وإذا كان استنتاجي صحيحًا فلا بدَّ أن كل شعب من الشعوب له شخصية وملامح نفسية تتشابه إلى حدٍّ بعيد مع النماذج والملامح النفسية التي ينقسم إليها الأفراد العاديون أنفسهم.

هناك أربعة نماذج بشرية معروفة ينقسم إليها الناس العقلاء الأصحاء؛ هناك الشخصية الشيزودية الميالة للانطواء على الذات والازدواج. وهناك الشخصية البارانودية التي تُسيطِر عليها فكرة واحدة مُتسلِّطة تَصبغ كل أقوالها وأفعالها، وهناك الشخصية المَرِحة الاكتئابية التي يحكم مزاجها موجات مرحٍ واكتثاب، وأخيرًا هناك الشخصية القهرية التي يتسلط عليها ويحكمها ويُسيِّرها عدد الهواتف القهرية النابعة من داخل صاحبها.

إذا كان القياس للشعوب صحيحًا؛ فالشخصية الألمانية هي من ذلك النوع الأخير، النوع اﻟ oussive خاضع خضوعًا كاملًا لقهر الإحساس بحتمية النظام والانتظام والدقة والكمال، حتمية العمل لا كمصدر لأكل العيش أو التمتُّع بالمركز، إنما كطريقة وحيدة لإثبات الوجود. إنَّ الألماني إذا لم يعمل يُجنُّ أو يموت.

هذه شخصية في الغالب لا يُمكن أن تخضع للعاطفة أو نزواتها، إنما تُسيِّرها إرادة عقلية كاملة. ومن العبث أن تُحاول إثارة عواطف الألماني بوسائل عاطفية، إنه لا يَملك إزاء شيء كهذا إلا الضحك سخرية؛ فحتى عواطفه لا يُمكن أن تصل إليها إلا من خلال عقله. إنه كالعقل الإلكتروني الذي لا يستجيب لأي مؤثِّر سوى «البروجرام» الذي يُغذى به، هذا البروجرام يمضي ينفذه الألماني بالضبط كما أنزل وإلى الأبد، ما دام لم يقع شيء أو يُواجَه بمشاكل تدعوه إلى إعادة التفكير حتى يصل إلى مفهوم جديد آخر يَمضي يُنفِّذه بكل ما يملك من ذرة قدرة حتى يتغير مفهومه بمفهوم آخر وهكذا.

هذا النوع بالذات يكاد يكون عكس نوعنا نحن المصريين؛ فنحن من النوع المرحي الاكتئابي، المتنقِّل دومًا من موجة مرح إلى موجة اكتئاب وهكذا. المسيطر على حياة نوعِنا ليس هو الإرادة النابعة من مفهوم عقلي للحياة، إنما المسيطر في الغالب يكون العاطفة. حتى القضايا العقلية المحضَة لا سبيل إلى إيصالها لعقل المصري إلا بأن «ينفعل» بأهميتها عاطفيًّا. عقله قادر على الفهم والاستيعاب والاقتناع هذا صحيح، ولكنه أبدًا لا يحول اقتناعه هذا إلى عمل إلا فقط حين يتحرَّك عاطفيًّا أو يرتبط بهذا المنطق أو الرأي ارتباطًا، مهما كانت سلامة الرأي أو معقوليته. العمل بالنسبة لشخصيتِنا في الغالب عبء، تفرضه احتياجات الحياة، ننتهي منه بأسرع ما نَقدِر لنتفرَّغ لمهمتنا الرئيسية؛ أن نسعد ونحيا بسعادة، أن نضحك ونمرَح ونُفرفِش، باختصار أن نعيش. عند الألماني نوع الحياة غير مُهمٍّ بالمرة، المهم هو نوع وكم العمل، هنا اهتمامنا الأساسي منصبٌّ أولًا على كيف نحيا الحياة، وفي الدرجة الثانية أو حتى الثالثة يأتي الاهتمام بالعمل. الزمن مثلًا مهم جدًّا في ألمانيا لأنه مقياس العقل للحياة. الزمن عندنا غير مُهمٍّ لأن لكل منا زمنه الخاص، بل حتى لمزاج كلٍّ منا زمنه الخاص. و«ساعة الحظ ما تتعوضش»؛ إذ مقياس الوقت ليس هو كميته ولكن المقياس الحقيقي للوقت هو نوعه، ومقياس الحياة هو مقدار ما تحتويه من ساعات مُتعة وليس ما احتوته من ساعات كدح وإنتاج. نحن في الحقيقة نكره العمل؛ لأنه يمنعنا أن نحيا، وهم يموتون عملًا؛ لأن العمل لديهم — في حدِّ ذاته — أحلى مُتَع الحياة، أسعد لحظات الحياة.

