الفصل الثامن

اختراع الأعداد والحساب

إنَّ أنماط اللغة تُنتِج أنماطًا في التفكير. فقد وضَّحَت الأبحاث المُوسَّعة في العصر الحاليِّ أنَّ الاختلافاتِ بين اللغات يمكن أن تؤدِّيَ إلى وجود اختلافات، هي اختلافاتٌ طفيفة في مُعظم الأحيان، في العادات الإدراكية للمُتحدِّثين بها. وهذا الاستنتاج، الذي يُشار إليه عادةً بمصطلح «النِّسبية اللغوية»، قد أصبح له الآن ما يُؤيِّده من عشرات الدراسات التي تُجرى في موضوعاتٍ مثل الإدراك المكاني، وإدراك الزمن، وتصنيف الألوان. فعلى سبيل المثال، قد رأَيْنا في الفصل الأول كيف أنَّ «المكان» الذي «يقع» فيه كلٌّ من المُستقبَل والماضي، يتوقَّف على اللغة التي تتحدَّث بها. وبالمِثل فإنَّ الطريقة التي تَستخدمها في تذكُّر الألوان والتمييز بينها، تتأثَّر بشكلٍ مُستتِر، بمخزون المصطلحات الذي يُعبِّر عن الألوان الأساسية في لُغتك الأصلية. لقد أدَّت بنا جَولتُنا في العوالم اللاعددية في نهاية الأمر، إلى التوصُّل إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ اللُّغاتِ العدديةَ ينشأ عنها اختلافاتٌ في طريقة تفكير الأفراد. فمُفردات الأعداد، التي تُوجَد في الغالبية العظمى من لغات العالم (وليس كلُّها بالتأكيد)، تُؤثِّر ولا شكَّ على الإدراك الكمِّي. ووَحْدَهم الأفراد الذين يَستخدِمون مفردات الأعداد والعد، هم الذين يَستطيعون التمييز بين معظم الكميات بدقَّة. إذن فوُجود مفردات الأعداد في لغةٍ من اللغات لا يُؤثِّر في طريقة تفكيرنا في الكميات بشكلٍ مُستتِر فحسب، بل يَفتح لنا أيضًا بابًا للحساب والرياضيَّات. وأول خطوةٍ نخطوها عبر ذلك الباب، هي إدراك أنَّه يُمكِننا التمييز بدقَّةٍ بين الكميات، بصرْف النظر عن حجمها.1

لكن ما الطريقة المُحدَّدة التي تَفتح لنا بها الأعدادُ هذا البابَ في بادئ الأمر؟ وما الذي يَحدُث بعد أن نَمُرَّ منه؟ في الجزء الثالث من هذا الكتاب، سوف نتناول مثل هذه الأسئلة. في هذا الفصل، نبحث في «الكيفية»؛ كيف ظهرَت مفردات العدِّ ومبادئُ الحساب الأساسية في الوجود؟ إنَّني أُقدِّم روايةً للكيفية التي اخترع بها البشر الأعداد على الأرجح (وما زالوا يَخترعون) المُفردات الأساسية للأعداد، وكذلك الكيفية التي نأخُذ بها مفرداتِ الأعداد تلك، ونستخدمها كوحدات بناءً في العمليات الحسابية الأساسية.

الأعداد غير الطبيعية

إنَّ النتائج التي حصَلْنا عليها من العوالم اللاعددية تُشير بوضوحٍ إلى أنَّنا نحتاج إلى وجود الأعداد، لكي «نفهم» الكميات بالفعل، على النحو الذي يتميَّز به البشر في فَهمها. بالرغم من ذلك، فإنَّ ذلك يَطرح مُفارَقة، مثلما ذكَرتُ في الفصل الأول؛ إذا كنَّا نحتاج إلى الأعداد لكي نُدرك معظم الكميات بدقَّة، فكيف توصَّلنا إلى الأعداد في المقام الأول؟ وكيف تَمكنَّا بدايةً من تسمية الكميات الموجودة في مجموعةٍ محدَّدة من العناصر، إذا كنَّا لا نستطيع تمييز هذه الكميات؟ إذا كنَّا لا نستطيع على سبيل المثال، أن نُميِّز أنَّ «سبع تفاحات» لا تُمثِّل «ستَّ تفَّاحات» ولا «ثماني تفَّاحات» فكيف تَمكَّنَّا من استخدام كلماتٍ مثل «ستة» و«سبعة» و«ثمانية» للمرة الأولى؟

ونظرًا لما يبدو من صعوبة هذه المُفارقة؛ فقد استنتج البعض أنَّ البشَر مُهيَّئون فطريًّا لاكتساب مفاهيم الأعداد. ووفقًا لهذا المنظور، فلا بدَّ أن نكون مُهيَّئين بطريقةٍ ما من شأنها أن نَستطيع التمييز بين ٥ و٦ و٧، وغير ذلك من الكميات، على مَدار تطوُّرنا الإدراكي الطبيعي. إلا أنَّ هذا النهج يطرَح أمامنا مُعضِلةً للوهلة الأولى؛ إذا كنَّا مُهيَّئين فِطريًّا للتمييز بين الأحجام المُختلفة للمجموعات بصِفتها كياناتٍ مجرَّدةً مُستقلَّة، فما حدُّ هذا الاستعداد الفِطري المُسبَق؟ فهل نحن مُهيَّئون فطريًّا لأن نُدرِك في النهاية، على سبيل المثال، أنَّ ١٠٢٣ ليست هي ١٠٢٤؟ إنَّ هذا يبدو غيرَ منطقيٍّ بدرجةٍ كبيرة؛ فوِجْهات النظر التي تَستنِد إلى النهج الفطري في الموضوعات التي تتعلَّق بالأعداد، لا تُقدِّم شيئًا سوى أنها تُؤخِّر النقطة التي سنصِل عندها للمُفارقة.

في كتابه المُميَّز عن اللغة والأعداد، يَذكُر عالم اللغويات جيمس هيرفورد، أنَّ مفردات الأعداد هي أسماء «الكِيانات غير اللغوية التي تُشير إليها الأعداد.»2 أي إنَّ مفردات الأعداد هي تسميةٌ لكياناتٍ مفاهيمية. وفي سياق مُتَّصِل، اقترحَت عالمة الآثار كارينلي أوفرمان مؤخرًا أنَّ «مفاهيم الكميات لا بدَّ أنها تسبق تَسمياتها المُعجمية، وإلا فلن يكون ثَمَّة ما يمكن تسميتُه … فلا يمكن لأي طريقة اختراع أن تَسبِق ما تخترعه.»3 وهذا الرأي الأخير منطقي بعض الشيء، لكن يُمكِننا القول إنه يُقلِّل من أهمية الأدلَّة الكثيرة التي عرَضْناها في الفصول من الخامس إلى السابع. ووفقًا لهذه الأدلَّة، فإنَّ المفردات التي تُعبِّر عن الكميات الأكبر من ثلاثة، ليست مجرَّدَ تسميةٍ لمفاهيمَ موجودة مُسبقًا؛ لأنَّ هذه المفاهيم لا تُوجَد لدى معظم الناس إلى أن يتعلَّموا الأعداد بالفعل.

وفي رأيي أنَّ مِفتاح حلِّ هذه المفارقة هو أنَّ المفرَدات التي تُعبِّر عن الكميَّات الأكبر من ثلاثة، تُجسِّد الأفكارَ العددية المجرَّدة المحدَّدة التي تَطْرأ على ذهن بعض الأفراد في بعض الأحيان وبصورةٍ غير مُنتظِمة. وبعض هؤلاء الأفراد قد يَخترعون الأعداد في نهاية المطاف، ولكن إن لم يَفعلوا، فلن تُنقَل أفكارهم العابرة إلى غيرهم. إنَّ تسمية مثلِ هذه الأفكار سريعةِ الزوال، هو ما يُمكِّن الأفرادَ في نهاية المطاف من إدراك الفروق بين الكميات على نحوٍ مُنتظِم ومُستمر. إنَّني أعتقد أنَّ مفهوم الانتظام والاستمرارية هذا ضروريٌّ للغاية لحلِّ هذه المعضِلة. يبدو أنَّ البشر، كجماعة، يُبدون القدرة، على نحوٍ غير منتظم فقط، على التوصُّل إلى فكرةٍ بسيطة لكنها مؤثِّرة، وهي فكرة أنَّه يمكن تعريف المجموعات التي تتضمَّن كميةً أكبر من ثلاثة تعريفًا دقيقًا. وهذه الفكرة البسيطة قد أدَّت على الأرجح إلى اختراع رموزٍ لهذه الكميات الكبيرة، وذلك على مدار مراتٍ عديدة لم يَكُن من الممكن تسجيلُها كلِّها. وقد كانت هذه الرموز لفظيةً في البداية؛ إذ إنَّ الغالبية العظمى من ثقافات العالم تَستخدِم مفرداتٍ لمِثل هذه الكميات، لكن مُعظمها يفتقر في العادة إلى وجود الأرقام المكتوبة أو حتى أنظمة العِصِي المُعقَّدة. إنَّ بعض الأفراد قد اخترعوا مفردات الأعداد من أجل تجسيد إدراكهم لوجود كمياتٍ كبيرة مُحدَّدة، وقد كان من المُمكن لهذا الإدراك أن يظلَّ عابرًا.

