مشكلة السلك الشائك

٣٨

وهكذا انتهى الظهور الأول والأخير للملاك في المجتمع نهايةً مخزية، وعاد مع الكاهن إلى المنزل يبدو عليهما الإحباط والكآبة وهما يسيران بملابسهما السوداء تحت أشعة الشمس الساطعة. تألم الملاك من أعماقه لألم الكاهن الذي مضى رث الهيئة ينطق بعباراتٍ مبعثرةٍ محملة بالندم والتخوف تارةً، وبتوضيحات عن قواعد اللباقة تارةً، وأخذ يردد: «لا يفهمون، لا بد أنهم جميعًا في غضبٍ عارم، لا أعرف ماذا أقول لهم، هذا كله مُربِك جدًّا ومحير جدًّا.» ولما وصلا إلى بوابة المنزل التي لفت جمال ديليا وهي واقفة عندها انتباه الملاك للمرة الأولى، وجدا هوروكس، شرطي القرية في انتظارهما يحمل في يده لفةً صغيرة من السلك الشائك.

قال هوروكس: «طاب مساؤك سيدي.»

وأضاف بنبرة غير مفهومة: «هل يمكنني محادثتك لدقيقة سيدي؟»

قال الكاهن: «بكل تأكيد.» وواصل الملاك مسيره نحو المنزل متفكرًا، وصادف ديليا في منطقة الاستقبال فتفحصها عن كثب يحاول التعرف على الاختلافات بين الخدم وسيدات المجتمع.

قال هوروكس: «معذرة سيدي، هناك متاعب في الأفق بشأن ذلك المعاق الذي يمكث هنا معك.»

قال الكاهن: «يا للهول! ما الخطب؟!»

رد هوروكس: «السيد جون جوتش، إنه غاضب للغاية، كلامه … رأيت أن عليَّ إخبارك سيدي. إنه مُصرٌّ على التقدم بشكوى بسبب ذلك السلك الشائك سيدي، مُصرٌّ.»

قال الكاهن: «السيد جون جوتش؟ سلك شائك؟ لا أفهم.»

رد هوروكس: «طلب مني أن أعرف من الفاعل، وبالطبع اضطررت إلى أداء واجبي يا سيدي، ولو كان مزعجًا.»

قال الكاهن: «أي سلك شائك؟ وأي واجب؟ لا أفهمك يا هوروكس.»

قال هوروكس: «يؤسفني القول إنه لا جدوى من إنكار الأدلة سيدي، فقد أجريت تحرياتٍ دقيقة.» ثم بدأ الشرطي يقص على الكاهن واقعةً صادمةً جديدة بطلها الملاك الزائر.

لكننا لسنا مضطرين لسرد القصة ولا الاعتراف الذي سيعقبها بالتفصيل (من جانبي أعتبر إطالة الحوار من أشد الأمور رتابة). غاية القول أن ما جرى جعل الكاهن يغير فكرته عن تلك الشخصية الملائكية، وأعطاه لمحة عن السخط الملائكي؛ ففي زقاق وارف الظلال تنتثر في أرجائه بقع من ضوء تركتها أشعة الشمس التي تسلَّلت من ثنايا أشجاره، ويحفُّه من الجانبين سياجان شجريان ينتشر فيهما زهر العسل ونبات البيقة، كانت فتاةٌ صغيرة تجمع الورود غافلةً عن السلك الشائك الذي يعزل صاحب الحيثية السيد جون جوتش عن الرعاع وأسافل العامة. وفجأة جُرحت يدها، فأطلقَت صرخةً مريرة، سمعها الملاك فعطف عليها وهُرع لمساعدتها وتهدئة روعها، وسألها عمَّا جرى، فأخبرته بين دموعها، ثم أحسَّ بشيءٍ جديد لم يعهده من قبلُ؛ الغضب. فانهال على السلك الشائك بضراوة يقطعه ويتلفه. لم يكن وراء تصرُّفه ذلك رغبةٌ في إلحاق الأذى بشخص السيد جون جوتش، بل ظن ذلك السلك الشائك نباتًا ضارًّا قبيحًا امتد بين النباتات الأخرى كالآفة. وعندما فسر الملاك الأمر للكاهن فيما بعدُ تكوَّنت لديه صورة يقف فيها الملاك وحده وتظهر حوله مظاهر الدمار الذي أحدثه وهو يرتعش مندهشًا من القوة المفاجئة التي انبعثت من داخله فجعلته يعيث في السلك الشائك تقطيعًا وتخريبًا، ويهوله منظر الدم القرمزي المنسال على أصابعه.

