الفرق بين الرَّجل والمرأة

واستعداد كل منهما للعمل

تَغَالى الرجال في تعداد الفروق الكثيرة بين الرجل والمرأة، حتى كاد الإنسان يظنهما نوعين متباينين، وإني — مع احترامي لآراء الرجال — أرجو أنْ أقرِّر أمامهم ما أعتقده؛ عساي أنْ أذكرهم بشيء ربما تركوه سهوًا.

الإنسان حيوان يجب أنْ ينطبق عليه ما ينطبق على الحيوانات الأخرى من قوانين الطبيعة العامة كالتناسل، ثم النمو، فالذبول والفناء، ولم يختلف الذَّكر في الحيوانات عن أنثاه إلَّا في مسألة التناسل، فإن صحَّ أنَّ القط يختلف في مواهبه الفطرية عن القطة، يصح أنْ يكون هناك فرق بين الرجل والمرأة من جهة المواهب العقلية والعادات، على أنه لم يقرِّر أحد من علماء الطبيعة أنَّ القطة تحب اللعب والقفز، وتفترس الفئران، وأنَّ القط عاقل رزين، لا يؤذي فأرًا، ولا يسرق لحمًا، بل وصفهما بصفات واحدة، كما أنه لم يقل أحد من الناس إنَّ الكلب أمين فَطِن، وإنَّ الكلبة خائنة غبية، مع أنَّ كلًّا من القط والكلب أقوى عضلًا وأكبر جسمًا من أنثاه، ولكنه لم يختلف عنها في المواهب والعادات.

فكيف إذن نقرِّر أنَّ المرأة خدَّاعة ماكرة، وأنَّ الرجل صريح صادق لا أثر للخداع في نفسه؟ نقول ذلك ونستدل عليه بكل شيء، حتى بقوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ١ مع أنَّ هذه الآية نزلت في جماعة مخصوصة من النساء، وقد جاء في آيات كثيرة اتصاف بعض الرجال بالمكر، مثل قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ.٢ نسي الرِّجال كل هذه الآيات، ولم يحفظوا إلَّا آية واحدة، وجعلوا معناها عامًّا لجميع النساء.

رأى الرِّجال أنَّ الرَّجل أقوى عضلًا وأكبر جسمًا من المرأة في الغالب، وتبع هذا — طبعًا — كبر مخه عن مخها، فقرَّروا ذلك، وبنوا عليه فروقًا كثيرة متشعبة، ونسوا أنَّ هذه سُنة الطبيعة في جميع المخلوقات، فالثور أكبر جسمًا — ومخًّا — من البقرة، ولكنه لم يفقها في الذَّكاء، ولم يفهم في اكتساب رزقه أكثر منها، والدِّيك أكبر من الفرخة كثيرًا، وأقوى عضلًا وبأسًا، والأسد أكبر من اللبؤة وأشد منها، والحمار أشد من الحمارة … هذه سُنة الطبيعة لا يُقصد بها إلَّا غرض تناسلي محض، والمشاهد يرى أنَّ هذه القوة في الذكور يتبعها طيش وولوع بالإناث.

ولم يقل أحد إنَّ الكلب لقوته يفوق الكلبة ذكاء، وعلى هذا فلا صحة لما يقال من أنَّ الرجل أكثر ذكاءً من المرأة؛ لأنه أقوى عضلًا وأكبر جسمًا منها، ولو صحَّ ذلك، لكان نُبغاء الأمم وفلاسفتهم من أكبر الناس أجسامًا، والحقيقة ربما عارضت ذلك، ومنه يصح أنْ نستنتج أنَّ المرأة أكثر ذكاءً من الرجل؛ لأنها أقل جسمًا منه، ولست أتغالى — كالرجال — بل أريد أنْ أقول إنَّ المرأة والرجل شيء واحد، كباقي الحيوانات التي اعترف علماء الطبيعة بتساوي الذكر منها بالأنثى، فلم يفردوا للفأر بابًا وللفأرة غيره، ولم يقل أحد منهم إنَّ الفأر لشدَّة قوته عن الفأرة قد خُلق ليكون القيِّم عليها في معيشتها، بل الحقيقة أنها تعيش مثله، ولا تعتمد عليه في شيء؛ لأن الطبيعة لم تجعلها في حاجة إليه، أكثر من أنْ يكون هو في حاجة إليها، فهما متساويان، وكذلك الحال في الرجل والمرأة، فهي وإنْ كانت أقل جسمًا وقوَّة منه، ولكن لها من الأعضاء التي تؤهلها لقضاء جميع حاجاتها ماله تمامًا، فهي مستقلة عنه لا تحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إليها، فهي تقوم بكل ما يمكنه عمله … كما يقوم الرجل القصير النحيف بأكثر مما يعمله الطويل الغليظ، فالقول بأن الطبيعة أعدتها للمنزل؛ لضعفها عن الرجل قول لا صحة له، وإلَّا فماذا نقول عن النعجة وهي مع ضعفها عن الخروف تعيش مثله؟!