هل يَعني هذا أنَّ مفردات الأعداد ليستْ إلا تَسمياتٍ لمفاهيم؟ الأمر ليس كذلك تمامًا؛ إذ تبدو الحقيقةُ أكثرَ تعقيدًا وتنوُّعًا من الخيار الثُّنائي القسْري الذي تَفترِضه هذه المُفارقة؛ فمُفرَدات الأعداد ليست تَسمياتٍ فحسْب، على الرغم من أنها تَصِف الاكتشافاتِ المفاهيميةَ التي يَتوصَّل إليها «بعضُ» الأفراد في «بعض» الأحيان. إنَّ مصطلح «تسمية» يُشير إلى أنَّ الكلمات تُعبِّر عن مفاهيمَ يُفكِّر جميع البشر فيها، أي إنَّ جميع البشَر يُولَدون وهم على استعدادٍ لإدراك هذه المفاهيم (على الأقل في نهاية المطاف)، بصرْف النظَر عن بيئتهم الثقافية. بالرغم من ذلك، فمن الواضح أنَّ ليس جميع البشر يتمتَّعون بالقُدرة على إدراك مثل هذه المفاهيم حتى وهُم كِبار، والأرجح أنَّ معظم الأفراد لن يتَوصَّلوا أبدًا إلى هذه الاكتشافات المفاهيمية المَعنيَّة، التي يُمكِن وصفُها من خلال الأعداد. وفي الوقت نفسه، مِن الواضح أيضًا أنَّ بعض الأفراد قد توصَّلوا إلى تلك الاكتشافات، حتى وإن كان ذلك بشكلٍ غيرِ مُنتظِم. وفي تلك الحالات التاريخية الفعلية التي تَمكَّن البشرُ فيها من وصْف تلك المفاهيم بكلمات، اخترَعوا الأعداد. وبعد ذلك، تمكَّن غيرهم من الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافتهم نفسِها، من تمييز المفهوم الذي اخترَعوا له اسمًا، وذلك من خلال استخدام (أو الكلمات) الوثيقةِ الصِّلة. إنَّ مفردات الأعداد هي أدواتٌ مفاهيمية تنتشِر بسهولة؛ فهي أدواتٌ يَرغب معظم البشَر في استعارتها.

إنَّ التفسير العامَّ الذي أقترِحُه ليس جوهريًّا بدرجةٍ كبيرة، بل يمكن تطبيقه بالطريقة نفسِها على الكثير جدًّا من الاكتشافات البشرية التي تُوصَف باستخدام كلماتٍ جديدة. فغالبًا ما تتطوَّر الكلمات أو تُخترَع، من أجل التعبير عن المفاهيم والأفكار التي يَكتشِفها البشر حديثًا، لا عن الأفكار والمفاهيم الفطرية. فلْنتَناول مثالًا «كالمصباح الكهربائي». لقد أدرك العديدُ من المُخترِعين في أواخر القرن التاسعَ عشر أنَّ تمرير الكهرباء عبر فتيلٍ مَعدِني يُنتِج إنارة، وقُدِّمت العديد من براءات الاختراع لمصابيحَ كهربائية قصيرة الأجل. أما توماس إديسون وموظَّفوه، فقد طوَّروا فنَّ إنارة فتيلٍ في مصباح زجاجي مُفرَغ يَسمح للفتيل بالاحتراق لفترةٍ أطولَ كثيرًا. بطريقةٍ ما، كان اختراع مثل هذا النوع من مَصادر الإنارة قائمًا على اكتشافٍ بسيط، وهو: اعزِل السلك عن الهواء المُحيط، وسوف يظلُّ مضيئًا لفترةٍ أطول كثيرًا. لم يكن هذا الاكتشافُ البسيط عسيرًا على فَهم الآخَرين، وقد كان الجهاز الناتج عنه سهلَ التسمية بكل تأكيد؛ فمِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ مصطلح «المصباح الكهربائي» ليس صعبًا في الفَهم، وبالرغم من هذه البساطة الجوهرية الأنيقة، وبالرغم من سهولة فَهم معظم الأفراد لمفهوم «المصباح الكهربائي» والمصطلح المُرتبط به؛ فإنَّ أحدًا لن يَزعُم أبدًا أنَّ البشر مُهيَّئون فطريًّا لفهم المصابيح الكهربائية. إنَّ «المصباح الكهربائي» يمكن أن يصِف مفهومًا مُحدَّدًا لا يَصعُب فَهمه، لكنه ليس بمفهومٍ طبيعي. ومفردات الأعداد تُعدُّ هي أيضًا إشاراتٍ لمفاهيمَ بسيطة، وربما لا نكون مُهيَّئين فطريًّا بشكلٍ مُسبق للتوصُّل إلى تلك المفاهيم، لكن بعض البشر يتوصَّلون إليها، ويمكن للآخَرين اكتسابها من خلال الوسائل اللغوية. ومثلما أوضحْنا في المقدمة، فإنَّ ما يتميَّز به نوعُنا لا يتمثَّل في أنَّنا نتمتَّع بقُدرة عظيمة على الاختراع، بل أننا استثنائيون في توارُث هذه الاختراعات ومشاركتها بسبب طبيعتنا اللغوية. (لقد كتب إديسون نفسَه ذات مرةٍ أنه كان «إسفنجة أكثرَ مما هو مُخترع.») إذن، فنحن لسْنا مُهيَّئين فطريًّا لأن تَطرأ على أذهاننا مفاهيمُ مثل «المصباح الكهربائي»، وتنتظر أن تَجري تسميتُها، ولا نحن نمتلك مفاهيمَ مثل ٦ و٧ و٨ تَجول في عقولنا وتنتظر أن تجري تسميتها. إنَّ اختراع الأعداد يستلزم أولًا أن نُدرِك بطريقةٍ تجريبيَّة عشوائية تعتمد على الاكتشافات الشاردة التي تتوصَّل إليها بعضُ العقول فقط، أنَّ الكمياتِ المحددةَ التي يمكن تسميتُها (والتي تَزيد عن ثلاثة) موجودة بالفعل.

