سيرة جلال الدين

١

تكايا المولوية لا تزال قائمة في مصر والشام، وكانت إلى عَهْدٍ قريب كثيرة في أرجاء تركيا، وكان لها عند القوم مكانة عظيمة، وكانت مشيخة الطريقة في قونية حيث عاش ومات صاحب الطريقة. وكان للشيخ — ويُسمَّى چَلَبي قونية — منزلة عند السلاطين العثمانيين، وجرت سنتهم أن يقلِّد الشيخ سيفَ عثمان من يتولى الملك من أبنائه، ونَشَّأت تكايا المولوية كثيرًا من كبار الصوفية، وأخرجت أدباء كبارًا، وكان لها آثار شتى في العالم الإسلامي.

المولويون ينتسبون إلى «مولانا» وهو جلال الدين الرومي الصوفي الشاعر العظيم صاحب «الكتاب المثنوي» الذائع الصيت، والعظيم الأثر في العالم الإسلامي الشرقي.

وقد رُوِيَ عن الشاعر الصوفي الكبير عبد الرحمن الجامي بيتان معناهما: «إن كنت عالمًا بأسرار المعرفة فدع اللفظ واقصد المعنى: إن المثنوي المعنوي المولوي هو القرآن في اللسان الفارسي. ماذا أقول في وصف هذا العظيم؟ لم يكن نبيًّا ولكنه أوتي الكتاب.»

وقد شُرح المثنوي كثيرًا بالتركية والفارسية والعربية، وطُبِعَ شرحه العربي في المطبعة الوهبيَّة سنة ١٢٨٩، كما طُبِعَ في بولاق الكتاب نفسه وترجمته التركية التي نظمها الشاعر نحيفي، ولا تزال هذه الطبعة أجمل طبعات المثنوي حتى يومنا، وفي آخر هذه الطبعة أبيات عربية لرئيس المصحِّحين آخرها:

وإن بدا كالبدر في كماله
وقد زها بالحسن طبعًا وضعُه
فصِحْ وقُلْ يا صاح في تاريخه:
«المثنوي قد أتم طبعه»

وحساب الشطر الأخير بالجُمَّل ١٢٦٨، وهو تاريخ الطبع. فقد أخرجت مطبعة بولاق أجمل طبعات المثنوي قبل سبع وتسعين سنة.

ولكن معرفة هذه البلاد بالمثنوي وصاحبه لم تزِد في هذا القرن الذي مضى بعد طبع الكتاب، إلا حين شرعت كلية الآداب تعلِّم الأدب الفارسي منذ عشرين عامًا، وقد زادت عنايتها بالآداب الفارسية وما فيها من التصوف، وبالآداب الشرقية الأخرى، فأنشئ منذ سنتين معهد اللغات الشرقية بكلية الآداب، والمثنوي يدرَّس اليوم لطلاب هذا المعهد.

وقد سبقَنا المستشرقون إلى العناية بجلال الدين وشعره، فتُرْجِمَ الكتاب إلى لغات أورُبيَّة عدة، وكان أكثر الغربيين عناية به مستشرقو الإنكليز، وقد بلغت هذه العناية غايتها بأعمال الأستاذ نكلسون الذي أتم أبحاثه الكثيرة في التصوف الإسلامي بترجمة المثنوي كله إلى الإنكليزية، وطبع الأصل الفارسي والترجمة.

٢

موضوع بحثي التعريفُ بجلال الدين الرومي، والتعريف بأثرَيْهِ الخالدَيْن: المثنوي والديوان. وتبيين مكانته في التصوف والشعر والآداب الإسلامية كلها.

والكلام قسمان: الأول: تاريخ جلال الدين وأسرته. والثاني: كتبه وآراؤه.

ذكر جلال الدين نفسه في المقدمة العربية التي صدَّر بها المثنوي فقال: «يقول العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة الله تعالى محمد بن محمد بن الحسين البلخي» لم يزد على هذا في تسمية نفسه وتسمية أبيه وجده، ويكاد الذين ترجموا لجلال الدين يُجمعون على أنه بَكري من ولد أبي بكر الصديق، ومنهم من يذكر سلسلة نسبه إلى أبي بكر، فيجعله محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمود بن مودود بن ثابت بن المسيب بن المطهر بن حماد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ويُروى عن شمس الأئمة الحلواني نسبة أخرى تصل جلال الدين بإبراهيم بن أدهم.

