الفصل الثامن

العودة

١

في نحو منتصف فبراير ١٩٧٤م، وصلَني خطاب من البنك يقول لي إنني مدينٌ لهم بثلاثين جنيهًا، و«يُستحسن» أن «ألتفت» إلى هذا الأمر وأُوليه «عنايتي» في أقرب فرصة! كانت صيغةً مطبوعة تُرسل لكل عميل «يسحب على المكشوف» ولكنها كانت إنذارًا لي بأن الإفلاس عواقبه وخيمة؛ ولذلك عدتُ إلى صورة العقد التي أرسلَها الوكيل، ولاحظتُ أنه يقول في أحد بنوده إن الوكيل سوف يدفع لي عند التوقيع مبلغًا مُعيَّنًا للإنفاق على العمل (لتغطية تكاليف التأليف) وفجأةً اختفت مخاوفُ تغيير الأسلوب أو تعديل الصياغة الأدبية، ولاحت صورةُ النقود الزاهية أمام عيني، فعقَدتُ العزم على أن أنتهي من التمثيلية التليفزيونية بأسرعِ وقت. وأعددتُ الملخَّص اللازم وأرسلتُه إلى الوكيل، فجاء الردُّ بالموافقة، فأتيتُ بالآلة الكاتبة وبدأتُ العمل.

وقضيتُ أسبوعَين كاملَين لا همَّ لي إلا الانتهاء من النص، وكان الحوار الحي مستقًى من اللغة الدارجة، وأحسستُ بنَشوةٍ بالغة وأنا أحاكي كُتَّاب التليفزيون، وأتعمَّد إثراء حواري بالتوريات اللفظية، وعندما انتهيتُ منها عرضتُها على توم هيتون وزوجته جاكي، فأبديا إعجابًا لا يشوبه أيُّ تحفُّظ؛ ومن ثم أعددتُ صورًا بالزيروكس وأرسلتُ الأصل إلى الوكيل، وجاءني الردُّ برجوع البريد، وكان يقول إنهم استلَموا الأصل وسوف يُرسِلون إليَّ رأيهم حالما يقرؤها الناقد. وعندها أتيتُ ببطاقات الرسالة وعُدتُ إلى العمل الذي لا يقل إبداعًا عن التأليف، وإن كان يقتضي تجنُّب اللغة الدارجة تمامًا.

وفي يوم السبت ٣٠ مارس اتصل بي توم هيتون وقال إنه سوف يسافر إلى بلانتاير Blantyre في ملاوي، وقد دعا صديقًا له عاد من إيران لتوِّه، وكان يمُر بأزمةٍ نفسية، إلى العَشاء، كما أن ابنه كان في زيارة لإنجلترا، وهو يدعوني إلى العَشاء مع الجميع. ورحَّبت بالدعوة فالوحدةُ كانت قاتلة، ولا أعرف متى تعود نهاد وسارة. وعندما وصلتُ إلى منزل توم كان الجميع قد بدَءوا الحديث الصاخب، فقدَّمني توم إلى صديقه جون فورسايت (Forsythe)، وطلب منه أن يشرح لي ما حدث له، لكنه كان حزينًا فقال «فيما بعدُ»، وبعد أن شرب ما شاء الله له أن يشرب بدأ يقُص قصته:
كان فورسايت يعمل بالنجارة (cabinet maker أي نجَّار موبيليا) ويُسمِّي نفسه (أستاذ صنعة) (master craftsman) وعندما ارتفعَت أسعار البترول بعد حرب أكتوبر قرأ إعلانًا عن وظيفةٍ مناسبة في طهران تُدِرُّ دخلًا لم يكن يحلُم به، فقدَّم طلبًا لاقى القبول وسافر في نوفمبر، وجعل يرسل إلى زوجته وطفلَيه ألف جنيه في الشهر، وطلب منها إنفاق مائتَين وادخار الباقي حتى يعود، فسوف يساعده ذلك في عمله ولا شك. وكان فورسايت نموذجًا للطبقة العاملة التقليدية في بريطانيا، وكان المفروض أن يستمر في عمله حتى الصيف، لكنه لم يحتمل الانتظار؛ إذ كان يشتاق إلى رؤية طفلَيه، وكانت حياة الوَحْشة والوَحْدة في إيران لا تُحتمل، فقرَّر فجأةً أن يعود إلى إنجلترا، وحصل بسهولة على إجازة لمدة أسبوعَين. وكان قد وضع خطةً لتحديث عمله في النجارة بشراء آلةٍ جديدةٍ باهظة الثمن، واتفق مع شركة من الشركات على شرائها عند عودته ودَفْع العُربون من مدَّخراته التي كان يُقدِّر أنها بلغَت ثلاثة آلاف جنيه على الأقل. واتجه من المطار رأسًا إلى منزله فوجدَ زوجته أمام المرآة تضَع مساحيق الزينة وتضبِط هندامها، وكانت الساعة قد جاوزَت الثامنة مساءً فألقى عليها تحية المساء، فردَّت ببرود قائلةً ما معناه: «ما الذي أتى بك مبكرًا؟!»
وقال فورسايت: «كان استقبالُها الجافُّ لي صدمةً كبيرة؛ فأنا أُحبُّها. إنها امرأةٌ رائعة. (وأخرج من جيبه صورةً عرضَها عليَّ) وسألتُها: أين الطفلان؟ فقالت: عند جدَّتهِما! فقلتُ: والمدرسة؟ فقالت: «هي تصحبُهما إلى المدرسة.» فسألتُها: هل ستخرُجين الآن؟ فقالت بلهجةٍ ساخرة: وهل تظُنني أتزيَّن حتى أتطلَّع إلى نفسي في المرآة؟ ثم خرَجَت. وقضيتُ الليلة وحدي مهمومًا؛ فالدنيا ظلام والبارات تغلق أبوابها في العاشرة، ولم يعُد هناك ما أستطيع أن أسلِّي نفسي به سوى الشراب. وشربتُ ونمت، وعندما صحَوتُ لم أجد زوجتي (ولا الأطفال طبعًا) فاتصلتُ بالمعارف والأصدقاء فلم أجد إجابةً شافية، فخرجتُ إلى الورشة، فرحَّب بي الزملاء، وبعد تبادُل الأخبار عن سوق العمل وأحوال التجارة وطرائف إيران سألتُهم إن كانوا شاهدوا زوجتي مؤخرًا هي والطفلَين ففاجأَني الوجوم التام. وعندما ألححتُ في السؤال وجدتُهم يتبادلون نظراتٍ سريعةً ذاتَ دلالة ويُشيحون عني بوجوههم فحدَستُ أن في الأمر شيئًا وخفتُ أن يكون قد حدث لهما مكروه، فقال أحدهم: ألا يذهبان إلى المدرسة؟ فأومأتُ، فقال: لا بأس إذن. وبلغ بي القلق مبلغَه، فاتَّجهتُ إلى المدرسة، وطلبتُ رؤية الطفلَين، فأحضروهما، فقبَّلتُهما وقلت لهما إنني سوف أعود في الرابعة لأصطحبهما إلى المنزل، فقال الكبير: ألا ننتظر «ديك» (Dick) إذن؟ ولمحتُ الصغيرة، ولم تكن تجاوزَت الثامنة تشُد يد الصبي كأنما لتحذِّره، وأدركتُ بسرعة أن في الأمر سرًّا، فلم أزِد بل قلتُ بثقة: لقد عاد والدُك، وسوف يأتي لإحضاركما في الرابعة! وانصرَفْت.

وسِرتُ إلى المنزل وأنا أقلِّب الأمر على وجوهه؛ إذ قد تكون زوجتي التحقَت بعملٍ يشغلُها أثناء غيابي، مما يفسِّر عدم وجود السيارة في الصباح، وقد يكون «ديك» زميلًا في العمل تُكلِّفه زوجتي بإحضار الأطفال، ولكن متى عادت زوجتي بالأمس ومتى خرجَت فلم أشعر بها؟ لا بد أنني أسرفتُ في الشراب فنمتُ نومًا يشبه الإغماء، والأرجح أن أرى «ديك» بعد قليلٍ عندما أذهب لإحضارِ الطفلَين، وربما أوضَح لي كل شيء. وعرَّجتُ على أول بارٍ أقابله فتناولتُ قدحَين من البيرة الإنجليزية التي طالما اشتقتُ إليها في إيران، وفي الرابعة ذهبتُ إلى المدرسة فوجدتُ الجميع قد انصرفوا!