أبدًا ليس صدفة

ولقد ذهبتُ لألمانيا بعد عودتي من اليابان، وها أنا ذا أصل لاعتقاد راسخ أن مِحوَر «ألمانيا-اليابان» لم يَقُم صدفة أبدًا، ولم يتحالف الجرمان مع الأقزام السمر ضد الأنجلو ساكسون والسلوفاك عبثًا.

بل الحقيقة تكاد تتَّضح لعيني الآن، إنه تحالف المتطرِّفين ضد أوروبا السوية، وكان طبيعيًّا جدًّا وقد قفزتْ إلى قمَّة الوجود شخصية متطرِّفة أخرى، أمريكية هذه المرة، أن يحدث هذا التلاقي بين الثلاثة ويُصبح محور «أمريكا-ألمانيا-اليابان» أعتى معاقل الرأسمالية في كل تاريخها، على استعداد لمواجهة العالم كله.

ولقد استعملت التطرف هنا بهدف التخفيف؛ فالواقع أنه ليس تطرُّفًا؛ فلقد ذكرت أن هذه الأنواع البشرية موجودة في حالة كونهم أصحاء عقليًّا، إذا تكاتفَتِ الظروف واحتدَّت وبدأت الشخصية تمرض مرضها المقابل المحدَّد، فالشيزودية تُصاب بالشيزوفرينيا، والبارانودية تصاب بجنون الفكرة الثابتة، وهكذا.

وبكل المقاييس العلمية إذا طبَّقناها فلا يُمكن اعتبار الشخصية الشيزودية اليابانية والقهرية الألمانية شخصيات عادية. لقد تآمَرَت ظروف كلٍّ منهما الخاصة لتدفَعَ بمُؤشِّر التوازن كثيرًا أو قليلًا تجاه المرض. هناك شعوب أخرى تَنضوي تحت بند الشخصية القهرية، وكذلك الشيزودية، ولكنها أبدًا لا يُمكن أن يبلغ بها الأمر هذا الحد غير العادي الذي وصلتا إليه.

ظروف العُزلة في اليابان، والإحساس أنهم الأقل قامة وشكلًا وحضارة من آسيا والصين، ظروف ألمانيا التي مكَّنَتْها شخصيتها من أن تتفوَّق دائمًا وتُحاول التسيُّد على القارة أو العالم، بحيث يتكتَّل الجميع، أكثر من مرة ضدها، بهذه الظروف كلها لم تَعُد الشخصية اليابانية مجرد شخصية شيزودية، ولا الألمانية مجرد نمط قهري. لقد نما الازدواج في اليابانية حتى بلغ مرحلة الإحساس الخطير بمركب النقص الذي يكاد يدفعها إلى الانتحار عملًا وقوة طلبًا للتفوُّق، وبلغ مرحلة الإحساس الخطير بمركب الكمال في ألمانيا إلى حد الإيمان الأعمى بالنفس، والكفر الأعمى بالآخرين، إلى حالة المرض. والغريب أنه، وكلاهما على طرفَي نقيض، هذا يريد الانتحار تفوقًا أو التفوق انتحارًا، وهذا يريد الانتحار كمالًا، يَلتقيان لقاءً مُروِّعًا مخيفًا، لقاء المرضى بالكمال وبالتفوق، لقاء الحاسين بالسيادة على الدنيا فعلًا بأولئك المُتطلِّعين إليها.

