رؤية السيدة هامرجالو

٢٨

في حديقة سيدرمورتون كان يوجد منزل سيدرمورتون الذي كانت السيدة هامرجالو العجوز تعيش فيه، وتطَّلع على كل كبيرة وصغيرة في القرية، عجوزٌ محببة ذات عنقٍ طويل، في وجهها بعض الحمرة، تنفجر بغضباتٍ مفاجئة أحيانًا، ترى أن علاجاتٍ ثلاثة تكفي للتغلُّب على كل ما قد يحل بمن ترعاهم من متاعب؛ زجاجة من مشروب «الجن»، أو بطانيتان مما تبرع به بعض الخيِّرون، أو تركيب قطعةٍ جديدة من تيجان الأسنان. يبعد المنزل عن سيدرمورتون ميلًا ونصف الميل، وتمتلك السيدة هامرجالو كل القرية تقريبًا، ما عدا جزءًا طرفيًّا في الجنوب يملكه السيد جون جوتش، وتحكمه هي حكمًا مطلقًا، حكمًا مستحسنًا في هذه الأيام التي تعاني فيها الحكومة الانقسام. تأمر بالزيجات أو تمنعها، وتطرد الأشخاص غير المرغوب فيهم من القرية بطريقةٍ بسيطة هي رفع قيمة إيجار مساكنهم، وتسرِّح العمال، وتلزم المهرطقين بارتياد الكنيسة، أجبرت سوزان دانجيت التي أرادت أن تسمي رضيعتها يوفيميا بأن تسميها اسمًا مسيحيًّا هو ماري-آن بدلًا من ذلك، بروتستانتيةٌ مخلصة، تمتعض من تناقص شعر الكاهن على نحو يجعله يبدو كالرهبان. وهي عضوة في مجلس القرية، يكابد الأعضاء الآخرون مشقة في تسلُّق التل وعبور المستنقع للوصول إليها، (ولما كان سمعها ضعيفًا) وقد باتوا يضطرون إلى إلقاء خطابات المجلس في مذياعٍ بدلًا من أن يكون الحديث على المنصة بدونه. لا تهتم بالسياسة، ولكنها كانت حتى العام الماضي معاديةً شرسة لجلادستون، تقوم على خدمتها خادمات بدلًا من الأُجراء الرجال، بسبب هوكلي، سمسار البورصة الأمريكي، ومعاونيه الأربعة المتربصين.

يصل افتتان أهل القرية بها إلى حدٍّ يُمَكِّنُها من فرض سطوتها عليهم. إذا أقسمتَ بالرب في حانة كات آند كورنوكوبيا فلن يوليك أحد ممن يسمعونك اهتمامًا كبيرًا، أما إن أقسمتَ بالسيدة هامرجالو لَهالهم ذلك وأرهبهم لدرجةٍ قد تجعلهم يطردونك من المكان. إذا نزلت بسيدرمورتون فإنها ترسل في طلب بيسي فلامب مديرة مكتب البريد، وتسمع منها كل كبيرة وصغيرة عن الأحداث والأحوال، ثم ترسل في طلب السيدة فينش حائكة الفساتين وتسألها، ثم تضاهي أقوالها بأقوال بيسي فلامب. وفي بعض الأحيان تطلب الكاهن، وفي أحيانٍ أخرى تطلب السيدة ميندام، رغم أنها تزدريها، حتى إنها لترسل في طلب كرامب نفسه أحيانًا، لتضاهي أقوالهم جميعًا وتصل إلى الخبر اليقين. كاد حصاناها المطهمان يدهسان الملاك وهو يسير عائدًا إلى القرية.

التفتت السيدة هامرجالو حاملة أمام عينيها النظارة ذات الإطار المطلي بالذهب التي تحملها دائمًا على عصا صغيرة بيدَيها الهزيلتَين المرتعشتَين ونظرت إلى الملاك وقالت: «هذا هو الغريب إذن! معتوه بالفعل! لكن وجهه جميل هذا المسكين، يؤسفني أن فاتتني رؤيته عن قرب.»

