الفصل الخامس

شعوب لا عددية مُعاصرة

في بعض الأحيان وأنا طفل صغير، كنتُ أستيقِظ في الأدغال على الأصوات المُتنافِرة لأشخاصٍ يَرْوون أحلامهم لبعضهم البعض: أحاديث فردية يعقُبها دفقاتٌ من تعليقاتٍ تتَّسِم بالحماسة. والأشخاص المَعنيون هم مجموعة تُعرَف باسم «بيراها»، وهي جماعة مُذهِلة (بالنسبة إليَّ على أي حال)، ويُعرَف عنهم أنهم يستيقظون ويتحدَّثون إلى أقرب جيرانهم في أيِّ ساعةٍ من ساعات الليل. وفي بعض الأحيان، تُزعِج هذه الممارسةُ بعض الأغراب الذي يحاولون جاهِدين أن يناموا. بالرغم من ذلك، فبالنسبة إلى ولدٍ صغير مثلما كنت، فإنَّ هذه الأصواتَ التي يتردَّد صداها في كوخ أُسرتي الكبير، خفَّفَت من مخاوفي الليلية المُرتبطة بالأدغال، وهدَّأَت من رَوعي حتى وإن لم أفهم إلا قليلًا مما يقولون. فعلى أي حال، كانت هذه الأصوات تدلُّ على أنَّ أهل القرية كانوا مطمئنِّين وغير مُنشغِلين بما كان يُقلِقني. لقد بدَت أصواتهم في هذا الليل السحيق خاليةً من أسباب القلق التي كانت تُبقيني مُستيقظًا في سكون في أرجوحتي الشبكية حين كانت تُقلقني بعض ضوضاء الغابة غير المفهومة. وحين كنتُ أستيقظ على صوت رُواة الأحلام، عادةً ما كان النوم يتسلَّل إليَّ ثانيةً بعد وقتٍ قصير.

كان طريق الوصول إلى قرية «بيراها» التي كانت تَعيش فيها أُسرتي عبارة عن رحلةٍ مُتعرِّجة عبر روافد الأمازون، أو رحلة لمدة ساعة بطائرة سيسنا ذات المُحرِّك الواحد، وكانت هذه الرحلةُ تنتهي بالطيَّار وهو يَستقر بعجلات الطائرة على مَدرَج هبوطٍ ضيِّق من العُشب، كان قبل اقتراب الطائرة مُختفيًا في خضمِّ ذلك البحر من الأشجار. وقد ظلَّت قرية بيراها مُنعزِلةً حتى اليوم، فلم تتغيَّر ثقافتها بدرجةٍ كبيرة منذ طفولتي، بل منذ بداية تواصُلهم مع أهل البرازيل قبل ما يزيد على القرنَين. إنهم ما زالوا يعيشون في تجمُّعات صغيرة حول النهر، في بيوتٍ متواضِعة للغاية كانوا يتخلَّون عنها في بعض الأحيان فينامون على ألواحٍ من الخشب على شواطئ النهر البيضاء التي تظهر في موسم الجفاف. وهم ما زالوا يستيقظون في مُنتصف الليل، ويبدو أنهم يكونون في وسط محادثة إذ يتشاركون الخِبراتِ من أحلامهم.

لقد قضيتُ أنا ووالداي وأُختاي الأكبر منِّي سنًّا، شهورًا عديدة من طفولتي مع هذه المجموعة الصغيرة التي تَعيش على جمع والتقاط الثمار في قلب إقليم الأمازون. وهذه الجماعة مُميَّزة لأسبابٍ عديدة، وبخلاف مخاوف الليل العابرة، فإنَّ ذكريات طفولتي عنهم لطيفةٌ وتكاد أن تكون شاعرية. لقد أخذَنا والداي لنقضيَ بعض الوقت معهم، وكان ذلك جزءًا من عملهما في ذلك الوقت؛ إذ كانا مُترجِمَين إنجيليَّين للإنجيل. بالرغم من ذلك، فلم يكن الإنجيلُ هو الشيء الخارجي الوحيد الذي أحضرَتْه أُسرتُنا إلى ذلك المكان، بل أحضَرْنا بعض الأغراض الخارجية الأخرى التي قد يقول البعض عنها إنها تَلقى اعتراضًا أقلَّ من أهل «بيراها» ويُفضِّلونها بدرجة أكبر، ومنها الأدوية الغربية التي أنقذَت حياة العديد من الأطفال. لقد كان إحضارُ أغراضٍ أجنبية أقلَّ نجاحًا في العادة؛ فعلى سبيل المثال، كانت معظم مُنتَجات الطعام الخارجية تُثير حيرة أهل بيراها، مثلما كانت عادتهم في أكْلِ بعضهم القمْلَ من رءوس بعضٍ تُثير حيرتي أنا وأُختيَّ. لقد سأَلَنا أحد رجال «بيراها» ذات مرة عن السبب في حاجتنا إلى أن نُوزِّع مادةً تُشبه الدم، وهي التي نُطلِق عليها اسم «الكاتشب»، على طعامنا. وكذلك حين كنَّا نأكل السلاطة ذات مرة، أشار رجلٌ آخَرُ إلى بعض المشاهدين الآخرين من أهل بيراها بأنَّنا نأكل أوراق النباتات بطريقةٍ غريبة. ومن الفئات الأخرى للوارِدات التي لم تَنجح مع أهل بيراها الرموز الغربية بجميع أنواعها، ومنها الحروف الأبجدية؛ فعلى العكس من مُعظم مجموعات السكَّان الأصليين، بدا أهلُ بيراها غير مُهتمِّين بكتابة لغتهم. ومن بين الواردات المرفوضة أيضًا الأعداد، والتي رفضَتْها الجماعة تمامًا.1

في الكثير من هذه الليالي التي قضيناها في القرية، وقبل أن نذهب إلى النوم في الأرجوحات الشبكية، كان والدايَ يُعطيان دروس الحساب لأهل بيراها، وقد زادوا من مُستويات مشاركة أهل القرية في هذه الدروس من خلال تقديم أحد أنواع الواردات الجيِّدة المطلوبة في نظرهم: الفشار. وعلى الوهَج الجاذب للحشرات، المنبعث من مصابيح الغاز الموَّزعة في كوخ أُسرتنا، والذي يُطلُّ على عناصر الطبيعة المُمتدَّة على طول نهر مايسي الأسود، حاوَلا تعليم هذه الجماعة الحساب بلُغَتهم الأصلية. وقد اتَّضح أنَّ هذه المحاولات لم تنجَحْ لمجموعةٍ متنوعة من الأسباب؛ ولعلَّ السبب الأبرز منها هو أنَّ لغة البيراها تفتقِر إلى وجود أي أعدادٍ محدَّدة؛ فحين تتبنَّى إحدى الثقافات نظامًا عدديًّا لثقافةٍ أخرى، فإنَّ أفراد هذه الثقافة المُتبنَّاة يكونون على وعيٍ بالمقصود بمفردات الأعداد على أقل تقدير، أما في حالة البيراها فقد كانت الأعدادُ غريبةً تمامًا. ولا ينطبق ذلك على مفردات الأعداد البرتغالية التي كان والداي يُحاولان تدريسها فحسْب، بل على وجود مفرداتٍ دقيقة للأعداد، والأهمُّ من ذلك أنه كان ينطبق على تمييز مُعظم الكميات المحدَّدة التي تُشير إليها.

حين كنتُ ولدًا صغيرًا كانت الصعوبة التي يُواجِهها البالِغون من أهل بيراها حين يُحاولون تعلُّم الأعداد، تُحيِّرني كثيرًا. وبدرجة كبيرة، كان ذلك الأمر مُحيرًا لي؛ لأنَّه كان واضحًا حتى لوعيي الصغير أنَّ هؤلاء ليسوا أفرادًا يُعانون من صعوبةٍ ما في التعلم؛ فما مِن خللٍ وراثي واضح بين هؤلاء الأفراد يُفسِّر الصعوبة التي كانوا يُواجهونها حين ذاك، وما زالوا يواجهونها، حين يتعلق الأمر بتعلُّم الأعداد. علاوةً على ذلك، فإنَّ أفراد البيراها الذين نَشئوا في ثقافةٍ خارجية لا يواجهون مثل هذه الصعوبة. وبالفعل، فقد كنتُ أتعجَّب من البراعة الإدراكية لهؤلاء الأفراد في العديد من الجوانب الأخرى. ولا شكَّ بأنَّ جزءًا من هذا التعجُّب كان يُعزى إلى حداثة سِنِّي، لكنَّ التجرِبة التي حفَّزته لم تكن بالهيِّنة؛ فقد كنتُ (مثل أختيَّ) ألعبُ مع أطفال البيراها، وأتبَعُهم في الغابات، وقد كنتُ أضلُّ طريقي بالفعل دونهم في بعض الأحيان. كنتُ أشاهدهم وهم يَصطادون السَّمك أفضل منِّي، ويُميزون موارد الفاكهة بطرُقٍ لم أستطع أن أفعلها. وبصفةٍ عامة، فقد كنتُ أشعُر أنهم لا يُبارَوْن في العديد من المهارات الذهنية التي كانت في غاية الأهمية في بيئتهم. بالرغم من ذلك، ففي درس الحساب العابر الذي يُقام على ضوء المصابيح، كنتُ أنا الأفضلَ من بينهم، أفضل حتى من الكبار.