لقاء دائمًا تترتب عليه أوخم العواقب، حتى الهزيمة العسكرية الساحقة لا تكفي لكسر المحرِّك المخيف المريض الذي يُلهب كيان الشخصية كلها فتكاد تصوم عن الحياة، وتَعمى عن أيٍّ مما فيها إلا عن هدف إثبات التفوق أو فرضه فرضًا. تَهزمُهم الدنيا عسكريًّا وتنزع من أياديهم المريضة لعبة السلاح التي كلَّفتْ عالَمنا ٤٠ مليونًا من الضحايا، فيُوافقون وهم يخفون الابتسامة في الأكمام. فإذا كنا انهزمنا في مباراة القوة؛ فتعالوا لنُلبسَ قوتنا ثوب التمدين ونتبارز رأسمالًا وصناعة، وتحلُّ الهزيمة الساحقة برأسمال لا تُغذِّيه إرادة مرضية، وينهار المتسابقون واحدًا إثر الآخر، ولا يبقى في الساحة إلا ذوو الدوافع غير البشرية، غير السوية، غير العاقلة، للتفوق والإنتاج؛ أمريكا وألمانيا واليابان. بل حتى ليبدأ التسابق المخيف الآخر بين المرضى أنفسهم، تسابُق أناني شرير هدفه انفراد الواحد منهم بسيادة البشرية جمعاء.

ومع هذا، ولأن هناك معسكرًا آخر، فالرغبة في الانفراد لا تمنَع تكاتُف الجميع، والرأسمال الياباني نافذ على الألماني، والاثنان كتلة واحدة مع الأمريكي. السمة الرأسمالية واحدة، ولكن الضحية هي شعوب هذه البلاد التي يَصرعها، يجردها من إنسانيتها، يُنمي فيها الأثرة والأنانية والعداء للآخرين؛ هذه الآلة الرأسمالية الجهنمية وهي تعمل، وبمعدل مخيف، وبالعلم والعلماء قد اشتروهم تمامًا يُسخِّرون لهم كل حقائق العلم الإنساني، كل آفاقه، كل انتصار على قوى الطبيعة، يسخر لهم هذا كله ليُغذي هذا الجوع المرضي الشهواني لامتلاك العالم في قبضة يد وتحت تصرُّف ضغطة إصبع، إصبعي، أحرك الدنيا بسبابتي أنا، حتى لو كانت الحركة إلى الجحيم.

ألا يكون من نعمة الله على بشره أن العالم ليس ساحة خالية يرقص فيها المجانين الثلاثة رقصة الحياة الموت الجنون. وأن هناك معسكرًا آخر نشأ لكنه، إنسانيًّا جاء، وإنسانيًّا يعمل، الصين قادمة، وألمانيا الديمقراطية، تشيكوسلوفاكيا، يوغوسلافيا، الاتحاد السوفييتي الثاني في الإنتاج، الصناعة الإنسانية أيضًا تمضي، تقف، تُلاحق خطو المجانين. بيدها تأخذ بيد العالم الثالث، عِلمها غير أناني، اكتشافاتها لا يحتكرها بيت عريق في عدائه للإنسان، إنما هي ملك لنا ولهم وللدنيا لو أرادت.

ضاع الأمان

برلين.

فجأة أحسستُ أني في فيلم من أفلام الجاسوسية وجيمس بوند، فقدتُ الأمن، أغرب الإجابات جاءتْني، وليست آخرها حين سألت الهرميشلر لماذا يَصنع هذا كله؟ لم تأتني إجابة شافية واحدة، كل مرة كانت الإجابة مختلفة، هذه المرة قال: بصراحة أنا لا أفعل هذا حبًّا في مصر والعرب فقط، إني إنما أقوم به محافظة على اليهود أنفسهم. إني فيما أرى أنهم لو اعتمدوا على القوة فقط كي يَفرِضوا وجودهم فالمُحتَّم أن يعمد العرب، بالغريزة حتى، إلى القوة، وقد يطول الزمن ولكن النتيجة أن يُهزَم اليهود في النهاية ويؤدي فرض الوجود هكذا إلى استئصال الوجود. أنا إذن من أنصار التعايش والتفاهم مع العرب.

ولأني لم أجد في ملامحه الطيبة أي إشارة تؤكِّد صدقه أو تنفي، فقد سكت. ولم أشأ أن أجادل.

نحن إذن لسنا فقط ديكور عدالة.

ولكن نجيء لأن مصلحة اليهود في المدى الطويل تَقتضِي هذا المجيء.