وثَمَّة دليل على أنَّ العدد النحوي، أي التمييز بين المفرد والجمع على سبيل المثال، له مصدر مختلِف، مقارنةً بالأعداد المُعجمية مثل «ستة» «وسبعة». ومثلما أشرْنا في الفصل الرابع، فإنَّ اختلافاتِ العدد النحْوي في لُغات العالم (قليلًا) لا تُميِّز بين ١ و٢ (ونادرًا) ما تميز بين ١ و٢ و٣، وكذلك بين هذه الكميات وجميع الكميات الأكبر. ويبدو أنَّ هذه الاختلافات تُشير بالفعل إلى مفاهيمَ موجودةٍ مُسبقًا، باعتبار أنَّ أدمغتنا تتَّسِم باستعدادٍ فطري للتمييز بين مثل هذه الكميات. ويُمكِننا قولُ الشيء نفسِه عن مفردات الأعداد الصغيرة مثل «واحد» «واثنين» «وثلاثة»، وهي تَسميات لمفاهيمَ فطرية. إنَّ هذه المفاهيم لها أساسٌ بيولوجي عَصَبي واضح؛ ومِن ثمَّ فإنَّ الكلمات التي تَصِفها توجَد في الغالبية العظمى من لُغات العالم. وليس من قَبيل المُصادفة أنَّ مصادرها التاريخية غالبًا ما تكون مختلفة عن مصادر الكلمات التي تَصِف الأعداد الكبيرة في لغة مُعيَّنة. ومثلما يَذكر عالم النفس ستانيسلاس ديهان، أنَّ «التوحيد والتثْنية والتثليث، هي مَلَكات إدراكية يَحسبها دماغُنا بعَفْوية بدون العد.»4 لكن غير ذلك من مفردات الأعداد لا يَستند إلى هذا الأساس العصبي، ولا تحسبه أدمغتُنا بهذه الدرجة من العفوية. إنَّ اللغة وغيرها من الجوانب الرمزية في حضارتنا، تمنح الفرصة لنوع «الإنسان العاقل» لاختراع الأعداد. بالرغم من ذلك، فإنَّ الاستفادة من مثل هذه الفرصة ليست بالأمر السهل، مثلما يَشهد على ذلك الاختلافُ الواسِع في تعقيد مفردات الأعداد الكبيرة وأساساتها بين الثقافات. ومع ذلك، فمِثلما ناقشْنا في الفصل الثالث، فإنَّ هذا التنوُّع اللُّغوي بين الثقافات ليس عشوائيًّا ويُشير إلى وجود بعض التوجُّهات الأساسية الواضحة. وهذه التوجُّهات تُشير بوضوحٍ إلى أنه بالرغم من أنَّ البشر يمكن أن يتَّخذوا أكثرَ من مسارٍ مختلفٍ يأخُذهم إلى اختراع رموزٍ تُطابق الكميات التي يُميِّزونها في بعض الأحيان، فإنَّ هذه الرموز تُخترَع عادةً عن طريق الأيدي. وهذا الطريق اليدوي أساسيٌّ للأعداد الأكبر من ٤.
في دراسة حديثة لتاريخ مفردات الأعداد في أستراليا، لاحظ عالِما النفس كيفين زو وكلير بويرن، نَمَطًا مثيرًا للاهتمام، وهو يتوافق مع التفسير العام الذي نطرحه هنا. ووَفقًا لهذا النمَط، فإنَّ الأعداد من ١ إلى ٣ تتَّسِم بمكانةٍ أكثر أساسية من الأعداد الكبيرة؛ فقد وجَدا أنَّ الكلمة التي تُعبِّر عن العدد ٤ في هذه اللغات عادةً ما تكون تركيبية، أي إنها تتكوَّن من مفردات أعداد أصغر. في الفصل الثالث، كنتُ قد أشرتُ إلى أننا نُلاحظ وجود هذا النمَط أيضًا في لغة الجاراوارا بإقليم الأمازون؛ فالكلمة التي تُعبِّر عن العدد ٤ في هذه اللغة هي famafama وتَعني «اثنين اثنين». وتُوجَد أيضًا أنماط مُماثِلة في العديد من اللغات الأخرى في الأمازون وأستراليا وغيرها من الأماكن. وهذه السِّمة التركيبية للعدد «أربعة» تُشير إلى أنَّ تسمية هذا المفهوم أقلُّ سهولة؛ فهو مفهوم يتَّجِه البشرُ إلى تسميته في معظم الأحيان من خلال الاستعانة بأفكارٍ أبسط، أفكار قد تشكَّلَت مسبقًا. وبالرغم من أننا نستطيع تسمية العدد «أربعة» من خلال الجمع بين عددَين أصغر منه، ونحن نفعل ذلك بالفعل، فهو عدد مخالف للقاعدة. فالأعداد الأكبر من «أربعة» لا تُبتكَر عادةً من خلال التركيب البسيط لكمياتٍ أبسط مثل ٢، وإنما بتسمية الكميات على الأيدي بطريقةٍ ما. وبالرغم من أنَّ اللغات الأسترالية، يمكن أن تَفقد بعضَ مفردات الأعداد أو تَكتسب بعضها على مدار الوقت، فقد استنتج زو وبويرن أنَّ تلك اللغات غالبًا ما تَكتسب الأعدادَ الأكبر من خمسة، بسرعةٍ أكبر إلى حدٍّ ما، بعد اكتساب كلمةٍ تُعبِّر عن العدد «خمسة»، التي ترتبط من الناحية الاشتقاقية في أكثر عائلات اللغات الأسترالية انتشارًا، بالكلمة التي تُعبِّر عن «اليد». إنَّ مثل هذا الاكتشاف، مع الأساسَيْن الخُماسي والعَشري الشهيرَين في الغالبية العظمى من الأنظمة العددية في العالم، يُشير إلى أنَّ العدد «خمسة» المُستنِد إلى اليد، هو بمثابة الأساس للأنواع الأكثر فاعلية من الأنظمة العددية؛ فعادةً ما يكون بمثابة المدخَل لأشكالٍ جديدة من التفكير العددي.5
إنَّ الجسم هو الأساس لمعظم مفردات الأعداد الأكبر من «أربعة»؛ إذ يتعلَّم البشر أنهم يستطيعون المطابقة بين أصابعهم وبين المجموعات الصغيرة التي يَعُدُّونها. إنَّ العدَّ على الأصابع يُسهِم في تعزيز حقيقة أنَّ الكلمات التي تُعبر عن «اليد» أو «الأيدي» كثيرًا ما تُمثِّل المصدر التاريخي للأعداد وأساساتها. وبالرغم من مزايا هذا التفسير بشأن مُفردات الأعداد الكبيرة، فإنه يُغفِل بعض الأسئلة المُهمَّة، منها: كيف تأسَّست علاقة التطابُق بين الأصابع وأحجام المجموعات منذ البداية، ولماذا؟ وإذا كان البشَر اللاعدديُّون، من الأطفال الذين لم يَكتسبوا مهارة اللغة بعد، والصُّم الذين لا يعرفون لغة الإشارة في نيكاراجاوا، وشعب الموندوروكو، يُواجِهون صعوبةً في التمييز بين الكميات الكبيرة بدقَّة، فكيف تمكَّن أيُّ إنسانٍ بالغ «أي مخترِعو الأعداد» من تمييز التطابُق بين الأصابع بدقة، لا سيما تطابقها مع غيرها من العناصر التي يمكن عدُّها والتي تُمثِّل مجموعاتٍ كبيرةً من خمسةٍ أو عشرة؟ وما السبب في أنَّ الأصابع مهمة للغاية في إحراز تقدُّمٍ نحو التفكير العددي المُعقَّد؟6

إنَّني أعتقد بوجود سبَبَين على الأقل لذلك؛ أولهما أنَّ الأصابع مميزة لأنها أول الوحدات المُنفصلة التي نُصادِفها في حياتنا بشكلٍ فعلي، فمِثلما ذكرْنا في الفصل السادس، نحن نتعرَّف على أصابعنا، ونحن ما نزال في الرحِم، والأطفال مَهْووسون بأيديهم، يمصُّون أصابعهم في بداية حياتهم، ويُركِّزون بصريًّا على أيديهم حين يُدرِكون أنَّ هذه الأشياء يمكن اللعب بها ومدُّها أمام بصرِهم أو سحبها منه، حسب إرادتهم. إذن، فالأصابع عنصر بارِز للغاية في حياتنا كلها. ومن الأمور المهمة للغاية أنها ليست على هذه الدرجة نفسِها من البروز في تلك الأنواع القريبة منَّا، والتي تَشترك معنا في بعض القُدرات الفطرية للإدراك العددي. فالغوريلا وقرود الجيبون والشمبانزي، وغيرها من أنواع القرود القريبة من نوعِنا، لا تَسير على قدَمَين مِثلنا؛ ولهذا فهي تستخدِم قائمتَيها الأماميَّتَين في معظم الأحوال لأغراض الحركة. أما نحن، فنستخدم أيديَنا عادةً في صُنع الأدوات واستخدامها، ونَستخدِم أصابعنا لنطاقٍ أوسع من الأغراض، ومنها بعض الأغراض الأكثر تخصُّصًا والتي تتطلَّب المزيد من البراعة والتركيز على اليدَين. إننا نُركِّز على أصابعنا أكثر ممَّا يفعل أيُّ نوعٍ آخر، وربما تُمثِّل هذه النقطةُ الجزءَ الأول من الإجابة عن سؤالنا عن الكيفية التي تَمَكنَّا بها من التوصُّل إلى الأعداد من خلال أيدينا.

بالرغم من بروز الأصابع في حياتنا اليومية، فمن غير المُرجَّح أن يكون مجرَّد انتشارها الفعلي، هو السببَ الوحيد للمفاهيم التي توصَّل إليها بعض مُخترعي الأعداد حين أدرَكوا أنَّه يمكن مطابقةُ مجموعات الأصابع مع مجموعاتٍ تتكوَّن من عناصرَ أخرى. وأما السبب الثاني في أنَّ الأصابع تؤدِّي مثل ذلك الدور البارز، وهو سبب لم يُناقَش حتى الآن (حسَب معرفتي) في المؤلَّفات، هو أنها تُوجَد في الطبيعة مُتطابقةً على نحوٍ متناظر. فليس الأمر أننا نتفاعَل مع أصابعنا باستمرارٍ ونُركز عليها فحسْب، بل لأنَّ كل إصبعٍ من أصابعنا له رفيقٌ يُشبِهه في اليد المُقابلة، فإنَّ احتمالية أن يتطابق كلُّ إصبعٍ من أصابعنا مع عنصرٍ واحدٍ في مجموعةٍ أخرى من العناصر، تتأكَّد بثباتٍ في خبرتنا البصرية والحِسِّية. إنَّ التناظُر الموجود في أيدينا وأصابعنا، وتعرُّضَنا المُستمرَّ لذلك التناظُر في حياتنا التي تَعتمد على اليدَين بشكلٍ غريب، قد دفع العديد من الأشخاص على الأرجح إلى إدراك إمكانية الربط بين مجموعتَين تتكوَّن كلٌّ منهما من خمسة عناصر.