إنَّ هؤلاء الأشخاص ليسوا هم الوحيدين الذين تقِف بعضُ الحواجز اللُّغوية والثقافية بينهم وبين اكتسابهم لمبادئ الحساب. وبالفعل تُوجَد جماعة على بُعد مئات الكيلومترات باتجاه الشرق، قد واجهَت صعوباتٍ مُماثلةً؛ قبيلة موندوروكو، وقد كانت قبيلةً كبيرة مُحاربة في السابق، تَعيش في أعلى نهر تاباجوس، وهو رافدٌ رئيسٌ لنهر الأمازون. بدأَت هذه القبيلة في العمل باستخراج المطَّاط خلال أواخر القرن التاسعَ عشر، والبعض لا يَزالون يقومون بذلك حتى الآن. ومع العمل الجادِّ تمكَّنوا من استخراج كميةٍ كبيرة من المطَّاط، لا سيما في أوْج ازدهار المطاط الأمازوني في الجزء الأول من القرن الماضي. بالرغم من ذلك، فقد كانوا مثلما يُشير المؤرِّخ جون هيمينج: «لا يتمتَّعون بمهاراتِ التِّجارة إلى درجةٍ محزِنة، وقد كان من السهل خِداعهم؛ إذ إنهم لم يكونوا يَفهمون قواعد الحساب. لقد باع لهم تجار «ريجاتو» (قارب نهري) بعضَ البضائع بأربعة أضعاف الربح، وقد كان من هذه البضائع رم الكاشاسا وبعض الأدوية عديمة الفائدة، والتي تُباع دون وصفةٍ من الطبيب. لقد بخَسوهم بالطبع ثمن المطاط.»2
لقد رأيْنا في الفصلَين الثالث والرابع أنَّ اللغات تختلف اختلافًا كبيرًا في كيفية ترميزها للمفاهيم العددية؛ فبعض اللغات تستخدِم أنظمةً عددية تُتيح لها توليدَ عددٍ لا نهائي من مصطلحات الكميات، غير أنَّ العديد من اللغات تستخدِم أنظمةً أقلَّ فاعلية. ولا شكَّ بأنَّ لغة الموندوروكو ولُغة البيراها تُصنَّفان في هذه الفئة الأخيرة، وربما تُمثِّل لغة البيراها بالتحديد الحالةَ الأكثر تشدُّدًا؛ فهي لغة منطوقة لا تتضمَّن أي مصطلحات مُحدَّدة للأعداد، ولا حتى للعدد «واحد»، وليس ذلك بزعمٍ منقول بالرواية فحَسْب. إنَّ أول مَن لفَت اهتمام المجتمع البحثي إلى الطبيعة اللاعددية للغة، هو والدي دانييل إيفريت، الذي تخلَّى عن عمله التبشيري، وأصبح باحثًا.3 وقد نتَج عن تعليقاته على هذا الأمر العديدُ من التجارِب التي أجراها العديدُ من علماء النفس وغيرهم ليختبروا ما إذا كانت اللغة لا عددية بالفعل أم لا. فلنتناول على سبيل المثال إحدى التجارِب التي قام بها الأخصائيون اللغويُّون النفسيُّون قبل عشْر سنواتٍ تقريبًا. في هذه التجرِبة عُرِض على أفراد البيراها مجموعةٌ من الأشياء؛ كُراتٌ من الخيط، ثم طُلِب منهم أن يَذكروا اسم الكمية التي تُمثِّلها المجموعة. واستخدم الأفراد الأربعةَ عشَر المشاركون في هذه التجربة كلمةَ hói للإشارة إلى شيء واحد، وأفضل ترجمة مُمكِنة لهذه الكلمة هي «حجم أو مقدار صغير»، وهو المصطلح الذي يُعبِّر عن أقلِّ كمية في اللغة. والمصطلح التالي الذي يُعبر عن أقل كمية هو hoí الذي لا يختلف عن hói إلا في نغمة الحرف المُتحرِّك، وهذا الاختلاف في النغمة يُغيِّر معنى الكلمة تقريبًا إلى «قليل أو بضعة». بالرغم من ذلك، فعلينا أن نُشير إلى أنَّ معنى hói يمتدُّ إلى معنى hoí وهو ما اتَّضح من النتائج التجريبية للدراسة المَعنيَّة. لقد اكتشف الباحثون أنَّه بخلاف الحالات التي طُلِب فيها من المشاركين الأربعةَ عشر أن يَذكروا المصطلح الذي يُعبِّر عن كمية كُرة واحدة من الخيط، ظهرَت بعض الاختلافات حين طُلِب منهم تسميةُ كميَّات أكبر، وقد استُخدِمَت الكلمة hoí في معظم الحالات، لكنَّ الأمر الغريب أنَّ بعض المُتحدِّثين قد استخدموا كلمة hói (مما يوضِّح أنَّ الكلمة الأخيرة لا تُعبِّر عن العدد «واحد» فحسب). وبالنسبة إلى العدد ثلاثة، جاءت النتائجُ مُختلِطة أيضًا. والواقع أنه مع زيادة الكمية قلَّ استخدام hoí لكنَّ الانتقال من استخدام hói إلى hoí ثم مِن hoí إلى baágiso (وهي الكلمة التي تعني تقريبًا «الكثير» وتعني حرفيًّا «نجمع معًا») كان تدريجيًّا. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ مُتحدِّثي اللغة الإنجليزية الذين يؤدُّون هذه المهمةَ لا يَستخدِمون سوى كلمة one للدلالة على شيءٍ واحد، ويَستخدمون two للدلالة على شيئَين، ويَستخدِمون three للدلالة على ثلاثة أشياء … وهكذا.4
إنَّها نتيجة مهمة؛ إذ تَدْعمها دراساتٌ تجريبية أخرى، وهي تُشير إلى أنَّ الكلمات الثلاث الشبيهة بالأعداد في لغة البيراها ليست في واقِع الأمر أعدادًا دقيقة؛ فهذه المصطلحات تُستخدَم بمعنًى تقريبي فحَسْب، مثلما نَستخدم a few [بضعة] أو a couple of [زوجان من] في الإنجليزية. وعلى العكس من مُتحدِّثي الإنجليزية، فإنَّ مُتحدِّثي البيراها لا يمتلكون بدائلَ دقيقةً مثل three أو two. إنَّ لغة البيراها لغة لا عددية، إنها حتى تَفتقِر إلى اختلافات العدد النحْوي التي ناقشناها في الفصل الرابع؛ إنها سِمة مُذهِلة في لغة البيراها وثقافتها بصورةٍ أعم: لقد اختاروا ألَّا يَستخدموا الأعداد الدقيقة في خبرتهم اليومية، وبالرغم من أنَّ قبيلة الموندوروكو تستخدِم الأعداد، فهم يَستخدِمون مُعظمها بطرقٍ غير دقيقة كذلك. ففي دراسة مهمة نُشِرَت في مجلة «ساينس» عام ٢٠٠٤، وضَّح فريقٌ من علماء الإدراك أنَّ معظم مفردات الأعداد التي تَستخدِمها تلك اللغة، هي أيضًا لها معانٍ غير مُحدَّدة.5

إنَّ السبب في المُعوِّقات الثقافية لاستخدام الأعداد الدقيقة بين هذه الجماعات، لا يَزال محلًّا للجدل، لكنَّ صلابة هذه المعوقات غيرُ اعتيادية؛ فعادةً ما تَنتشِر الأنظمةُ العددية بين الثقافات، لا سيما بعد التواصُل لفترةٍ طويلة مع أفرادٍ من خارج الثقافة، مثلما حدَث مع هذه الجماعات من السكَّان الأصليِّين. وبعبارةٍ أخرى، حين تواجه الثقافاتُ مجموعاتٍ أخرى تَستخدِم عددًا أكبر من الكلمات التي تُعبر عن الكميات، فإنها عادةً ما تستعير بعض هذه الكلمات أو كلَّها، أو حتى المفاهيم التي تُعبِّر عنها هذه الكلماتُ على الأقل. وهذه الاستعارة أمر مفهوم؛ لأنَّ الأعداد مفيدة جدًّا. ونظرًا إلى هذه النزعة التي نلاحِظها كثيرًا، فقد يكون من المُفاجئ أنَّ بعض الثقافات لم تتبنَّ الأنظمة العددية الشاملة التي تستخدِمها الجماعاتُ التي التقَتْ بها، بغضِّ النظر عما قد تُواجِهُه من صعوبةٍ في استخدام هذه الأنظمة في حالاتهم الخاصة. بالرغم من ذلك، فقد ظلَّت البيراها والموندوروكو وبعضٌ من الثقافات الأخرى ثقافاتٍ لا عددية، أو ثقافاتٍ لا عددية إلى حدٍّ كبير. (غير أنَّ بعض الإشارات تُشير الآن إلى تغيُّر ذلك الوضع في كِلْتا الحالتَين.) ومثلما سنرى لاحقًا فإنَّ هذا الاختيار له آثارٌ متغلغلة.

البحث عن إجاباتٍ في الغابة

في دراسةٍ حَظِيَت بذيوعٍ كبير، ونُشِرت أيضًا في مجلة «ساينس» عام ٢٠٠٤، وضَّح أحدُ مُتخصِّصي علم النفس من جامعة بيتسبرج من خلال التجربة، أنَّ غياب مفردات الأعداد من ثقافة البيراها، له آثارٌ عميقة على قدرات أفرادها على التمييز بين الكميات. وقد أجرى عالم النفس بيتر جوردون سلسلةً من المهام التجريبية على مدار صَيفَين زار فيهما قرية البيراها، وكان ذلك بمساعدة والدَيَّ. وقد أثبتَت نتيجةُ هذه المهام، بطريقةٍ واضحة ومُتكررة، أمرًا كان مَثار الأقاويل لبعض الوقت، وهو أنَّ أفراد البيراها يجدون صعوبةً في التمييز بين الكميات التي تَزيد على ثلاثة. ومن نواحٍ عديدة، كانت التجارِب التي أجراها جوردون تُشبِه بعض التجارِب التي حاول والدايَ تنفيذها في الدروس سالفةِ الذِّكر مع أفراد هذه الجماعة في بداية الثمانينيَّات من القرن العشرين.6

وفي مَوجة الانتباه الذي وُجِّه إلى البيراها عقْب نشْر دراسة جوردون، غالبًا ما كان يتمُّ تصويرُ هؤلاء الأشخاص بصورةٍ غير دقيقة، أو مشوَّهة للغاية في بعض الأحيان. فعلى أي حال، أصبَحوا يُمثِّلون بالنسبة إلى البعض حياةَ الرجعية، عودة إلى أيام العصر الحجَري، وبقايا من العصر اللاعددي. واقترحَ البعضُ أنَّ الصعوبة التي يُواجِهونها في تعلُّم المفاهيم الحسابية ربما تعود إلى زواج الأقارب فيما بينهم، فربما يكون السببُ هو جينًا، أو جيناتٍ، متنحِّيةً قد ظهرَت بسبب المُختنق السكاني. وكلا التفسيرَين خاطئٌ تمامًا بالطبع؛ فالنتيجة المنطقية الوحيدة التي يُمكِننا أن نستخلصها من دراسة جوردون هي أنَّ أهل البيراها هم جماعة تَعيش على الصيد والتقاط الثمار، وقد اختاروا ألا يَستخدموا الأعداد، ونتيجةً لذلك، فهم لا يَستخدمون المزايا الإدراكية التي تُقدِّمها هذه الأداة. ولكي نَفهم هذا التفسير بصورةٍ أفضل؛ يجب علينا أن نَدرُس نتائج دراسة جوردون، وكذلك أعمال الآخرين اللاحقةَ عليها، بما في ذلك أعمالي.

fig6
شكل ٥-١: أسرة من البيراها في زورقٍ تقليدي يَسير في أحد روافد نهر مايسي، ثيابهم من الواردات القليلة من العالَم الخارجي. الصورة من التقاط المؤلِّف عام ٢٠١٥.

لكنَّنا في البداية، سنَعرض مُقدِّمة عن كيفية إدراك البشر للأعداد بصفةٍ عامة. مثلما أوضحْنا في الفصل الرابع، فإنَّ البشر مزوَّدون فطريًّا «بحاسَّتَين» حِسابيَّتَين. وبالرغم من أنَّ العديد من البالِغين لن يرَوْا أنَّ هاتَين القُدرتَين أو هاتَين الهِبتَين الوراثيَّتَين، تتَّسمان بالطبيعة الحسابية، نظرًا لبساطتهما، فإنهما أساسيَّتان لمشروع التفكير باستخدام الأعداد؛ لدَينا أولًا: الحاسَّة العددية التقريبية، وهي قُدرتنا الفطرية على تقدير الكميات، ويبدو أنَّ أطفال البشَر يُولَدون بهذا النظام، وهو يُمكِّنهم من تمييز الفروق الكبيرة بين الكميات؛ فمِثلما سنرى في الفصل السادس، يَستطيع الأطفال حديثو الولادة أن يُميِّزوا على سبيل المثال بين ثمانية عناصر وستةَ عشر عُنصرًا، فهم يستطيعون إجراء العمليات الحسابية بشكلٍ تقريبي، فيما يتعلَّق بالكميات الكبيرة. وأما ثاني القدرات الحسابية الفطرية لدى البشر: فهي قدرتهم على التمييز الدقيق للكميات المُتمثلة في ثلاثةٍ أو أقل، بعبارةٍ أخرى، فإنَّ جميع أفراد البشَر من جميع الأعمار يَستطيعون أن يُميِّزوا بين شيءٍ واحد وشيئَين، وكذلك بين ثلاثة أشياء وشيءٍ واحد. وفي هذا الكتاب، سوف أُشير إلى هذه القدرة باسم الحاسَّة العددية الدقيقة؛ لسهولة مُقارنتها بالحاسَّة العددية التقريبية. (ونظرًا إلى أنها تساعد بصفةٍ عامَّة في تتبُّع المجموعات الصغيرة من الأشياء بالتوازي، فعادةً ما يُشار إليها في مجال علم النفس باسم «نظام الملف الهدف» أو «نظام التفرُّد المتوازي».) ومثلما ذكرتُ في الفصل الرابع، فإنَّ المنطقة المسئولة بشكلٍ كبير عن هاتَين الحاسَّتَين في أدمغتنا، هي منطقة الثَّلْم داخل الفص الجداري.