وهكذا عرفت حقيقة أخرى عن الشخصية الألمانية؛ أن تركيب الشخصية القهرية يُحتِّم أن يكون إيمان الشخص كاملًا بالجهاز الذي يُحركه وبالبروجرام الذي يُغذيه. وإيمان الشخصية الألمانية بقدراتها إيمان يبلغ حد العبط أحيانًا، أو بالضبط حد الغباء. إن الغباء الألماني المشهور ليس هو الغباء نتيجة قلة الذكاء أو الحيلة، ولكنه نتيجة لتولي الشخصية الألمانية نفسها مهمَّة إلغاء كل قدرات العقل التلقائية على التصرُّف، فهم لا يعترفون أبدًا بما يُسمى لدينا فكرة اللحظة أو وحي الساعة. ما لم تكن الفكرة قد نشأت ونُوقِشت واطمأنَّ الشخص تمامًا إلى سلامتها بحيث يَركبها في عقله وتُصبح جزءًا من برنامج هذا الجهاز الإلكتروني، فإنه أبدًا لا يُمكن أن يحفل بها أو يُنفِّذها. لقد اختصروا وظائف كثيرة من وظائف العقل بحيث لم يَعُد له إلا وظيفة أن يُناقِش ويَقتنع أو يقنع. وحاولوا بالنظام المطبق والقانون أن يُجنِّبوا إنسانهم حاجته إلى التصرُّف الفردي أو المبتكر أو التلقائي. وهكذا فإنه رغم دقة نظام المرور مثلًا وصرامته فحوادث المرور هناك أكثر منها هنا، السائق المصري باستطاعته إذا لمح الخطر أن يتصرَّف، ربما حسبما تعلَّم أو تعوَّد، وربما يبتكر التصرف نفسه ابتكارًا. السائق الألماني إذا رأى الخطر ماثلًا ولم يكن لديه فيما يعرفه من نظام وقوانين للطريقة التي لا بدَّ عليه اتباعها لمواجهة ذلك الخطر فإنه لا يقدم على أي تصرف بالمرة، ويظل ماضيًا إلى الخطر حتى الكارثة، كأنه بطل تراجيديا وليس إنسانًا من أهم ملَكاته قدرته على التصرف اللحظي المُبتكَر.

ذلك الاختناق

وجاءت ليلة الندوة.

وكان عليَّ بعد قراءة أعمالي أن أُلقي كلمة.

كنت أعلم أني هنا في فم الأسد، وأنه نفس الجمهور الذي أحاط بنا من أول لحظة لوصولِنا وكأنما ليكون حزامًا محيطًا حولنا أو حائطًا آخر لبرلين. ازداد عددُه حتى قارب المائة، هذا صحيح، ولكن النوع أبدًا لم يتغيَّر. إنه جمهور مختار ومُنتقًى بعناية بحيث كلماتنا إن نفَذت فإنما تنفذ إلى أدمغة مطعَّمة تمامًا ضد أي نفاذ، أو تَنفذ إلى أدمغة نحن بغير حاجة إليها؛ لأنها أدمغة غير محايدة.

ومع هذا فقد كان لا بدَّ أن أُواجههم بالحقيقة، كيف يَصنعون بمجيئنا مسرحية جيدة الإخراج كعادة الألمان، مُختارة الجمهور بحيث يَنتفي دور الجمهور، عرضها يتم سرًّا حتى لا يتسرَّبَ خبرها إلى المواطن الألماني العادي، ونحن لا نعرف أيضًا كيف تتسرَّب؛ فجمهورنا هو حراسنا، واختلط الحابل بالنابل، والمعالم تاهت، والإنجيلي يُحدِّثك وكأنه مصري، والمصري وكأنه إنجيلي. والعرب كلٌّ في طريقه، وكلٌّ فقَد الثقة في الآخر، وكلٌّ يكيل الاتهامات للآخر، وعليك في النهاية أن تختار حزبًا من أحزاب أيِّ مخابرات تشاء، وتتَّهم به غيرك أو يتهمك غيرك به.

figure
شيلوك تاجر البندقية.

قلت الحقيقة هذا صحيح، كل الحقيقة، بادئًا بأني لم أقبل المجيء إلا بناءً على الخطاب الذي أرسله الطلبة المصريون، ولولاه ما جئنا.

