رجل العلم

١٣

وصل الدكتور كرامب، كان جراميت قد قابله على بُعد مائة ياردة من بوابة منزل الكاهن. كان رجلًا ضخمًا ثقيل البدن، يتدلَّى من وجهه الحليق لُغدٌ طري، يرتدي معطفًا صباحيًّا (باللون الرمادي الذي يُفضِّله)، ورابطة عنق ذات مربعاتٍ بيضاء وسوداء. دخل المنزل وهو يسأل: «ما المشكلة؟» ويُحدِّق في وجه الملاك الصبوح دون أن تبدو عليه المفاجأة.

رد الكاهن وهو يتنحنح كعادته: «هذا السيد، السيد آنجيل (وتعني الملاك) …» وهنا انحنى الملاك احترامًا «مصاب بطلقٍ ناري.»

قال الدكتور كرامب: «طلقٌ ناري؟ في يوليو! هل يمكنني أن أراه يا سيد … آنجيل، أهذا اسمك؟»

قال الكاهن: «على الأرجح أنه سيتمكن من تسكين الألم، أتسمح لي بخلع معطفك عنك؟»

استدار الملاك طائعًا.

قال الدكتور كرامب بصوتٍ مسموع وهو ينظر إلى ظهر الملاك: «أهذا انحناء في العمود الفقري؟ لا بل نموٌّ زائد … يا للهول! هذا غريب!» وأمسك بالجناح الأيسر وقال: «غريب حقًّا، ازدواج في الأطراف العلوية، ناتئٌ غرابيٌّ مشقوق! هذا ممكن، ولو لم أره من قبلُ.» وبدا الألم على ملامح الملاك وهو بين يدَي الطبيب، لكن الطبيب تابع: «العضد، والكعبرة، والزند، كلها هنا، وراثيًّا بالطبع، ولكن العضد مكسور، والبشرة الخارجية تبدو مكسوَّة بالريش، يا للعجب! كأنه طائر، الأرجح أن هذا الجسم مثيرٌ جدًّا لاهتمام المختصين بالتشريح المقارن، لم أرَ مثيلًا له، كيف حدثت هذه الإصابة يا سيد آنجيل؟»

تعجب الكاهن من واقعية الطبيب.

ورد الملاك: «صديقنا.» وأشار برأسه إلى الكاهن.

فقال الكاهن: «يؤسفني أني من فعل ذلك …» وتقدم يشرح، ونحنحته تتخلل كلامه: «ظننت السيد، أقصد الملاك، طائرًا كبيرًا.»

رد الدكتور كرامب: «ظننتَه طائرًا كبيرًا؟ وماذا حدث بعد ذلك؟ يبدو أن عينَيك أيضًا بحاجة للفحص.» واصل الضغط بيده على الملاك وتحسَّس مكان الإصابة، في حين ظل يتابع أصوات التأوُّه غير الواضحة الصادرة من المصاب، ثم قال: «هذا التضميد جيدٌ جدًّا رغم أنه لم يجرِ على يد متخصص، أعتقد أني سأُبقيه، يا له من تشوُّهٍ غريب! هل يُسبِّب لك أي متاعب يا سيد آنجيل؟»

ثم دار الطبيب وتأمل وجه الملاك.

اعتقد الملاك أن الطبيب يسأله عن الجرح فأجابه: «نعم، يتعبني.»

قال الطبيب: «لولا العظام لنصحتك بدهانه باليود ليلًا ونهارًا، فلا شيء يضاهي مفعول اليود. يمكنك دهانه حتى على وجهك، لكن الزوائد العظمية تُعقِّد الأمور، يمكنني بَتْرها بالتأكيد، ولكن ذلك يتطلَّب التأنِّي.»

قال الملاك مرتبكًا: «أتقصد جناحيَّ؟»

رد الطبيب: «جناحان! لم لا؟ يمكنك تسميتهما بذلك، نعم أقصدهما، وماذا قد أعني غيرهما؟»

قال الملاك: «أبترهما!»

رد الطبيب: «ألَا ترى ذلك؟ القول الفصل لك في النهاية، أنا فقط أُسدي النصيحة.»

كرر الملاك: «أبترهما! يا لك من مخلوق غريب!» ثم انفجر ضاحكًا.

كان الطبيب يمقت المبالغة في الضحك، فقال: «كما تشاء.» ثم التفت إلى الكاهن وقال: «الزائدتان غريبتان.» والتفت إلى الملاك مجدَّدًا وتابع: «لم أسمع قط بمثل هذا الازدواج الكامل، على الأقل بين البشر. الأمر شائع في النباتات، هل أنت الوحيد في أسرتك الذي لديه هذه الحالة؟» ولم ينتظر ردًّا، بل تابع: «حالات ازدواج الأطراف شائعة؛ فهناك أطفال لديهم ستة أصابع، وعُجول لديها ستة قوائم، وقطط تزدوج مخالبها.» ثم التفت مجدَّدًا إلى الملاك، وكان يحاول ارتداء المعطف ولا يتمكن منه، فقال له: «هل يمكنني مساعدتك؟» وواصل كأنما يخاطب نفسه: «لكنِ ازدواجٌ كامل هكذا؟! وكبير الشبه بالطيور! لو اقتصر الأمر على ذراعَين زائدَتين لما كان بهذا القدر من الغرابة.»