إنَّ وجود هاتَين القُدرتَين الحِسابيَّتَين البدائيَّتَين المُختلفتَين، قد أصبح مؤكدًا في الوقت الحالي، غير أنَّ الوعي بوجودهما لا يزال يَطرح أمامنا أسئلة مُحيرة: لِمَ يَستطيع البشر دون الأنواع الأخرى الجمْعَ بين هاتَين القُدرتَين؟ وكيف نجمع بينهما معًا؟ وما الذي يُمكِّننا من نقْل هذا الإدراك الدقيق للكميَّات الصغيرة إلى الكميات الكبيرة، التي تُعالجها الحاسَّةُ العددية التقريبية تلقائيًّا؟ وبصفةٍ عامة، توجَد إجابتان أساسِيَّتان لهذه الأسئلة المُتشابِهة؛ الإجابة الأولى هي إجابة التوجُّه الفطري، ووَفْقًا له فإنَّ هاتَين القُدرتَين مُدمَجتان في الدماغ البشري؛ لأنَّ تلك ببساطة هي كيفية عمل الدماغ البشري. ووَفْقًا لهذا المنظور، فإنَّنا لم نُزوَّد في شفرتنا الوراثية بالحاسَّة العددية الدقيقة والحاسَّة العددية التقريبية فحسْب، بل زُوِّدْنا أيضًا بالقُدرة على استخدامهما معًا تدريجيًّا بطريقةٍ ما. ومعنى هذا بعبارةٍ أخرى: أنَّ إحدى السِّمات التي يَتميَّز بها نوعُنا هي أنَّ الأعداد مُثبَّتة في أدمغتنا، وأنَّنا نُدرِك تلقائيًّا على مدار تطوُّرنا أنَّ كميتَين مثل ٥ و٦، تختلفان عن بعضهما البعض. (وحتى إن كانت التسميات مثل «خمسة» و«ستة» قد تُيسِّر هذا الإدراك، فإنَّ الإدراك نفسَه ممكنٌ في غيابها.) أما الإجابة الثانية المُحتملة فهي ذات توجُّهٍ ثقافي، وهي أنَّ البشَر لا يتعلَّمون الجمع بين القُدرتَين الرياضيَّتَين الفطريَّتَين، إلا إذا تعرَّضوا للأعداد بعد انتمائهم إلى ثقافةٍ عددية وتَحدُّثِهم لغةً عددية. ويَفترض مثلُ هذا التفسير أنَّ البشر لا يتعلمون التمييزَ بدقةٍ بين الكميات الأكبر من ٣، إلا حين يتعلمون الرموز الثقافية المشتركة التي ترمز إلى الكميات المُحدَّدة، أي حين يتعلَّمون مفرداتِ الأعداد.

إنَّ هذَين التَّفسيرَين المُحتملَين بشأن نشأة الإدراك العددي الذي يتميز به البشر؛ يؤدِّيان إلى توقُّعات مُتماثلة بدرجةٍ كبيرة. فكِلا التفسيرَين يَتوقَّع أنه مع نشأة البشَر في مجتمعات عددية، سوف يكتسبون مهارةَ إدراك الفروق الدقيقة بين الكميات الأكبر من ٣. ونظرًا إلى أنَّ الغالبية العظمى من ثقافات العالم عددية؛ فقد ظلَّ تقديمُ أدلةٍ واضحة تدعم هذه الفرضية أو تلك أمرًا صعبًا لبعض الوقت. فقد يقترح أحد المُؤيِّدين لهذا التفسير الثقافي، على سبيل المثال، أنَّ الأطفال لا يُتقِنون التمييزَ بين الكميَّات الأكبر من ٣، إلا حين يتعلَّمون العد. وقد يَحتجُّ أحد المؤيدين لفرضية التوجُّه الفطري بأننا نتعلَّم العدَّ حين تنمو أدمغتنا بالدرجة الكافية لأداء هذه المهمة. ومن الطرُق التي يمكن استخدامها لإلقاء الضوء على المسألة تقديمُ بيانات من مجموعةٍ من البالغين الأصحَّاء الذين يَعيشون في مجتمع غير عددي. فإذا كانت إحدى الجماعات السُّكانية لا تَستخدم مفرداتِ الأعداد أو غيرها من أشكال الثقافة العددية، فهل سيتعلم أفرادُها التمييزَ بين معظم الكميات بدقة، أم يقتصر استخدامهم على الحاسَّة التقريبية الأبسط التي يُوفرها جهازنا الدماغي؟ إنَّ الإجابة بالإيجاب عن السؤال الأول سوف تُقدِّم دعمًا كبيرًا للتفسير الفطري، أما الإجابة بالإيجاب عن السؤال الثاني فسوف تُقدِّم دعمًا كبيرًا للتفسير الثقافي.

ومع وضع هذه المسائل في الاعتبار، فإنَّ الدراساتِ المُتعلقةَ بالموضوع، التي أُجرِيَت على سكان البيراها، قد ركزَت على إبراز قدرة هؤلاء الأفراد على التمييز بين الكميات الأكبر من ٣ بدقة، أو إبراز غيابها. تكوَّنت دراسة جوردون من مجموعةٍ من مهام تمييز الكميات، وقد أجراها على البالغين في قريتَين، وكان الهدفُ من هذه المهام هو الإجابةَ عن هذا السؤال الأساسي: هل يتمكن الأفراد البالِغون الأصحَّاء الذين ينتمون إلى ثقافةٍ لا عددية من التمييز بين الكميات الأكبر من ٣ بدقة وبصورة منتظمة؟ هل يمكنهم دومًا التمييز بين ٦ عناصر و٧ عناصر، أو بين ٨ و٩، أو حتى بين ٥ و٤؟ وإذا لم يَكونوا يستطيعون، فإنَّ ذلك سوف يُشير إلى أنَّ معرفة العدِّ ومفردات الأعداد أمر أساسي، لا للرياضيَّات فحسْب، بل لمجرد التمييز بين الغالبية العظمى من الكميات.

كانت مهامُّ جوردون التجريبيةُ تنقسِم إلى فئتَين واسعتَين، وفي إحدى فِئتَيِ المهام، يُطلَب من المشاركين في التجرِبة أن يُقدِّموا عددًا مطابقًا للأشياء الموضوعة أمامهم على أحد الأسطح، وذلك من خلال وضع العدد نفسِه من الأشياء على ذلك السطح، وقد كانت الأشياء المُستخدَمة بطارياتٍ جافةً صغيرة بالحجم AA. وقد استُخدِمت هذه البطاريات في أنواعٍ مختلفة من المهام، وفي المهمة الأساسية المُتمثلة في «مطابقة الخط»، كان يُوضَع أمام المشاركين خطٌّ من البطاريات الجافة التي تبعُد عن بعضها مسافاتٍ متساوية، وكانت البطاريات تُوضَع قريبًا بعضُها من البعض لكي يُفهَم أنها مجموعة، لكنها مجموعة من عناصرَ منفصلة. وكان يُطلَب من المشاركين بعد ذلك أن يضَعوا الكمية نفسَها من البطاريات الجافَّة في مصفوفةٍ موازية للخط الأصلي، وذلك بعد تمثيل المهمة أمامهم أولًا بدقة. (وينطبق ذلك على جميع المهام المُتعلقة بالكميات التي أُجرِيَت بين هذه المجموعة؛ فدائمًا ما يُنفِّذ الباحثون التجارِبَ أولًا، وذلك للحدِّ من أي لبس.) في مهمة «المُطابقة المُتعامدة» طُلِب من المشاركين مرة أخرى أن يَصنعوا خطًّا من البطاريات، وقد كان من المفترَض أن يكون العدد مُساويًا للخط الأصلي المعروض أمامهم، لكنه في هذه الحالة أُديرَ بمقدار تسعين درجة. (وذلك بدلًا من أن يكون موازيًا للخط الأصلي مثلما هي الحال في مهمة مُطابقة الخط الأساسية.) وفي إحدى المهام الأخرى ذات الصلة، وهي مهمة «العرض لفترة مُوجَزة»، عُرِض أمام المشاركين خطٌّ من البطاريات، وطُلِب منهم أن يَصنعوا خطًّا من الكمية نفسها من البطاريات، لكنَّ ذلك بعد إخفاء الخط الأصلي من أمامهم. وفي الفئة الثانية من المهام التي استخدمَها جوردون، كان المطلوب من المشاركين أن يوَضِّحوا إدراكهم لكميةٍ من الأغراض الموضوعة في وعاء؛ ولهذا، فعلى سبيل المثال، كان جوردون يضع بعض الجَوْز في عُلبة معتِمة، وكان يضعها واحدةً تِلْو الأخرى أمام المشاركين. (كان المشاركون يستطيعون رؤية جانب العلبة من منظورهم، لكنهم لم يكونوا يستطيعون رؤيةَ ما بداخلها.) وقد قام بعد ذلك بإزالة حبَّات الجَوز نفسِها واحدةً تِلوَ الأخرى على مَرأًى من المشاركين، وبعد إزالة كل حبَّةٍ كان يُطلَب منهم أن يُوضِّحوا ما إذا كان هناك أي جوز بالعلبة أم لا.

مع إجراء جوردون لتجارِبه، ظهر نمَطٌ واضح في إجابات أهل البيراها، بصرْف النظر عن الطلبات المُحدَّدة في المهمة. ومُوجَز القول إنَّ أهل البيراها كانوا يواجهون صعوبةً ملحوظة في التمييز بين الكميَّات، على أنَّ الأمر الأهم هو أنَّهم لم يَجِدوا هذه الصعوبة إلا في الكميات الأكبر من ثلاثة؛ فحين كان يُطلَب من المشاركين على سبيل المثال أن يَصنعوا خطًّا من البطاريات يُطابق خطًّا آخر في الكمية، فإنَّ الخط الذي كانوا يَصنعونه كان يُطابِق الأول دائمًا، إذا كانت هذه الكمية ١ أو ٢ أو ٣. بالرغم من ذلك، فحين كان الخطُّ الأوَّلي يتضمَّن ٤ بطاريات أو أكثر، بدأ ظهور الأخطاء في الإجابات، وكان عددُها يزداد طَرديًّا مع زيادة عدد البطاريات التي تُعرَض عليهم. وقد ظهر نمَطٌ مُشابِه لذلك في مهمة المطابقة المتعامِدة، وكذلك مهمة العرْض لفترةٍ وجيزة، غير أنَّ الأخطاء قد زادت في المهمة الثانية، وليس ذلك مفاجئًا بالطبع نظرًا لما تحمِله طبيعةُ هذه المهام من صعوبةٍ أكبر. وفي اختبار وضع الجوز في العلبة، واجه مُتحدِّثو هذه اللغة اللاعددية صعوبةً فائقة، وقد زادت أخطاؤهم تبعًا لزيادة عدد الجوز الذي وُضِع في العلبة في البداية. وبعبارةٍ أخرى، فقد أشارت نتائجُ جوردون إلى أنَّ أهل البيراها كانوا قادِرين على مُطابقة الكميَّات في عقولهم، وذلك بشكلٍ متكرِّرٍ ودقيق؛ شرطَ ألا تَزيد كميةُ هذه العناصر التي يُسجِّلونها في عقولهم عن ثلاثة. أما في الكميَّات التي تَزيد على الثلاثة، فقد بدأَتِ الأخطاءُ بالظهور كما هو مُتوقَّع. لقد عكسَت إجاباتُهم نمَطًا من الاعتماد على التقريب أو التقدير التماثُلي، لا التمييز الدقيق بين الكميات.