يستدل الرِّجال على زيادة ذكاء الرجل عن المرأة، بكثرة النبوغ في الرجال عنه في النساء، وفاتهم أنَّ الإنسان لا ينبغ في شيء إلَّا إذا تعلَّمه جيدًا ثم انقطع إليه؛ لذلك لم نرَ بين فقراء الرِّجال الذين اشتغلوا بالطباخة والخياطة وقضوا زمانهم فيها، من نبغ في العلوم والمعارف مهما كان استعدادهم الفطري، فكيف ننتظر من المرأة نبوغًا بعد أنْ اقتصر أغلب النساء على ملاحظة المنازل، وتعلُّم ما يتعلق بها؟ حتى إذا فُرض وتعلمت إحداهن غير ذلك، انقطعت عنه بمجرد دخولها في الحياة الزوجية، وتفرغت لأعمال المنزل على كثرتها، ومع ذلك فقد نبغ منهن عدد لا يستهان به في البلاد التي اعتنت بتربيتهن، مما يدل على حسن استعدادهن، وأنهن لا ينقصن عن الرِّجال في ذلك الاستعداد الفطري، وليس بينهن وبين الرجال أي فرق في المواهب والعادات.

نعم، إنَّ المرأة أرقُّ قلبًا وأسمى عاطفة من الرجل؛ لأنها تتأثر أكثر منه، وهذا مما يزيد اعتقادي أنها أكثر منه عقلًا وإدراكًا؛ لأن المجانين ينعدم فيهم التأثر والشعور بالمرَّة، حتى إنَّ المجنونة لا تشعر بأي ألم إذا رأت أنَّ ولدها الوحيد قد قُطِّع إربًا أمامها، بل قد ترى ذلك باسمة؛ لعدم إدراكها معنى الشفقة الحقيقية، ولو فُرض وتأثرت لزال هذا التأثر في الحال.

كذلك الأطفال الصغار، فإن عاطفة الشفقة والحزن غير نامية عندهم؛ لصغر عقولهم، وكذلك كان المتوحشون في الأزمان الغابرة لا يتأثرون برؤية الفظائع؛ لعدم تهذيب عقولهم ونموها، وهذا كله مما يدل على أنَّ التأثر والشعور يذهبان بذهاب العقل، ويتبعانه في القلَّة والكثرة.

والمرأة في ذلك الحنو لم تخرج عن الناموس في جميع الحيوانات الأخرى، فاللبؤة تحنو على أشبالها، وكذلك القطة … فهي تحنو على أطفالها، وتخاف عليها من أنْ يأكلها القط — الذي قد يكون أباهم — وهذا دليل آخر على ما قلت سابقًا من أنَّ الأنثى في الحيوان عمومًا، أضعف جسمًا وأكثر عقلًا من الذكر، وهو أقوى وأكثر طيشًا منها؛ لذلك كان قليل التأثر؛ لتجرده من عاطفة الحنو التي يبعث إليها حُسن الإدراك والتفكير، ولا أقصد بتأثر النساء صياح الجاهلات وعويلهن، فتلك عادة دفعهن إليها الجهل، وليس في المتعلمات من تأتيها، بل ربما كن أثبت من الرجال عند حلول المكروه، ولكني أقصد الحنو القلبي والعطف على الضعفاء، فهو في النساء أشد منه من الرجال، وهو دليل على كثرة العقل فيهن.

ومن أراد أنْ يرى مساواة المرأة بالرجل في المواهب الفطرية، فعليه أنْ يقارن بين الفلاح المصري الفقير وامرأته، فقد نال كل منهما من التجربة والعلم بأحوال الحياة ما ناله الآخر؛ ولذلك ترى الرجل كثيرًا ما يتعرَّف بتفوق امرأته عليه في حسن الرأي، ويجاهر بأنه لا يعمل شيئًا إلَّا باستشارتها، وهي تشاطره العمل وتعرف كل أحواله — باطنها وظاهرها — حتى إنَّ بعض هؤلاء الفلاحين قد يموت ويترك أيتامًا كثيرين، وبعض العقار — كفدَّان أو نصف فدَّان — فلا يبلغ الأيتام رشدهم إلَّا وقد زاد هذا العقار بحسن تدبيرها.