ومضت في طريقها إلى منزل الكاهن على أي حال، وطالبت بإطلاعها على الأمر كله بالتفصيل؛ إذ كان تضارب روايات السيدة فلامب، والسيدة فينش، والسيدة ميندام وكرامب عن الأمر قد حيَّرها كثيرًا. حاول الكاهن جاهدًا ألَّا يغفل تفصيلة وهو يخبرها بحقيقة ما حدث متحدثًا في بوقها لتتمكن من سماعه. حاول الكاهن في كلامه أن يتلطف في ذكر الجناحَين والرداء ذي اللون الزعفراني. بيد أنه شعر بأن الحالة ميئوس منها، فأسمى الملاك بالسيد آنجيل، وتحدث عن طيورٍ شبيهة بطائر الرفراف. لاحظت العجوز ارتباكه، وظل رأسها الغريب يتحرك إلى الأمام والخلف، ظل ممسكًا بالبوق لا يجد ما يقول أحيانًا، وأخذت تضيق عينيها وتحدق فيه أحيانًا أخرى دون أن تفهم التفسيرات التي يتفوَّه بها، وظلت بين الفينة والأخرى تُصدر أصواتًا تدل على المتابعة والفهم، فتبين له من ذلك أنها قد فهمت بعضًا مما قال.

قالت السيدة هامرجالو: «طلبتَ منه البقاء معك على نحوٍ دائم، أليس كذلك؟» وكانت فكرةٌ عظيمة قد بدأت تتبلور سريعًا في عقلها.

رد الكاهن: «بلى، ربما بدون أن أقصد ذلك.»

سألته: «وأنت لا تعرف من أين أتى؟»

رد الكاهن: «لا علم لديَّ على الإطلاق!»

سألت السيدة هامرجالو بلهجةٍ غامضة: «ولا تعرف من أبوه بالطبع؟»

رد الكاهن: «كلا.»

أبقت السيدة هامرجالو النظارة على عينَيها، ووكزته بين ضلوعه ببوقها فجأة على نحو ذي دلالة.

فهم الكاهن الإشارة فصاح مندهشًا: «سيدة هامرجالو!»

قالت: «هذا ما أظن، ولا تعتقد أني ألومك يا سيد هيليار.» وأطلقت ضحكةً غريبة ثم واصلت: «العالم هو العالم، والرجال هم الرجال، وذلك الفتى معاق، أليس كذلك؟ وفي حالة حداد كما لاحظت، الأمر يذكرني برواية «الحرف القرمزي»، أمه متوفاة على ما أفترض، لستُ امرأةً ضيقة الأفق، وأحترمك لاحتفاظك به، أحترمك حقًّا.»

قال الكاهن: «لكن، يا سيدة هامرجالو!»

قاطعته: «لا تفسد الأمر بالإنكار، الأمر واضح وضوح الشمس لأي امرأة من هذا العالم. السيدة ميندام تلك! تسليني بشكوكها وأفكارها الغريبة! وهي أيضًا زوجة الخوري، لكن أتمنى ألَّا يكون الأمر قد حدث بعد ترسيمك كاهنًا.»

رد الكاهن: «سيدة هامرجالو، أنا أحتجُّ، يا للهول!»

قالت: «سيد هيليار، بل أنا من أحتجُّ، أعرف الحقيقة، أي شيء قد تقوله لن يزعزعني عن رأيي قيد أنملة، لم يدُر بخَلَدي يومًا أنك تخفي أسرارًا.»

رد الكاهن: «هذا اتهام لا أقبله!»

قالت السيدة هامرجالو بتلطُّفٍ ظاهر: «سنساعده معًا يا سيد هيليار، يمكنك الاعتماد عليَّ، القصة رومانسية للغاية.»

قال الكاهن: «لكن يا سيدة هامرجالو، يجب أن أقول ما لديَّ!»

