خاتمة

مما تقدم نعلم أن كلمة «بلاد البحر الأبيض» كلمة لا معنى لها إذا أريد بها تسويغ الحكم المطلق في البلاد الواقعة على ذلك البحر؛ لأن الحكم المطلق أو الحكم الدكتاتوري ظهر في بلاد كثيرة غير تلك البلاد؛ ولأن الأسباب التي أفضت إلى قيام الدكتاتورية — أو ما يسمونه الدكتاتورية — في تركيا وإيطاليا وإسبانيا ليست خاصة بالبحر الأبيض، ولا بطبيعته الإقليمية أو الجنسية، إذ هي أسباب يمكن أن توجد في أي بلد، وفي ظل أية حكومة، وواحدة من تلك الأمم، وهي تركيا، أجدر بأن يقال: إن الذي حدث فيها هو إنشاء الديمقراطية لا إنشاء الدكتاتورية، وإن القوانين الحازمة التي يسنونها هناك إنما هي القوانين اللازمة لحماية ديمقراطية جديدة لا تزال في دور النشأة والتكوين، وفي خطر من نكسة النظام القديم وعوامل التقهقر، فليست هي استبدادًا ولا الغرض منها توطيد حكم الاستبداد. وفي كلام مصطفى كمال مع الكاتبة الإنجليزية جراس أليسون عن تحرير المرأة يقول: «كيف يتاح لنا أن نبني ديمقراطية تامة ونصف الأمة في الأصفاد؟» ويقول مرة أخرى: «إن الرجال الذين يُطلبون في عهد الديمقراطية لا بد لهم من منزل يتربون فيه. والآن وقد خلصنا من الأجنبي في وُسْعنا أن نبدأ بتنفيذ الإصلاح.» ومصطفى كمال هو الذي جعل شعاره في تحرير الشعب كله: «خير وسيلة لتعليم قوم قيمة الحرية هي أن تطلقهم أحرارًا.» وهو رئيس حزب الشعب ورافع السيادة الشعبية إلى حيث لم يرتفع بها دستور في وطن من الأوطان، فمن الظلم والخطأ أن تسمى حركة الرجل العظيم بالحركة الدكتاتورية إلا بمعنى واحد فيه الفخر كل الفخر لمصطفى كمال وللشعب التركي على السواء، وهو أن ذلك الشعب قد أحب مصطفى كمال وأُعجب به؛ لأنه يستحق حبه وإعجابه، فأولى حكومته كل ما تحتاج إليه من السلطان لتحريره والنهوض به وترقية شئونه. وقد علم مصطفى كمال أن شعبه مفتقر إلى الإصلاح، فلم ينظر إليه نظرة المحتقر، ولم يعزل نفسه عنه هو وصحبه، ولم يتذرع بذلك إلى حرمانه حقًّا من حقوقه؛ لأن هناك طريقتين لإدراك أدواء الشعوب؛ إحداهما: طريقة الوارث الذي يسمع بمرض مورثه فيرتاح إلى تصديقه، وينقبض لعلامات الصحة التي تبدو على مريضه، ويود أن يؤكد كل نذير من نذر العلة، ويدحض كل خبر من أخبار الشفاء، والأخرى: طريقة الأب العطوف الذي يسمع بمرض ولده فلا يرتاح إلى تصديقه، ويستبشر بكل ما يخلف ظنه، ويؤمن جد الإيمان بحياته، ويبذل ما في وسعه لتعجيل شفائه. وكانت هذه هي طريقة مصطفى كمال في إدراك أدواء الشعب التركي — وهي الطريقة الفذة لعلاج الشعوب — ولم تكن طريقته أن يبحث عن علامات الخطر بحثًا؛ لأنه يريدها ويفرح بها ويعلق آماله جميعًا على الوفاة.

إن العدو الأجنبي لَيستطيع أن يرى عيوب الأمة التي يبغضها ويستعبدها، ولكننا لا نحتاج منه إلى هذه النظرة، وليست حاجتنا إلا إلى نظرة الوطني المشفق الغيور الذي يستفز في أمته كل ما يستفزه الكائن الحي في بنيته من كامن قوةٍ يغالب بها الداء.

أما إيطاليا وإسبانيا فقد غُلبت فيهما الديمقراطية ولم تفشل، وفرقٌ بين أن يغلب على أمره وبين أن يتداعى من صميم بنيانه، فما من نظام حكومة في التاريخ إلا وقد غلبته القوة في بعض أزمانه، ولكن الفشل شيء غير هذا، وهو أن يثبت بالتجارب الطبيعية في المواطن المختلفة أن هذا النظام غير صالح للقيام، ولم يثبت قط أن الديمقراطية كانت فشلًا في إيطاليا أو في إسبانيا، بل ثبت نقيض ذلك أن آفة إيطاليا وإسبانيا معًا هي حكم المستبدين لا حكم الشعوب، وأن الذي تشكوان منه هو الموانع التي تمنع شعبيهما أن يكون لهما الرأي النافذ في سياسة البلاد.