إنَّ الأخطاء التي قام بها أهل البيراها لم تكن عشوائية، بل إنَّ جوردون قد لاحظ ارتباطًا واضحًا بين عدد المُحفِّزات المعروضة أمامهم وبين نِطاق الأخطاء المعتادة التي يقومون بها؛ فبالنسبة إلى الكميات الكبيرة التي أُجرِيَت الاختبارات عليها، كان متوسط الانحراف عن الإجابات الصحيحة يَزداد بشكلٍ مُتناسِب، أي كلما زاد العدد المُستهدَف زادت الأخطاء. وقد كانت هذه العلاقةُ مُنتظمة للغاية.7 وقد تتساءل عن السبب الذي يجعل نمَط الإجابات الخاطئة لأهل البيراها وثيقَ الصِّلة للغاية بمُناقشتنا. والواقع أنَّ لذلك سببَين؛ أولهما أنَّ العلاقة التي لاحظَها جوردون تُشير إلى أنَّ أهل البيراها كانوا يحاولون بالفعل أن يُطابِقوا الكميات التي يُشاهِدونها، من خلال عقولهم؛ فهم لم يتوقَّفوا عن المحاولة ببساطةٍ حين كانت الكميات تَزيد عن ثلاثة، ولا هم كانوا يُخمِّنون الإجابة عشوائيًّا لأنهم سَئِموا على سبيل المثال. والسبب الثاني هو أنَّه بالرغم من أنَّ العلاقة تُشير إلى أنهم كانوا يُصوِّرون كميات ما يُعرَض عليهم من أشياء في عقولهم، فمن الواضح أنهم كانوا يفعلون ذلك بطريقةٍ تقريبية فحسْب. وتلك هي الطريقة نفسُها التي سنتنبَّأ بها في ضوء ما نعرفه عن الحاسَّتَين العدديتَين اللَّتَين قد زُوِّد بهما البشَر فطريًّا.

لقد رسمَت لنا هذه النتائجُ الأولية التي جمَعْناها من البيراها صورةً واضحة؛ وهي أنَّ هؤلاء الأشخاصَ يجدون صعوبةً في مجرد التمييز بين الكميات التي تَزيد عن ثلاثة، وهم يستطيعون فِعل ذلك، غير أنهم يفعلونه بطريقةٍ تعتمد على التقدير. وبالمثل، فإنهم قادرون تمامًا على التمييز بين الكميات الصغيرة؛ فما يبدو أنَّ أهل البيراها يفتقرون إليه هو الوسيلة إلى توحيد هاتَين القُدرتَين التي منحَتْنا إياهُما شفرتُنا الوراثية، بالرغم من أنَّ هؤلاء الأشخاص طبيعيُّون جدًّا من الناحية الوراثية؛ فلقد نجَحوا في بيئتهم المحلية، وتمكَّنوا من التكيُّف والبقاء على قَيد الحياة بجوار نهر مايسي على مدار قرون على الأقل، وما مِن تفسيرٍ سهل يوضِّح السبب فيما يُواجهونه من صعوباتٍ واضحة في أداء المهام الأساسية التي تَستنِد إلى تمييز الكميات، إضافةً إلى حقيقة أنهم يتَحدَّثون لغةً لا عددية تمامًا، ولا تتضمَّن ثقافتُهم أيَّ ممارسات عددية.

لقد نُوقِشَت نتائجُ جوردون على نطاقٍ واسع، ونظر إليها الكثيرون على أنها مُؤشِّر واضح، ولعلَّه الأوضح بشأن تلك النقطة المُتمثلة في أنَّ بعض المفاهيم الرياضية الأساسية ليست مُتأصِّلةً فطريًّا لدى البشَر، بل إنَّنا نتعلَّمها ونكتسبها من خلال الثقافة والانتقال اللُّغوي. وإذا كنَّا نتعلَّمها لا نكتسبها بالوراثة، فهي ليست مُكوِّنًا من مكونات الجهاز العقلي البشَري، لكنها جزءٌ من برنامجنا العقلي، سِمةٌ في تطبيقٍ طوَّرناه بأنفسنا.

ولأنَّ القابلية للتَّكرار هي مبدأ أساسي في أي مشروع علمي؛ فقد تحمَّس الكثيرون من علماء الإدراك لأن يُواصِلوا عمل جوردون بين أفراد البيراها. وبعد سنواتٍ قليلة مِن نشْر جوردون لمقالته البارزة قام فريقٌ من علماء الإدراك، ومنهم مايكل فرانك (من جامعة ستانفورد) وتيد جيبسون (من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) بفعل ذلك. ومِثلما ذكَرْنا سابقًا، وضَّح هذا الفريقُ أنَّ المصطلحات التي يستخدمها أهل البيراها للتعبير عن الكميات، ليستْ لها دلالاتٌ دقيقة. بالرغم من ذلك، فلم يكن عمَلُهم مقتصرًا على التعزيز التجريبيِّ للزعم بأنَّ ثقافة البيراها هي ثقافة لا عددية بالفعل، بل تتضمَّن أيضًا تَكرار العديد من المهام التجريبية التي أجراها جوردون، ولا سيما مطابقة الخط، والمطابقة المُتعامِدة، والعرْض لفترةٍ وجيزة، ووضع حبَّات الجوز في إناء. أُعيدَ إجراءُ هذه المهام في قرية تُدعى Xaagiopai (وتُنطَق «آه جي أوه باي»)، وهي تَبعُد عن القُرى التي أجرى فيها جوردون أبحاثه، مَسيرةَ أيام (بالزَّورق) في النهر. وقد استخدم الباحثون نوعًا مُختلِفًا من المُحفِّزات في تَجارِب المطابقة التي أجرَوْها؛ إذ إنهم تخوَّفوا من أن تكون البطاريات التي استخدمها جوردون قد تدحرجَت في بعض الأحيان، مما جعل من مهمةٍ صعبة بالفعل أكثرَ صعوبة على أهل البيراها. وبدلًا منها استخدموا أشياءَ أخرى مُنتظِمةَ الشكل غيرَ أصلية، لكنَّ السكان يعرفونها؛ بَكَرات من الخيط، وبالونات فارغة من المطاط، وكان مِن الممكن وضعُ بَكَرات الخيط رأسيًّا على الطاولة دون أن تتدحرج. قُدِّم إلى أربعة عشر من أفراد البيراها البالغين كمياتٌ من بكرات الخيط موضوعة على طاولة تقَع أمامهم مباشرةً، وطُلِب منهم أن يُمثِّلوا كمية بكَرات الخيط بالكمية المناظرة لها من البالونات المطاطية. وبخلاف استخدام مُحفِّزاتٍ مختلِفة، فقد صُمِّمَت التجرِبة بعِناية على مثال التجارِب التي أجراها جوردون. وفي تجارِب المُطابقة المتعامِدة، والعرْض لفترةٍ وجيزة، ووضع حبَّات الجوز في وعاء، كان أداءُ أفراد البيراها مثلما لاحظَه جوردون تمامًا؛ ومن ثَمَّ فقد استنتج الباحثون أنَّ أهل البيراها لا يَستطيعون التمييز بين الكميات الأكبر من ثلاثةٍ بصورة دقيقة، حين يكون عليهم تغييرُ مَوضع الشيء أو حين يَستذكِرون عدد الأشياء بعد رؤيتها لفترةٍ وجيزة. من الجدير بالذكر أنَّ مثل هذه المهام تافهة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يُلِمُّون بمعرفة مفردات الأعداد والعد، كالبالِغين من مُتحدِّثي اللغة الإنجليزية.

وفي حالة مهمة مطابقة الخط الأساسية، دون الحاجة إلى الاستعادة من الذاكرة أو التدوير المادي، لم تكن النتائجُ التي توصَّل إليها فريق فرانك مطابقةً تمامًا لنتائج جوردون؛ فقد وجَدوا، مع بعض الاستثناءات، أنَّ أفراد البيراها تمكَّنوا من إعادة تكوين الكمية التي رأَوْها من بكَرات الخيط بشكلٍ دقيق، إذا كانت هذه البكَرات معروضةً في خط، وسُمِح للمشاركين برؤية هذا الخط على مدار المهمة. وقد كانت هذه النتائجُ بمثابة عقَبة للتفسير السابق بشأن الإدراك العددي لأهل البيراها. واستخلص فريقُ البحث أنه بالرغم من أهمية مفردات الأعداد التي تَعمل بمثابة «تِقنية إدراكية» وتُيسِّر عملية مُعالجة الكميات واستذكارها، فإنها ليست ضروريةً في المهام التي تقتصر على تمييز الكميات فحسب. وقد اقترح الباحثون سببًا بديلًا ربما يُفسِّر الصعوبة التي واجهها أفراد البيراها في أداء أبسطِ المهام في دراسة جوردون، التي تتمثَّل في مطابقة خطٍّ بخط؛ ربما كانت البطاريات تدحرجَت بالفعل في بعض الأحيان، وربما عقَّدَت هذه الدحرجةُ إدراكَ الأفراد للكميات.

في صَيف عام ٢٠٠٩، وفي ظهيرة أحد الأيام الأمازونية الرطبة، وجَدتُني أقرأ هذا العمل الحديث عن البيراها، بينما كنتُ أقوم بإجراء الأبحاث على مجموعةٍ أخرى من السكان الأصليين. وبالرغم من أنني كنتُ مُقتنعًا بنتائج فرانك وزملائه، فلم أكن مقتنِعًا بأنَّ نتائج جوردون كانت بسبب تدحرُج البطاريات؛ فقد أُجرِيَت تَجارِب جوردون بمساعدةٍ من والدَيَّ (مثل الدراسة الأخيرة)، وقد كانا بمثابة مُترجِمَين ومُيسِّرَين لبحثِه الميداني في بداية التسعينيَّات من القرن الماضي. ولأنَّني كنتُ أتبع والدَيَّ أحيانًا إلى الغابات خلال السنوات الأولى من مُراهقتي (لكننا كنا نعيش آنذاك في الولايات المتحدة)، فقد شاهدتُ جوردون وهو يُجري بعض تَجارِبه. ومثلما رأيتُ أفراد البيراها يُواجِهون صعوبةً في التمييز الأساسي للكميات في تلك الدروس التي كانت تُقام بجوار ضوء المصباح، فقد رأيتُهم يواجهون القدْر نفسَه من الصعوبة في المهام المُشابِهة المُستخدَمة في عمل جوردون، بصرْف النظر عن نوع المُحفِّزات المُستخدَمة. وقد يكون الأهمُّ من ذلك أنني كنتُ أعرف أنَّ قرية «آه جي أوه باي»، التي أُجرِيَت فيها دراسة المُتابعة، كانت تختلف عن باقي قُرى البيراها الأخرى من ناحيةٍ مُهمة. في الشهور التي سبقَتِ العمل التجريبي الذي أُجري هناك، قدَّمَت أمي كارِن مادورا بعض دروس الحساب لأهل القرية. وعلى العكس من المحاولات السابقة الفاشِلة في تدريس المفاهيم العددية الأساسية، فقد أحرَزَت بعض التقدُّم حين لجأَت إلى ابتكار كلماتٍ جديدة من لغة البيراها مثل xohoisogio التي تَعني «جميع أبناء اليد». وبدا أنَّ بعض الأفراد في هذه القرية قد تعلَّموا بعض المبادئ الأساسية لتمييز الكميات، وإن كان ذلك يعود جزئيًّا إلى تلك الدروس على الأقل.
ولكي أتوصَّل إلى حلٍّ أفضل لهذه المشكلة؛ عُدتُ إلى قرية أخرى من قرى البيراها بعد ذلك بعدَّة أسابيع، ثم عدتُ مرة أخرى في صيف عام ٢٠١٠. وقد كانت ثمرة هذا البحث الذي أجريتُه مع أمي، التي تتحدَّث لغة البيراها بإتقانٍ شديد كأبي، هو سلسلة من النتائج التي أيَّدَت معظم ما توصَّلَتْ إليه الدراستان التجريبيَّتان السابقتان اللَّتان أُجرِيَتا على أفراد البيراها. وقد قدَّمَت هذه النتائج أيضًا تأييدًا قاطعًا لفرضية جوردون الأولية، وهي أنَّ أهل البيراها غيرَ المدربين، والذين لا يَستخدِمون مفردات الأعداد ولا غيرَها من رموز الكميات، لا يَستطيعون التمييز بين الكميات الأكبر من ثلاثة على الدَّوام وبصورةٍ منتظمة. وينطبق ذلك أيضًا حتى على الأفراد الذين لم يُطلَب منهم سوى أن يُؤدُّوا أبسط مهام المطابقة، وهي مطابقة خطٍّ بخط.8