استقر المعطف على الملاك أخيرًا، وحدَّق كلٌّ من الطبيب والملاك في الآخر.

قال الطبيب: «هذا يجعل المرء يفكر في خرافة الملائكة تلك وكيفية نشأتها. تبدو محمومًا بعض الشيء يا سيد آنجيل. التوهُّج الزائد عَرَضٌ أسوأ من الشحوب الزائد. صدفةٌ غريبة أن يكون اسمك آنجيل! عليَّ أن أرسل إليك دواءً لخفض الحرارة، وإذا شعرت بالعطش أثناء الليل فما عليك إلا …» وكتب ملاحظة على طرف كمه.

راقبه الملاك باهتمام، وندت من عينَيه ابتسامةٌ خافتة.

قال الكاهن: «دقيقةً واحدة يا كرامب.» وأخذ بذراع الطبيب وذهبا نحو الباب.

تجلَّت ابتسامة الملاك أكثر، ونظر إلى ساقَيه المتشحتين بالسواد، وخاطب نفسه: «لا بد أنه يظنني بشريًّا! تفسيره للجناحَين يُغفل حقيقتي كلها، يا له من مخلوقٍ غريب! ويا له من حلم عجيب!»

١٤

همس الكاهن للطبيب: «هذا ملاك بالفعل، ألم تفهم؟»

رد الطبيب بصوتٍ حاد: «ماذا؟» ورفع حاجبَيه مبتسمًا.

قال الكاهن: «لكن ماذا عن الجناحين؟»

أجابه الطبيب: «طبيعيان تمامًا، ولو كانا غريبَين بعض الشيء.»

سأل الكاهن: «هل أنت متأكد من أنهما طبيعيان؟»

رد الطبيب: «كل ما في الوجود طبيعي يا زميلي العزيز، لا وجود لشيء غير طبيعي في هذا العالم. لو وُجد ذلك لتركت مهنتي وانضممت إلى الدير الكرتوزي الأكبر، لكن توجد ظواهر تخرج عن المألوف بالتأكيد، و…»

قاطعه الكاهن: «ولكن الطريقة التي وجدتُه بها …»

قال الطبيب: «على ذكر ذلك، أخبرني أين وجدته؟» وجلس إلى طاولة في الردهة.

تردد الكاهن لبرهة؛ إذ لم يكن بارعًا في رواية القصص، ثم بدأ بذكر الإشاعات التي دارت عن طائرٍ كبيرٍ غريب. كانت جمله مبعثرةً غير متماسكة؛ إذ كان يخشى أن تصطبغ محادثاته اليومية العادية بأسلوب الأسقف الوعظي الذي كان يعرفه جيدًا ويستقبحه، وظل الطبيب يحرك رأسه إلى الأسفل كل ثلاث جمل تقريبًا، كما بدا من حركة رأسه وفمه أنه يُطمئن نفسه من أن التفاصيل التي سُردت تتطابق مع ما توقعه، ولما فرغ الكاهن من الحكي، خاطب الطبيبُ نفسَه بصوتٍ خفيض قائلًا: «تنويمٌ ذاتي.»

قال الكاهن: «معذرة؟»

رد الطبيب: «لا شيء، عفوًا، أكمل حديثك، هذا مثير جدًّا.»

قال الكاهن إنه خرج حاملًا بندقيته.

قاطعه الطبيب قائلًا: «قلت إن ذلك كان بعد الغداء، صحيح؟»

رد الكاهن: «بعد الغداء مباشرةً.»

قال الطبيب: «عليك أن تمتنع عن ذلك، بالمناسبة، لكن واصل حديثك، من فضلك.»

ووصل في حكيه إلى لحظة كان عند البوابة ووقعت عينه على الملاك.

قال الطبيب مقاطعًا: «كانت درجة الحرارة تسعة وسبعين في الظل في ظهر ذاك اليوم.»

عندما فرغ الكاهن من قصته، مطَّ الطبيب شفتيه، وابتسم ابتسامةً خفيفة، وحدق في عينَي الكاهن بشدة.

فقال الكاهن مترددًا: «أنت لا ﺗﺼ…»

هز الطبيب رأسه وقال: «اعذرني في ذلك.» ووضع يده على ذراع الكاهن.