ولجأت إلى توم هيتون وجاكي — هنا — فهما أصدقائي منذ الصغر، وجاكي وأنا نشأنا في حواري نوتينج هيل جيت Notting Hill Gate وعرفنا شظَف العيش قبل أن أُثبِت موهبتي في حرفة النجارة وبراعتي في تصميم الأثاث — اسألهما عني يا أستاذ! وهما اللذان نصحاني بشراء هذا المنزل المجاور لمنزلهما، والحق أنهما أزالا مخاوفي، وتطوَّع توم بأن يذهب بنفسه معي ليعرف ما حدث، وأين ذهبَت زوجتي. ولكنني لم أكن أقوى على البحث فطلبتُ منه أن يتولى البحث بنفسه. وعندما عاد كنتُ قد نمتُ فلم أشاهده إلا في الصباح. وكان ما توقَّعتُ وما كنتُ لا أريد تصديقه؛ إذ اتخذَت زوجتي لها عشيقًا في غيابي، وذلك تحت سمْع وبصَر الجيران، ونبَّهَت الطفلَين ألا ينبسا ببنتِ شَفة، وكان «العم» ديك هو الذي يأتي بسيارتي عصرًا لإحضارهما، ويبدو أن زوجتي أشاعت أنني لن أعود أو أننا سوف ننفصل فتقبل الناس صداقتها ﻟ «العم» ديك!

ومن ثَم ذهبتُ إلى منزل أُسرتها وقابلتُ والديها وقصصتُ عليهما ما سمِعْت، فقالت أمها (حماتي) ببساطة: «تقول جيرتا (الاسم المختصر لزوجته جيرترود) إنكما اتفقتما على الطلاق وعهدَت إليَّ برعاية الأطفال، و«ديك» هو الذي يُحضِرهما من المدرسة كل يوم. وأنا أرى أن التقاضي باهظُ التكاليف، والاتفاق على الطلاق سوف يوفِّر النقود!» لم أصدِّق ما أسمع فأنكرتُ كل ذلك، وقلتُ لها إن ابنتها خاطئة، وإن «ديك» عشيقُها، فأشار والدها لي بيده قائلًا: «حذارِ من رمي الاتهامات بغير دليل! هل تعلَّمتَ الهمجية في إيران؟» وفقدتُ أعصابي وقلتُ إنها جعلَتني أضحوكة بين الجيران، وحتى لو اتفقنا على الطلاق فأنا أريد النقود التي أرسلتُها إليها من إيران! وخرَجْت.

وفي اليوم التالي صحوتُ متأخرًا وخرجتُ أسير على قدميَّ رغم المطر المنهمر وقد اعتزمتُ العثور على جيرتا بأي طريقة، ولم أكَد أصِل إلى ناصية الشارع حتى رأيتُ سيارتي واقفة، ودبَّت الحياة في عروقي فأسرعتُ إليها وإذا بزوجتي فيها مع شخصٍ حدَستُ أنه «ديك»، وإن لم أتبين ملامحه بسبب البُعد والمطر، فبدأتُ أعدو نحوها، وإذا بزوجتي تُدير المحرك وتندفع إلى الأمام، فعدوتُ حتى كدتُ أُدرِكها لكنني لم أستطع، فالتقطتُ حجرًا وضربتُ الزجاج به فكسرتُه! وكانت القضية التي قرأتَ عنها في الصحف وسبَّبَت لي هذه المتاعب.»

ونظرُت إلى توم أستوضحه؛ فأنا لم أقرأ عن أي قضايا تخُص فورسايت، فأسرع توم يقول «إنها في صحف اليوم. تفضَّل». كان الخبر يقول: «القاضي يحكم على الزوج الهمجي بالحبس ستة أشهر مع وقف التنفيذ.» ويتضمَّن الخبرُ التفاصيلَ كلها، تمامًا كما رواها الزوج، ويقول إن القاضي استنكر السلوك الهمجي من الزوج الغيور العائد من إيران، وقد أصدَر هذا الحكم عليه حتى يجعل منه عبرةً لمن يعتبر.

وقالت جاكي: «شيطانةٌ محظوظة! وجدَت في يدها أموالًا لا تعرف ماذا تفعل بها فقرَّرت أن تلهو وتلعب!» وقال ابن توم (وكان اسمه «كامل» وكان يكتبه — ويا للعجب — بالإنجليزية هكذا Camel!): «لو كنتُ مكانها لفعلتُ نفس الشيء!» وكان وجه فورسايت يزداد امتقاعًا، وأحسستُ أنه على وشك البكاء، فقلت له: «تستطيع أن تتزوج خيرًا منها، ولا أظن أن «ديك» سوف يتزوَّجها، فإذا كنتَ ما تزال تُحبها فلا تقل إن الوقت قد فات!» ونظر إليَّ في دهشة وقال: «أنا لست حزينًا على فراق اللعينة بل على فراق الأطفال، وفراق النقود طبعًا.» وكان الوقتُ قد تأخر فانفَضَّ الحفل وعدتُ إلى المنزل بمادةٍ «قصصية» جديدة!

لم يقُل لي «توم» إنه أقنع فورسايت بأن يلحق به في بلانتاير؛ فهناك ألف فرصة للعمل، وكان توم قد اكتسب من نشأته في اليمن الميلَ إلى بذل المساعدة لمن يحتاجها ومدَّ يد العون دون توقُّع للجزاء أو للثواب، وكان دائمًا ما يقول إن في أعماقه دمًا عربيًّا يدفعُه إلى الترحال، وقد تابعتُ أنباءه بعد عودتي من مصر فكان المثال الفريد للتطبُّع الذي يغلب الطبع، هذا إذا اعتبرنا صفات العزلة والحرص من الطباع «الغريزية» لدى الإنجليز. ولم يتردَّد فورسايت في الموافقة، ولم يُكتَب لي أن أرى أيًّا منهما إلا بعد عامٍ كامل!

٢

كانت كتابة التمثيلية التليفزيونية أيسر كثيرًا من كتابة القصة؛ فأنت تضع تخطيطًا مبدئيًّا يشبه السيناريو، وتتصوَّر ما يمكن أن يدور من أحداثٍ بعين خيالك، وبعد أن ترسم المشهد بخطوط عريضة (outline) تكتُب الحوار فقط، وهو محدودٌ إذا قيس بالحوار المسرحي أو الإذاعي، وأذكُر أنني كنت أملأ ١٨ صفحةً فولسكاب بالحوار للتمثيلية الإذاعية التي لا تزيد عن نصف ساعة، والآن لم أكتب سوى ٢٥ صفحة لهذه التمثيلية التليفزيونية ومُدَّتها ساعةٌ كاملة. كان الفرق هو أنني في الإذاعة أُخاطِب الأذن أساسًا ولا بد أن يكون الصوت البشري متصلًا في الأسماع فهو الأساس، وما المؤثِّرات السمعية الأخرى من موسيقى وغير ذلك إلا عواملُ مُساعِدةٌ وثانوية، لا يكاد يُحسَب لها حساب، أما في التليفزيون فنحن نخاطب العين، وقد يكون دَور المخرج في تحريك الأشخاص وتكوين المشاهد وتكوينها أهم من دَور كاتب الألفاظ، والزمن المتوقَّع للمشاهدة، حتى دون حوار، قد يطولُ فيُمِعن في الطول، والمسرح وسط بين الإذاعة والتليفزيون؛ فالمسرحية التي تستغرق من ساعتَين إلى ثلاث ساعات في التقديم على المسرح تتطلب صفحاتٍ تتراوح بين ٦٠ و٩٠ صفحة، بما في ذلك الإرشادات المسرحية.
وكان يوم وصول الموافَقة من الوكيل يومَ عيدٍ لي، وسرعان ما وصل العقد فوقَّعتُه وأعدتُه بالبريد، وكان عليَّ أن أسجِّل نفسي في نقابة المؤلِّفين (Writers’ Union)؛ لأن اشتراكي في نقابة الصحفيين (NUJ) لم يكُن يؤهِّلُني للكتابة في التليفزيون، ولم يكن معي من النقود ما يكفي فطلبتُ التأجيل وجاءت الموافقة؛ ومن ثَم بدأتُ أفكِّر في موضوعٍ جديد لتمثيليةٍ جديدة، واشتَط بي الخيال — ترى هل أستطيع يومًا ما أن أكتب للمسرح الإنجليزي؟ لن أكون أول أجنبيٍّ يدخل الساحة، ولن أكون الأخير، وأفقتُ من أحلامي ذات يومٍ على خطابٍ من إدارة الجامعة تسألُني فيه متى أنتهي من الدكتوراه؛ لأن الحد الأقصى للتسجيل هو خمسُ سنوات، وسوف يكون عليَّ إذا أردتُ زيادة المدة أن أدفع المصاريف الدراسية بنفسي.