كَرَّرَت دراستُنا مهامَّ المطابقة سابقة الذِّكر، باستخدام وسائلَ ومُحفِّزاتٍ مُماثلة لما استخدَمه فرانك وزملاؤه، وهي بَكَرات من الخيط وبالونات من المطاط، وبعض المُحفِّزات الأخرى، مع الحصول على النتائج نفسِها في دراسة المتابعة. غير أننا حين اختبرنا أفراد البيراها في قريةٍ أخرى غير «آه جي أوه باي»، لم يَكُن المشاركون في الدراسة قد تعرَّضوا لتدريس مفردات الأعداد في الشهور السابقة على عملِنا التجريبي. وشارَك في هذا المشروع أربعةَ عشَر فردًا من البالِغين (ثماني نساء وستةُ رجال)، لكنَّنا أجرَينا بعض المهام مع الأطفال أيضًا، الذين كانوا مُتحمِّسين للاشتراك. في مهام المُطابقة الثلاث كانت إجاباتُ أفراد البيراها تتضمَّن أخطاءً حين يُعرَض عليهم أربعةُ مُحفِّزات أو أكثر. وانخفضَت نسبةُ الإجابات الصحيحة من ١٠٠ بالمائة، عند عرض ١ أو ٢ أو ٣ عناصر، إلى حوالي ٥٠ بالمائة عند عرض ٥ عناصر، وانخفضَت هذه النسبة تدريجيًّا مع الكميات الكبيرة. وبالنسبة إلى الكمية ١٠، وهي أكبر كمية في الاختبار، كانت الإجابات صحيحةً في رُبع الوقت فقط في مهام مطابقة خطٍّ بخط ومهام المطابقة المُتعامِدة، وفي عُشْر الوقت فقط في مهام مطابقة الخط المخفي.

والأمر ببساطةٍ أنَّ أفراد البيراها يُواجِهون صعوبةً في التمييز بين الكميات بدقَّة وتَذكُّرها في السياقات التجريبية، متى ما كانت الكمية محلُّ الاختبار تتجاوز ثلاثة. والدراسات التجريبية الثلاث كلُّها تؤيد هذا الاستنتاج، وتتَّسم نتائجها في معظم المهام بدرجةٍ كبيرة من الاتِّساق. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ الاختلاف ذا الصِّلة في نتائج فرانك وزملائه يُمكن تفسيره بسهولة. وحتى إذا تشكَّك المرء في التفسير المقترَح لهذا الاختلاف (وهو التدريب على الأعداد في قرية «آه جي أوه باي»)، فسوف تَبقى الحقيقة أنَّ مجموعات النتائج الثلاث جميعها، تُوضِّح أنَّ أفراد البيراها يواجهون صعوبةً في أداء مهام تمييز الكميات، التي نعرِف أنَّ الشعوب العددية يؤدُّونها بسهولة. والتفسير الأكثر وجاهةً لبيانات البيراها هو أنه دون تعلُّم مفردات الأعداد واستراتيجيَّات العد المُتعلقة بها، فإنَّ الأفراد يفتقرون إلى القُدرة على توحيد الحاسَّتَين الفطريَّتَين اللتَين نتشارك فيهما جميعًا، من أجل التمييز بين الكميات؛ تبقى الحاسَّتان العدديَّتان منفصلتَين، وتُصبح مهارات الإدراك الكمِّي محدودةً، مقارنةً بالإدراك الكمِّي لدى الشعوب العددية. ويبدو أنَّ توحيد هاتَين الحاسَّتَين يَستلزم أن يُولَد المرء في ثقافة عددية، ويَستخدِم مفرداتِ الأعداد.9

إضافةً إلى تَكرار الدراسات السابقة بين أفراد البيراها، قُمْنا بعد ذلك باختبار مهارات الإدراك الكمِّي لدَيهم بطرقٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، طلَبْنا منهم في بعض المهام تَكرار سلسلةٍ من الإشارات، أو سلسلة من الأصوات، كالتصفيق. وفي جميع الحالات ظلَّ أداؤهم يُشير إلى أنهم يُواجِهون صعوبةً في التمييز بدقة بين الكميات؛ إذ يَبدو أنهم يَستخدمون الحاسَّة العددية التقريبية عند التمييز بين الكميات، بصرْف النظر عن كيفية استقبالهم للمُحفِّزات المَعنية.

ومن سوء الحظ أنَّ النتائج التي جمَعها الباحثون من أفراد البيراها، ما زالت تُفسَّر على نحوٍ غير صحيح في كثيرٍ من الأحيان؛ فمن التفسيرات السطحية والخاطئة بشكلٍ واضح، مثلما أشرْنا من قبل، هو أنَّ أداء الأفراد يدلُّ بطريقةٍ ما على وجود قُصورٍ في مهارات الإدراك على مستوى السكَّان، وهو تفسير لا يمكن الدفاعُ عنه من منظورٍ تجريبي. ومن التفسيرات الأخرى التي يمكن دَحضُها بسهولةٍ أنَّ الأفراد لا يَبذُلون جهدًا في أداء مهام التجربة المَعنية، أو يُولُون اهتمامهم لأشياء أخرى خلال أداء المهام. ولا يتَّفِق هذا التفسيرُ مع الفحص الدقيق للنتائج؛ إذ إنَّ المشاركين لا يُخمِّنون الإجابة فحسْب، بل إننا نجد منهم إجاباتٍ تقريبيةً صحيحة بصورة منتظمة. فمن الواضح أنهم يُولون انتباهَهم إلى الكمية، لكنَّ ذلك يكون بشكلٍ تقريبي. وأما التفسير الثالث، وهو الأكثر وَجاهةً وتؤيده جميعُ النتائج التي حصَلْنا عليها من أفراد البيراها حتى الآن، فهو أنهم جماعة لا عددية، يَفتقِرون إلى وجود اللغة العددية أو غيرها من مظاهر الثقافة العددية، وهذا الافتقارُ إلى وجود الأعداد هو الذي يُنتِج هذا التأثيرَ الواضح في قُدرتهم على تمييز الكميات وتذكُّرها. وليستِ الدراساتُ التجريبية وحدَها هي التي تَدعم هذا التفسير، بل تدعمه أيضًا تقاريرُ كثيرٍ من الأجانب الذين تفاعلوا مع هذه الجماعة؛ فما من شيءٍ في الثقافة الأصلية لجماعة البيراها يُشير إلى وجود العدِّ الدقيق؛ فالمباني التي يَسكنون بها، والأدوات التي يَصطادون بها، وغيرها من الأدوات الصغيرة، لا تَستلزِم في إنتاجها تمييزًا دقيقًا بين الكميات.

وبالرغم من ذلك، فمن المؤكَّد أنَّ بعض مظاهر ثقافتهم تتطلَّب التمييز بين الكميات الكبيرة بصورةٍ منتظمة، أليس كذلك؟ وفي ذلك الصدد يتَّضح لنا بعضٌ من المفاهيم الخاطئة التي صادَفتُها مراتٍ عديدةً في المحاضرات وغيرها من السياقات، ففي الفقرة التالية التي قدَّمَها أحدُ المعلِّقين على الإنترنت على مقالةٍ نُشِرت في مجلة «سليت» بشأن نتائجِ هذه الدراسة التجريبية: «إذا كان ثَمَّة سيدةٌ في هذه الجماعة، ولدَيها سبعة أطفال أو حتى خمسة، فكيف ستُربِّيهم وتهتمُّ بهم إذا كانت غيرَ قادرة على استخدام الحساب لمعرفة أعمارهم النسبية؟ هل يُمكِن للأمِّ أصلًا أن تتذكَّر أنَّ لدَيها أكثرَ من طِفلَين أو ثلاثة؟ وإذا كانت تستطيع أن تتذكَّر فلا بدَّ أنها تستطيع العدَّ في سياقاتٍ أخرى أيضًا.»

والواقع أنَّ مثل هذه التعليقات تَعكس مفهومَين أساسِيَّين من المفاهيم الخاطئة بشأن التجرِبة البشرية في الفراغ العددي؛ أولهما هو أنَّ تتبُّع العمر بشكلٍ تقريبي لا يتطلَّب استخدامَ مفاهيمَ عددية؛ فيُمكنني أن أكون واثقًا من أنَّ أحد أقاربي أكبرُ من الآخر؛ لأنَّ القريب الأول كان حيًّا بالفعل حين وُلِد القريب الثاني. وإذا كان لديَّ ثلاثةُ أقارب آخرون أو أكثر، فيمكنني أن أعرف أيُّهم الأكبر باستخدام بعض القياسات المنطقية البسيطة، أو من خلال إجراء مقارنة مباشرة بين أي اثنَين من أقاربي؛ ومن ثمَّ فإذا كان لأمٍّ أربعةُ أطفال، فإنها سوف تَعرِف أيُّهم كان حيًّا قبل الآخَرين جميعًا، وأيُّهم وُلِد بعد أن كان الآخرون جميعًا أحياء بالفعل؛ ففَهْم مثل هذه المفاهيم لا يَستلزم الإشارةَ إلى الكميَّات. إنَّ فَهْم الأعمار المُطلقة، مثل عدد الرحلات التي قد قام بها أحد الأشخاص حول الشمس (راجع الفصل الأول)، يَستلزم بالفعل التمييز بين الكميات، لكنَّ ذلك مفهومٌ مختلِف عن مفهوم الأعمار النسبية، غير أنه قد يبدو من الصعب على العديد من الأفراد أن يَفهموا هذا الاختلاف، والأرجح أنَّ ذلك بسبب ترسُّخ جذورهم في ثقافاتٍ يرتبط فيها العمرُ مع الأعداد بشكلٍ مُعقَّد منذ سنٍّ مبكرة.10

وأما النقطة الأخرى التي تتَّضِح في تعليق القارئ، فهي تَعكس بعض الحَصافة، وإن كان ذلك سطحيًّا على الأقل؛ كيف يُمكِن لأمٍّ ألا تتذكَّر عدد أطفالها؟ لا شكَّ بأنَّ جميع الأمهات يتذكَّرن جميعَ أطفالهنَّ طوال الوقت، أليس كذلك؟ بالطبع بلى، لكنَّ ذلك لا يتعلَّق في الواقع بالعدِّ وتمييز الكميات. فلنقل مثلًا إنك تنحدِر من عائلةٍ كبيرة، وتذهب إلى بيتك في العطلات لتزور إخوتك الأربعة: كوري وأنجِلا وجسيكا ومات. بالرغم من ذلك، تُلغَى رحلة كوري ولا يتمكَّن من الوصول في الموعد المُحدَّد للعشاء العائلي. فإن لم تُخطَر بالإلغاء قبل العشاء وجلَستَ لِتَناوله، فسوف تتساءل على الفور: «أين كوري؟» أعتقِد أنك لن تنظر حولك مُتسائلًا بتعجُّب: «إنني أرى ثلاثةَ إخوة هنا، لكنني أعرف أنَّ لديَّ أربعة!» ما أَعنيه أنك لا تحتاج إلى أي معرفة بالتمييز الدقيق للكميات لكي تُدرِك غيابَ أحد أحبَّتِك. إننا نُفكر في أعضاء أُسَرنا بصفتهم أفرادًا، لا أشياءَ عديمة الوجوه يمكن عدُّها. «نستطيع» بالطبع أن نَعُدَّ أعضاء أُسرتِنا، لكننا لا «نحتاج» إلى ذلك لكي نُدرك حضورهم أو غيابهم. والأمر نفسُه ينطبق على البيراها؛ فما من دليلٍ يُشير إلى أنَّ هؤلاء الأشخاص يحتاجون إلى التمييز بين الكميات لكي يتذكَّروا الغائبين أو لأداء أي مهمة أخرى في ثقافتهم. فإذا كانت تلك هي الحالة فلا شكَّ في أنهم كانوا سيستخدمون مفردات الأعداد لتيسير ذلك التمييز، لكنَّ البيراها يتذكَّرون أطفالهم بصفتهم أفرادًا، لا أعدادًا.