وربما يُدرك بعض الأفراد أيضًا التطابُقَ بين خمسة عناصر خارجية على الجسم، مع مجموعةٍ من خمسة أصابع (مع تسمية التكافؤ العددي للأصابع الموجودة في كل يدٍ في البداية، أو بدونه). إنَّ هذا التوافُق بين الأصابع وهذه العناصر، يستفيد على الأرجح من التوافق المادي الطبيعي للعناصر الصغيرة التي يمكن حملُها باليد والأصابع، فربما حدَث ذلك بسبب وضع هذه العناصر على راحة اليد. بالرغم من ذلك، أيًّا كان الطريق الذي يتَّخِذه مخترِعو الأعداد، فإنَّ اختراع أنظمةٍ عددية مُعقَّدة يعتمد عادةً على المساواة الكمية بين الأصابع وعناصرَ مُحدَّدة، ومنها الأصابع الأخرى. على مدار التاريخ البشري، اكتشف البشَر هذا التطابُق المُنتظِمَ بين الكميات، ثم وثَّقوا هذا التطابق الكمِّي، وقد كان ذلك في معظم الأحيان من خلال تسمية تطابُقٍ مُحدَّد باسم الكلمة التي تُستخدَم في لُغتهم للتعبير عن «اليد». وحين استخدموا هذه التسمية بالفعل، اخترعوا أداةً رمزية سهلَت الإشارة إلى الكمية المَعنية المُحدَّدة، وتمييزها بعد ذلك، كما سمحَت أيضًا بتوصيلها إلى عقول الآخرين.

بعد ذلك، يمكن لِمُستخدِمي مفردات الأعداد أن يُكوِّنوا كلماتٍ للأعداد الأكبر؛ فربما في أثناء عدِّ بعض العناصر على أصابعهم، يَبتكِرون كلمةً جديدة من خلال الجمع بين الكلمة التي تُعبِّر عن «اثنَين» والكلمة التي تُعبِّر عن «يد» فتُصبِح «اثنَين ويد» (أي «سبعة»). وبمرور الوقت، فإنَّ استخدام مثل هذه الكلمة، سيُؤدِّي إلى الاستفادة منها بأكبرِ درجةٍ ممكنة، وقد يمكن استخدامُها في الكثير من السياقات لتسمية مجموعاتٍ تتكوَّن من عناصر مختلفة. وقد يَنشر بعضُ المُتحدِّثين الابتكارَ في اتجاهاتٍ جديدة، فيبتكرون كلماتٍ تُعبِّر عن العدد «عشرة» والعدد «عشرين»، ومن المُرجَّح أيضًا أنهم سيستخدمون من عدد الأصابع الموجودة في جسم الإنسان أساساتٍ لمِثل هذه الكلمات. ثمَّة الكثير من الطرُق التي يمكن سلوكها؛ إذ إنَّ مفردات الأعداد تتراكم وتُقترَض وتُعدَّل وتَنتشِر. ونظرًا إلى فائدة الأعداد ونوع العمليات التي تجعله مُمكنًا؛ فإنها سوف تنتشِر في معظم السياقات بين أفراد الجماعة السكانية الواحدة وكذلك بين الجماعات السكانية التي تتواصَل فيما بينها. ويمكن أن تدخُل مفرداتُ الأعداد إلى لغاتٍ جديدة على هيئة كلماتٍ دخيلة أو ترجماتٍ اقتراضية، إذ تُستخدَم المفاهيم على مستوى الثقافات، مع تأليف كلماتٍ جديدة للمفاهيم المُقترَضة.

إنَّ إدراكنا لفكرة أنَّ الأصابع يُمكِن أن تتطابق بعضها مع بعض بشكلٍ مُتناظِر، ومع العناصر الأخرى إذ يُطابِق كلُّ إصبع عنصرًا واحدًا، يأخُذنا إلى ما هو أبعدُ من قدرات الحاسَّة العددية الفطرية. غير أنه إدراكٌ قد تشكَّل على نحوٍ غير مُتوقَّع؛ إذ إنَّ بعض اللغات لا تَمتلك أنظمةً عددية مَتينة، وبعضها يَستخدِم أعدادًا لا تتأسَّس على عدد الأيدي أو الأصابع. على أي حال، فإنَّ هذه الفكرة هي العاملُ الأكثر فعاليةً في التجسيد اللفظي للكميَّات الأكبر من ٤. (بطريقةٍ ما، نجد أنه أمرٌ غريب أنَّ بعض الجماعات البشَرية لا تُسمِّي الكميات الكبيرة على أيديها، نظرًا لما لدَينا من انحيازٍ تشريحي تجاه مساواة الأصابع الخمسة في إحدى اليدَين، بالأصابع الخمسة الموجودة في الأخرى.) في نهاية المطاف، يُعَدُّ اكتشاف وجود كمياتٍ كبيرة مُحدَّدة؛ ومن ثمَّ اختراع معظم الأعداد، ناتجًا عرضيًّا لسَيرنا على قدَمَين، مثله في ذلك مثل العديد من الأمور الأخرى التي نتميَّز بها كبشر. إنَّ السير على قدَمَين قد أدَّى في النهاية إلى التركيز على اليدَين بدرجةٍ أكبر، والانتباه إلى تناظُر أصابعنا، وقد سهَّل أيضًا إدراكَ تطابُق كلِّ إصبعٍ من أصابعنا مع غيره من الأشياء التي يمكن عدُّها. ونتيجةً لمثل هذه العوامل، مهَّدَت لنا أيدينا الطريقَ الأسهل في رحلتنا الشاقة نحو الأعداد.7
إنَّ الظاهرة التي نتناولها هنا، وهي فَهْم البشر للكميات بسبب أعضاء مِن أجسامهم توجَد خارج الدماغ، هي مثالٌ على ظاهرةٍ أعمَّ تُعرَف باسم «الإدراك المُتجسِّد». على مدار العقود القليلة الماضية، أشار العديد من الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء اللغة وغيرهم إلى أنَّ مجموعةً من عمليات الإدراك البشرية تتأسَّس على سِمات التجرِبة الجسدية البشرية، أو تتيسَّر من خلالها على الأقل. وقد وضَّح هذا المجالُ النامي من دراسة الإدراك المُتجسِّد أنَّ الطبيعة التشريحية لأجسادنا وطريقة عملها، تُقيِّد بعض عمليات التفكير أو تُعزِّزها. وعلى الرغم من أنَّ هذا ليس المكانَ المناسب للمناقشة المُطوَّلة لمثل هذه العمليات، فلنُعِدِ النظر مرةً أخرى في مثال الإدراك الزمني الذي ناقشْناه في الفصل الأول. نحن — مُتحدِّثي اللغة الإنجليزية — نفكِّر في المستقبل على أنه أمامنا؛ لأنَّنا بطريقةٍ ما نَسير إلى المُستقبل. ولأننا نسير، فاللحظات التي وقعَتْ في ماضينا قد وقعَت ونحن في أماكنَ مادِّية قد أصبحَت الآن خلفَنا. وعلى العكس من ذلك، فمن المُتوقَّع أن تقع لحظات المُستقبل بينما تكون أجسادنا في أماكنَ هي الآن أمامنا. إنَّ استعارة «المُستقبل أمامنا» هي نتيجة التفكير في الزمن في سياق هذه التجربة المادية الجسدية. وهذا المنظور الشائع بشأن الزمن مثال على التفكير المُتجسِّد؛ إذ يتأثَّر تفسيرنا لتقدُّم الزمن بكيفية عمل أجسادنا. وفي سياق مُتَّصِل، حين يُفكِّر البشر أنَّ «خمسة أشياء تُشبِه اليد» أو غير ذلك من الأفكار وثيقةِ الصلة؛ ومن ثَمَّ يخترعون الأعداد، فإنَّ هذا يَعني أن بعض سِمات أجسادهم تُمكِّنهم من العملية الإدراكية المَعنيَّة. إنَّ إدراكهم يتجسَّد حين يستخدمون اليد على سبيل الكناية؛ للدلالة على خاصية كَمِّية لتلك السِّمة الجسدية. وبالرغم من أنَّ علماء اللغة قد لاحَظوا أنَّ أنظمة الأعداد غالبًا ما تكون عشرية أو خُماسية أو عشرينية (أو توليفة من كل ذلك)، فإنَّ مدى تأثير التفكير الكَمِّي المُتجسِّد في ابتكار معظم الأعداد، لم يحظَ بالتقدير الكافي في العديد من الدوائر.8

ما بعد العدِّ البسيط

إنَّ العديد من المفاهيم المُستنِدة إلى الأعداد لم تُستلهَم من خلال اليد. ولم تتطوَّر المُمارسات الرياضية المعقَّدة بصورةٍ مُستقلَّة إلا في عددٍ قليل بعض الشيء من الثقافات، بالرغم من عالمية الأصابع، وبالرغم من انتشار مُفردات الأعداد على مستوى العالم، فالأعداد المُستنِدة إلى الأيدي، لا تُؤدِّي بالضرورة إلى إنتاج أعدادٍ كبيرة للغاية؛ فوجود كلمةٍ مثل «خمسة» أو «عشرة» في لغةٍ ما، لا يَعني أنَّ هذه اللغة تحتوي على كلمةٍ مثل «ألف» أو «مليون» إنَّ وجود مفردات الأعداد البسيطة هو شرطٌ ضروري لتفصيل أعدادٍ أكثر تعقيدًا، لكنه غير كافٍ لذلك.