ولا أود أن أطيل الوقوف على هذا النسب، فليس يتسع المقام له، ولا أريد أن أشارك المتنازعين في نسبه من الفرس والترك كما تنازعوا في ابن سينا وغيره؛ فإن هذه العصبيات أبغض شيء إلى هؤلاء الكبراء الذين نؤرِّخ لهم، وخير ما يقال في جلال الدين وأمثاله ممن نشَّأتهم الحضارة الإسلامية وغذتهم بمعارفها أن يُنشَد قول الشاعر:

أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم

وبعض المؤلفين يذكر جدَّ جلال الدين باسم الحسين الخطيبي بن أحمد الخطيبي.

والذي لا يرتاب فيه الباحث أن مولانا من أسرة بلخية نابهة، وليس لدينا ما يدعو إلى الارتياب في اتصالها بالمصاهرة بملوك خوارزم، تزوج حسين جد جلال الدين ﻣﻠﻜﮥ جهان بنت علاء الدين تُكش خوارزمشاه (٥٦٨–٥٩٦ﻫ)، ويقول المغالون في تعظيم هذا البيت: إن هذا الزواج كان بأمر الرسول ، ولد من هذه الزيجة محمد بهاء الدين ولد، وهو والد جلال الدين، ويُروى أن الحسين أبا بهاء الدين توفِّي وابنه في الثانية من عمره، فلما كبر بهاء الدين وتصدَّى للتعليم والوعظ ذاع صيته وأقبل عليه الطلاب من كل صوب، حتى لُقِّبَ سلطان العلماء، ويروى أن رسول الله لقَّبه بهذا اللقب.

يتفق الرواة على أنه وقع نفور بين بهاء الدين وبين خاله ملك خوارزم محمد قطب الدين (٥٩٦–٦١٧)، وهو الملك الذي أثار التتارَ على البلاد الإسلامية من بعدُ، فذهبوا بملكه وترك لابنه جلال الدين مَنْكُبِرتِي مُلكًا في أيدي التتار جالَدَهُم عليه اثنتي عشرة سنة في المشرق والمغرب إلى أن قُتِلَ تاركًا على الخطوب سيرة لا تُمحى.

ويُعزى النفور الذي وقع بين سلطان العلماء وملك خوارزم إلى غَيرة الملك من مكانة الشيخ، ويقال: إن فخر الدين الرازي نفَّر السلطان منه، وكان فخر الدين يكره الصوفية، ويروى أن خوارزمشاه أرسل إلى بهاء الدين يقول: «يرى السلطان أن يترك ملكه لك ويذهب إلى بلاد أخرى.» فأجاب بهاء الدين: «إن الملك يستهزئ بنا ويأخذنا بكلام الحاسدين، ولسنا في حاجة إلى ملكه الذي يعرضه علينا، فليطمئن الملك، فسنذهب نحن.» ثم أمر بالإعداد للسفر، ولم يثنه عن السفر ندمُ السلطان ولا حزن العامة والمريدين، ثم رحل ومعه ثلاثمائة من تلاميذه، وحمل معه أحمالًا كثيرة من الكتب، وتوجَّه تلقاء بغداد سنة ٦٠٧، وابنه محمد جلال الدين في الرابعة من عمره، فلما مرَّ بنيسابور لقيه جماعة من العلماء منهم الصوفي الشاعر الكبير فريد الدين العطار، ويقال: إن العطار بشَّر بهاء الدين بمستقبل عظيم لابنه، وبارك على الطفل وأعطاه كتابه «إلاهي نامه» (وهي منظومة صوفية طويلة فيها زهاء ستة آلاف وخمسمائة بيت، وقد طبعت في استانبول منذ سنتين، نشرها الأستاذ ريتر).

واصل بهاء الدين ورفاقه السفر حتى بلغوا بغداد، فاستقبله جماعة من كبرائها وعلمائها فيهم الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي، وأنزلوه في المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة المستنصر بالله العباسي، ولا يزال كثيرٌ من أبنيتها قائمًا مشرفًا على دجلة، (والسُّهْرَوَرْدِيُّ الذي استقبل بهاء الدين ينبغي أن يكون أبا حفص عمر المتوفَّى سنة ٦٣٢، وأما السُّهْرَوَرْدِيُّ الكبير أبو النجيب فقد تُوُفِّيَ سنة ٥٦٣).

ولبث في بغداد حينًا يعظ ويعلِّم، ثم سار إلى الحجاز للحج ثم دمشق وحلب.