إنَّ الأسئلة المُتعلقة بالأفراد الذين لا يَستخدمون الأعداد غالبًا ما تُنبِئنا بشيءٍ عمن يَسألونها من الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافاتٍ عددية. إننا مُنخرطون جدًّا في عالم الأعداد، حتى إنه قد صار من الصعب علينا أن نتخيَّل الحياة بدونها؛ فحَيواتنا الإدراكية والمادية لا يُمكن أن تنفصل عن الأعداد التي طوَّرناها، والتي نَفرضها على أنفسنا في سنٍّ مبكرة للغاية. إنَّ النتائج التي تُجمَع من جماعة البيراها، قد تُستغَل في إظهار غرابة هذه الجماعة من السكان الأصليين، وذلك يَحدُث في بعض الأحيان، وتؤدي إلى التعامُل معهم باعتبارهم نسخةً معاصِرة من بشَر العصر الحجَري القديم. ومثل هذا التغريب يُضيع الكشف الحقيقي الذي تُقدِّمه مثلُ هذه الأبحاث. ولا يَقتصر هذا الكشف على جماعة البيراها فحَسْب، بل يمتدُّ لِيَشملنا جميعًا؛ فالبشر يحتاجون إلى اللغة العددية والثقافة كي يتمكَّنوا من تمييز مُعظم الكميات المحدَّدة بدقة وتذكُّرها. إنَّ المهاراتِ الإدراكيةَ المُتعلِّقة بالكميات، التي تبدو من المهارات الأساسية، ليست مجرَّدَ مُنتجٍ ثانوي لبعض الآليات الفطرية أو العمليات التي تحدُث بصورة طبيعية تلقائية، بل إنَّ بعضها لا يُكتسَب إلا من خلال الثقافة واللغة.

ومِن حُسن الحظ أنَّ هذا الاستنتاج لا يتوقَّف كُليًّا ولا حتى مَبدئيًّا على النتائج التي حصَلْنا عليها من أهل البيراها؛ فالأعمال المَعنيَّة بتطوُّر الإدراك العددي لدى الأطفال في المُجتمعات الصناعية الكبيرة، قد توصَّلَت إلى الاستنتاج نفسِه، وهو ما سَنراه في الفصل السادس، إضافةً إلى الأبحاث التي أُجرِيَت بين مجموعةٍ أخرى مُذهِلة من سكَّان الأمازون، وهي جماعة الموندوروكو التي سبق ذِكرها. وثقافة الموندروكو من الثقافات الأصلية الكبيرة؛ فبينما يبلُغ عدد أفراد البيراها ٧٠٠ فرد تقريبًا، نجِد ما يَربو على ١١ ألف فردٍ من الموندوروكو. وهم يُقِيمون على أرضهم الكبيرة على بُعد ٦٠٠ كيلو مترٍ من أقصى جزءٍ باتجاه الشرق من أرض البيراها. وهم يشتركون مع البيراها في بعض السِّمات، بالرغم من اختلاف نمَطَي حياتهم؛ فمِن الناحية التاريخية تَشترك الثقافتان في سُمعتهما المُخيفة في الدفاع عن أراضيهم الأصلية عند وصول الأوروبيِّين. وقد استحقَّت هذه السُّمعةَ أيضًا جماعةٌ أخرى تُعرَف باسم المورا، التي كانت البيراها مجموعةً صغيرة تَنتسِب لها. ومثلما ذكَرنا سابقًا، فإنَّ جماعة الموندوروكو يتشاركون في تلك السُّمعة، التي سادت لفترةٍ طويلة، بأنهم يواجهون صعوبةً مع المفاهيم العددية.

بالرغم من ذلك، على العكس من البيراها، فثقافة الموندوروكو ليست لا عددية تمامًا؛ إذ إنهم يَستخدِمون بعض مفردات الأعداد التي تُشير إلى مجموعاتٍ تتكوَّن من عنصرٍ واحد أو ٢ أو ٣ أو ٤ من العناصر. غير أنَّ الفحص الدقيق يوضِّح أنَّ هذه الأعدادَ ليست دقيقةً كمُفرَدات الأعداد في معظم اللغات؛ فهي تقع في المنتصف بين مفرَدات الأعداد الإنجليزية مثل one وبين مفردات البيراها مثل hói وكذلك hoí. وقد أكَّدَت التجارِب هذا الافتقارَ إلى الدقة؛ فحين كان يُطلَب من مُتحدِّثي الموندوروكو ذِكرُ مفرَدةٍ عددية تُعبِّر عن مجموعة النقاط الموزَّعة عشوائيًّا على شاشة الكمبيوتر المحمول، أجابوا بالكلمة pug فيما يَقرُب من ١٠٠ بالمائة من الحالات التي عُرِضَت عليهم فيها نقطة واحدة، واستخدَموا الكلمة xep في ١٠٠ بالمائة من الحالات التي عُرِض عليهم فيها نقطتان. من الواضح إذن أنَّ لُغتهم تَستخدِم كلماتٍ تُشير إلى العدد «واحد» والعدد «اثنَين»، وهي عادةً ما تَستخدِم كلماتٍ تُعبِّر عن المجموعات التي تتكوَّن من ثلاثة عناصر أو أربعة على التوالي، لكنَّ هذه المصطلحات لا تُشير إلى ثلاثة عناصر أو أربعة في جميع الحالات. ويوضِّح هذا أنها مصطلحاتٌ عددية غيرُ دقيقة تتشابَهُ في نوعها مع مصطلحات البيراها. وبالنسبة إلى الكميَّات الأكبر من أربعة، فهُم يَستخدمون كلماتٍ تقريبيةً أخرى، وأفضل ترجمة لها هي «بعض» «والكثير». إضافةً إلى ذلك، فمن الواضح أنَّ مفردات الأعداد التي توجَد في اللغة، لا تُستخدَم في كثيرٍ من الأحيان؛ لذا فالإشارات العددية ليسَتْ منتشِرة. (على العكس من ذلك، فبعض اللغات في أستراليا وغيرها، لا تمتلك إلا مجموعةً محدودة من مفردات الأعداد، لكنها تَستخدِم الإشارات إلى مفاهيمَ كالمفرد والمُثنَّى والجمْع، في كثيرٍ من الأحيان.)11

لقد قام بيير بيكا، وهو عالم لُغويات فرنسي يُجري بعض الأعمال التجريبية في الأمازون، بدراسة الإدراك العددي الأساسي لدى جماعة الموندوروكو، وذلك مع فريقٍ من علماء النفس المرموقين. وقد وضَّح هو والفريق أنَّ مُتحدِّثي هذه اللغة يَعتمدون على حاسَّتِهم العدَدية التقريبية في أداء المهام الرياضية التي تتضمَّن كمياتٍ أكبرَ من ثلاثة، مثلهم في ذلك مثل أفراد البيراها. في إحدى الدراسات أجرى بيكا ورفقته أربعَ مهامَّ رياضية أساسية، على خمسةٍ وخمسين من أفراد الموندوروكو البالغين، وعشَرةِ أفراد من مُتحدِّثي الفرنسية يُمثِّلون المجموعة الضابطة. وقد كانت اثنتان من هذه المهام لهما طبيعةٌ تقريبية، وكان يُطلَب من المشاركين فيهما أن يُحدِّدوا بسرعةٍ أيُّ مجموعَتَيِ النقاط اللَّتَين تَظهران على شاشة الكمبيوتر تتضمَّن أكثرَ النقاط. وقد كان أداء الموندوروكو وأداء الفرنسيين مُتماثِلًا في مثل هذه المهام؛ إذ إنها لا تَستلزِم سوى التقريب لا التمييز الدقيق بين الكميات. بالرغم من ذلك، ففي المهمَّتَين الأُخريَين طُلِب من المشاركين توضيحُ التمثيل الدقيق للكميات، وقد تضمَّنَت كِلتا المهمتَين الطرحَ من النقاط؛ فقد شاهد المشاركون النِّقاطَ وهي «توضع» في علبةٍ تَظهر على شاشة الكمبيوتر، وقد تابعوا المشاهدةَ بينما تتمُّ «إزالة» عددٍ من النقاط من العلبة. وقد طُلِب منهم في واحدةٍ من هاتَين المهمتَين أن يذكروا اسم الكمية المُتبقية في العلبة، وفي المهمة الأخرى طُلِب منهم أن يختاروا من بين مجموعةٍ من الصور العلبةَ التي تحتوي بداخلها على العدد الصحيح المُتبقِّي من النقاط؛ فعلى سبيل المثال إذا شاهدوا خمس نقاطٍ تدخُل العلبة، وأربعةً تخرج منها، فقد كانوا يرَون بعدَها بشكلٍ مُتزامن ثلاثَ عُلَب «للاختيار»؛ من بينها: علبة تحتوي على صفرٍ من النقاط، وعلبة تحتوي على نقطةٍ واحدة، وعلبة تحتوي على نقطتَين. والإجابة الصحيحة في هذه الحالة بالطبع هي العلبة التي تحتوي على نقطةٍ واحدة.