كذلك فإنَّ العديد من الأنواع الأخرى من الأعداد، لا تتبع بالضرورة تقديمَ مفردات أعدادٍ أساسية في ثقافة مُعينة. فالمسار التشريحي يُنتج أعدادًا صحيحة بسيطة يُطلَق عليها اسم «الأعداد النموذجية المُستخدَمة في العد»9 مثل «خمسة» و«ستة» و«عشرة» و«عشرين»، لكنه لا يُنتِج بالضرورة عددًا «كالصفر». (راجع مناقشة العدد صفر في الفصل التاسع.) وهو أيضًا لا يُنتج بالضرورة الأعدادَ السالبة، ولا الأعداد غير النسبية، ولا يؤدِّي إلى اكتشاف مُتتالية فيبوناتشي، وما إلى ذلك. إذن، فالسؤال المُتوقَّع في سياق هذه المناقشة، هو: كيف نبدأ في تشكيل الأعداد النموذجية المُستخدَمة في العدِّ لكي نصِل إلى عالم يَحفل بجميع الأنواع الأخرى من الأعداد والمفاهيم الرياضية؟ إنَّ ذِكر التفاصيل الكاملة لتطوُّر عِلم الحساب، يقع خارج نطاق هذا الكتاب، غير أنَّ الأمر حريٌّ بأن نتَناول بعض العوامل الأساسية التي تتعلَّق باستخدام البشر للأعداد النموذجية المُستخدَمة في العدِّ في ابتكار مفاهيمَ رياضيةٍ أساسية، مثل الجمع والطرح والضرب. ففي نهاية المطاف، تُعَدُّ هذه المفاهيم الأخيرة محورية في العديد من التقنيات البشرية المادية والسلوكية.
إنَّ هذا النقاش الذي نتناوله بشأن اتِّساع المفاهيم العددية يُعيدنا مرةً أخرى إلى إحدى الأفكار المُتكرِّرة، وهي أنَّ البشر يفهمون الأفكار المجرَّدة من خلال الأشياء المجسَّدة الموجودة في حيواتنا التي ترتكز على الطبيعة المادية. ومثلما أنَّ المجاز، والمسارَ اليدوي الذي اتَّخذناه نحو الأعداد، يَستنِد إلى كيفية تركيب أجسادنا وعملها؛ فثَمَّة حُجة مُقنعة على أنَّ الإدراك الحسابي الأساسي يرتكز على خِبرتنا المادية. ومعنى هذا أنَّ تَطوُّر المفاهيم الرياضية من أعدادنا النموذجية المُستخدَمة في العد، يَنتج بدرجةٍ كبيرة عن إعجاب البشَر بالتفكير المجازي المُرتكِز على أشياء مادية.10

إنَّ ما يَعنينا في هذه المناقشة، هو نوعان من أنواع التفكير المجازي المُرتكِز على الطبيعة المادية، وأولهما هو الاستعارة المفاهيمية، التي يوجَد منها العديد من الأمثلة في أيِّ لغة، وسنَذكُر عليها مِثالَين من اللغة الإنجليزية: تصوير مفهوم المزاج العاطفي في صورة درجات الحرارة، ووصف الأمور السلبية بأنها «منخفضة». على سبيل المثال، تَظهر الاستعارة الأولى المُرتكِزة على الطبيعة الجسدية حين نتحدَّث عن أشخاصٍ يتمتَّعون إما بشخصيةٍ «دافئة» أو «باردة»، مع افتراضنا الضِّمْني أنَّ الشخصيات «الدافئة» أكثرُ وُدًّا وترحيبًا. وتظهر الاستعارة الثانية المُرتكِزة على الطبيعة الجسدية حين نتحدَّث مثلًا عن شعورنا «بانخفاض الرُّوح المعنوية» أو عن شخصٍ يَشعُر بأنه «سقط في هُوَّة الاكتئاب.» إنَّ ما ذكرناه هنا هو مثالان فقط على هذا النوع من الاستعارات، غير أنَّ هناك الكثيرَ من الأمثلة عليها. (ويَنبع الربط المجازي بين الأشياء «المُنخفِضة» والحزن من العلاقات التجريبية، مثل العلاقة بين المَوت والدفن، والوجود في مستوًى «منخفض» في الأرض.)

وأما النوع الثاني من التفكير المجازي الذي يَعنينا في هذه المناقشة، فهو ما يُشير إليه علماءُ اللغة باسم «الحركة الخيالية»، والتي تتمثَّل في تفكيرنا في الأشياء على أنها تتحرَّك بينما نَستعرِضها في عقولنا. فعلى سبيل المثال، إذا قلت: «إنَّ منظر ناطِحات السحاب في أفُق ميامي، يَجري على امتداد خليج بيسكاين.» فذلك من الأمثلة على الحركة الخيالية؛ فمن الواضح أنَّ ناطحات السحاب لا تَجري فِعليًّا، لكنَّني أتحدَّث عنها وكأنها تفعل. وبالمِثل، حين أزعُم أنَّ «الحدَّ الفاصل بين بيرو والبرازيل يمرُّ بالأمازون.» فلن يُفسِّر أحد ذلك على أنَّ الحدَّ يتحرَّك بالفعل؛ فإنَّ الاستعارات المُستنِدة إلى الطبيعة الجسدية والحركة الخيالية، كلاهما أساسي في تشكيل التفكير الرياضي.

إنَّ علماء الإدراك، ومِن أبرزهم رافاييل نونييث من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، قد قدَّموا بعض الأدلَّة على أنَّ الاستعاراتِ الأساسيةَ والحركة الخيالية، تُسهِمان في بِنْية عِلم الحساب؛ فهم يَذكرون على سبيل المثال أنَّ إحدى الركائز الأساسية في تكوين عمليات الإضافة والطرح هو استعارة أنَّ «الحساب هو جمع الأشياء.»11 وبعبارةٍ أخرى: فإنَّ البشر يُفكِّرون في الأعداد من خلال الأشياء، فها هم مرةً أخرى يُحوِّلون الأفكار المجرَّدة إلى شيءٍ مادي وملموس بدرجةٍ أكبر. ومن الأدلة على هذا التوجُّه المجازي ذلك التداخُلُ بين المصطلحات والعبارات المُستخدَمة في الجمع والطرح، والتعامُل مع الأشياء المادية؛ فيُمكِنني أن أتحدَّث مثلًا عن «إضافة اثنَين وخمسة»، ويُمكنني أيضًا أن أتحدَّث عن «إضافة الجُبْن إلى الهامبرجر»، أو «إضافة المِلح إلى السَّلاطة»، أو «إضافة قطعة أخرى من الأثاث إلى الغرفة». يُمكنني أن أقول: «إضافة ثلاثة وثلاثة تساوي ستة.» أو يُمكنني أن أقول: «سيارة فيراري الجديدة إضافةٌ رائعة إلى مجموعته.» وبقدْر ما يُمكنني أن أتحدَّث عن «الجمع بين ثلاثة وخمسة»، يمكنني أن أتحدَّث عن «الجمع بين السُّكَّر والبيض والزُّبد»؛ إننا نجمع الأعداد معًا في عقولنا، مثلما نجمع بين الأشياء الموجودة في العالم الخارجي عنها. وعلى العكس من ذلك، فإننا نَفصل بين الأعداد، مثلما نفصل بين الأشياء؛ فيُمكنني أن أقول مثلًا: «إذا أخذتَ هذا العمود، فسوف ينهار البناء.» أو يُمكنني أن أقول: «شكرًا على أخذ القُمامة.» ومع ذلك، يُمكنني أن أتحدَّث عن «أخذ خمسة من سبعة»، أو أقول: «اثنا عشر نأخذ منها ستة، يساوي ستة.» إضافةً إلى ذلك، فمِثلما يُمكنني أن أقول: «خمسة عشر ناقص اثنين، يساوي ثلاثة عشر.» يمكنني أن أقول: «إذا أنقَصْنا هذا الحزام من الزي، فإنه سيُصبح غير ملائم.» يُمكنني أن أستمرَّ في طرح المزيد من الأمثلة، لكنَّني أعتقد أنَّ ما أعنيه قد أصبح واضحًا، وهو أنَّ الكثير من كلمات اللغة التي نستخدمها لجمع الأشياء وإزالتها، يُستخدَم أيضًا لجمع الأعداد وإزالتها.