وكانت له بعدُ رحلات في بلاد الروم (الأناضول) وأرمينية، فأقام في أرزَنجان بأرمينية وفي مَلْطية مُدَدًا مختلفة، ثم انتقل إلى لارندة (قرمان)، فأقام سبع سنوات يدرس في المدرسة التي بناها الأمير موسى.

ثم دعاه السلطان علاء الدين السلجوقي (٦١٦–٦٣٤) إلى مدينة قونية حاضرة مُلكه، فرحل إليها سنة ٦٢٣، واستقر بها بعد رحلات استمرَّت زُهاء ستة عشر عامًا، وأقام في مدرسة أَلتونيا وعلم بها حتى تُوُفِّيَ ضحى يوم الجمعة لثماني عشرة خلون من ربيع الثاني سنة ٦٢٨.

٣

جلال الدين

وُلد جلال الدين في بلخ سادس ربيع الأول سنة ٦٠٤ﻫ، ورحل به أبوه وهو طفل في سن الرابعة، وصحبه في حله وترحاله، وتزوَّج في مدينة لارندة، وسِنُّه إحدى وعشرون، تزوج جوهر خاتون بنت لالا شرف الدين السمرقندي، ومن هذه الزيجة وُلِدَ له ابناه علاء الدين وسلطان ولد، ويظهر أن جوهر خاتون لم تعِشْ معه طويلًا، فتزوج بعد وفاتها أخرى عاشت بعده.

توفي سلطان العلماء بهاء الدين وعُمْرُ جلال أربعٌ وعشرون سنة، فخلَف أباه على درسه، فكيف درس جلال حتى تأهل لِأَنْ يخلف سلطان العلماء في هذه السن؟

لا ريب أن جلال الدين كان ذا مواهب نادرة، وأن مخايل الذكاء وأمارات التصوف بدت عليه في صباه، ويروى أنه كان مجدًّا في تحصيل العلم لا يفتُر في السفر والإقامة.

وأما شيوخه فأوَّلُهم أبوه، فلا ريب أن جلال الدين حضر درسه منذ أعدَّته السن للتلقي عنه، ويروى كذلك أنه تلقَّى العلم عن شيوخ في دمشق وحلب، وأنه أخذ التصوف عن برهان الدين الترمذي أحد أصحاب أبيه، وعن صلاح الدين زركوب وحسام الدين چلبي، ولا أعرف عن درسه وشيوخه أكثر من هذا.

تولى جلال الدرس في أربع مدارس في قونية وكثر طلابه، واستمر على نهج أبيه في درس العلوم الدينية بضع عشرة سنة، ثم كان حدَث غيَّر وجهة جلال وأثَّر في نفسه أثرًا بليغًا، ولست أستطيع تأرِيخَ هذا الحدث، ولكني أرجح أنه وقع وجلال الدين بين الخامسة والثلاثين والأربعين من عمره، وإن أرَّخَه بعض الرواة تأريخًا دقيقًا: ٢٦ جمادى الثانية سنة ٦٤٢.

ذلكم الحادث العجيب هو لقاء هذا الدرويش العجيب شمس الدين التبريزي، فلا بُدَّ من وقفة في هذه المرحلة من تاريخ مولانا، فعندها كان منعرَج الطريق.

٤

شمس الدين التبريزي

هو محمد بن علي بن ملك التبريزي، قيل: إن نسبه ينتهي إلى كيابُزُرك أُميد خليفة حسن الصباح شيخ الإسماعيلية، وكان أبو شمس الدين من الإسماعيلية فخالَفَهُم وأحرق كتبهم ودعا إلى الإسلام في قلاعهم، وأرسل ابنه شمس الدين إلى تبريز لتلقي العلم.

ويقال أيضًا: إنه وُلِدَ في تبريز، وكان أبوه بَزَّازًا بها.

وأخذ التصوف عن شيوخ في تبريز، وله سند في الطريقة يذكره بعض المؤرخين: منهم دولتشاه السمرقندي صاحب تذكرة الشعراء.

يقول دولتشاه: إن شمس الدين كان في صباه جميلًا رائعًا حتى رُبِّي بين النساء غَيْرَةً عليه، ثم كثرت سياحاته حتى لقب «پروانه» أي الفَراشة.

وكان قوي النفس، جريئًا مؤثِّرًا في سامعيه شديدًا عليهم، يلقب من يعظهم أحيانًا بالثيران والحمير، وكان قليل الدرس فيما يظهر، ولكن ثورة نفسه واعتقاده أنه ملهم كانا يسحران من يلقاه.