عندما شرح الكاهن للملاك طبيعة السلك الشائك وأنه مصنوع لغرضٍ محدَّد قال له الملاك: «هذا أكثر فظاعة، لو كنت قد رأيت الرجل الذي وضع ذلك الشيء القاسي السخيف هناك ليؤذي به الأطفال الصغار، لَحاولتُ إلحاق الألم به على الأغلب، لم أشعر بما شعرت به حينها من قبلُ، لقد لوَّثتْني شرور هذا العالم وانطبعت عليَّ.»

وواصل: «الأدهى أن يحدوَ الحُمق بكم معشر البشر إلى الاجتماع لسنِّ قانون يسمح لرجل منكم بشيءٍ شرير كهذا، أعلم أنك ستقول إن هذا ما يتعين أن يكون الأمر عليه لسبب لا علم لي به، لكن هذا يزيدني غضبًا، لماذا لا ترون الأفعال في صورتها المجردة؟»

هذا ما جرى، وعلم به الكاهن تدريجيًّا؛ أخبره هوروكس بخطوطه العريضة أولًا، ثم أضفى الملاك إلى الحكاية لونًا ومشاعر، حدث ذلك في اليوم السابق ليوم الحفل الموسيقي في منزل سيدرمورتون.

سأل الكاهن: «هل أخبرت السيد جون بالفاعل؟ وهل أنت متأكد مما أخبرتني به؟»

رد هوروكس: «متأكد تمامًا يا سيدي، لا مجال للشك، لقد كان ذلك الفتى الذي يمكث عندك يا سيدي، لم أخبر السيد جون بعدُ، لكن عليَّ إخباره هذا المساء، ولا أقصد الإساءة لك سيدي، أتمنى أن تعرف ذلك، كنت أؤدي واجبي، كما أن …»

قاطعه الكاهن بسرعة: «إنه واجبك بالتأكيد، وماذا سيفعل السيد جون؟»

رد هوروكس: «إنه غاضب على الفاعل بشدة، بعد أن دمر ممتلكاته بهذا الشكل وأفسد ترتيباته على نحو أشعره بالإهانة.»

وبعد توقفٍ مؤقت، تحرك هوروكس، ووقف الكاهن ينظر إلى الأرض بدون انفعال ظاهر وقد أصبحت رابطة عنقه على مؤخرة رقبته تقريبًا خلافًا لعادته.

قال هوروكس: «رأيت أن أخبرك يا سيدي.»

قال الكاهن: «مفهوم، شكرًا لك هوروكس.» ثم حكَّ مؤخرة رأسه وقال متلعثمًا: «ربما، أعتقد أن أفضل شيء هو … أمتأكد أنت أن السيد آنجيل هو الفاعل؟»

رد هوروكس: «ما كان لشيرلوك هولمز نفسه أن يكون أكثر تيقنًا.»

قال الكاهن: «عليَّ إذن أن أرسل رسالة للسيد جون.»

٣٩

كان حديث الكاهن على مائدة العشاء تلك الليلة — بعد أن روى الملاك القصة من وجهة نظره — مليئًا بتفسيرات لأمورٍ كئيبة، وتكرر فيه ذكر أشياء من قبيل السجون والجنون.