تابع الطبيب: «إذن أنت خرجت بعد الغداء في ظهيرةٍ قائظة ربما تجاوزت درجة الحرارة فيها الثمانين، في حين كان عقلك — أو بالأحرى الجزء الذي كان يعمل منه حينئذٍ — يضجُّ بأفكار عن ذلك الطائر الذي تتوقَّعه، وأقول الجزء الذي كان يعمل منه لأن معظم أعصابك حينها كانت تُركز على هضم طعام الغداء الذي كنت قد تناولته لتوِّك، وفجأةً يهبُّ رجلٌ واقفًا أمامك من بين أوراق السرخس التي كان مستلقيًا بينها، فتطلق النار. وتشاء الصدفة البحتة أن يكون لدى ذاك الرجل زوجان من الأطراف العلوية، أحدهما يشبه الأجنحة، إنها صدفة بالتأكيد، أما عن الألوان الكثيرة تلك، ألم يسبق لك أن رأيت بُقعًا ملوَّنة تطفو أمام عينيك في نهارٍ مشمسٍ وهَّاج؟ هل أنت متأكد أنها كانت على الجناحَين فقط؟ فكِّر.»

قال الكاهن: «لكنه يقول إنه ملاك!» في حين اتسعت عيناه الدائريتان الصغيرتان حتى كادتا تنسلَّان من محجرَيهما، ووضع يدَيه الممتلئتَين في جيبَيه.

رد الطبيب وعيناه مثبتتان على الكاهن: «هه، توقعتُ ذلك!» ثم صمت.

قال الكاهن: «لكن ألا تظن …»

قال الطبيب بصوتٍ خفيض ونبرةٍ جدية: «هذا الرجل مذهون.»

قال الكاهن: «ماذا؟»

رد الطبيب: «مذهون، مضطرب العقل، هل لاحظتَ الرقة الأنثوية الظاهرة في وجهه؟ وميله إلى الضحك الذي لا معنى له؟ وشعره المهمَل؟ وملبسه الغريب؟»

أمسك الكاهن بذقنه متفكرًا.

وتابع الطبيب: «كلها علامات على الاختلال العقلي، يخلع الكثير من أمثاله المشوهين على أنفسهم الكثير من الألقاب الغريبة؛ فقد يسمي أحدهم نفسه أمير ويلز، ويدَّعي آخر أنه الملاك جبرائيل، ويظن ثالثٌ نفسه إلهًا. إبسن يخال نفسه معلِّمًا عظيمًا، وماترينك يظن نفسه خليفة شيكسبير. قرأت عن ذلك كثيرًا في نوردو. لا شك أن هذا التشوُّه الغريب الذي ابتُلي به هو ما جعل الفكرة تخطر له …»

قال الكاهن: «لكن في واقع الأمر …»

قاطعه الطبيب: «لا شك لديَّ أنه هرب من مصحة.»

قال الكاهن: «لستُ مقتنعًا على الإطلاق بأن …»

قاطعه الطبيب مجددًا: «ستقتنع، وإن لم تقتنع، فالشرطة هي الحل، فإن لم يكن، فالإعلان عنه، لكن حينئذٍ قد يحاول ذووه التكتُّم على الأمر؛ فحاله مثار رثاء يصِمُهم.»

قال الكاهن: «لكنه بوجهٍ عام يبدو …»

قال الطبيب: «من المرجَّح أن يتواصل معك أصدقاؤه خلال يوم تقريبًا …» وتحسَّس ساعته ثم تابع: «لا بد أن مسكنه في الجوار، يبدو أن لا خطر يُخشى منه، عليَّ أن أعود لإلقاء نظرة على هذا الجناح غدًا.» وقام من مكانه عند الطاولة.

وقال: «ما زلتَ متأثرًا بأقاصيص العجائز!» وربت على كتف الكاهن، وتابع: «لكن ملاك، كما تعلم — ها ها!»

قال الكاهن في ارتياب: «لقد ظننت بالفعل أن …»

قاطعه الطبيب وهو لم يزل يتحسَّس ساعته: «فكِّر في الأدلة بأسلوبٍ دقيق، ماذا لديك منها؟ دفقات من الألوان مصدرها عوائم العين فحسب.»

قال الكاهن: «ومع ذلك، ما زلت أتذكَّر روعة جناحَيه، أكاد أُقسم بجمالهما الأخَّاذ.»

رد الطبيب: «فكِّر في الأمر؛ ظهيرةٌ قائظة، أشعة شمس شديدة تسقط على رأسك … إلى آخره، على أي حال، أنا مضطر للانصراف، الساعة الآن الخامسة إلا الربع، سأعود لزيارة «ملاكك» (هأ هأ!) غدًا إذا لم يأتِ أحد لأخذه قبل ذلك. أحسنتَ تضميد الجرح، وأنا من أُباهي ببراعتي في ذلك، لم يذهب تدريب الإسعافات هباءً، طاب مساؤك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