أمَّا المقارنة بين عقل المدني وعقل امرأته، فهي مغالطة بعيدة عن الصواب؛ إذ كيف نقارن بين عقل رجل هذَّبته العلوم والمعارف، وحنَّكته الخبرة والتجربة، فنما وبلغ أقصى ما يُمكنه من الرفعة، وعقل امرأة تُركت من صغرها في زوايا النسيان، فتراكم على عقلها صدأ الكسل والبطالة، فأفقده رونقه الطبيعي، وأتلفه كما يُتلف الصدأ الآلات الحديدية، وليته تُركَ ونفسه لينمو بطبيعته، بل عيق نموه بالحَجْر على مواهبها، والضغط عليها، وبُعدها عن تجربة الحياة الحقيقية بعدًا شاسعًا، فهي أسوأ حالًا من الفلاحة؛ لأن الفلاحة تعيش عيشة الوهم والخيال، فهي — وإنْ لم تتعلم في المدارس — على علم تام بمعترك الحياة الحقيقية، أمَّا هي فقد جهلت العلم والعمل، وكانت حياتها أقرب على الموت منها على الحياة، فإذا قارنَّا بين عقلها وعقل زوجها المتعلم المجرب، كنا كمن يقارن بين قطعة قطن عتيقة، تُركت مدَّة من الزمان في محل مهجور، فتراكمت عليها الأتربة والأقذار، وبين قطعة من نسيج قطني جميل، يكاد يحسبها الناظر إليها حريرًا؛ لحسن رونقها، وبهجة لونها، ونعومة ملمسها، فهل يستدل من تلك المقارنة إلَّا دليلًا قاطعًا على جهل المقارن وضيق عقله؟ فلا يغرنا ما نراه من الفرق بين عقل الرجل والمرأة، ما دامت تربيتها مختلفة، ولنسع إلى تعليمها تعليمًا واحدًا؛ لنعرف أنهما — كباقي الحيوانات — لا يختلفان إلَّا في أمور تناسلية محصورة.

نعم، إنَّ الإنسان يمتاز عن الحيوان بكثرة الإدراك؛ ولذلك رأى الرجل والمرأة أنه من الحكمة أنْ يُقسَّم العمل بينهما ما داما شريكين، فيأخذ كل منهما عملًا خاصًّا به، وهي فكرة اصطلاحية ليس للطبيعة يد فيها، قد أوافق على رفضها ما دامت المرأة متزوجة، أمَّا إذا لم يتيسر لها ذلك، فهي شخص مستقل يجب أن تقوم بكسب قوته، كما يجب أنْ تتعلم ذلك من صغرها، حتى لا تحتاج إلى اكتساب القوت بالأعمال الدنيئة التي لا تناسب ضعفها — المزعوم — كالخدمة والبيع وغيرها، إذا علمنا كل هذه الحقائق الطبيعية التي لا تحتاج إلى برهان، أفليس من المستغرب بعد هذا أنْ يكتب الرجال المقالات في تعريف المرأة، كأنها حشرة من الحشرات الضعيفة التي لم يعرف كنهها إلى الآن؟!