إنَّ التوازيَ بين الأشياء والأعداد، لا يَنتهي هنا على أي حال؛ فمِثلما يمكننا الحديث عن حجم الأشياء، يمكننا الحديث أيضًا عن «حجم» الأعداد. فيُمكنني أن أقول مثلًا: إنَّ التريليون عدد «كبير للغاية» أو: إنَّ «سبعة أصغر من خمسة عشر». ويُمكنني أن أقول: «أنا لا أعرف بالضبط الراتبَ الذي تحصل عليه، ولكني أعرف أنه رقمٌ ضخم.» ويُمكنني أيضًا أن أقول: «إنَّ راتبها ضئيل للغاية مقارنةً بما تستحقُّه.» إننا نتحدَّث عن الأعداد في معظم الأحوال، وكأنها أشياءُ طيِّعة مختلِفة الأحجام، أشياء يُمكِن المقارنة بينها وضمُّها معًا وتجميعها كذلك. إنَّ هذا النوع من التفكير المجازي طبيعي للغاية حتى إننا قد لا نُدرك أنَّنا نستخدِمه. وربما يعود السبب في هذا الأساس المادي للُّغة الحسابية إلى أنَّ اختراع الأعداد يعتمد بصورةٍ كبيرة على أجسامنا المادية، لكنَّنا، إضافةً إلى هذا، نُفكِّر في الأفكار المجرَّدة، ونتحدَّث عنها في العديد من المجالات الإدراكية على أنها عناصرُ موجودة في العالم المادي. إنَّ التفكير في الأعداد على أنها أشياءُ مادية يُيَسِّر تخزينها وتمثيلها ومُعالجتها في الدماغ؛ إذ إنَّنا نستطيع تصوُّر الأشياء وتذكُّرها بسهولةٍ أكبر من المفاهيم المجرَّدة.

تؤدي الحركة الخيالية أيضًا دورًا في تطوُّر الاستراتيجيات الحسابية، غير أنَّ هذا الدور أكثرُ ثانوية. وهي ظاهرة مختلفة تمامًا، لكنها مَجازية أيضًا، ويُمكننا أن نُطلق عليها اسم «الحساب هو حركة على مسار».12 والفكرة الأساسية هي أنَّ العديد من البشَر (لا سيما مُتحدِّثي اللغة الإنجليزية) يصفون الأعداد على أنها تُوجَد على خط، ويصفون الحركة على امتداد هذا الخط. والأمثلة اللغوية التي تتجسَّد فيها هذه الاستعارة كثيرةٌ للغاية؛ فيُمكنني أن أقول مثلًا إنَّ «١٠١ و١٠٢ قريبان للغاية.» وإذا سألتُك عمَّا يكون ناتج عشرة زائد عشرة، وأجبتَ بأنه ثلاثون، يُمكنني أن أقول إنَّ إجابتك «بعيدة للغاية.» وإذا رأيتَ مجموعةً من الأشخاص في فصلٍ دراسي، فقد تقول إنَّه يوجَد «ما يقرُب من عشرين طالبًا». وإذا كنت لا تعتقد أنَّهم بهذا العدد الكبير، فقد تقول إنَّ عددهم «يقترِب من العشرين». ويمكننا أن نَطلُب من الأطفال أن يَعُدُّوا من واحدٍ إلى مائة، دون «تخطِّي أي أعداد». ويُمكنهم أن يَعُدُّوا «من الخلف»، وكأنَّ العدَّ ينطوي على حركةٍ إلى الأمام أو إلى الخلف على خط الأعداد. إنَّ ما تتميَّز به هذه اللغة من تلقائيةٍ يُمكِن أن يَحجُب ما يحدُث حين نستخدمها، وهو أنَّنا نتحدَّث عن الأعداد المجرَّدة والكميات التي تصِفها وكأنها توجَد على خطٍّ يمكن تحريكُها عليه أو عرضُها. إنَّ الإشارة إلى الأعداد في سياق الخطوط والأشياء الطيِّعة مُنتشرةٌ للغاية، وهي تُسهِّل من اكتسابنا للكثير من المفاهيم الحسابية خلال الطفولة. إنَّ هذه الاستعاراتِ تُستخدَم عن عمدٍ في السياقات التربوية كذلك؛ إذ يَربِط الأطفالُ بين الأعداد وبين الأشياء المادية وبين خطوط الأعداد في كتُب التدريبات الخاصة بالرياضيات.13
إضافةً إلى أنماط الحديث، فإنَّ الإيماءاتِ المُصاحِبةَ للحديث، توضِّح الطرُق التي نَفهم بها الأعداد مَجازيًّا. إنَّ دراسة الإيماءات التي يقوم بها البشرُ في أثناء حديثهم، هي مجالٌ خصب للدراسة في مجال علوم الإدراك. وتُشير الكثيرُ من الأبحاث إلى أنَّ الإيماءات بمثابة نافذةٍ تُطِلُّ على العمليات الإدراكية لدى البشر. فعلى سبيل المثال، تنعكس نزعة مُتحدِّثي الإنجليزية إلى الحديث عن المُستقبل باعتباره شيئًا يقع أمام أجسامهم، في إشارتهم إلى الأمام في أثناء الحديث عن الأحداث المُستقبلية. وعلى العكس من ذلك، فهم يُشيرون إلى خلفهم في معظم الأحيان عند التحدُّث عن الماضي. وبالمثل، تَظهر الإيماءات حين يتحدَّث الأشخاص عن الأعداد، مثلما يتَّضح ذلك في دراسةٍ حديثة لمقاطع فيديو مُسجَّلةٍ لطلبة الكليات. حين تحدَّث الطلبةُ عن إضافة أعدادٍ معًا، كانوا يَستخدمون في الوقت نفسِه إيماءاتِ «الجمع» أو «المسار». وقد تمثَّلَت الإيماءات الأخيرة في تحريك أصابعهم أو أيديهم من أحد جانِبَي أجسادهم إلى الجانب الآخر، وكأنَّ الأعداد تتقدَّم على خطٍّ ما. أما إيماءات الجمع، فقد كانت تَنطوي على حركة الأيدي إلى الداخل، مع ضمِّ اليد في قبضة، كما لو أنَّ الطلاب يُمسِكون شيئًا في أيديهم، أو يَقبضون عليه. وحين كان الطلاب يتحدَّثون عن جمع الأعداد، كانوا يقومون في الوقت نفسِه، وبشكلٍ غير واعٍ، بجمع أشياءٍ مُتخيَّلة بأيديهم، أو يُحرِّكون أيديَهم على خطٍّ خيالي. فمن الواضح أنَّ المجاز يؤدي دورًا في إنشاء الرياضيات باستخدام الأعداد، غير أنَّ حجم هذا الدور يَستلزم المزيد من البحث.14
وثمَّة أنواع أخرى من الأدلة التي تدعم الاستنتاج المُتمثِّل في أنَّ البشر غالبًا ما يفكرون في الأعداد في ضوء المكان المادي؛ فعلى سبيل المثال، يتَّخذ الأفراد القراراتِ الرياضيةَ بصورةٍ أسرع حين تتوافق المعلومات المكانية والعددية بدقَّة. فلتُفكِّر على سبيل المثال في أيِّ العددَين التاليَين له قيمة أكبر:

٧ أم ٩؟

أو أي العددَين التاليَين أكبرُ قيمةً:

٦ أم ٨؟

هل استغرقْتَ وقتًا أطول في تقييم الزوجَين الأولَين من الأعداد؟ إذا كنتَ قد فعلت، فهذا يَعني أنَّ أوقاتَ استجابتك لا تختلف عمَّا أبداه معظم الأشخاص الذين تعرَّضوا لاتخاذ هذا القرار؛ فالفصلُ الكامل بين المعلومات المكانية والمعلومات العددية صعبٌ بعضَ الشيء. وهذا التشابُك الموجود بين هذَين النوعَين من المعلومات، يَظهر بالفعل في الأبحاث المَعنية بتصويرٍ للدماغ. فحين يُطلَب من الأفراد التركيز على عددٍ أو أداء مهمة تتضمَّن التفكير العددي، تنشط في أدمغتهم أجزاء محدَّدة. ويحدُث الشيء نفسُه حين يؤدُّون مَهامَّ تستلزم منهم اتخاذَ قراراتٍ بشأن الحجم المادي والمَوقِع أو أيٍّ منهما؛ إذ تنشط هذه الأجزاء نفسها.15
إضافةً إلى هذا، فإنَّ التشابُك المكانيَّ العددي يتَّضح أيضًا في الارتباط المكاني العددي لرموز الاستجابة، الذي يُشار إليه عادةً باسم تأثير سنارك SNARC. (يعود اكتشاف هذا التأثير، مثل العديد غيره من سِمات الإدراك العددي، إلى عالم النفس الفرنسي ستانيسلاس ىديهان.) ويتَّضِح هذا التأثير في السياقات التجريبية، حين يُطلَب من الخاضعين للتجربة على سبيل المثال أن يضغطوا على زرٍّ فوْرَ أن يرَوْا عددًا مُحدَّدًا على شاشةٍ أمامهم. في حالة الأعداد الكبيرة، كان الخاضعون للتجرِبة يَستجيبون بصورةٍ أسرع حين يضغطون الزرَّ باليد اليُمنى، وفي حالة الأعداد الصغيرة، كانوا يَستجيبون بصورةٍ أسرع حين يضغطون على الزرِّ باليد اليُسرى. ويُشير هذا النمَط في الاستجابة إلى أنَّنا نفكِّر في الأعداد وكأنها تُوجَد في تمثيلٍ مكاني على طول خطٍّ ما، بحيث تكون الأعداد الأصغرُ على اليسار والأكبر على اليمين. بالرغم من ذلك، ففي بعض الثقافات التي يَسير اتجاهُ كتابتها من اليمين إلى اليسار، نجد أنَّ هذا الخطَّ معكوس، ونجد أنَّ الاستجابة إلى الأعداد الكبيرة تتحقَّق بصورةٍ أسرعَ باليد اليسرى. إنَّ انتشار تأثير سنارك، مثل القرارات العددية المُتأثِّرة بالمكان التي ذكَرْناها في الفقرة السابقة، كلاهما يدلُّ على التشابُك الإدراكي بين المكان والأعداد.16