أفقتُ — كما قلتُ —؛ لأن الكتابة في الغربة معناها الحياة في الغربة، وأنا رجلٌ جذوره في مصر، وثقافة اللغة العربية تجري في جسده مجرى الدم، ونهاد وأنا لا نتصوَّر لنا حياةً خارج مصر، وعندما وصلَني في أبريل خطابُ نهاد الذي تقول فيه إنها ستصل هي وسارة في أوائل مايو (يوم ٤ تحديدًا) تأكَّد لي أن تلك الأحلام لا بد أن تنقشع، وربما احتجتُ إلى العودة إلى العمل، وهو ما فعلتُه اعتبارًا من أول مايو، حتى لا نعيش في ظل الإفلاس.

وقضيتُ شهر أبريل ممزَّق النفس بين الكتابة الإبداعية ومحاولة «تشطيب» الرسالة، وعدتُ إلى العمل في مايو، وعندما وصلَت نهاد وسارة، ورأيتُ ابنتي بعد فراقٍ دام ثمانية أشهر، وكانت نهاد تحملُها، تهلَّل قلبي وعاد الدفء إلى نفسي، وفي المطار دُهشَت سارة لبرودة الجو والنسيم الذي كان يهبُّ عليلًا حينًا وعاتيًا حينًا آخر، وقالت بالعربية «الهوا»! وقلتُ لنهاد إنها تتكلم العربية! وأكَّدَت لي أنها تعرف أكثر من هذه الكلمة!

وكانت جلسة التصافي بيننا طويلة؛ فلقد مرَّت نهاد بأوقاتٍ عصيبة وهي ترعى ابنتنا وحدها، وكانت رحلتُها ولا شك تضحيةً من جانبها في سبيلي أو في سبيل الأُسرة، أقصد أُسرتنا الصغيرة، وكنتُ أعرف أنني أخطأتُ حينما وافقتُ على رحيلهما، ولكنني كنتُ ألتمس الأعذار لنفسي — وهي أعذار تتعلق بتكويني نفسه لا بأفعال محددة؛ فأنا لا أستطيع أن أكتُم كل طاقاتي الفنية وأسخِّر كل جهودي للانتهاء من الرسالة مثلما يفعل طالب البعثة الملتزِم، ولا أستطيع أن أمتنع عن المسرح، أو عن قراءة الصحف ومشاهدة التليفزيون والاستماع إلى الراديو، وإلى الموسيقى، أو عن الاختلاط بالناس والإحساس بحياتهم ونبضها، وبلغة الناس إلى جانب لغة الكُتب، ولا أستطيع أن أمتنع عن العمل طويلًا فالتدريس والترجمة يمثلان روافد لحياتي، وكل هذا ينطبق تمامًا على نهاد، وقد عشنا أيامًا صعبة، وآن لنا أن نودِّعها وأن نتطلَّع إلى المستقبل في مصر. وتمنَّيتُ من أعماقي أن تغفر لي نهاد تلك «الموافقة» على الرحيل!

٣

اتفقنا أنا ونهاد على أن نجعل الشهور الباقية من عام ١٩٧٤م — ريثما يتم بناء العمارة التي استأجرَت لنا فيها شقةً جميلة، بفضل والدها رحمه الله، وكان معهما أخي مصطفى، في مدينة المهندسين بجوار نادي الصيد المصري — شهورَ استعدادٍ للعودة، فاشترينا كل ما تصوَّرنا أننا سنحتاج إليه، في حدود طاقتنا المالية، وكنا نتنزَّه حين يصفو الجو في الحديقة الرئيسية المجاورة لنهر التيمز (على مسافةٍ بعيدة بعض الشيء من منزلنا) وكانت سارة وهي تخطو في عامها الثالث تتحدَّث الإنجليزية لغةً أولى، والكلمات العربية المفردة متناثرة في تضاعيفها. وكنتُ قد اكتسبتُ هوايةً جديدة في ذلك الصيف هي صناعة الأشياء الخشبية، فلم أتردَّد في العمل نجارًا في الحديقة بعض الوقت، وعندما علمَت صديقاتُ نهاد بنبأ عودتها أصبحن يزرنها، وكثيرًا ما كنتُ أعود من العمل مساءً لأجد مجلس السمر منعقدًا، وأعتقد أن اختلافنا عنهُن كان يجذبهُن إلينا، ولا أقول الكرم الذي هو سمة كل العرب وكل المصريين.

وقصَّت الصديقات على نهاد ما دار في «الحياة» أثناء سفرها، وما إن انقضى الصيفُ حتى عادت نهاد إلى العمل في المكتبة معهُن، وأصبحَت تأخذ سارة إلى روضة الأطفال في الصباح، ثم أُحضِرها أنا إلى المنزل عصرًا، وقد أتولَّى إطعامها ورعايتها حتى تعود نهاد، وأعتقد أن سارة استفادت فائدةً جُلَّى من تلك الروضة، وفي الأيام التي كنا نعمل فيها معًا (أي في أيام ورديَّتي النهارية) كنا نخرج معًا ونعود معًا.

وكانت خطاباتُنا المتبادلة مع أفراد الأُسرة في مصر — مع ما عادت به نهاد من أخبارٍ مفصَّلة — تبعَث على الاطمئنان، ولكنني كنتُ ما أزال أحمل سرِّي الخاص، وهو العقد الذي وقَّعتُه مع الوكيل، ونصَّ تمثيليتي (Invasion أي الغزو) وذلك الحُلم الجامح الذي يُغريني بمواصلة الكتابة الإبداعية بالإنجليزية، وعندما عرف بذلك السِّر سمير سرحان (الذي كان قد رحل مع أُسرته في إعارة إلى المملكة العربية السعودية) كتَب لي خطابًا مُطوَّلًا يقول لي فيه: «هل تُريد أن تُترجَم أعمالُك فيما بعدُ إلى العربية أو أن تُصبِح كاتبًا مستوردًا؟» وفهمتُ من خطابه أنه يريدني أن أعود بأسرعِ ما أستطيع، وقَصَّ عليَّ قصة إعارته، وكيف أُصيب رشاد رشدي بصدمةٍ آنذاك (أي قبل ثلاث سنوات) حين لم يُقبل طلبه؛ لأنه كان قد عقد الأمل على الرحيل بعد أن بلغ سن التقاعُد (وكانت ألفاظ سمير سرحان هي he was banking on it) ثم تغيَّرت الأحوال وأصبح رشاد رشدي أستاذًا متفرغًا، ثم عميدًا لمعهد الفنون المسرحية، ثم رئيسًا لأكاديمية الفنون، وكانت أنباء ذلك كله تعني الكثير لي، كما كان رشاد رشدي رئيسًا لتحرير مجلة جديدة هي «الجديد»، وكنتُ من أوائل من كتبوا فيها عام ١٩٧٢م، والآن تفرَّق الأصحاب في ثلاثِ قارَّات، ولا بد أن رشاد رشدي كان يشعُر بالوحشة لذلك، خصوصًا وأن «ابنه» الرابع فاروق عبد الوهاب رحل إلى أمريكا قبل عدة أعوام.

واكتملَت الرسالة، وأصبحتُ أشعر أن الأيام المقبلة ستكونُ عصيبة؛ فربما أُقرِّر البقاء — رغم كل شيء — والالتزامَ بالعقد الذي وقَّعتُه ومدةُ سريانه ثلاثُ سنوات، وربما أقرِّر الالتحاق بعملٍ آخر — وكثيرًا ما كنتُ أقرأ الإعلانات عن الوظائف الخالية لأساتذة العربية (اللغة والأدب والثقافة) في الجامعات البريطانية. وقد حصل عبد اللطيف الجمَّال على إحدى هذه الوظائف فيما بعدُ، وإن كان الراتبُ أقل كثيرًا من الدخل الذي تُدِرُّه الترجمة؛ فالتدريس مهنةٌ منكوبة في بريطانيا، ولا يُقدِم عليها إلا المثاليون، ممن يؤمنون حقًّا برسالة العلم والتعليم.

وعندما عادت نهاد وسارة عادت لنا الحياة الاجتماعية، فبدأنا نتبادل الزيارات مع الأستاذ المشرف وزوجته شارلوت، ثم أصبح منزلُنا بسبب موقعه المتوسِّط بين العمل والمدينة ملتقًى للمعارف والأصدقاء، وكان معظمهم يسخرون منا حين نقول إننا سوف نرجع إلى مصر؛ فهم يعتبروننا من المقيمين الذي أصبحَت لهم جذورهم في هذه التربة الجديدة، وإن كانت قضية الجذور تشغلُني أكثر من غيرها.