أمسكت ببوق الأذن بحزم وهزَّت رأسها رافضة الاستماع.

ثم قالت: «سمعت أن لديه موهوبةً فذة في الموسيقى، صحيح أيها الكاهن؟»

قال الكاهن: «أقسم لك بأغلظ الأيمان أن …»

ردت: «هذا ما ظننت، أما عن إعاقته …»

قاطعها: «الفكرة التي تكونت لديكِ في غاية اﻟ…»

فقاطعته بدورها: «إذا كانت موهبته حقًّا كما وصفت لي جيهورام، ﻓ…»

قال الكاهن: «هذه تهمة لا أساس لها؛ تلك التي توجهينها لرجل في مثل …»

(لا أعول على سداد رأيها بالطبع!)

واصل الكاهن: «فكري في وضعي، ألا أستحق أي توقير؟»

في حين واصلت: «قد نتمكن من مساعدته في مسعاه الفني.»

قال الكاهن: «أَوَلمْ … (تبًا! لا جدوى!)»

قالت السيدة: «أقترح يا عزيزي الكاهن أن نمنحه الفرصة لإظهار موهبته، كنتُ أفكر في الأمر في طريقي إلى هنا، وقررت أن أدعو عددًا صغيرًا من أصحاب الذوق الرفيع يوم الثلاثاء القادم، ولتجعله يُحضر كمانه، حسنًا؟ وإذا جرى ذلك على ما يُرام، فسأحاول أن أعرفه على من يمكنهم إعطاءه دفعةً قوية.»

قال: «لكن، يا سيدة هامرجالو …»

فقاطعته: «لا أريد أن أسمع كلمةً أخرى!» ولم تزل ممسكة ببوقها أمامها بحزم، وقابضة على نظارتها، ثم قالت: «عليَّ ألَّا أترك ذينك الحصانَين طويلًا، يستاء كاتلر كثيرًا عندما أتركهما لوقتٍ طويل؛ فالمسكين يملُّ من الانتظار، إلا إذا كان هناك حانة بالجوار.» وانطلقت نحو الباب.

خاطب الكاهن نفسه: «اللعنة!» ولم يكن قد سبق له أن استخدم الكلمة منذ ترسيمه، ويظهر مدى الاضطراب الذي أحدثَتْه زيارة الملاك في نفسه.

وقف تحت الشرفة يشاهد العربة تبتعد، في حين شعر أن عالمه ينهار فوق رأسه، هل عاش حياة الفضيلة والزهد لثلاثين عامًا بلا طائل؟ يا لَغرابة هذه الأشياء التي ظنَّه أولئك القوم قادرًا عليها! وقف يحدِّق في حقل الذرة الأخضر الممتد أمامه، ثم نقل نظره إلى القرية من ورائه. بدا كل شيء حقيقيًّا بالفعل، برغم أنه شك في ذلك لأول مرة في حياته. عبث بذقنه، ثم التفت وصعد مبطئًا إلى غرفة الملابس، وجلس لوقتٍ طويل يحدق في رداء من نسيجٍ أصفر ويخاطب نفسه: «أعرف والده؟! إنه خالد، كان يرفرف بجناحَيْه في جنته عندما كان أسلافي من فصيلة الجرابيات، ليته كان هنا الآن.»

نهض الكاهن وبدأ يتحسَّس الرداء.

أخذ يتساءل: «تُرى كيف يحصلون على هذه الأشياء؟!» ثم خرج وظل يحدق من النافذة ويقول: «أفترض أن كل شيء هناك رائع، حتى شروق الشمس وغروبها، وأفترض أن أحدًا لا يصرُّ على أي اعتقاد إصرارًا أعمى، ولكن لا بد أن المرء يعتاد الأشياء كلها فلا يدهشه شيء، ربما كان ذلك عيبًا. أشعر كأن غشاوة قد زالت عن عيني فجأة، وأن حالةً شديدة من انعدام اليقين داهمتني، لم أشعر بمثل هذا الاضطراب منذ مراهقتي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١