ولسنا نريد أن نعرض هنا لخفايا الأسباب التي أحاطت بقيام الدكتاتورية في إيطاليا وإسبانيا، بيد أننا نقرر ما لا خلاف فيه، وهو أن الدكتاتورية قامت في الأمتين على قوة وطنية معتزة بالشعور الوطني والآمال القومية، ولم تقم على قوة أجنبية، ولا قامت لإخلاء روح الأمة من كل نخوة حية، ومن كل إعجاب سامٍ، ومن كل شيء غير التهافت على المنافع المكذوبة والصغائر التي لا تنهض بها هممُ الشعوب، ولقد عزَّ على نابليون بونابرت أن يحكم إسبانيا قبل مائة سنة، ولم يعز ذلك على بريمودي ريفيرا ومَن وراءه في هذا العصر، وهو أقل جندًا، وأقل شأنًا، وأقل إصلاحًا من نابليون، وهم يحكمون أمة أعلم وأرقى وأكبر من التي أراد أن يحكمها نابليون، وما استعصى زمام إسبانيا على ذلك الجبار القدير وأسلس لبريمودي ريفيرا ومن معه إلا لفرق واحد تتضاءل فيه جميع الفروق، ذلك هو الفرق بين الحكومة الأجنبية والحكومة الوطنية، وإن عجزت هذه أسوأ العجز، واقتدرت تلك أحسن الاقتدار.

وسواء صحت الضرورات التي انتحلت للحكم الدكتاتوري في إسبانيا وإيطاليا أو لم تصح، فالحقيقة الواضحة أنها ضرورات لا مثيل لها في غير هاتين الأمتين من أمم البحر الأبيض المتوسط. وأين في غير إسبانيا وإيطاليا تلك الملايين المعطلة، والحروب التي تُقتل فيها عشرات الألوف، والقلاقل التي تذهب بالأرواح على قوارع الطرقات، والديار التي يهجرها مئات الألوف في كل عام، والأقاليم تهم بالانفصال، والسطوة التي يملكها رجال الدين في السر والعلانية، والمذاهب الاجتماعية والسياسية التي تضرب في قرار الأساس؟ أين في غير إسبانيا وإيطاليا من أمم البحر المتوسط هذه الأسباب أو هذه الضرورات، صحَّت كلها على علَّاتها أو كان منها المُبالَغ فيه وغير الصحيح؟

على أن الحكومة النيابية في أمم الديمقراطية لم تعيَ قط بمراس أسباب كتلك الأسباب، وضرورات كتلك الضرورات، بل لم تعيَ حكومات الديمقراطية حتى في الزمن القديم بعلاجها والاحتياط لها، وهي بالقياس إلى حكومات اليوم ناقصة النظام، ناقصة التمثيل، ناقصة الأداة؛ ففي روما القديمة كان مجلس الشيوخ في أوقات الخطر على الوطن — لاحظ في أوقات الخطر على الوطن — يَنتدب من زعماء الأمة «دكتاتورًا» يساعده قائد حربي، ويطلق يده في الشئون العامة زمنًا أقصاه في العادة ستة أشهر، وكثيرًا ما كان الدكتاتور يعتزل وظيفته باختياره إذا أَنجز ما انتُدب له قبل الموعد المضروب. وكان مجلس الشيوخ على كل حال يحتفظ بحقوقه التامة في أثناء ذلك، ويشرف يومًا يومًا على أعمال الدكتاتور وأعوانه الحربيين، ولم يحدث قط — إلا عنوة واقتسارًا — أن يجيء الدكتاتور والسكينة مستقرة، والحقوق العامة مصونة، فيستبد بالناس، وينتهك الحق المصون، ويفرِّق وحدة الأمة المتفقة. هذا وهو لا يكون دكتاتورًا إلا بنوع من البطولة المهيبة المحبوبة يغني النفوس بعض الغنى عن الحرية بعزة الوطنية، ونخوة الإعجاب، ولن يكون دكتاتورًا وهو سخيف هزيل لا مظهر له ولا مخبر، ولا يصدق أحد من الناس أنه مالك أمره، وصاحب القوة التي بها يصول على أبناء وطنه.