نظرتُ فيما كتَبْت، فوجدتُ أنني أُعالِج موضوعاتٍ تتعلَّق بحياة إنجلترا، وأنني مهما يكن موقفي أخاطب القارئ (أو السامع أو المشاهد) الأجنبي. كان قلبي مطمئنًّا إلى الملامح الفنية لكتاباتي، ولكن «الموضوعات» كانت تشغلُني! ما دلالة ما أكتب — أو بعبارة شكري عياد «وبعدين؟» لم أكن أشعُر بالوحدة بعد عودة نهاد وسارة، ولكنني كنتُ أشعُر أنني مقبل على «وحدة» من نوعٍ آخر حين أعود إلى مصر، ولا شَكَّ أن أوَّل عناصرها هو اللغة! سمير سرحان يقول لي في خطاباته إن المجال مفتوحٌ للكتابة بالعربية «وإن كان عندك أفكار اكتبها بالعربي!» وكنت أسمع الهاجس في ذهني بالإنجليزية easier said that done — أي ما أصعبَ تحقيقَ ذلك!

وكان الهاجس له ما يُبرِّره؛ إذ كنتُ ذاتَ يومٍ في المطار أستقبل أو أودِّع أحدًا (لا أذكُر) حين شاهدتُ الدكتور شوقي ضيف يودِّع ابنه الطبيب المقيم في لندن، وعندما بدأنا الحديث وجدتُ أنني أترجم عن الإنجليزية؛ فالخواطر ترد إلى ذهني بالإنجليزية وأكاد أنخرط في حديثٍ يشبه الترجمة الفورية، بل كنتُ أتعثر بحثًا عن كلمة أو تعبير، وتصبَّب العرق من جبيني، وعندما تركتُ أسرة الدكتور شوقي ونزلتُ الدَّرَج حيَّاني شخصٌ تعرَّف عليَّ، وكانت التحية العربية جديدةً ولم أعرف معناها؛ إذ كان ذلك الشخص من المشرفين على فريقٍ رياضي مصري عائد بعد الانتهاء من بعض المباريات، وكانت التحايا القديمة هي «أهلًا يا كابتن» أو «يا باشمهندس»، ولكن التحية الجديدة كانت يا باشا — وهي الكلمة التي كان الظرفاء يستخدمونها في «معاكسة» الحسناوات! وقلتُ بسرعة «أهلًا وسهلًا»، لكنه عندما انخرط في الحديث معي كان الواضح أنني أتلعثَم وأتردَّد!

إذا كنتُ سأكتب عن حياة الإنجليز وأوجِّه حديثي إلى الإنجليز، فسوف أكون قد أهدرتُ العمر حقًّا! هل اختفت العربية التي تعلَّمتُها في مدرسة المحافظة على القرآن الكريم (مدرسة الحكيمة في رشيد) والتي كتبتُ بها النقد والمسرح وترجمتُ إليها مسرحيات شيكسبير وتشيخوف ويونسكو؟ كنتُ واثقًا أنها كامنة بصورةٍ ما في أعماق النفس أو في طوايا العقل، وإن يكن استدعاؤها عسيرًا بالغ العسر؛ لأن ردود الأفعال اليومية التي غالبًا ما تتخذ صورًا لفظية — شأنها في ذلك شأن المشاعر والأحاسيس والأفكار — تتشكَّل بلغة الحديث والفكر والعمل في الحياة اليومية، وهي الإنجليزية! كانت معظم الأفكار التي أتَتْني من الكتب أو من أفواه الناس تتخذ صورة اللغة الإنجليزية، وكنتُ أحمد الله آنذاك على أنني غيرُ مُضطَر لترجمتها إلى العربية، ولكن ذلك محتومٌ حين أعود إلى مصر، فكيف تتحوَّل آلةُ التفكير كلُّها من لغة إلى لغة، وشغلَني الموضوع إلى الحد الذي دفعَني إلى مناقشته مع مستر ويلكينز أستاذ علم اللغة، الذي أجرى بحوثه كلها أو معظمها في ثنائية اللغة، أو في التحوُّل من لغة إلى لغة في سياق التفكير والحديث (bilingualism & code switching) وكانت بعض مادته مستقاة من طفلَيه اللذَين يتحدثان الإنجليزية والفرنسية بطلاقة؛ لأن أمهما فرنسية. قال ويلكينز:
«نحن نفرِّق في علم اللغة بين فئة المفردات الأساسية التي يكتسبها الطفل من والدته أو من يحل محلَّها (surrogate mother) وبين فئة المفردات الثانوية التي يكتسبها من التعليم سواء كان ذلك هو التعليم الرسمي أم غيره؛ فالمفردات الأساسية هي التي نعتبرها اللغة الأم وهي تشكِّل المادة الخام لاستجابة الطفل وتفاعُله مع العالم الخارجي، وتتحكَّم في أساليب انفعاله؛ أي إنها جزء لا يتجزأ من عملية نموه النفسي، وعلماء النفس يعلِّقون عليها أهميةً كبرى. فإذا نازعَتْها لغةٌ أخرى في تلك السن المبكِّرة — وهذا هو ما حدث في حالة طفليَّ الصغيرَين — تأخَّر النضجُ اللغوي للطفل، مثلما يتأخر النطق عند الأطفال الذين يعانون من تنازُع نصفي المخ على السيادة، ولكن النضج يأتي ولا شك ويكون في هذه الحالة ثنائي اللغة — بمعنى أن الطفل يكون قادرًا على التحوُّل من إحدى اللغتَين إلى الأخرى بسرعة وبتلقائية — أي دون تفكير ودون تردُّد، وإن كان العامل الذي يحدِّد اللغة المستخدمة لا يتوقف على السياق وحده، بل تشترك معه عواملُ أخرى كثيرة بدأ اللغويون في دراستها مستعينين بعلم الاجتماع وعلم النفس.

أما الفئة الثانية فهي فئة مفردات الخبرات اللاحقة على المفردات الأساسية، وهي كما قلتُ مفردات التعليم؛ فهي أكثر دقةً وتفصيلًا، وأكثر رهافةً ولطافةً، وعادةً ما تتغلب فيها إحدى اللغتَين على الأخرى، حتى لو كان الذهن يستخدم اللغتَين معًا في التفكير! فابنتي الكبرى لا تكتُب إلا الإنجليزية رغم إلمامها الكامل بالفرنسية قراءةً وكتابةً وحديثًا، وحين تُضطَر إلى كتابة الفرنسية فإنها كثيرًا ما تُترجِم عن الإنجليزية وتُزعِج والدتها بأسئلتها الكثيرة. وهي ذاتُ موهبةٍ لغوية لا شك فيها، وأعتقد أنها لو تعمَّقَت في دراسة الفرنسية فسوف تستطيع أن تكتب كتابةً إبداعية يومًا ما بلغة والدتها .. إنها فتاةٌ رائعة …»

وتركتُ ويلكينز يتحدَّث بإعجاب وحب عن ابنته، ثم قاطعتُه لأشرح له حالتي فقال: «أنت خير من يحكم على نفاذ الإنجليزية إلى مفرداتك الأساسية، وقد تستعين في ذلك بابنتك؛ فهي لا شك تعرف العربية أو ستعرفُها عما قريب، وربما أصبحَت العربية مزاحمةً لمفرداتها الأساسية بالإنجليزية، ولكنك لن تتعرَّض أبدًا لمثل هذا التنازُع؛ لأنك لم تتعلَّم الإنجليزية إلا بعد أن تشرَّبتَ العربية — وكان ذلك كما تقول في الثامنة …»

ولكن ويلكينز لم يكن درس التنازُع على مستوى اللغة الناضجة، فهو مرتبطٌ بطفلَيه، والموضوع في حالتي يتخطَّى مرحلة الطفولة، فإذا كانت اللغة الإنجليزية هي السائدة اليوم، فلا بد أن تسود العربية غدًا، ووجدتُني دون أن أدري أتأمَّل عملي بالترجمة وتأثيره في تكوين إحساسي باللغة الإنجليزية، والفارق بين ما كتبتُه في الرسالة وما أكتُبه الآن في القِصَص والتمثيليات، وطابع الحوار بيني وبين الإنجليز من جهة، وبيني وبين نهاد من جهةٍ أخرى، وانتهيتُ إلى أننا — أنا ونهاد — قد أخذنا كفايتَنا من الإنجليزية، وأن الوقت قد حان للعودة النهائية!

كانت سارة قد بلغَت الثالثة، وكان الإنجليز يعتبرونها «عَجَبة» (oddity) فهي تلتقِط من حواري أنا ونهاد كلماتِ المثقَّفين وتستخدمُها في غضونِ لغة الأطفال في الحضانة، وكانت زميلاتُ نهاد في العمل يَعجَبن لها ويَدهَشن منها، وكانت إحداهنَّ تُقيم بجوارنا واسمها صوفي دينر — وكانت نمسويةً وتتكلَّم الألمانية — شقراء وسمينة، ولم تكن تكُفَّ عن التعليق على لغة سارة العجيبة! وأذكُر أن محادثات فَضِّ الاشتباك بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية كانت قد بدأَت آنذاك، وكان كيسنجر يُواصِل رحلاتِه المكُّوكية بين الطرفَين مُلوِّحًا بأمل السلام النهائي، وما لبثَت القوات الإسرائيلية أن انسحبَت من المنطقة التي كانت تحتلُّها غربي القناة، وبدأ الحديثُ الجادُّ عن السلام، وأعلن السادات أن الانسحاب سوف يُعيد حقول البترول لمصر، ويسمح بإعادة فتح قناة السويس.