كما قال حضرة الفاضل فريد أفندي وجدي في دائرة المعارف: «المرأة كائن شريف، جُعل لإكثار النوع الإنساني، ولا يستطيع الرجل أنْ يباريها في ذلك.» فهل المرأة وحدها تستطيع إكثار النوع الإنساني؟ وإنْ كان هذا التعريف يشمل الرجل لمشاركته لها في هذا الإكثار، فهل يصح أنْ نقول إنَّ الإنسان كائن شريف جعل لإكثار نوعه؟ وهل يكون هذا تعريفًا للإنسان؟ أم هو يشمل كل حيوان آخر؟ إذن … فما الفائدة من هذا التعريف؟ وكأن الرِّجال يريدون أنْ يختلقوا فروقًا بين المرأة والرجل لا يقوون على فهمها، فهم يرسلون الكلام في ذلك جزافًا لا معنى له، أمَّا كون الرجل لا يباريها في ذلك فهو من الغريب، وإذا كان الرَّحى لا تطحن الدقيق إلَّا بحجرين، لا يباري أحدهما الآخر في عمله، ولو فُقد أحدهما لتعطل العمل كله، نقول إنَّ فلانًا لا يُبارى في الكتابة إذا كان يكتب هو وحده ما لا يستطيع غيره كتابته، أمَّا إذا كان لا يكتب إلَّا إذا ساعده غيره، فكيف يقال إنَّ غيره لا يستطيع مباراته؟! كل هذا التعريف الذي لا معنى له اضطرَّ إلى إيراده الكاتب؛ لقلَّة ما لديه من البراهين، ويريد حضرته بذلك أنْ يُظهر عدم صلاحية النساء للقيام بالأعمال؛ لأنهم لا يقوين عليها، وأنه رأى في معامل أمريكا ما «فتَّت كبده» من مشاهدة النساء وهنَّ يكافحن النار أمام القدور! فيا سبحان الله، رأى ذلك في أمريكا ولم يره في مصر! ولا أدري كيف أغمض عينيه فلم يرَ البائعة المصرية وهي تئن تحت عبء ثقيل من الفاكهة أو الخضروات، وتتقاذفها الطرقات، ويتناولها سفهاء الرجال بأنظارهم وأيديهم؟! لم يرَ هؤلاء النساء المصريات المسلمات اللائي يعشن من غسيل الملابس للبيوت المختلفة، والجيوش المصرية والإنجليزية، هذا العمل الصعب الشاق الذي لا ضمان معه على العفاف، تقاسيه المرأة المصرية المسلمة، فهي فضلًا عن مكافحتها النار التي تغلي بها الملابس تقاسي حرارة الماء، الذي يكاد يُخرج الدم من كفَّيها، ألم يرَ حضرته الفاعلة وهي تصعد على الجدران بحملها الثقيل من الطين والحجارة؟ ألم يرَ الخادمات في البيوت اللائي — فضلًا عن مكابدتهن الأعمال الشاقة — هن عرضة لأهواء الرجال الأجانب، يلعبون بعفافهن ما شاءوا وشاء لهم الهوى؟ أغمض الكاتب عينيه عن كل ذلك، فلم يرَ إلَّا عاملات أمريكا! وفات حضرته شيء واحد، وهو أنَّ ما اعتاده الإنسان لا يراه غريبًا إلَّا إذا فكر فيه بعين الرؤية، فالمرأة المصرية تشقى في مصر شقاءً حقيقيًّا ولا نشعر بذلك؛ لأننا اعتدنا أنْ نراها كذلك، ويُلفت نظرنا شقاء النساء في معامل أمريكا، مع أنه أقل من شقائهن عندنا، وذلك لغرابته علينا.

إنَّ المصرية ليست ممنوعة من جميع الأعمال الشاقة، وهذا مما يدل على أنَّ المرأة مدفوعة بحكم الضرورة إلى العمل؛ ولأنَّا لم نعلمها عملًا مريحًا، فقد قامت بتلك الأعمال الشاقة المتعبة التي لا تحتاج إلى تعليم، فهي وعاملات أمريكا في ذلك الشقاء سواء، لم تُمنع النساء عندنا إلَّا من الأعمال الرَّاقية فقط التي تحتاج إلى خبرة ودراية كالتحرير، وإدارة المحال التجارية، والمعاهد العلمية، والطب الراقي، والتوظف في مراكز الحكومة السامية، والاشتغال بالمحاماة، فتحريمنا العمل عليهن دفعهن إلى العمل الشاق المتعب، الذي لا كسب فيه إلَّا الكفاف … فهل هذا عدل؟ وهل يدعو إلى ذلك من يدَّعي أنه يهتم براحة النساء؟

إني لو وجدت في استطاعة كل امرأة أنْ تجد دائمًا من يعولها ويسهر على راحتها، فلا تحتاج إلى العمل مطلقًا، لكنت أوَّل من يقول بإبعاد النساء عن الأعمال، ولكني أرى المرأة مسكينة، محتاجة إلى كسب قوتها بالأعمال الشاقة المتعبة التي تقضي على عفافها وطهارتها، ومع ذلك يقول فضلاء الرجال منا بعدم إعدادها للعمل الذي تستطيع معه، حفظ كرامتها وعفافها وإنْ أرادت، فكأنهم يريدون أنْ يقضوا عليها بالشقاء.