في المهام التي تَستلزِم تمييز الكميات بدقَّة كانت إجاباتُ الموندوروكو شبيهةً للغاية بإجابات البيراها؛ فقد كان الاختلاف واضحًا بين النتائج التي حصَل عليها الباحثون من الموندوروكو، والنتائج التي حصَلوا عليها من المجموعة الضابطة المُتمثِّلة في مُتحدِّثي الفرنسية؛ ففي حالة أفراد الموندوروكو، بالِغين وأطفالًا، كان أداؤهم مِثاليًّا تقريبًا حين كان العدد الأوَّلي للنقاط التي تُوضَع في العلبة أقلَّ من أربعة، أما حين أصبح العدد الأولي أربعةً أو أكثر، فقد انخفض مستوى الأداء انخفاضًا ملحوظًا؛ فقد «ظلَّ أفراد الموندوروكو يستخدمون التمثيلات التقريبية، في مهمةٍ حلَّتْها المجموعة الضابطة من الفرنسيين بسهولةٍ من خلال إجراء حساباتٍ دقيقة.»12
بالرغم من أنَّ بعض الأبحاث الأخرى قد درَسَت الإدراك العددي لدى أفرادٍ من المجموعات الأصلية غير المُترابطة، التي تَستخدِم أنظمةً عددية محدودة، فإنَّ النتائج التي حصَلْنا عليها من البيراها والموندوروكو ترتبط ارتباطًا كبيرًا بفَهْمنا للقدرة التحويلية للأعداد بصِفتها أدواتٍ مَفاهيمية؛ إذ إنَّ هذه الجماعات تفتقر في العادة إلى وُجود مصطلحاتٍ عددية مُحدَّدة ووجود عددٍ نحوي. (تقترح الأبحاث الحديثة أنَّ العدد النحْوي يُفيد أيضًا في اكتساب المفاهيم العددية.)13 وليس مِن الغريب أنَّ هؤلاء الأفرادَ يَفتقِرون إلى وجود عادات العدِّ وطرُقه، التي يبدو أنها مُهمَّة للغاية في تطوُّر المفاهيم العددية المُحدَّدة في عقول الأطفال في المجتمعات العددية. (انظر الفصل السادس.) إنَّ النتائج التي حصل عليها الباحثون من هاتَين المجموعتَين اللَّتَين تعيشان في الأمازون متشابهةٌ للغاية، مما يُشير إلى نتيجةٍ واضحة؛ وهي أنَّ البشَر الذين يَعيشون في ثقافاتٍ تفتقر إلى وجود أنظمةٍ عددية دقيقة يُواجِهون صعوبةً في التمييز الدقيق بين الكميَّات الأكبر من ثلاثة. وهذا الاستنتاج يُسهِم في زيادة فَهْمنا لِما كان للأعداد من تأثيراتٍ على نوعِنا؛ ففي نهاية المطاف لا تَعكس هذه النتائجُ شيئًا عن هاتَين المجموعتَين فحسْب، لكنَّ الأهم أنها توضح كيفية عمل الإدراك الرياضي الأساسي في غياب الدعم المفاهيمي الذي تُقدِّمه مصطلحات الأعداد وغيرها من الرموز المرتبطة بها؛ فالأصحَّاء البالِغون الذين يفتقرون إلى وجود مثل هذه الأدوات الرمزية يَعتمدون على التقدير التقريبي عند التعامُل مع الكميات الأكبر من ثلاثة. إنَّ التمثيلاتِ الدقيقةَ لكمياتٍ مثل ٥ و٦ و٧ ليست مُتأصِّلةً في عقولنا بطريقةٍ ما، بل تُكتسَب عادةً من خلال الثقافة. إنها ظاهرة تَعتمد على اللغة؛ فنحن لا نستطيع التمييزَ بين مثل هذه الكميات بدقةٍ على الدوام إلا أن نندمِج في مصفوفةٍ من الرموز المُتوارَثة ثقافيًّا، مثل مفردات الأعداد.
في كتابه «الحاسَّة العددية» يُقدِّم عالم النفس الشهير ستانيسلاس ديهان (أحدُ أعضاء فريق بيكا) التفسيرَ التاليَ لنتائج تمييز الكميات التي جُمِعت من الموندوروكو: «إنَّ تَجارِبنا تُدافع بقوةٍ عن عالمية الحاسَّة العددية ووجودها في أي ثقافةٍ بشَرية، مهما كانت درجةُ انعزالها أو حرمانها من التعليم؛ فما تُوضِّحه أنَّ الحساب سُلَّم، جميعُنا يبدأ من الدرجة نفسها، لكننا لا نَرتقي جميعًا إلى المستوى نفسِه.»14

إنَّ ديهان على صوابٍ بالطبع في أنَّ نتائج الموندوروكو والبيراها تؤيد الطبيعةَ العالمية لحاسَّتنا العددية الفطرية، أو حاسَّتَيْنا العدديَّتَين على وجه التحديد؛ فبالرغم من كل شيء، تستطيع كِلتا الجماعتَين التمييزَ بين ١ و٢ و٣ بصورةٍ مُتَّسقة؛ وذلك من خلال الحاسَّة العددية الدقيقة (نظام التفرُّد المُتوازي الفطري). وكِلتا المجموعتَين تعمدان إلى حساب الكميات الكبيرة بصورةٍ تقديرية، باستخدام الحاسَّة العددية التقريبية. بالرغم من ذلك، فربما يكون الأمر الأهمُّ بشأن هذه الدراسات وثيقةِ الصِّلة، هي أنها تقترِح أنَّ ارتقاء أيٍّ من درجات السُّلَّم يَستلزِم وجود الأعداد. إنَّ الارتفاع الذي نبلُغه في ارتقاء هذا السُّلَّم ليس نتيجةً لذكائنا الفطري، بل نتيجةُ اللغة التي نتحدَّث بها والثقافة التي وُلِدنا فيها؛ فإذا كان أحدُنا يتحدَّث لغةً لا عددية، فلن تكون لدَيه سوى فرصةٍ ضئيلة في الارتقاء، ومن المُحتمَل ألا يكون لدَيه سوى سببٍ ضئيلٍ يدفعه إلى الارتقاء أيضًا؛ فاللغة العددية وما يرتبط بها من ممارسات عددية، تُتيح وجود ما يبدو لنا على أنه أنواعٌ أساسية من التفكير الكمِّي.

لا يزال علينا إجراءُ الكثير من الأبحاث قبل أن نُحيط بفَهمٍ كاملٍ للدَّور الذي أدَّته اللغة العددية وغيرها من مظاهر الثقافة العددية، في تشكيل الإدراك الرياضي لدَى الغالبية العظمى من البشر الذين يَعيشون اليوم. وهذا الاستكشاف لن يُوضِّح لنا دورَ الأعداد في توحيد حاسَّتَيْنا العدديَّتَين الأساسيتَين فحسب، بل سيُفسِّر لنا أيضًا جوانبَ أخرى من التفكير الكمِّي؛ فعلى سبيل المثال، بدأ العملُ البحثيُّ الذي أُجرِيَ على ثقافة الموندوروكو في استكشاف كيفية تأثير الأعداد في قُدرة البشَر على تنصيف الكميات، ويقترح ذلك البحث أنَّ أفراد الموندوروكو يستطيعون تنصيف الكميات بشكلٍ تقريبي، حتى وإن لم يكونوا قد تعرضوا لتلك الكميات من قبل.15
ومن المسائل الأخرى التي أُجرِيَت الأبحاثُ عليها حديثًا في ثقافة الموندروركو، هي مَدى استخدام الأشخاص للمفاهيم المكانية أثناء التفكير الكمِّي. ومثلما ذكرتُ في الفصل الأول، فإنَّ البشر كثيرًا ما يَستخدمون المجال الماديَّ للمكان لفَهم بعض النطاقات الإدراكية الأكثر تجريدًا. وقد أشَرتُ في هذا الفصل إلى أنَّ الغالبية العُظمى من الثقافات تَستخدِم المكان من أجل فَهم الزمن. وبالمِثل فإنَّ البشَر كثيرًا ما يُفسِّرون الكميات بمصطلحاتٍ مكانية، ويُستخدَم نقْل الكميات إلى المكان في مدارسنا بالطبع، التي يتعلَّم فيها طلَّابُنا استخدام خطوط الأعداد والمستوى الديكارتي، غير أنَّنا نجد استخدامًا أقلَّ منهجيةً للمكان يَظهر في العديد من الثقافات الأخرى. إضافةً إلى ذلك، تقترح بعض الأبحاث أنَّ الأطفال الصغار والرُّضَّع يَعرفون جيدًا كيف يتصوَّرون الأعداد في المكان قبل أن يَبدءوا التعلُّم في المدرسة.16
ولكي نتمكَّن من تحقيق فهمٍ أفضلَ للتعيين الإدراكيِّ للكميات في المكان؛ أجرى ديهان وزملاؤه التجربة التالية على أفراد الموندوروكو. عُرِض على المشاركين دائرتان يَفصِل بينهما خطٌّ أفقي. على الدائرة اليُسرى توجَد نقطة سوداء، وعلى الدائرة اليُمنى توجَد عشْر نقاطٍ سوداء، ثم عُرِض على المشاركين مجموعةٌ منفصلة من النقاط، تتكوَّن من ستِّ نقاطٍ على سبيل المثال، وطُلِب منهم وضْعُ هذه الكمية من النقاط على الخطِّ الأفقي. والآن، إذا كان الموندوروكو لا يَفهمون الكميات من خلال المكان، فقد تكون إجاباتهم عشوائية، وعلى النقيض من ذلك، فالأمريكيون يضعون الكميات عادةً على مسافاتٍ مُتساوية على خط «الأعداد» الأفقي؛ فهُم على سبيل المثال يضعون تِسعَ نقاطٍ بالقُرب من الدائرة التي تحتوي على عشْر نقاط، ونقطتَين بالقُرب من الدائرة التي تحتوي على نقطةٍ واحدة. وقد قام الموندوروكو أيضًا بوضْع النقاط بطريقةٍ منتظمة، لكنَّ طريقتهم في توزيعها على خطِّ الأعداد لم تكن منظَّمة للغاية؛ فبدلًا من هذه الطريقة الخطية، التي يبدو أنَّها تُدرَّس في المدرسة، استخدَم الموندوروكو ما يُعرَف باسم الاستراتيجية اللوغاريتمية في أداء هذه المهمة؛ لقد كانت الكميات الصغيرة هي الأكثرَ نزوحًا بمُحاذاة البُعد الأفقي مُقارَنةً بالكميات الكبيرة. وُضِعَت ثلاثُ نقاطٍ بالقُرب نسبيًّا من منتصف الخط، ووُضِعَت تِسع نقاطٍ على ضِعف المسافة تقريبًا (مقارنةً بالنقاط الثلاث) من الدائرة اليُسرى. في الشكل الخطِّي الذي يألفه مُعظمُنا، نتوقَّع أنَّ النقاط التِّسعَ ستُوضَع على بُعد ثلاثة أضعاف المسافة من الدائرة اليسرى، مقارنةً بالنقاط الثلاث. أما في الشكل اللوغاريتمي فيجِب وضع النقاط التِّسع على بُعد ضِعف المسافة من الثلاث نقاط؛ إذ إنَّ ٣٢ = ٩. ونظرًا لأنَّ الموندروركو ثقافة لا عددية بشكلٍ كبير؛ فإنَّ طريقتهم في تحديد موضع النقاط قد أوحَتْ للبعض بأنَّ جميع البشَر، بصرْف النظر عن ثقافتهم ولُغتهم، يستخدمون المكان لفهم الكميات. فمن الواضح أن الأشخاص البالِغين الذين ينتمون إلى ثقافاتٍ لا عددية، يَستخدمون خطَّ «أعداد» ذهنيًّا، لكنَّ هذا الخط الذهني مؤسَّس على الطريقة اللوغاريتمية.17
لكن يبدو لنا الآن أنَّ الأمر قد لا يَكون كذلك في جميع الجماعات السكانية التي لم تتلقَّ التعليم المدرسي؛ إذ تُشير نتائجُ حديثة جُمِعت من إحدى الجماعات الأصلية في الجانب الآخر من العالم إلى أنَّ خطَّ الأعداد البشَري قد لا يكون عالميًّا على أي حال؛ فقد قام فريقٌ من علماء الإدراك بقيادة رفاييل نونييث من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو بإعادة تجارِب خطوط الأعداد الذهنية على جماعة اليوبنو التي تَعيش في سلسلةٍ جبلية بعيدة في بابوا نيو غينيا. وبالرغم من أنَّ أفراد اليوبنو يَستخدمون مفردات الأعداد، فإنَّهم لا يَقيسون المكان ولا الزمان بطرقٍ دقيقة. وقد ثبَت أنهم لا يَربِطون ذهنيًّا بين الكميَّات والمكان، بطريقةٍ يمكن التنبُّؤ بها. وعلى العكس من مُعظم أفراد الموندوروكو، لم يُظهِروا أي استعدادٍ لوضْع الكميات على خط أعدادٍ ذهني، سواءٌ أكان لوغارتميًّا أم لا. وبدلًا من ذلك، حين طُلِب منهم وضعُ كمياتٍ محدَّدة من النقاط وغيرِها من المُحفِّزات على خطٍّ ما، كانوا يَختارون النقاط الطرفيةَ من الخطِّ على الدوام. ويُشير هذا العجزُ عن تقسيم الخط، وفقًا للكميات، إلى أنَّ التفكير في الكميات من الناحية المكانية لا يَحدُث لدى جميع البشر، وإنما يُدرِك بعضُ الأشخاص الكميات بطرقٍ مختلِفة، تستنِد — ولو جزئيًّا على الأقل — إلى الأدوات المفاهيمية التي اكتسَبوها من ثقافتهم الأصلية.18