٤

كان عبد اللطيف الجمَّال قد قرَّر حين حصل على الإجازة المَرَضِية أن ينتهي من كتابة الدكتوراه في غضون الشهور الثلاثة، لكنه كان مثال «الصرمحة» بين الكتب، وهو ما كان شكري عياد يحذِّرني أنا منه، فانقضى صيف ١٩٧٤م دون أن يكتب سوى فصلٍ واحد، وكان يتعمَّد التعمق في الفكر الفلسفي الألماني بحُجَّة الغوص في تأثير الألمان في كولريدج وكيف صوَّر ريتشاردز ذلك في كتابه عنه، وكان المشرف على رسالته هو الأستاذ نورمان جيفارز Norman Jeffares المتخصص في ييتس، وكان على إعجابه بعُمق أفكار عبد اللطيف يريد له أن ينتهي حتى يكتُب شيئًا عن ييتس، ولكن عبد اللطيف كان قد استنفَد ما يزيد كثيرًا عن الحد الزمني المسموح به للتسجيل للدكتوراه، فألغَت الجامعة تسجيلَه، وأرسلَت له تقول إنه إذا أراد إعادة التسجيل فسوف تنظُر الجامعة بعين العطف في الطلب الذي عليه أن يتقدَّم به، مما جعل عبد اللطيف يزهد في العمل وفي الدراسة جميعًا، وعندما أعلنَت منظَّمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة ومقرُّها باريس عن مسابقة امتحانٍ للتعيين في وظيفة مُترجِمين تقدَّم وحصل على الدرجات النهائية في ورقتَي اللغة الإنجليزية، لكنه تجاهَل ورقةَ اللغة الفرنسية فلم يُوفَّق، ونجح عبد الرشيد الصادق المحمودي وترك لندن إلى باريس.

ولم أكن أزور لندن إلا لمتابعة أخبار الأصدقاء؛ إذ كنتُ حريصًا على معرفة مَن غادرها إلى مصر ومَن بقي فيها، وازداد اهتمامي في شتاء ٧٤ / ٧٥ بأنباء مصر؛ إذ كان أخي حسن قد التحق بعمله في وزارة الخارجية، وكان آنذاك سكرتيرًا ثالثًا في مونروفيا (عاصمة ليبيريا) وهو الآن سفير مصر في أذربيجان، وكان أخي مصطفى قد انتقل من الهيئة العامة للسد العالي (بعد انتهاء السد وتوزيع العاملين فيها على المصالح الأخرى) إلى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، لكن طموحه جعلَه يلتحق بالجامعة الأمريكية للحصول على الماجستير في إدارة الأعمال، وحصَل فيما بعدُ على الدكتوراه، وهو الآن أستاذٌ في إحدى الجامعات الخاصة، ولم يكن قد تزوَّج بعدُ، بخلاف حسن الذي تزوَّج وأنجب أميرة وعزة — وهما من التوائم غير المتطابقة! وكان والدي قد شُفي من الأزمة القلبية التي كانت أصابَتْه بالفالج، وهو بعدُ في أواخر الخمسينيات من عُمره، وكان ماهر البطوطي قد عاد إلى مصر من إسبانيا، ومَرَّ عليَّ في إنجلترا وقضينا معًا وقتًا جميلًا، وزارنا في منزلنا في ردنج.

لا أذكُر الكثير — وهذا من العجب العجاب — عن مطلع عام ١٩٧٥م؛ فالمفكِّرة تقول في كل صفحة «عام العودة إن شاء الله» وتحكي عن المستقبل لا عن الحاضر أو الماضي، وكانت نهاد كشأنها حاسمةً في موضوع العودة، لا تُطيق التردُّد فيه، وكان اهتمامنا منصبًّا آنذاك على الضائقة المالية التي نعاني منها؛ فلدَينا طفلة، والأجر الذي سأتقاضاه إن شاء الله في الجامعة محدود؛ إذ كان راتب المدرِّس الشهري ما يزال أربعين جنيهًا، زيد فيما بعدُ إلى ستين، وأذكُر أنني عندما قدَّمتُ استقالتي سألَني رئيس مكتب الأخبار عن الراتب الذي سوف أحصُل عليه في مصر، فقُلت: ستون جنيهًا. ولم يدَعْني أُكمِل العبارة فقال: وهل تكفي ستون جنيهًا في الأسبوع؟ وتظاهرتُ بالانشغال بأشياءَ أخرى حتى لا أصحِّح له العبارة!

كان حفل التخرُّج يُعقد أربع مراتٍ في العام، وكان المشرف يرى أن أقدِّم الرسالة في الشتاء حتى أحضُر الحفل الخاص بفصل الربيع؛ فسنواتُ التسجيل الخمس قد انقضَت، والرسالة اكتملَت، ولم يكن يرى مبررًا للتباطؤ والتلكؤ، وكان يُلمحُ لي من وقتٍ لآخر بأن وظائف التدريس متاحة في قسم اللغة الإنجليزية، وأشار ذات يومٍ إلى إعجاب مستر ويلكينز بدراستي الأسلوبية وإلى أننا تربطنا صداقةٌ متينة، فإذا ازدهرَت الدراسات اللغوية والأسلوبية فلماذا لا أكون في طليعة أنصارها؟ وكنتُ أستمع إلى هذه التلميحات فلا أردُّ الردَّ الشافي، لا بسبب تردُّدي، بل لأنني لا أريد إغلاق «أبواب المستقبل» إغلاقًا تامًّا، فالمستقبل مجهول (تعريفًا) ولا يدري أحدٌ ما تأتي به الأيام.

تُوفِّيَت أم كلثوم في مطلع فبراير (وأذكر أن الصحف المصرية تسرَّعَت بإعلان الوفاة قبل حدوثها يوم ٢ فبراير) وقرأتُ نعيَها في صحيفة التايمز يوم الثلاثاء ٤ فبراير وأنا في لندن — لا أدري ماذا كنتُ أفعل — لكنني أذكُر أنني كنتُ في محطة القطار حين قرأتُ الخبر المفصَّل، فكأنما كان إيذانًا بانتهاء عصرٍ كامل، ولم تنقَضِ أيامٌ حتى فُوجئ الجميع بانتخاب السيدة مارجريت تاتشر رئيسةً لحزب المحافظين، وكانت أول رئيسةٍ للحزب منذ إنشائه، والغريب أنها عصامية؛ إذ كانت تنحدر من أُسرةٍ فقيرة (أبوها كان بقالًا) وسلكَت طريق الدراسة الجامعية حتى أصبحَت مُدرِّسة للكيمياء، ثم دفعَها طموحُها إلى الحصول على ليسانس الحقوق، والاشتغال بالسياسة، فتولَّت منصب وزيرة التعليم في وزارة المحافظين الأخيرة التي خَسِرَت الانتخابات نتيجة الصدام مع إضراب عمال الفحم في مارس ١٩٧٤م، وعودة حزب العمال بقيادة هارولد ويلسون من جديدٍ إلى الحكم رسميًّا يوم ١١ أكتوبر في العام نفسه.

وشُغل الناس بهذه السيدة فزعامتها لحزب المحافظين تعني احتمال تولِّيها رئاسة الوزارة إذا نجح الحزب في الانتخابات في جولةٍ مقبلة، وهذا هو ما لم يكُن «المحافظون» الحقيقيون من الإنجليز يُسيغونه، فبدأنا نسمع لأول مرة عن الحركة النسوية الجديدة، وهي التي كانت مقصورةً حتى ذلك العهد على الأدب، وبدأ الحديث الذي ملأ الدنيا هذه الأيام عن «طبيعة» الرجل والمرأة، وطلَب مني مكتب الأخبار الحضور للاطِّلاع على بعض الصحف العربية لمعرفة ردود الفعل العربية ولكنني قضيتُ اليوم كلَّه فاحصًا دون أن أجد تعليقًا مهمًّا في أيٍّ منها.