قلت كيف أحسُّ لأول مرة في حياتي أني أختنق اختناقًا حقيقيًّا في برلين «الحرة»، وأن دكتاتورية إكسل شيرنجر أبشع ألف مرة من دكتاتورية الساذج الجعجاع جوبلز، حتى يسارُكِ يا «برلين» لا يُثلِج القلب، ٣٣ منظمة يسارية تتطاحن وتتحارَب! ما أسعد اليمين بهذا اليسار إذن! وما أذكى المخابرات الأمريكية وهي بعدُ لم تَعُد تتنكَّر في أحزاب الرجعية والعمالة المكشوفة، ولكن ما دام اليسار هو المودة بعد ثورة الشباب عام ٦٨، فليكن التنكُّر يساريًّا متقنًا، وليكن داعرًا أيضًا، ولتُقِم جامعة برلين «الحرة» معرضًا هدفُه إقناعك بالماركسية والشيوعية بالصورة واللوحة والتجسيم، معرضًا لا يزورُه أحد، ولتمول حكومة برلين مسرحًا يعرض أعمال «برخت» و«جوركي» لتبدو زاهية المكانة، وليتولى العمال دور الرجعية بحيث — كما ذكر لي طالب يساري حين سألته ما رأي العمال حين يَذهبون إليهم ليُعلِّموهم الماركسية نظرية الطبقة العاملة ذاتها — يضربون هؤلاء الطلبة وبعنف يلعنونهم؛ إذ قد لقَّنتهم صحافة شيرنجر أن الشيوعية إذا جاءت ستُجرِّدهم من كل «المكاسب»، والتأمينات والتوابل الرأسمالية.

الحكام الرجعيون إذن هم الذين يعرضون لافتات الشيوعية وصورها ويدعون لمبادئها، والعمال التقدميون هكذا مفروض، هم الذين يقومون للرجعية بدور كلب الحراسة بحيث يقطعون دابر أي شيوعي يُحاول خرق النظام والتسلل.

أذكى غباء

حلَّ على القاعة وجوم هائل، الذين أخرجوا الرواية لم يَحسبوا حساب هذه المفاجأة، ولكن، ما أهمية أن أصرخ ملْء صوتي بالحقيقة وأنا في حضرة جمهور محسوب ومختار؟ ما الأهمية والحقيقة خنقُها سهلٌ، ولقد خنَقُوها وخنَقونا معها، وجاءُوا بنا علنًا أمام أنفسهم وسرًّا وبتكتُّم شديد بعيدًا عن أي رأي عام أو حتى رأي مُعاد، ليتسنَّى لهم تغذية العقول الألمانية بمزيد ذكي جديد من أقوال ورُؤى ووجهات نظر إسرائيل؟

وبدأ النقاش.

واكتشفتُ حقيقة أخرى جديدة غريبة من تلك الشخصية الألمانية المُفرطة في خصائصها وغناها.

اكتشفتُ أنه، رغم إيمانها المُطلَق، بتفوُّقها الكامل فهي تكاد تكون أعبط شخصية من شخصيات الشعوب.

والألماني الغربي ليس أبدًا عبيطًا بالوراثة أو بانعدام الذكاء.

إنه عبيط بالعمد وبالحساب المدبر وكالعادة بخطة كاملة الإتقان.

فمن طبيعة الشخصية القهرية أيضًا قابليتُها للتمسُّك بإيمانها بالأشياء ومقاومتها أي إيمان جديد، باختصار إذا كنا نُسمي أجهزة الدعاية وصناعة الكتاب والفيلم والصورة أجهزة صناعة العقول، فإنَّ العقل الألماني من أسهل عقول الدنيا قابلية للصناعة والتشكيل، ذلك أنه، بحكم تكوينِه أيضًا، شعب غير شكَّاك. إنه يَقبل منك ما تقوله ويظلُّ يُصدق حتى يثبت له أو تُثبِت له الظروف كذبة، وحينئذ لا يعود يُصدِّقك أبدًا حتى لو كانت كذبتُك تلك الأولى والأخيرة. الناس عنده إما كذابون تمامًا أو صادقون تمامًا. وهو يأخذ كلامك من معانيه الأولى المباشِرة؛ فطبيعة الشخصية القهرية أيضًا أنها لا تُعمِل الخيال كثيرًا؛ فالخيال نوع من الكذب، أو بالأصح ليس من فصيلة الحقائق، وفصيلة الحقائق هي وحدها التي يُؤمن بها الألماني ويُصدِّقها. والخيال ذاتي وكذاب ويَدعو أحيانًا لإعادة النظر، وإعادة النظر أمر غير مرغوب فيه لشخصية همُّها الأول أن تعمل، ولهذا تُغذِّي عقلها بأي برنامج تقبله العقول حتى تمضي كالقطار إذا وضع فوق القضبان، همُّها أن تبلغ بحركتها أقصى سرعة وتحقق الأهداف.

صناعة العقول

وعن عمد تُدار صناعة العقول في ألمانيا.