بالرغم من أنَّ الأدلَّة على وجود أساسٍ مجازي ومكاني للتفكير الحسابي تتَّسِم بالإقناع، فإنَّ هذا لا يَعني أنَّ التفكير المجازيَّ هو الأساس الوحيد لمِثل هذا النوع من التفكير؛ فمن غير المنطقي ألا يَكون لدَينا سوى عاملٍ واحد فقط هو الذي يُفسِّر تطوُّرَ الأعداد أو استخدامَ هذه الأعداد في مبادئ الحساب. في حالة المجاز، على سبيل المثال، نجد أنَّ الثقافاتِ تختلف في طريقة وضعها للأعداد في سياق المكان. إضافةً إلى ذلك، ففي بعض الثقافات نجد أنَّ الأدلة التي نَمتلكها على أنَّ الأفراد يضعون الأعداد على خطٍّ لها، قليلةٌ للغاية أو حتى مُنعدمة. (راجع النقاش عن جماعة اليوبنو في الفصل الخامس). وعلى مستوًى أكثر بدائية، فقد لاحظْنا بالفعل وجود عددٍ قليل من الثقافات التي لا تَستخدِم أيَّ أعدادٍ مُحدَّدة على الإطلاق، أو تستخدِم منها مجموعةً محدَّدة للغاية. وبالرغم من أنَّ الطريق اليدويَّ إلى الأعداد مُنتشِر للغاية، فهو ليس بالطريق المُحتمَل الوحيد، ولا تظهر آثاره على الدَّوام في أساسات الأنظمة العددية. فعلى سبيل المثال، تَستخدِم بعضُ اللغات أنظمةً سُداسية (الأساس ٦) لا يمكن تفسيرها باستخدام الأيدي أو الأصابع في التسمية الأولية للكميات. (راجع الفصل الثالث) إنَّ أحد الموضوعات المُتكرِّرة في مجال اللغويات هو أنه لا ينبغي لنا الإفراطُ في تعميم الأنماط التي تتَّضِح في العديد من اللغات، ونفترِض أنها تُوجَد في اللغات جميعها. بالرغم من ذلك، ولأنَّ جميع البشر يَمتلكون الأدمغةَ نفسَها والأجساد نفسها بصفةٍ أساسية، فليس مِن المُفاجئ أنهم عادةً ما يَتَّخِذون مساراتٍ متشابهةً توصِّلهم إلى المفاهيم الحسابية، وهذه المسارات غالبًا ما تتضمَّن طرُقًا مجازية.

ومن الأساسات الأخرى التي أسهمَت في انتشار الأعداد الأساسُ اللغوي على وجه التحديد؛ إذ تُشير بعض الأعمال التي قامت بها عالمةُ اللغويات هايكا فيسا إلى أنَّ علم بناء الجُملة يُيسِّر ابتكار المفاهيم العددية؛ فقد يُساعدنا البناء اللغوي على تحويل مصطلحات الأعداد مثل «خمسة» و«ستة» إلى أنظمةٍ عددية ذاتِ فائدةٍ أكبر. وفي نهاية المطاف، عندما نُدرك نحن — مُستخدِمي الأعداد — أنَّ ٦ أكبر من ٥ بمقدار واحد، وأقل من ٧ بمقدار واحد، نُصبح على وعيٍ بمبدأ الخلَف. لكنَّ الأرجح أنَّنا نتوصَّل إلى هذه الفكرة، بشكلٍ جزئي على الأقل، لأنَّ اللغة توفِّر لنا التدريب على استخدام رموزٍ يختلف معناها وفقًا للترتيب الذي تَرِد فيه. فلنتناول هذه الجملة الإنجليزية المُتعدِّيَة على سبيل المثال: The crocodile ate the snake. (التي تَعني بالعربية أنَّ التمساح أكَل الثعبان.) يتوقَّف معنى هذه الجملة على كلماتها المُفردة، لكنَّ الكلماتِ وحدَها لا تكفي للفَهم في غياب الاتفاق البنائي؛ فبالرغم من كلِّ شيء، توجَد بعض أنواع الثعابين (الأناكوندا) تأكل التماسيح؛ فكيف سنَعرِف ما الذي يأكُل ماذا؟ إنَّ السهولة التي نَفهم بها مثل هذه الجُمل التي يمكن أن تكون مُبهمة، يعود السبب فيها إلى قواعدِ بناء الجملة في اللغة الإنجليزية. فلأنَّنا نعرِف أنَّ الفاعل يسبق الفعل عادةً، الذي يسبق المفعولَ بدَوره؛ فنحن نعرف أنَّ الثعبان هو الذي أُكِل. وإذا طبَّقنا على عالَم الأعدادِ هذا النوعَ من المعنى الذي يتوقَّف على الترتيب، يُمكننا أن نرى كيف أنَّ عِلم بناء الجُملة يُساعدنا في فَهم العلاقة بين كلِّ عددٍ والآخر. ربما تكون لدَينا نزعةٌ فِطرية لتشكيل التسلسُلات العددية وفكِّ رموزها، وفَهم أنَّ مفردات العدِّ لها معانٍ محدَّدة مُتوقَّعة؛ لأنَّ البناء اللُّغوي يُساعدنا في وضع الأساس لفَهم تسلسُلات الأعداد. ومن هذا المنظور فإنَّ البناء اللغوي يُمِدُّنا بالأساس لإدراك أنَّ معانيَ الكلمات يمكن أن تختلف وفقًا للترتيب الذي تَرِد فيه.17

إنَّ هذه العواملَ مثل المجاز والبناء اللغوي، تُفيدنا في أن نفهم كيف تَمكَّن نوعُنا من الانتقال من «مواجهة» الصعوبة في التعامُل مع الأعداد الأساسية (وأنا أعني هذه التورية)، إلى استخدامها بطرُقٍ جديدة. وهي تُساعدنا في تفسير كيفية تطوُّر العمليات الحسابية من الأعداد النموذجية. وبغرَض الوضوح، فإنني لا أزعُم أنَّ هذه العواملَ توجَد قِطعًا في جميع الثقافات، أو أنها تَنبُع منطقيًّا في جميع الحالات من اختراع مفردات الأعداد؛ فسوف يكون من غير الدقيق بالطبع أن نزعُم أنَّ «البشر يَخترِعون الأعداد بسبب أصابعهم، فهم يَستخدمون اللغة والمجاز، وغير ذلك مِن العوامل؛ فيتوصَّلون في النهاية إلى النظرية الأساسية في التفاضُل والتكامل.» إنَّ مدى استخدام الثقافات لمبادئ الحساب الأساسية، والرياضيَّات الأكثر تعقيدًا، تختلف بدرجةٍ كبيرة من ثقافةٍ إلى أخرى، مما يدلُّ على أنَّ العديد من العوامل المُرتبطة بالمُجتمع تَدخُل في الأمر. بالرغم من ذلك، يبدو لنا أنَّ العوامل التي ناقَشْناها هنا شائعة، وهي مِن المكوِّنات الأساسية في تعزيز التفكير الرياضي.