من الواضح إذن أنه لا يزال علينا أن نتعلَّم القدْر الكبير بشأن الكيفية التي تُشكِّل بها اللغة العددية وغيرُها من أجزاء الثقافة العددية إدراكَ البشَر للكميات؛ فلا يزال من غير المؤكد لدَينا، على سبيل المثال، مدى اختلاف الثقافات في نزعتِها إلى استخدام خطوط الأعداد الذهنية. بالرغم من ذلك، فثَمَّة أمرٌ واحد اتَّضَح لنا من مناقشتنا في هذا الفصل، وهو أنَّ أعضاء الثقافات الأصلية المختلِفة، الذين يَعيشون في الأدغال البعيدة ويتحدَّثون لغاتٍ لا يرتبِط بعضُها ببعض، يُسهِمون في إعادة تشكيل فَهمِنا عن التفكير الرياضي؛ فقد أوضحَت الدراساتُ التي أُجرِيَت على هذه الجماعات السكانية أنَّ الأعداد والعدَّ أمران أساسيَّان في مهارات الإدراك الكمِّي، حتى ما يبدو مُتواضعًا منها. وقد أوضحَتِ الدراسات أنه بالرغم من أنَّ جميع البشَر يُولَدون بقدراتٍ رياضية مؤكَّدة وأساسية للغاية، فوَحْدَهم الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافاتٍ عددية هم الذين يستطيعون ارتقاء السُّلَّم الحسابي.

بلا أصوات ولا أعداد

ليست جماعةُ الموندوروكو وجماعة البيراها هما الجماعتَين الوحيدتَين اللتَين تَستخدِمان أساليبَ التواصل اللاعددي بصورةٍ مطلقة، أو تَستخدِمانها بصفةٍ أساسية؛ فثمة جماعةٌ أخرى من البشر تَفتقر إلى وجود اللغة العددية، وهي أيضًا تُلقِي بعض الضوء على مدى تأثير الأعداد في التفكير الرياضي الأساسي. وهؤلاء الأفراد الذين نتحدَّث عنهم هم مجموعة من الصُّمِّ الذين يعيشون في نيكاراجاوا، ولمجموعةٍ من الأسباب، لم تَسْنَح لهم الفرصة من قبلُ في تعلُّم لغة الإشارة. بالرغم من ذلك فهُم، كغيرهم من الصُّمِّ الذين لا يعرفون لغة الإشارة في أجزاء أخرى من العالم، يَستخدِمون إشاراتِ الأيدي المُبتكَرةَ للتحدُّث مع مَن حولهم؛ لا سيما أفراد الأسرة الذين يشاركون في تعلُّم هذه الإشارات المُبتكَرة واختراعها. إنَّ هؤلاء الصُّم هم شاهدٌ حي على قوة احتياج البشَر إلى التواصُل؛ ففي الحالات التي يَفتقِر فيها الأطفال إلى حاسَّة السمع، والتعرُّض للغة مُكتمِلة التكوين؛ لا تَزال تَظهر لدَينا وسيلةٌ واضحة من وسائل التواصُل؛ غير أن هذه الوسيلة للتواصُل، على الأقل في حالة صُم نيكاراجاوا، تفتقِر إلى مُفردات الأعداد.

في دراسةٍ مُذهلة، أجرى علماءُ النفس مجموعةً من التجارِب المتعلِّقة بقُدرات الإدراك العددي لدى أربعةٍ من الصم البالِغين الذين لا يَعرفون لغة الإشارة في نيكاراجاوا. لا يَمتلك هؤلاء البالغون أيَّ معرفةٍ بالأعداد، لكنهم على العكس من الموندوروكو والبيراها ينتمون إلى ثقافةٍ عددية؛ فهم يُدرِكون أهمية الاختلافات بين الكميَّات. فعلى سبيل المثال يمكن لهؤلاء الصُّمِّ أن يُدرِكوا القيمة التقريبية للأوراق النقدية، ويستطيعون التمييز بين الأوراق ذات الفئة الصغيرة والأوراق ذات الفئة الكبيرة. وبالرغم من هذا الوعي، وبالرغم من وعيِهم بوجود كميَّاتٍ محددة أكبر من ثلاثة؛ فهُم لا يمتلكون وسيلتهم الخاصة للإشارة إلى مثل هذه الكميات بطرُق محدَّدة. إنهم لا يمتلكون الأعداد.

وقد اختبَر الباحثون مدى تأثير عدمِ وجود الأعداد على هذه الجماعة النيكاراجاوية، التي تُشبِه البيراها والموندوروكو في أنه لا يَظهر لدَيها أيُّ عيوبٍ إدراكية خَلقية. وتُلقي الدراسةُ مزيدًا من الضوء على القُدرات الرياضية لدى الأصحَّاء البالِغين الذين لا يعرفون الأعداد، لكنها تختبِر ذلك على مجموعةٍ من الأفراد الذين أدركوا على مدار حياتهم وجودَ الأعداد. إنَّ هذه الأعداد ببساطة لم تتَغلغل في حيواتهم الإدراكية من خلال اكتساب مفردات الأعداد وطرُق العدِّ؛ فبالرغم من أنَّ هؤلاء الصُّم يستخدِمون الإيماءات للتواصُل بشأن الكميات، فهم يَفعلون ذلك بطريقةٍ غير مُحدَّدة حين يتعلَّق الأمر بالكميَّات الكبيرة.

بعد إجراء مجموعة من التجارب، ومنها أحد مهام المطابقة الأساسية، والمُتمثِّلة في مطابقة خطٍّ بخط، التي كانت قد أُجرِيَت لمرَّاتٍ عديدة بين أفراد البيراها؛ توصَّل الباحثون إلى نتيجة شبيهة للغاية، وهي أنَّ الصُّم الذين لا يَعرفون لغة الإشارة «لا يَستطيعون مطابقة عدد العناصر في مجموعةٍ ثانية بعدد العناصر في المجموعة الهدَف، إذا كانت المجموعتان تضمَّان أكثرَ من ثلاثة عناصر.»19 وكأفراد الموندوروكو والبيراها، يجِد هؤلاء الأفراد البالغون صعوبةً في تمييز كمية عناصر المجموعة بدقَّة وإعادة إنتاجها، حين تتجاوز الكميةُ ثلاثة. فعلى سبيل المثال شاهد الصمُّ الذين لا يعرفون لغة الإشارة بطاقاتٍ عليها صورٌ لعددٍ مُحدَّد من العناصر، ثم طُلِب منهم أن يُمثِّلوا عدد العناصر الموجودة على البطاقة باستخدام أصابعهم. وحين كان عدد العناصر المُصوَّرة على البطاقات واحدًا أو اثنَين أو ثلاثة، كانوا يُمثِّلون العدد الصحيح بأصابعهم في جميع المحاولات. أما في الكميات الكبيرة فقد انخفضت نِسبة إجاباتهم الصحيحة، وازداد مقدارُ أخطائهم وَفقًا لزيادة كمية العناصر. وعلى العكس من ذلك، فالذين يتحدَّثون لغة الإشارة الرسمية من الصُّمِّ النيكاراجاويين، الذين يَعرفون مفردات الأعداد، لم يُخطِئوا، وكذلك أهل نيكاراجاوا من غير الصم، الذين يَعرفون مفردات الأعداد بالإسبانية. وموجز القول أنَّ النتائج التي حصل عليها الباحثون من النيكاراجاويين تقترِب من استنتاجٍ قد أصبح الآن مألوفًا، وهو أنَّ البشر يحتاجون إلى استخدام مفردات الأعداد لكي يتمكَّنوا من أن يُميِّزوا بين الكميات الأكبر من ثلاثة بدقةٍ واتِّساق.

خاتمة

إذا كانت للأعداد هذه الفائدةُ الكبيرة من الناحية الإدراكية، فلماذا اختارت بعضُ الجماعات أن تتخلَّى عنها أو فَشِلَت في استخدامها؟ يُمكننا أن نعمَد إلى تقديم إجاباتٍ مُسكِّنة عن هذا السؤال، فيُمكِننا أن نقول مثلًا: إنَّ «هؤلاء البشر أفضل حالًا دون استخدام الأعداد.» لكنَّ ثمة احتمالًا كبيرًا بأنَّ هذه الإجابات تتَّسِم بالنزعة الأبوية أو تضَع النِّسبية الثقافية في غير محلِّها. والأرجح أنَّ الإجابة الحقيقية عن هذا السؤال قد ضاعت فيما لم يُكتَب من تواريخ الثقافات المَعنيَّة، وذلك في حالة الموندوروكو والبيراها على الأقل. من المؤكد أنَّ هذه الجماعات كانت ستَستفيد من المزايا التي يُوفِّرها استخدام هذه الأدوات المعرفية العجيبة، غير أنه من المؤكد أيضًا أنَّ هذه الجماعات قد تمكَّنَت من البقاء على مدار فترةٍ طويلة، ونجحَت في البيئات التي تَعيش بها دون مساعدة الأعداد.20

على ضوء فائدة الأعداد وانتشارها في معظم لغات العالم؛ فإنَّ وجود الجماعات اللاعددية هو أمرٌ صادم بطريقةٍ ما، غير أنَّ المخزون العالمي من اللغات يُقدِّم لنا، على نحوٍ لا بدَّ منه، استثناءاتٍ لتوقُّعاتنا بأنَّ بعض السِّمات اللغوية يجب أن تكون عالَمية. إن الثقافات واللغات يختلف بعضُها عن بعض اختلافًا جذريًّا. وإذا سلَّمْنا بهذه الحقيقة، فلن نَندهش بالقدْر نفسِه عندما نعرِف أنَّ بعض البشَر يعيشون في عوالِمَ بلا مفرداتٍ للأعداد، أو أرقامٍ أو إشارات عددية مُتَّفَق عليها، أو غيرها من الإشارات التي تُعبِّر عن كمياتٍ مُحددة. وقد أشرتُ ضِمنيًّا في هذا الفصل إلى أنَّ ذلك أمرٌ مُفيد في سياق مَسْعانا الحاليِّ لفهم الكيفية التي غيَّرَت بها الأعدادُ خِبرتنا البشرية؛ فهذه الجماعات من البالِغين الأصحَّاء الذين يَنتمون إلى ثقافاتٍ لا عددية، تُوفِّر لنا نافذةً ثمينة على طبيعة التفكير الكمِّي لدى البشَر. وهي تُقدِّم لنا دليلًا واضحًا على أنه بدون الأعداد لا نستطيع أن نُنمِّيَ قدراتنا الفطرية لكي نَفهم جميع الكميات بشكلٍ كامل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