وفي يوم الثلاثاء ٢٥ مارس كنتُ في المنزل، وكنتُ قد انتهيتُ لتوِّي من محادثةٍ تليفونية مع أحد الأصدقاء العرب الذي كان يُهنِّئني بعيد المولد النبوي (١٢ ربيع الأول)، وأثناء صعودي إلى غرفة المكتب رنَّ التليفون من جديد، وإذا بمكتب الأخبار يقول إنهم أرسلوا السيارة؛ لأن وكالة أنباء الشرق الأوسط «أخْلَتْ كل خطوطها» استعدادًا لنبأٍ مهم، ولا يريدون أن يسبقَهم أحدٌ إليه، فارتديتُ مِعطَف المطر والقُبَّعة الكندية وخرجتُ لأجد السيارة، وفي لحظاتٍ كنتُ أستمع إلى إذاعة الرياض؛ إذ قيل إن الملك فيصل قد قُتِل. وسرعانَ ما جاءت الأنباء المؤكَّدة من المصدر الأصلي عن اغتياله برصاص أحد أفراد الأسرة أثناء الاحتفال بالمولد النبوي. وبعد قليلٍ قال الراديو إن الأمراء «اتجهوا إلى منزل الأمير خالد وبايعوه ملكًا» وسرعان ما طيَّرتُ الخبر في عبارةٍ واحدة حتى لا تسبقنا وكالاتُ الأنباء الأخرى، وكان يقول Khalid is new Saudi King ثم جلستُ أترجم النبأ لأتعثَّر في كلمة «بايعوه»!
ووقفتُ في ضيقٍ واضح لأنظُر في المعاجم، فأسرع إليَّ المشرف وكان رجلًا مهذبًا من ليسوتو اسمه هاتون Hutton ليسأل عن المشكلة، فقلت له «كلمة»! فقرأ الخبر الناقص في الورقة التي كانت ما تزال في الآلة الكاتبة وسألَني كأنما لُيكمِل العبارة لي they proclaimed him king? وقلتُ له نعم! وسرعان ما اختطَف الورقة وأرسلَها إلى عاملة التليكس كي تطيِّر النبأ، لكنني عُدتُ إلى الكلمة لأتساءل عن معنى البيعة. وفي لحظةٍ خِلتها دهرًا تزاحمَت في ذهني معاني البيعة والمبايعة في تاريخنا العربي، فذكَرتُ «بيعة العقبة»، وغيرها من الأحداث التي تجعل الكلمة زاخرةً بمعانٍ لا تخرج في كلمةٍ واحدة؛ فهي تتضمَّن الانتخاب وإعلان الولاء معًا، إلى جانب ما يوحي ذلك كلُّه به من وفاء وإخلاص وثقة، وأين ذلك من الكلمة المفردة التي تناقلَتها وكالات الأنباء نقلًا عني في ظهيرة ذلك اليوم من أيام الربيع؟ واضطُررت إلى إصدار نشرةٍ أخرى أضفتُ فيها تلك المعاني، ثم ذهبتُ إلى الكافتيريا لإحضار كوبٍ من الشاي بعد أن أوصيتُ والد جون بولارد أن يأتيني بالترجمات الإنجليزية التي تبثُّها وكالاتُ الأنباء العربية (أي العاملة في البلدان العربية) حتى أُقارِن وأُوازِن وأحكُم، ولكن الجميع كان يردِّد الكلمة «المؤقَّتة» التي اقترحَها هاتون دون الاطلاع على الكلمة العربية!
وانثنيتُ أفكِّر في مدى الاختلافات في التفكير (النابعة من اختلاف الثقافة) التي تتحكَّم في اختلاف صورتنا في العالم الخارجي، واختلاف صورة العالم الخارجي لدينا، وذكرتُ عبارةً أخرى كانت قد وردَت في تعليق إذاعة صوت العرب عَقِب اجتماع نيكسون مع بريجينيف قبل ثلاثة أعوام، وكان الذي كتَبه عبد الفتاح العدوي، صديقي القديم (رحمه الله) وهي: إن الانفراج الدولي «يأخذ بخناقنا»! كنتُ ترجمتُها آنذاك بتعبير is at our throat ولكن أحد زملائي المحرِّرين اقتَرح أن يجعل لها رنينًا جذَّابًا وهو throttle وهو فعل يعني الخنق، ولا يُوحي بالتنازُع الذي يُمسِك فيه الرجل ﺑ «خناق» غريمه، ومنها «الخناقة» بالعامية والفعل «يتخانق» المصري! وعندما اعترضتُ قال لي: هذه مسئوليتي. ولحُسْن الحظ أن الخبر لم يُكتَب له أن يُنشَر، وإن كان مكتب الأخبار كلُّه يعتقد أن المعنى هو أن الانفراج الدولي في رأي كاتب التعليق «خانِق» (suffocating)!

وقلتُ في نفسي إن هي إلا أيام وأعودُ إلى مصر، تُرى هل تُصبِح دقة الترجمة عاملًا يُساهِم في تصحيح صورتنا؟ إن لغة الأخبار يسيرةٌ موطَّأة الأكناف؛ فقوالبُها ثابتةٌ محفوظة، أما لغة الأدب فما أشقَّها وأعسَرها! وما بالُكَ بلغة الثقافة العربية ذات الجذور العميقة في التاريخ والمعتقدَات! لا شك أن تلك رسالةٌ لا تقل قيمتُها عن الكتابة والنقد، والصحوةُ العربية تقتضي صحوةً لغوية لا تقتصر على أجهزة الإعلام، بل تشمل كل ما نُترجِمه من آدابهم وما يُترجِمونه من آدابنا — بل وما ينبغي أن نُترجِمه نحن من آدابنا!

لا، لم يعُد الهدف من العودة تدريسَ الأدب الإنجليزي للصغار، بل القيام بما هو أهم وأفعَل وأجدَى وأقيَم!

٥

قدَّمتُ الرسالة في أبريل، بعد انتهاء موعد فصل الربيع، وحدَّدَت الجامعة لجنة المُمتحِنين، وكانت تضُم البروفسور روجر شاروك والبروفسور ماثيوز (صديقي المتخِّصص في شلي) ولم يعد أمامي سوى انتظارِ تحديدِ موعد المناقشة، وسمعتُ في أواخر مارس أن السادات سوف يُعيد فتح قناة السويس يوم ٥ يونيو، وأن مكتب الأخبار يتوقَّع أن يلقي خطابًا في هذه المناسبة، وأرسل يسألُني هل ستكون معنا هنا؟ ولم أتردَّد. نعم؛ فلا بد من دخلٍ إضافي يساعدُني على تحمُّل نفقات السفر وشحن الأثاث والكتب وما إلى ذلك.

كنتُ أعمل جاهدًا على استكمال مكتبتي حين ساقَتْني خُطاي إلى مكتبةٍ كبرى في لندن، وجعلتُ أتطلَّع إلى دواوين الشعراء، وإذا ببعض الكتب المعروضة تُباع بتخفيضاتٍ تصل إلى ٥٠٪، فتأمَّلتُ بعضَها فإذا بها — كما يقول الغِلاف — ترجماتٌ عن العبرية الحديثة؛ أي عن اللغة المستخدمة في إسرائيل، وإذا بكُتَّابها مجهولون تدور أعمالهم عن «مثالية» الحياة في إسرائيل، و«الدرس» الذي يتعلَّمه الإنسان، أو ينبغي على كل إنسانٍ أن يتعلَّمه من الحياة «محاصَرًا» بالأعداء، وكان وصفُ العرب بأنهم الأعداء مألوفًا، لكن وصف إسرائيل بأنها «جزيرة السلم والأمان» في بحرٍ هائجٍ متلاطم الموج يهدِّد باكتساح أهلها كان سخيفًا وغير شاعري بالمرة! وتساءلتُ في نفسي: هل يريد اليهود للعالم أن يصدِّق أن العرب وحوش يريدون ابتلاعهم؟ وكان السؤال الأهم: هل ردَّ العرب على ذلك شعرًا أو نثرًا؟ وإذا كانت تلك الدواوين مترجمةً حقًّا عن العبرية — وهو ما كنتُ أشُك فيه بل وأستبعدُه — فهل ترجمنا نحن أدبنا حتى يرى العالم صورتَنا الصادقة؟ وزاد ذلك من إيماني بأهمية الرسالة التي أصبحتُ أومن بضرورة النهوض بها عند عودتي إلى مصر.

وعندما خرجتُ من المكتبة وجدتُ في الشارع نفسه Shaftsbury Avenue المسرح الذي يحمل اسم الشارع ويعرض آخرَ ما كتَبه آرثر ميلر، وهي مسرحية «حادثة في فيشي» وهي تحكي بصراحةٍ قصةَ اضطهاد اليهود إبَّان الحرب العالمية الثانية، وتُثير الشفقة عليهم، وتستعطفُ العالم وترجوه أن يمُد يد المساعدة إليهم! هل هذا هو الأدب الهادف؟ هل كُتب علينا إذن أن نقتصر في تناولنا للأدب على مواطن الجمال وبراعة الفن المسرحي (أو الشعري في الدواوين التي ذكرتُها) بغض النظر عن الدلالة؟ هل كُتِب علينا أن نتجاهل تساؤل شكري عياد «وبعدين؟».