بعد عصر الثقافة الألمانية الذهبي، بظهور الرأسماليِّين وبيوت الاحتكار. بدأ عصر صناعة العقل الألماني بطريقة تخدم تمامًا هؤلاء السادة الجُدد. ولكي تصنَع العقل على هواك لا بدَّ أولًا أن تَعزِله عن العالم، وهكذا نشأت بدعة احتِقار لغات الآخرين والإصرار على الألمانية. ثم تَطعيم الشعب ضد الثقافة، وهكذا نشأت أيضًا بدعة تحسُّس المسدَّس إذا ذُكرت الثقافة وبدعة حرق الكتب، في الواقع بدعة إخفاء الحقائق عن شعب يُدركون جيدًا أنه مولَع بها وأنها إن وجدت لن يُصدِّق غيرها. إخفاء الحقائق من ناحية وإدخال صناعة جديدة اسمها صناعة صنْع الحقائق.

والأمر ليس مجرَّد ألفاظ، والمسائل هناك لا يأخذونها هزلًا. إنَّ تصنيع الحقائق شيء مُختلِف تمامًا عما تعوَّدناه من «فبركتها» هنا. أن نَصنع حقيقة كاللُّؤلؤة الصناعية مُستحيل أن يُميِّزها عن الطبيعية إلا إنسان ذو مستوًى خاص، عمل صعب. وإذا عُدْنا لتاريخ صنْع «حقيقة صناعية» كحكاية سيادة الجنْس الآري لوجَدْنا أن الإتقان في تزييفها بلَغ درجة تكاد ترفَعُها إلى مُستوى الحقائق العِلمية. وأعرَفُ الناس بالألمان هم اليهود. واليهود كانوا قد وضَعُوا عُيونهم على ألمانيا ما بعد هتلر. إنَّ الألمان في نظرهم الشعب المثالي لتحقيق أهدافِهم هم من ألمانيا. الألماني مثالي لأن قدرته على العمل وجنونه بإتقانه تُحتِّم نجاح أي صناعة أو نظام يقوم على أرض ألمانيا، الألماني مثالي لأنه ينتمي لشعب خرج من الحرب بمخٍّ مغسولٍ من آثار الثقافة أي الحقيقة الحقة، أصلَحُ تُربة لتربية الحقائق المصنوعة، بل حتى صالح أيضًا لتربية العقد ومركَّبات الذنب الصناعية.

كان مطلوبًا أن تَصنع تركيبة نفسية تجعل شعبًا بأكمله يَحيا أعوامًا طويلة، ولا يزال يحيا، وقد استولت عليه تمامًا عُقدة أنه أذنب. وقد عولج ضميره بحيث أصبح لا يرضى أبدًا إلا إذا كان إرضاؤه على هيئة نقود أو صناعة أو أي شيء يُقدَّم لإسرائيل.

ولكي تَنجَح الخطة كان لا بدَّ من «كادر» يهودي كامل يُنفِّذها، كان لا بدَّ من إمساك كل الخيوط التي تحرك الرأي العام وتصنَعه بأيديهم هم.

وكانت الحكومة الألمانية تدفع لكل يهوديٍّ ألمانيٍّ يعود إلى ألمانيا بعد الحرب كذا ألف مارك تعويضًا له، غير التعويض الهائل الذي رصدتْه الحكومة لإسرائيل.

ونما الرأسمال الألماني في أحضان رأسماليِّين عُتاة يهود. خبرة الألمان وطاقتهم ودولارات أمريكا وناب اليهود الذكي الأزرق.

وبينما اليابان تنمو وتوسع، كانت ألمانيا أيضًا وبسرعة مذهلة تَمضي حتى لتصلَ إلى درجة أصبحت البنوك الألمانية تَرفض أن تُودَع فيها النقود كدولارات، إنما تشترط أن تكون العملة المودعة بالمارك؛ إذ المارك أصبح أكثر قوة من الدولار. وفي نفس الوقت كانت الجمارك الأمريكية تفرض الضريبة تلو الضريبة تحمي صناعتها «الوطنية» من صناعات اليابان وهي تغزوها في عُقرِ دارها.