الأعداد في الدماغ

إنَّ الدماغ البشري أكبرُ مما ينبغي أن يكون عليه بعدَّة مرات، وذلك مقارنةً بالنسبة المُعتادة بين حجم الدماغ وحجم الجِسم، والتي تَظهر لدى أنواع الرئيسات الأخرى. ويتركَّز ٨٠ بالمائة من كتلة الدماغ في القشرة الدماغية؛ تلك الطبقة الفوضويةِ الالتِفاف، التي تتكوَّن من المادة الرمادية، ويبلُغ سُمكها من ميلليمترين إلى أربعة ميلليمترات، وتنقسِم إلى نِصفَين وأربعة فصوص أساسية. ووَفقًا لبعض التقديرات، فإنها تحتوي على ٢١ إلى ٢٦ مليارًا من الخلايا العصبية التي تَسمَح بجميع أنواع عمليات التفكير المُميِّزة للبشر. وفي العقود القليلة الماضية، استكشفَت الأبحاث المُوسَّعة من بين العديد من الموضوعات الأخرى، كيفيةَ حدوث الإدراك العددي من الناحية الفيسيولوجية العصبية. وقد اكتشفَت دراساتُ تصوير الدماغ المكانَ الذي يحدُث فيه الجزءُ الأكبر من عمليات التفكير العددي. وهذا الموضع العددي لا يقَع في قِشرتنا الأمامية التي تَتميَّز بتطوُّرها الفائق، بل إنَّ القدْر الأكبر من تفكيرنا العددي يحدُث في منطقةٍ تُدعى الثلم داخل الفص الجداري (IPS)، التي ذكرناها لأول مرة في الفصل الرابع، وقد أشرْنا حينها إلى أنَّ حاسَّتنا العددية الفطرية توجَد، بصفةٍ أساسية على ما يبدو، في الثلم داخل الفص الجداري.18
وبالنظر إلى أنَّ الحاسَّة العددية الفطرية لدى البشر لا تختلف عن مثيلتها لدى الرئيسات الأخرى، فربما لا يبدو من المفاجئ أن يَحدُث القدْر الأكبر من تفكيرنا العددي في منطقة من الدماغ توجَد أيضًا في أدمغة الأنواع قريبةِ الصِّلة بنوعِنا. والواقع أنَّ دراساتِ تصوير الدماغ تُشير إلى أنَّ الثلم داخل الفص الجداري في القرود، يَنشط هو أيضًا استجابةً للمهام العددية، مثل تحديد ما إذا كانت مجموعتان من النقاط تُمثِّلان كمِّيتَين مختلفتَين أم لا. إضافةً إلى ذلك، تنشط مجموعاتٌ محدَّدة من الخلايا العصبية الموجودة في الثلم داخل الفص الجداري، وَفقًا للكميات المُحدَّدة التي تُركِّز عليها مهامُّ مُعيَّنة. فحين ترى القرودُ شيئًا ما تنشط مجموعة مُتوقَّعة من الخلايا العصبية، وحين ترى شيئَين تنشط مجموعةٌ أخرى مُتوقَّعة أيضًا من الخلايا العصبية.19
إنَّ الدراسات التي أُجرِيَت على أدمغتنا قد أوضحَت مرارًا أنَّ الثلم داخل الفص الجداري في نِصفَي الدماغ، ينشط في أثناء العديد من مهام المُعالجة العددية. في معظم الأحيان، تَستخدِم دراسات تصوير الدماغ التصويرَ بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وفي هذه الدراسات، يُجري الخاضعون للتجرِبة عددًا من مهامِّ التفكير العددي، بينما تتمُّ مراقبة نشاط أدمغتهم من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. ومِثلما قد أشار بعض علماء الأعصاب، فإنَّ هذا النشاط يقَع بصورةٍ كبيرة في منطقةٍ مُحدَّدة من الثلم داخل الفص الجداري، وهي شريط أُفقي من الثلم الدماغي يُشار إليه باسم المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفصِّ الجداري (hIPS). فقد أوضحَت مجموعةٌ مُتنوِّعة من تجارِب التصوير أنَّ الثلم الأفقي داخل الفص الجداري يَنشط حين يُفكر البشَر في الكميَّات ويُميِّزونها. فعلى سبيل المثال، إذا عُرِضت عليك مجموعة من النقاط، أو طُلِب منك أن تقارِن بين كمية مجموعتَين، فسوف تَنشط المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص الجداري لدَيك. ومن المُثير أنه يَنشط عند إدراك كمياتٍ من النقاط أو رؤية رموز الأعداد، أو عند سماع الأعداد المنطوقة. وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ المعالجة العددية في الحواسِّ المختلفة تَحدُث هناك. إنَّ المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص الجداري ترتبط بالتفكير العددي المجرَّد، لا الإدراك الحسِّي البصري لمجموعاتٍ من الأجسام فحسْب. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ درجة هذا النشاط تتناسَب مع شدَّة التفكير العددي المطلوب لأداء المهمة المُحدَّدة. فعلى سبيل المثال، إذا طُلِب منك أن تُحدِّد ما إذا كانت عشرون نقطة أكبرَ عددًا من خَمس نقاطٍ أم لا، فإنَّ المنطقة الأفقية في الثلم داخل الفص الجداري لا تنشط إلا بدرجةٍ ضعيفة. وعلى العكس من ذلك، إذا طُلب منك أن تُميِّز عشرين نقطة من سبعين، فإنَّ درجة نشاطها ستكون أعلى بدرجةٍ كبيرة.20
ترسُم بيانات التصوير العصبي صورةً مشابهة لتلك التي يَرسُمها ما فحَصناه من بياناتٍ أخرى، وهي أنَّ البشر يمتلكون مكوِّنًا حيويًّا عصبيًّا بدائيًّا أساسيًّا، وهو يوجَد أيضًا لدى العديد من الأنواع الأخرى. لكنَّنا نمتلك أيضًا القدرةَ على توسيع وظائف هذا المكوِّن إلى ما هو أبعدُ من عالم التمييز بين الكميَّات الصغيرة وتقدير الكميات الكبيرة. ويَستلزِم هذا التوسُّعُ الوظيفيُّ استخدامَ أجزاءٍ أخرى من القِشرة الدماغية البشرية، وبصورةٍ أكثرَ تحديدًا، فنحن نحتاج إلى استخدام أجزاء من النصف الأيسر من الدماغ، التي يكون لها دورٌ في المُعالَجة اللغوية لتوسيع التفكير العددي إلى عالم التمييز الدقيق والجمْع الدقيق والطرح الدقيق، وغير ذلك. ولكي يَحدُث هذا التوسُّع، نحتاج إلى تحويل الفروق المادية إلى ألفاظ. وهذا التوسُّع القائم على الألفاظ، والذي يُيَسِّره على ما يبدو، علمُ بناء الجملة والمجاز، يتَّضح في بيانات التصوير التي تُبيِّن نشاط المناطق المرتبطة باللغة في القشرة الدماغية خلال بعض المهام الكمية؛ ومن ثَمَّ فإنَّ بيانات تصوير الدماغ تُعيدنا مرةً أُخرى إلى الاستنتاج الذي أصبح مألوفًا لنا: لكي نَبنيَ تفكيرنا الرياضي الفطري؛ نحتاج إلى رموزٍ لفظية للكميات، أي إنَّنا نحتاج إلى الأعداد.21

خاتمة

هذه هي الطريقة التي اختُرِعت بها الأعداد في معظم الأحوال؛ كان البشر يَكتشفون أحيانًا أنَّه توجَد كميات محدَّدة مثل «خمسة». وقد أدَّى اكتشافهم هذا، في بعض الحالات على الأقل، إلى ابتكار كلماتٍ لتلك الكميات، وقد كانت هذه الكلمات تُشتَقُّ عادةً من أسماء أجزاء الجسم الموجودة بالفعل، وهي أجزاء الجسم التي مكَّنَتْهم من إدراك وجود الكميات المُحدَّدة، أو يسَّرَت ذلك. وأصبحَت مفرداتُ الأعداد الناتجة تُمثِّل الكميات بدقَّة، وهذا التمثيل الدقيق ينبُع جزئيًّا من قُدرتنا الفطرية على تقدير الكميات الأساسية. بالرغم من ذلك، فلا يُمكننا أن نُغالِيَ في ذكر الدور المحوري للأصابع والأيدي في تقدير الكميات الأقلِّ أساسية. ويَعود هذا الدور بدرجةٍ ما إلى الحضور القوي للأصابع في الخبرة الإدراكية والحسِّية للبشَر، وإلى التناظُر الجوهري بين يدَيِ البشر. وهو يَعود بطريقةٍ غير مباشرة إلى سَير البشر على قدَمَين، وهو إحدى الطرُق الأساسية العديدة التي يُفسِّر بها البشر خِبرتهم الإدراكية من خلال التفكير المتجسِّد.

إنَّ اختراع الأعداد الأساسية، أو الأعداد النموذجية، ليست سوى بداية الحكاية فقط؛ فاستخدام مثل هذه المفردات يؤدي في النهاية إلى التوسُّع الوظيفي للأنشطة الفيسيولوجية العصبية المُرتبِطة بالتفكير الكمِّي. وبالرغم من أنَّنا لا نَفهم هذا التوسُّع تمامًا، فنحن نعرِف أنه يعتمد بدرجةٍ كبيرة على وجود الأعداد اللفظية. صحيحٌ أنَّ بعض الظواهر اللغوية الأخرى مثل المجاز والترتيب البنائي المُعتاد، تُساعد في تشييد بُنْيان علم الحساب، لكنَّ هذا البنيان يقوم بصورةٍ أساسية على الأعداد اللفظية.

إنَّ الأعداد هي ابتكارٌ من العقل البشري كانت له آثارٌ عميقة على قصة البشرية؛ فقد غيَّرَت الأعداد فَهْمنا للكميات. لكن هذه الآثار لم تكن إدراكيةً فحسب؛ إذ إنها قد شكَّلَت أيضًا خبرتنا البشرية من نواحٍ أخرى. في الفصل التالي، سنُناقش المدى الذي شكَّلَت به الأعداد، وما زالت تُشكِّل، الجوانبَ المختلفة في حياتنا اليومية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