وعندما عُدتُ إلى ردنج طالعَتْني أنباء الصراع في لبنان بين الفلسطينيين والميليشيات المسيحية (اليمينية) ولم أكن أعرف حقيقةَ ما يجري، ولم أتمكَّن من معرفته حتى الآن، وكنتُ أحيانًا أعجَب لما يَجري وأُشفِق على المؤرخين الذين يقولون إنهم موضوعيون لا يبتغون إلا الحقيقة وحدها! فهل الحقيقةُ تقتصر على أن قتالًا ما يدورُ في بيروت، أم تتعدَّى ذلك إلى الذين يتقاتلون وما هي دوافعُهم والقوى التي تُسانِدهم؟ وفي بدايات مايو كنتُ أُدرِك أن سنواتٍ عشرًا حافلة قد انقضَت، وأن الطالب المصري الذي كان يتعمَّد عزل نفسه عن السياسة قد أصبح رغم أنفه مشغولًا بها، وأن انشغاله باللغة والأدب قد دفَعه دفعًا إلى الانشغال بالحياة العامة، ولم أعُد أقاوم رغبتي في متابعة أنباء سقوط سايجون في أيدي الشيوعيين وهزيمة الأمريكيين في حربٍ كلَّفَتهم ١٢٥ ألف قتيل، ومئات الآلاف من الجرحى، وآلاف الملايين من الدولارات (٣٠ أبريل) بعد سقوط كمبوديا (١٧ أبريل) وذكَرتُ عندها تلك الأمريكية الحسناء التي قابلتُها في بوفيه محطة القطار وكانت كأنما تريد من يَسمَع قصتَها، وكيف فقدَت زوجها وأخاها في فيتنام فضاقت الدنيا في عينَيها، ورحلَت إلى أوروبا كأنما لتبدأ حياتها من جديد، ولكن أشباح من فُقدوا كانت تُطارِدها، وانتهى بها الأمرُ إلى العمل في البوفيه. وقد تَخَلَّفْتُ عامدًا يومها عن اللحاق بالقطار حتى أسمع قصتَها، وأتأمل فلسفة «الرحيل» التي كانت عزاءها الأوحد؛ فهي ترى الناس دائمًا وهم يرحلون، وتنظُر في وجه كلٍّ منهم وهي تتساءل في أعماقها: هل يعود يومًا ما؟ وقلتُ في نفسي إنها تصلح شخصيةً في قصة أو مسرحية.

ولم أكن نسيتُ حبي للكتابة المسرحية ولكنني كنتُ أتساءل الآن عن قضايا تتخطى فنون الكتابة وتتعلَّق بالدلالة؛ فالأمريكيون الذين سيقوا دون إرادة إلى الحرب في فيتنام كانوا يتصوَّرون أنهم يدافعون عن الحرية، فما الحرية؟ هل من الحرية إرغام أو محاولة إرغامِ شعبٍ ما على تغيير نظامه الاجتماعي؟ وقرأتُ مقالًا في صحيفة الجارديان يقول فيه كاتبه إن قول الأمريكيين بأن قوات الفيتكونج اليسارية التي تقاتلهم لا تزيد نسبتها عن ١٠٪ من تعداد السكان يُغفِل أن القوات الأمريكية لا تمثِّل إلا نسبة لا تكاد تُذكَر من الشعب الأمريكي، وأن العشرة في المائة لم تكن لتستطيع النجاح لولا مساندة ٤٠ أو ٥٠ في المائة من السكان، مما يعني أن الغالبية هي التي تُحارِب، لا العشرة في المائة فقط، بخلاف الحال في أمريكا حيث لا يساند المقاتلين إلا أقلُّ القليل، وكلُّهم من أصحاب المصالح الحاكمة!

وفي مايو أعلن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد انتهاء حرب فيتنام رسميًّا، ولم يهتم الكثيرون بذلك الإعلان إذ كانت الصحفُ البريطانية مهمومةً بالتضخُّم الذي وصل إلى ذروته في أواخر الشهر، وكانت النسبة مذهلةً وهي ٢٥٪، وكان ذلك بطبيعة الحال نتيجةَ استجابة الحكومة العمالية لمطالب نقابات العمال برفع الأجور، بغَض النظر عن زيادة الإنتاجية، مما أدَّى إلى «طبع» المزيد من النقود، فانخفض سعر صرف الجنيه الاسترليني من جديد، وارتفعَت الأسعار في الأسواق، وبدأَت الحملة التي أعادت — فيما بعدُ — حزبَ المحافظين إلى الحكم.

وفي يوم ٥ يونيو ذهبتُ في الصباح الباكر إلى العمل — وكان يوم خميس — حيث ترجمتُ خطاب السادات في إعادة فتح القناة أمام الملاحة العالمية، ومكثتُ في مكتب الأخبار حتى انتهت وقائعُ الاحتفال، وأرسلتُ الأنباء المفصَّلة إلى الصحف والإذاعات، وعدتُ إلى المنزل لأجد خطابًا يحدِّد لي موعد مناقشة الدكتوراه في ٨ يوليو (يوم ثلاثاء) فأخبرتُ نهاد فقالت آن الأوان للرحيل، وذهبنا في اليوم التالي إلى لندن مع سارة حيث حجزنا تذكرتَين لهما يوم ١٩ يوليو (يوم السبت)، وأرسلنا الخطابات إلى مصر بموعد عودتهما. وقضَينا بقية اليوم في لندن حتى المساء، وكان الجو صحوًا وفضَّلنا تناول الغداء في إحدى الحدائق.

وانهمكتُ في العمل على امتداد الشهر الباقي على مناقشة الدكتوراه، حتى يتوافَر لي أكبر قدْرٍ ممكنٍ من النقود، وتخلَّصَت نهاد من بعض الأشياء التي لم تكُن تريدها؛ إما بإهدائها إلى الأصدقاء، أو بتركها في المخزن الخاص بالمنزل، وسرعان ما انقضَت الأيام، وناقشتُ الرسالة، وبدأنا في تدبيرِ ما سنفعله.

كانت سارة في تلك الأيام سعيدةً بالحضانة، وكانت تُحب المشرفة مرجريت (nurse Margaret) حبًّا شديدًا وتصدِّق كل ما تقوله، وذكرَت مرجريت لنهاد ذات يومٍ أنها طلبَت من الأطفال أن يلعبوا في كثيبٍ رملي صغير، وأخذَت مرجريت تَحفِر فسألَتْها سارة عما تبحث عنه فقالت لها مرجريت أبحث عن الذهب! فإذا بسارة تتحمَّس وتُشمِّر عن ساعد الجد بحثًا عن الذهب! وكانت مرجريت تحكي لنا عن ميل سارة إلى النظام والتنظيم وعلاقتها مع الأطفال الآخرين، والصداقات التي عقدَتْها مع بعضهم (واستمرَّت حتى بعد عودتها إلى مصر) وطبعًا عن لغتها «المثقَّفة»!

وفي نحو منتصف يوليو كنتُ أقف في المطبخ وأُحاول إعداد طعامٍ للغداء حين وجدتُ شخصًا يدخل من الباب المفتوح — كان للمطبخ بابٌ يؤدي إلى الشارع أو إلى الممرات الداخلية في المنطقة السكنية — ويُلقي عليَّ السلام بالعربية. كان سمير سرحان، وكان قد وصل من مصر لتوِّه، ولم يكَد يحُط الرحال في فندق كوبيرج بشارع بيز ووتر حتى استقل القطار وجاء إلى المكان الذي سبقَت له زيارته! وقال بلهجةٍ يتنازع فيها الجِد والهزْل: لقد جئتُ حتى أعود بك إلى مصر! وعندما عادت نهاد بدأَت مناقشاتُنا ومسامراتُنا التي لم تتوقَّف حتى ذهبتُ لتوديع نهاد وسارة في المطار!

وشُغلتُ بوجود سمير سرحان في لندن فكنتُ أذهب إليه ونقضي اليوم معًا وأحيانًا كنا نعود معًا إلى ردنج للمبيت، وفي الصباح نذهَب إلى أوكسفورد، وكان يُلحُّ عليَّ في كل يومٍ أن أتصل بشركات الشحن حتى تتولَّى إرسال الأثاث إلى مصر، ففعلتُ ذلك، ودفعتُ للشركة خمسمائة جنيه مقابل الإعداد والشحن وما إلى ذلك، وتحدَّد موعدُ الشحن في أواخر أغسطس، ثم رحل سمير في أوائل أغسطس، ولم يقُل لي إلا وأنا أودِّعه في المطار إن نهاد جاد — زوجته — حامل وإن موعد الولادة في سبتمبر!