كان القهري والازدواجي قد انتصَرا؛ ذلك أن الشعب المتجانس حتى في مرضه أو في صحته، أكثر إثارةً للرعب. ومُرعِب أن تحيا هناك. في ألمانيا أو اليابان الغربة تُطاردُك وتَطرُدك. غريب مع المتعالي هنا، غريب مع المنطوي المؤدب هناك. غير أن المدهش في هذا الصراع صراع المجانين هذا، هو أيهما يعمر أكثر.

المريض بمركب النقص.

أم المريض بمركب الكمال.

أنا شخصيًّا أعتقد أن الياباني سيَكسب، ليس فقط لأنَّ حالته أشد، وإنما لأنَّ مركب النقص يُزوِّد الشخصية بفجوة أبدية لا تَشبع ولا ترتوي، ولا تُوقن مهما فعلَت أنها أصبحت سيدة الآخرين أو أنها وصلَت. أما الألمان فاعتقادي أنهم بالتوحيد إذا توحَّدوا، وبالانقسام إذا ظلُّوا هكذا فإنهم قادِمون على شيء لم يُهيِّئوا أنفسَهم له أبدًا. أن يبدأ العالم الذي احتقَرُوه طويلًا واحدًا إثر الآخر يَسبقهم، ومشدوهين هم حيرى، يجدون أنفسهم مطالَبين بأن يشكُّوا في شيء لم يكن ليقترب منه الشك مهما طغى، في تفوق العقل والطريقة والقدرة الألمانية.

لقد كانت ألمانيا بصناعاتها ومؤسساتها تبهرني وأرى فيها صورة الإعجاز الأوربي الصناعي.

بعد زيارتي لليابان، بدَت ألمانيا كالقرية، فما يَصنعه الأقزام السُّمر في ركن الدنيا الشرقي شيء هائل مُخيف لن يُصدِّقه العالم حتى بعد وقوعه.

والذكاء دائمًا وليد الشك في الذكاء.

والغباء نتيجة حتمية للإيمان المُطلَق بالذكاء.

وهكذا غباء ألمانيا.

ويا له من غباء!

إذ في النهاية يتَّضح السبب في حماس الهرميشلر والأكاديمية لمصر؛ فلقد قامت السلطات المصرية بالقبض على أحد المصريِّين من أصدقاء ميشلر والأكاديمية كان يُقيم في ألمانيا الغربية وعاد إلى مصر وبدأ التحقيق معه في التُّهم المنسوبة إليه. وهنا فقط تحرَّك الهرميشلر لإنقاذ صديقه وعرض أن يُقيم أسبوعًا لمصر في ألمانيا مُقابل إطلاق سراح الصديق. هي صفقة إذن لعلها أغرب صفقة في التاريخ. هكذا، في النهاية يتَّضح السبب الحقيقي وراء الدعوة ويتضح سر الحماس، ويتبدَّى للشخصية الألمانية جانب جديد آخر. إني كنتُ على صوابٍ في اعتقادي أنَّ المسائل لا تبدو طبيعية بالمرة. لقد أُحطْنا في برلين بذلك التكتُّم الشديد، فلو تمَّت زيارة حقيقية ووصلنا إلى حدِّ مخاطبة الرأي العام هناك والالتقاء مباشرة مع جمهور المثقفين، لو وصل صوتنا فعلًا للرأي العام واستطعنا النفاذ من حاجز الكلمة والصوت والصورة وتصدَّينا لبحر الأكاذيب التي تُروَّج هنا لغضبت إسرائيل ولثارت ركائزها في ألمانيا واعتبرت أن ما حدث جريمة ارتكبتها الأكاديمية وارتكبها ميشلر، ولعاقبتْهم العقاب الوخيم.

وهكذا اتَّضح بُعدٌ آخر للشخصية الألمانية ماركة شبرنحر وشتراوس، إنها شخصية لا تقدم على عمل إلا إذا كان يَخدم أهدافها أولًا وأخيرًا. حتى الملايين التي تدفعها لإسرائيل هي في حقيقة أمرها أولًا لصالح ألمانيا، لصالح إبقاء التخلُّف جاثمًا على أنفاس شرقِنا العربي! وحتى لو كان لصالح اليهود فالمَوقِف الآن مختلف، وبعد المجازر والحرب توحَّدت المصالح وأصبح ما يخدم إسرائيل يخدم ألمانيا الغربية وأمريكا وكل معاقل الرأسمال، والتناقُض إن وجد فهو ليس الرئيسي؛ إذ التناقض الأول معنا، وكل ما عدا هذا فهو فرعي ولا أهمية خطيرة له.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