إن أحمق المستبدين هو ذاك الذي يهدم الديمقراطية في هذا العصر ليبني على أساسها صرح الاستبداد العتيق، فإن الديمقراطية إذا هُدمت لم يخلفها في مكانها إلا أحد مذهبين: فإما الفوضية، وإما الشيوعية على نظام من أنظمتها الكثيرة؛ ذلك أن الفوضيين والشيوعيين يشككون الناس في كل نظام معهود ويقولون: إن الحكومة بطبيعتها قائمة على الغصب والاعتداء لخدمة طائفة من الأمة هي الطائفة التي تقبض على الزمام، لا فرق في هذه الخلة بين حكومات المستبدين والحكومات النيابية التي يقال: إنها حكومات الشعوب، فإذا ساء ظن الناس بالتمثيل النيابي بعدما جربوا ضروب الحكومات الغابرة ساء ظنهم بادعاء كل حكومة، وتهيأت الأذهان لقبول تلك الدعاوى التي يلهج بها الفوضيون والشيوعيون، وبطل يقينهم بالحكم وثقتهم بالطبيعة البشرية، فباتوا في حياة خاوية عميقة لا إخلاص فيها ولا أريحية ولا يقين، فكل مستبد يحارب الديمقراطية اليوم إنما يخدم الشيوعية أو الفوضية من حيث يخيل إليه أنه يخدم نفسه، ويعود بالناس إلى زمن دابر لن يعود.

فليحذَر المستبدون من عزل الشعوب عن الحكم، أو من شكها في الحكومة الشعبية؛ لأنها في هذه الحالة لن تؤمن إلا بالحكومة الطائفية، ولن يكون من وراء ذلك إلا انتصار محقق للشيوعيين، وليحذَر الكُتاب الذين يُسرفون في نقد الديمقراطية؛ لأنها إنما تَقبل الإصلاح على مبادئها القويمة، ولا تَقبله على مبادئ أخرى. أما إذا انقلبت أو بطل الإيمان بها؛ فلن يرجى من ذلك خير، ولن يخلفها نظام أصلح منها يُظن به أن يدوم أو يطول.

•••

على أنني لا أحب أن أغفل في ختام هذه الرسالة اعتراضًا يُصوَّب إلى الديمقراطية، ويلوح عليه بعض الرجحان في باب غير باب الحكومة والسياسة، ذلك أن الديمقراطية ترجع الأمر في الفنون والآداب والمعارف الشائعة إلى أذواق الجماهير، فيقل الإبداع والتفوق، ويكثر البهرج والتلفيق، ورجحان هذا الاعتراض ظاهر، ولكنه عرضة للمبالغة وخطأ التقدير، فينبغي أن نذكر أولًا أن عهد الديمقراطية الحديثة لم يتجاوز خمسين سنة، فلا نطالب هذه السنين الخمسين بأن تُخرج لنا من مبدعاتها ما يوازن مبدعات العبقرية في جميع العهود، وإنما يحق لنا أن نقابل الخمسين بخمسين مثلها في أي زمان، وفي أية حال، وعندئذٍ نرى أن الديمقراطية لا تجيء في هذا الميدان متأخرة، إن لم نقل: إنها تجيء متقدمة بين الصفوف.

وينبغي أن نذكر بعد هذا أن أساليب التعبير عن العواطف الإنسانية قد تنوعت في أيام الصحافة، والصور المتحركة، والصور الشمسية، فكان لذلك أثر موقوت لا بد أن يُحسب حسابه إلى أن تزول مفاجأته، وتطرد الأذواق الفنية في سياقها الأصيل. وإن الفنان الذي يُرزق العبقرية العالية لا يسفُّ بها إلى المباراة في سوق التصنع والغرور، وإنه حتى إذا كانت الجماهير تغوي المستضعفين من رجال الفنون بإسفاف ذوقها، وكثرة تقلُّبها، فليس دواء ذلك أن نقول للجماهير: قفي ولا تتعلمي ولا تطلبي الفنون والآداب، أو أن نضرب عليها حجرًا كذلك الحجر الذي ضربه الهنود على الطبقات؛ فحاقت بهم اللعنة أجمعين. كلا! وإنما دواؤه أن تتعلم الجماهير وتتعلم وتتعلم حتى تسمو إلى مقربة من الذوق السليم، وأن يتهذب شره المال الذي نخشى غوايته على العبقريين في سوق المنافسة والزحام، وأن يوكل التهذيب والتنقيح إلى اختيار الزمن الذي يضع كل شيء في نصابه حسب ما يحتويه من جراثيم البقاء، وما دام لنا في الإنسانية أمل فهذا المطلب ميسور مُطمَأن إليه موثوق بفلاحه. أما إذا ضاع الأمل في مستقبل الإنسانية قاطبةً، فأَهْوِن بضياع الأمل في الديمقراطية حينذاك!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