وذهبتُ إلى لندن لحجزِ مكانٍ لي في إحدى رحلات مصر للطيران فوجدتُها كاملة العدد حتى منتصف سبتمبر! وكنتُ قلقًا؛ لأن الشركة لم تُرسِل بعدُ من يأخذ أثاث الشقة، فقلتُ أنتظر حتى يأتوا، وما إن وصلَت السيارة الضخمة في الموعد المحدَّد وحمَل الرجال كل شيء (باستثناء أقل القليل) واطمأنَّ قلبي، حتى ذهبتُ فأكَّدْتُ الحجز للسفر يوم الأربعاء ١٧ سبتمبر — وكان ذلك في رمضان! وقال لي المشرف على المساكن إنني أستطيعُ إخلاء البيت في أي وقت أريد اعتبارًا من أول سبتمبر دون أن يُطالِبني بدفع الإيجار؛ لأنه سوف يكلِّف أحد المقاولين بإعداده للمستأجر الجديد في أول أكتوبر، وعَرضَ عليَّ دهَّام العطاونة زميلي الفلسطيني أن أقيم عنده ابتداءً من يوم ٨ أو ٩ سبتمبر فقَبِلْت، وكان اشترى منزلًا في قرية كافرشام، وسيارة «ميني» (أوستن)، فأعددتُ ثلاثَ حقائبَ وذهبتُ بها إلى المطار في صحبة توم هيتون الذي كان قد عاد من بلانتاير، وشحنُتها جوًّا إلى مصر، ثم أخذتُ ما بقي من حقائب وأشياء إلى منزل دهَّام يوم ٨ سبتمبر، وقضيتُ في صحبته أيامًا جميلة حتى حان موعد السفر.

كانت تلك الأيام وما تزال تبدو لي غائمةً كأنما تطفو بها سحابةٌ على وجه السماء؛ إذ أحيانًا ما كنتُ أسير ساعةً أو ساعتَين في الحقول وفي المروج، أنهَل من الخضرة وصفاء الجو ما لا تشبع عيناي منه أبدًا، ولا يشغل فكري شيء؛ فلقد انقضَت السنوات العشر وكانت حافلةً بما لم أحسب له حسابًا يومًا ما، وكنتُ قد تجاهلتُ مفكِّرتي ولم أعُد أسجِّل فيها شيئًا، بل وتجاهلتُ الكتابةَ للأصدقاء والاختلاطَ بالناس؛ فأنا عائدٌ إلى مصر وإلى اللغة العربية، وإلى مراتع الطفولة واليفوعة والسماء الزرقاء، وكان ذهني غير قادرٍ على استيعاب معنى الرحيل؛ فهو معنًى عسير لا يقل عُسرًا عن معنى الزمن، بل كان يبدو في طابعه القاطع مُحالًا بعد أن اعتدتُ تحوُّل الفصول ومعنى العودة ودورة الأيام. وأعتقد أن غرامي بتعبير دورة الزمن يرجع إلى ذلك الوعي العميق الذي اكتسبتُه من الحياة في الطبيعة ومعها.

قد يتوقَّف القارئ عند تعبير «طابعه القاطع» — وقد يكون محقًّا في توقُّفه؛ لأن الرحيل يعني الغياب، والغياب يعني الفِراق الذي هو صِنو الفَناء، بل إن بعضنا يستخدم التعبير كنايةً عن الموت، ولكن الرحيل الذي كنتُ بصدده كان لا يزيد في معناه عن الانتقال من مكانٍ إلى مكان مع عدم نفي إمكان العودة، بل كان الانتقال نفسُه يعني العودة إلى مكانٍ قديم وزمانٍ قديم، ولمَّا كانت العودة إلى الزمن القديم مُحالة، فقد خُيِّل لي أننا نُلقي بمعنى الزمن القديم على المستقبل حتى نُكسِبه معنًى، أو نُزيل بعضَ ما يكتنفُه من ظلال العَماء، بحيث نشعُر بدورة الزمن؛ فدورة الحياة من حولي تؤكِّد ذلك في الطبيعة التي يتجسَّد فيها إبداع الخالق المتجدد أبدًا، والذي ما انفَكَّ يتجلَّى في دوراتٍ متعاقبة يأخُذ بعضها برقاب بعض، ودَورة الروح في أعماقي ما فتئَت تدفع بالصور في دوائر، وما برحَت تؤكِّد التقاء المنبَع والمصَب؛ فمن حيث جئنا لا بد أن نعود، وما الرحيل إلا خطوةٌ واحدة من خطوات رحلتنا إلى الوجود المادي، ومن الوجود المادي إلى غيره من صور الوجود!

لم أكُن أتصوَّر أبدًا أنني لن أرجع إلى ذلك المكان مطلقًا بعد ذلك، وما أكثَر ما رأيتُني في الأحلام أزورُه وأتحدَّث مع مَن فيه! فلقد تحوَّل المكان في نفسي إلى واحةٍ دائمة الخضرة، أعتادُها في خيالي لأَبترِد من هجير حياتنا اللاهثة اللافحة، وتحوَّلَت بقعة المكان إلى بقعةٍ زمنية — كما يقول الشاعر — وتحوَّل كلُّ ما فيها إلى إحساسٍ صافٍ قد يخلو من الخطوط ومن الألوان، وقد يرقُّ فيصبح لطيفًا كالنسيم، لا يحمل أريجًا ولا يرنُّ بأي لحن، بل يصعَد مثل الطاقة المجرَّدة التي نعرف منها معنى الروح.

كنت في كل عام أسمع في شهر أبريل موسيقى باخ — وقِطعتُه الشهيرة عذابات السيد المسيح كما رواها القديس متَّى، التي أخذ منها عبد الوهاب موسيقى «إليها» — وكنتُ في كل عامٍ أهتَزُّ لسماعها وأَعِد نفسي بأن أحصُل على الأسطوانة، وها أنا ذا أرحل دون ما أردتُ، وكم كنتُ أنتظر سماع ألحان باخ الشجية، وخاصةً أنغام الأرغن التي تشبه ألحان الطبيعة التي تسبِّح للخالق جل وعلا، وكم دارت الأعوام وأنا أرسمُ لنفسي حياةً مع الموسيقى والشعر! وها أنا ذا أرحل دون شيء، في جيبي جنيهاتٌ معدودة، ونهاد تقول لي إنها سافَرَت في سبتمبر إلى السعودية للعمل في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، فأنا أعود إلى مصر وحدي، وبلا شيءٍ سوى الأحلام، وما أظُن أنني قد تعلمتُه، وأظُن أنه يكفي لبدايةٍ جديدة!

وفي يوم ١٧ سبتمبر صحِبَني توم هيتون إلى المطار حيث وزنتُ الحقيبة فأصَر موظَّف شركة مصر للطيران على أن أضع حقيبة يدي أيضًا، وكان فيها عددٌ من كتبي المفضَّلة، فاتضح أن الوزن أكثر من المسموح به، فقال لي لا بد أن تدفع ثمانين جنيهًا استرلينيًّا، وفي استسلام تامٍّ أخرجتُ النقود، وأنا أقول «فليكن»، ودفعتُ في صمت، ويبدو أنه دُهِش فلم يتكلم ووضع النقود في الدرج وأعطاني بطاقة الصعود إلى الطائرة.

جلستُ في الطائرة إلى جوار إبراهيم الشربيني — أمين عام مجلس الشعب — وزوجته، وعندما قلت لهما إنني دفعتُ ثمانين جنيهًا انزعجا وسألاني عدة أسئلة، وقطَعنا الوقت في الحديث، وعندما وصلَت الطائرة في نحو منتصف الليل، أمر المُضيف ركَّاب الدرجة السياحية أن يلزموا أماكنهم ريثما يهبط كبار المسافرين، ولمحتُ بينهم الدكتور عبد القادر حاتم، وصاح البعض: «كوسة! كوسة!» ولم أفهم، فسألتُ الأستاذ إبراهيم فقال لي إنها تعني «المحاباة»! ولم أعلِّق. لقد تغيَّرَت اللغة، ولا بد من بذل جهدٍ جديد لفهمها!

وفي المطار وجدتُ من يستقبلني عند باب الدخول من الطائرة، وكان أحد العسكريين الذي أرسلَه أحد أقاربي لمساعدتي في الخروج، وبذَل الشاب جهدًا حتى انتهى من ختم جواز السفر، وتفتيش الحقيبة بدقة، ثم الخروج حيث وجدتُ أخي مصطفى وصديق عمري أحمد السودة. لقد عُدتُ إلى مصر!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