ويقول حضرة فريد أفندي وجدي: «… إذا لم تجد المسلمة من يعولها، فلنا نحن المسلمين بيت مال!» فأين هو ذلك البيت؟! وأمامي ألوف من المسلمات في أشد الحاجة إليه؟ سامح الله الرِّجال، كأنهم يريدون في مسألة المرأة مجرَّد سرد كلام لا حقيقة له، ولو عرفوا الحقيقة لعلموا أنهم يهدمون بأيديهم، فإن المرأة كثيرًا ما تكون أم لصبية أيتام، فلو أمكنها الكسب لقامت بتربيتهم أحسن تربية؛ ليكونوا في المستقبل رجالًا عاملين.

إنَّ الأُسر الغنية والمتوسطة في مصر عاجزة عن الاحتفاظ بمكانتها؛ لأنها تنظر بعين واحدة، وهي الرجال، فإذن فقد عميت الأسرة، وضلَّت سواء السبيل، فانحطت الأبناء، وعجزت الأم عن تربيتهم لقلَّة المال، فأصبحوا متشردين لا عمل لهم، فجهل الأم سبب جهل أبنائنا الذين هم رجال الأمة في المستقبل …

أمَّا نظيراتها من الأسر الغربية فهي تنظر بعينين، فإن فقدت إحداهما أرشدتها الأخرى إلى مراقي الفلاح، فإذا مات الرجل قامت امرأته بإصلاح الأسرة بعده، واكتسبت من المال ما يمكِّنها من تعليم أبنائها تعليمًا صحيحًا، ينفعون به أنفسهم وبلادهم المحبوبة، فتعليم المرأة كان سببًا قويًّا في تقويم الأسرة التي تتكون الأمة منها …

ويقال إنَّ المهندس الذي قام بعمل القنطرة العظيمة بين «نيويورك» و«بركلين» مات قبل تتميم ذلك العمل الصعب، ولم يكن قد جنى ثمرة أتعابه، فقامت امرأته باستكماله؛ لأنها كانت تشاطر زوجها العمل، وتمدُّه برأيها، وتعرف كل ما يحيط بذلك الموضوع، فاكتسبت من المال ما ساعدها على تربية أولادها تربية عالية نافعة، فكانت بعلمها أمًّا مدبرة في حياة زوجها، وأبًا نشيطًا غيورًا على مصالح الأسرة بعد وفاته، فأين ذلك من حالنا نحن المصريين؟ فقد يموت الرجل فتُهمل لموته تربية أولاده؛ لعجز أمهم عن اكتساب المال، فتنهدم أسرة بأكملها بموت فرد، وليت الأمر يقف عند ذلك الحد، بل قد تكون هي وأولادها عالة على أخيها أو قريبها، فتحمله عبئًا ثقيلًا، لا يستطيع معه حسن القيام على تربية أولاده التربية التي كان يتمناها لهم، فيقتصر على تعليمهم الابتدائي لقلَّة المال، فيعوق موت الرجل الواحد أسرتين عن الرقي والتعليم، هذا فضلًا عن انشقاق الأسرة على نفسها؛ لتفرغ نسائها الكثيرات للمشاغبة والشقاق، فقد يعول الرجل أختين أو ثلاثًا، وينشأ عن منافستهن مع امرأته ما يُنغِّص عليه عيشه وهناءه، فيؤثر ذلك على نفسه وصحته، وربما عاقه عن أداء عمله بالإتقان الذي يُنتظر منه لو كان مستريح البال، فيُسبِّب جهل النساء بالعمل عدم تعليم الأبناء، وارتباك الرجال في أعمالهم، ولا يخفى ما في ذلك من انحطاط الأسرة، ولو تعلَّم هؤلاء النساء لنفعن أنفسهن وأبناءهن، وأرحن أقاربهن، ولارتقت بذلك الأسرة التي تتكون منها الأمة وبها تحيا.

ومن الجهل أنْ نقول إنَّ الدين الإسلامي لا يبيح العمل للنساء، ونحن نرى أنَّ فقراء المدنيين وفقراء الفلاحين، بل ومتوسطي الثروة منهم تشاطرهم نساؤهم العمل وتكاتفهم فيه، فهل حكمنا على هؤلاء بالكفر، وهو ما لا يسمح لنا به الدين؟ على أنَّ هذه الأسر هي عماد مصر ومنبع ثروتها، وعليها يترتب رقي البلاد، ولو كانت كالأسرة الغنية في كسل النساء، وعدم قيامهن بالأعمال النافعة، لقُضِي على حياة الأمة بتمامها، ولم ننكر على الغنيات الاستعداد للقيام بالأعمال الرَّاقية التي تناسب مقامهن إذا دفعتهن الحاجة إلى الكسب، وقد سمحنا بالعمل للفقيرات والفلاحات، فهل للدِّين دخل في ذلك مع أنه لا يشترى بالمال؟ فكيف تناله الغنية وتعجز عنه الفقيرة؟ إنه لخير لنا ألَّا نُدخل الدِّين في ذلك، بل نقول هي العادة التي كان منشؤها الجهل، وعدم تقدير الأحوال حق قدرها.