قال الكاهن: «لم يعد يمكننا الآن أن نكشف حقيقتك لأحد، كما أن الأمر مستحيل، لا أعرف ماذا يمكنني أن أقول، أعتقد أنه يتعين علينا مواجهة الظروف الراهنة، لقد أُسقط في يدي، وعقلي مشتَّت بين عالمين. لو كان عالمك الملائكي مجرد حلم، أو كان عالمي هذا هو الحلم، أو أمكنني أن أصدق أحد الحلمَين أو كليهما، لزال سبب حيرتي وشقائي، لكنَّ أمامي ملاكًا حقيقيًّا، واستدعاء حقيقيًّا مقدمًا بحقِّه، ولا أعرف كيف لعقلي أن يتقبَّل ذلك، عليَّ أن أتحدَّث إلى جوتش، لكنه لن يفهم، لن يفهم أحد …»

قال الملاك: «يؤسفني أن أُسبِّب لك هذه المتاعب الشديدة بتنافري المزعج مع هذا العالم.»

قال الكاهن: «لستَ أنت المشكلة، رأيي أنك أضفتَ إلى حياتي شيئًا فريدًا وجميلًا. لست أنت المشكلة، بل أنا نفسي، ليتني أملك إيمانًا كافيًا بأي العالمين، ليت إيماني بهذا العالم راسخ تمامًا فأعتبرك مجرد ظاهرة استثنائية مثل كرامب، لكني لست مثله، يتأرجح إيماني بين عالم الأرض وعالم الملائكة، فتارة هنا، وتارة هناك.»

ثم قال: «لا بد أن جوتش سيكون بغيضًا كعادته، وما حدث يضعني تحت رحمته، وهو مثال على سوء الخلق، أعرف ذلك عنه. يعاقر الخمر ويقامر ويفعل ما هو أسوأ من ذلك، ومع هذا فهو معارض لسحب اعتراف الدولة بالكنيسة، لا بد للمرء أن يعطي لقيصر ما لقيصر.»

عاد الكاهن بعد ذلك إلى الاستغراق في التفكير فيما حدث تلك الظهيرة وقال عدة مرات: «إن لوجودك معنًى كبيرًا.»

ذهب الملاك إلى غرفته متحيرًا شديد الاكتئاب؛ فقد كان عبوس العالم في وجه طباعه الملائكية يزداد قبحًا يومًا بعد يوم، ولاحظ كيف كان تأثير ما حدث من متاعب على الكاهن، بيد أن خياله لم يَهْدِه إلى وسيلةٍ لتجنبها، كان كل شيء غريبًا وغير منطقي. ها هي القرية تلفظه منها مجددًا بعدما طُرد منها رجمًا في المرة الأولى.

وجد الكمان على السرير حيث تركه قبل العشاء، فأخذه وطفق يواسي نفسه بالعزف عليه، إلا أن معزوفته هذه المرة لم ترسم صورةً ساحرة لأرض الملائكة، وبدأت قسوة هذا العالم تتسرب إلى روحه. مر أسبوع لم يعرف فيه إلا الألم والنبذ والريبة والكُره، وبدأت بذرة الثورة تنبت في قلبه. عزف لحنًا ناعمًا ورقيقًا مثل ألحان أرض الملائكة، لكنه هذه المرة كان محملًا بالأسى والكدِّ البشريَّيْن، ثم تصاعد اللحن على ظهر نغمة من التحدي، وسرعان ما هوى إلى قاع الحزن، سمع الكاهن هذا كله، فتحوَّلت كل منغصاته إلى مزيجٍ واحد من الكآبة، كآبة تختلف تمامًا عن الحزن بصورته الخام، وفي هذه الأثناء كان شخصٌ آخر غير الكاهن يستمع لعزف الملاك، شخص لم يخطر ببال الكاهن أو الملاك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