وقد وصفه الأستاذ نكلسون المستشرق الإنكليزي في مقدمة كتابه الذي سمَّاه «قصائد مختارة» من ديوان شمس تبريز، وبيَّن مشابهته سقراط في ثورته وقوَّته، وأن كلًّا منهما وجد من يعبِّرُ عن آرائه الخشنة بكلام بليغ رقيق.

ذلكم إجمال ما يُروَى عن هذا الصوفي العجيب الذي نقل جلال الدين من مدرس يعلم العلوم الدينية إلى صوفي منقطع للرياضة الصوفية، ونظم الشعر وسماع الموسيقى.

جاء شمس الدين إلى قونية ونزل في خان شَكَرريز، ويقال: إن شيخه ركن الدين أرسله إلى جلال الدين ليدخله في الطريق الصوفي.

وتُروَى قصص عن اللقاء الأول بين جلال وشمس، يراد بها تمثيل ما بين علماء الظاهر والصوفية من خلاف، وتبيين سرعة تحوُّل جلال الدين من هؤلاء إلى هؤلاء. وتأثيرُ شمس في جلال ونفوذُه إلى سرائره وتمكُّنه في قلبه لا يحتاج إلى بيان؛ فأشعار جلال الدين في المثنوي وفي ديوانه الذي سمَّاه ديوان شمس تبريز، فياضة بالحب والإجلال والمبالغة في إعظام شمس والإعجاب به، ولكن لا أحسب جلالًا تحوَّلَ طفرة واحدة من العلماء إلى الصوفية؛ فقد نشأ في بيت تصوف، وأخذ عن شيوخ الصوفية، ودل شعره على استعداد لها ومَيْلٍ إليها؛ فلم يكن لقاء شمس إياه إلا إثارة للشوق الذي في نفسه، وتأجيجًا للنار التي في فؤاده.

أخذ جلال الدين يهجر درسه ويأنس إلى التبريزي، ويخلو به ويسايره في المتنزهات، ورأى تلاميذ جلال الدين أن هذا الضيف العجيب أخذ يَسْتَبِدُّ بأستاذهم، ويصرفه عن سبيله، ويحيد به عن سنن العلماء؛ فثاروا بهذا الدرويش، واضطروه إلى أن يهرب من قونية إلى تبريز، ولكن جلال الدين لم يصبر عنه، فذهب إليه وأرجعه إلى قونية، ويقال: إنه خرج إلى دمشق أيضًا، فأرسل جلال الدين ولده فرجع به إلى قونية.

ثم تقع ثورة يختفي بعدها التبريزي وتنقطع أخباره، وتختلف الأحاديث في أمره، فيقال: إن شرطة السلطان قتلته، ويقال: قتله بعض تلاميذ جلال الدين، وشارك في قتله علاء الدين بن جلال الدين. ويقال: إن سلطان ولد الابن الثاني لجلال تقصَّى أخباره حتى أخرج جثته من بئر ودفنها.

وفي قونية اليوم مزار لشمس الدين مُشَيَّدٌ عليه قبة عالية، وكانت وفاة التبريزي فيما يظهر سنة ٦٤٥.

٥

شُغل جلال بالرياضة وشُغف باستماع الموسيقى والغناء ونظم الأشعار وإنشادها، وردَّدَ اسم شمس الدين في كثير منها، ونظم الكتاب المثنوي، واجتمع إليه المريدون فراضهم على طريقته التي عُرِفَتْ من بَعْدُ باسم المولوية.

واستمر على هذا إلى أن توفِّيَ مغرب يوم الأحد خامس جمادى الثانية سنة ٦٧٢، ودُفِنَ بجانب أبيه في القبة التي شادها له علاء الدين السلجوقي، ولا تزال قائمة في قونية، وقد زاد عليها سلاطين العثمانيين أبنية اتُّخِذَتْ تكية للمولوية على الشكل الذي يُرى اليوم في قونية.

وكان جلال الدين رحمه الله معتدِلَ القامة، ليس بالبادن ولا النحيف، وجهه مشرب بحمرة، ثم نحُف ومال لونه إلى الصُّفْرَة بطول المجاهدة.

وترك ابنَه سلطان ولد صاحب الأثر المحمود في الأدب التركي العثماني.

وخلف مولانا في مشيخة الطريقة إنفاذًا لوصيته خدينه ونجيِّه حسام الدين چلبي، حتى توفي سنة ٦٨٣، فخلَفه سلطان ولد إلى أن توفي سنة ٧١٢، وتداول حفدة الشيخ المشيخة، وكل منهم يسمى چلبي قونية، إلى أن فعل الكماليون ما فعلوا بالطرق والتكايا، وتكية قونية اليوم متحف فيه بعض مخلَّفات جلال الدين وحفدته وبعض الكتب، وقد زرتُها سنة ١٣٥٥ﻫ ووصفتها في كتاب الرحلات.