مما يدهشني أنَّ أكثر الرجال كراهة لإعداد النساء للعمل، هم من نشئوا في القرى، فهم يعارضون قيام المرأة بالأعمال الرَّاقية في المدن، مع أنَّ قريباتهم لا يزلن يقمن بأعمال الرجال في القرى، وهن — على ما أرى — أفضل من المدنيات سلوكًا، وأحشم منهن زيًّا، فلِمَ يعدلون عن سُنَّة أمهاتهم إذن؟ هل كشفوا فيها من عيب جعلهم ينفرون منها؟ بل الحقيقة أنهم يتبعون في ذلك المدنيين؛ حبًّا في الظهور بمظهر الحضارة والمدنية، دون أنْ ينظروا إلى أية هوة تلقي بهم فيها تلك الحضارة الفاسدة، فيستبدلون ذلك النقاب المصطنع، والذي يدل على الكذب والغش، أكثر من دلالته على الستر، واتِّباع الدين بزي الفلاحة الفطري، ومشيتها الطبيعية التي هي أدعى إلى احترامها، لا مجرَّد استمالة الناس إليها، فهي وإنْ قابلت الرِّجال أبعد عن مطامعهم من تلك المدنيَّة التي تُغريهم بشكلها، وزخرف ملبسها، فيحتالون في التقرب إليها جهد استطاعتهم.

سيقول بعض المعاندين إنَّ في القرى فسادًا، ولا أدري … هل يدَّعون عدم وجوده في المدن؟ إنَّ الفساد لا يزول إلَّا إذا زالت الدنيا، فهو موجود على كل حال، ولكنه في المدن أكثر منه في القرى، فالفاسد على جهله يحترم الدين، ويتظاهر باتِّباعه، وإنْ كان فاسدًا في باطنه، هل نرى في القرى رجلًا تبع امرأة ليغازلها في الطريق؟ إنه لو فعل ذلك لربما قتل في الحال، مع أنَّ النساء تسير هناك بلا نقاب؛ وذلك لأنَّ الرِّجال هناك يعلمون أنَّ للنساء أعمالًا يقمن بها خارج المنازل، فهن يخرجن لها لا للمغازلة، أمَّا المدن فيتوهمون ألَّا عمل للمرأة خارج منزلها، فإذا رأوها في الطريق اعتقدوا أنها خرجت للعب، وساعدهم تبرُّجها على ذلك الاعتقاد فيحتكون بها، فالعمل إذن وسيلة لقمع الفساد لا لإكثاره.

لو علم الرجال كل ذلك لرأوا أنَّ من الواجب أنْ تتعلم كل فتاة اكتساب العيش من حرفة تناسب مقامها إذا احتاجت إلى ذلك، فنحن نجني على الفتاة الذَّكيَّة الرفيعة المقام جناية فظيعة، وندفعها إلى الخدمة إذا احتاجت وهي لا تستطيعها، وربما دفعناها إلى الفجور.

وتعلمها هذه الحرفة لا يمنعها من أنْ تكون زوجًا راضية بالرَّاحة في المنزل، متى وجدت الزوج الكفء، ومَنْ مِنَ الناس يجد الراحة ويطلب غيرها؟ وهذا مشاهد في إنجلترا وسويسرا وألمانيا وغيرها، فالمرأة تعمل إلى أنْ تتزوج، وهناك تنكمش في بيتها، فتصبح أحسن الأمهات نظامًا وترتيبًا، وعنايةً بالأطفال، وتسلية للزوج، وحاشا أنْ أقصد بخروج المرأة جلوسها على قارعة الطريق، أو تجولها في الشوارع بلا سبب جوهري، فإني أشد معارضة لذلك، ولكني أقول بوجوب تعلمها العمل والقدرة عليه، فهي إنْ خرجت تخرج له لا للهو.

١  سورة يوسف، آية ٢٨.
٢  سورة إبراهيم، آية ٤٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