٦

المثنوي والديوان

ترك جلال الدين أثريه الخالدين على الدهر: المثنوي والديوان، وتنسب إليه رسالة منثورة اسمها «فيه ما فيه»، ومنها نسخ في مكتبات استانبول.

فأما المثنوي فمنظومة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي خمسة وعشرين ألفًا وسبعمائة بيت، في ستة أجزاء، والجزء السابع الذي تشتمل عليه بعض نسخ الكتاب منحول لا يشبه كلام جلال الدين، والمؤلِّف نفسه يقول في مقدمة الجزء السادس مخاطبًا حسام الدين چلبي:

بيشكش مي آرمت اي معنوي
قسم سادس در تمام مثنوي
شش جهت رانورده زين شش صحف
كي يطوف حوله من لم يطف١

وقد خلت من الجزء السابع النسخ القديمة. وكتب سلطان ولد ابن جلال الدين خاتمة الكتاب عقب الجزء السادس.

وقد سمَّى الرومي كتابه «المثنوي»، وهو اسم هذا الضرب من القافية التي تُسَمَّى في العربية المزدوج، سماه هذه التسمية اللفظية كما سمى أبو العلاء كتابه اللزوميات باسم لفظي محض.

وأما تاريخ نظم المثنوي، فيحدِّثنا الناظم في مقدمة الجزء الثاني أن نظم المثنوي تأخر مدة لغياب حسام الدين، وأنه يستأنف النَّظْم سنة ٦٦٢، وقد استمر ينظم الأجزاء الخمسة حتى توفي سنة ٦٧٢؛ فيكون لكل جزء سنتان، فإذا قدرنا أن الفترة بين الجزأين الأول والثاني كانت سنتين كما يُرْوَى، وأن الجزء الأول نُظِمَ في سنتين، فقد بدأ الشاعر الصوفي ينظم منظومته الخالدة سنة ٦٥٨ من الهجرة وسِنُّهُ ٥٤ سنة.

٧

حسام الدين والمثنوي
يقول جلال الدين في المقدمة العربية التي صدَّر بها الجزء الأول: إنه نظم الكتاب بدعوة من صديقه حسام الدين چلبي، ويكرر هذا في أول كل جزء، معلنًا أن حسام الدين يوحي إليه نظم الكتاب، وأنه يسير فيه ببركة هذا الرجل وهِمَّتِهِ وتشويقه، ويكفي أن نعرف أنه ترك النظم حين غاب حسام الدين في الفترة بين الجزأين الأول والثاني، وأنه سمَّى الكتاب في فاتحة الجزء السادس «حسامي نامه».٢

كان جلال يملي وحسام يكتب، وكانا أحيانًا يقطعان الليل كله إنشاءً وكتابة. تدل على هذا الروايات وفصول من المثنوي نفسه.

فمكانة حسام الدين من المثنوي تشبه بعض الشَّبَه مكانة شمس الدين التبريزي في الديوان.

وانظر ماذا يقول في مقدمة الجزء الأول في صفة حسام الدين ومكانته عنده.

المثنوي

قسَّمَ جلال الدين كتابه الذي سماه المثنوي ستة أقسام، وصدر كل قسم بمقدمة منثورة قصيرة، من هذه المقدمات الست ثلاثٌ عربية هي مقدمات الأجزاء الأول والثالث والرابع، والأخريات فارسية.

فأما مقدمة الجزء الأول، وهي مقدمة الكتاب كله، فقد وصف فيها كتابه وبالَغَ في الإشادة به، ثم بيَّن دعوة صديقه حسام الدين إياه إلى نظم الكتاب، وأشاد بحسام الدين وبيته.

ونثبت هنا شذرات من قوله في كتابه، ليتبين اعتداده به ومغالاته فيه، بدأ الكتاب بقوله: «هذا كتاب المثنوي، وهو أصول أصول أصول الدين في كشف أسرار الوصول واليقين، وهو فقه الله الأكبر، وشرع الله الأزهر، وبرهان الله الأظهر، مَثَلُ نُورِهِ كمشكاة فيها مصباح، يشرق إشراقًا أَنْوَرَ من الإصباح، وهو جِنان الجَنان، ذوات العيون والأغصان، منها عين تُسَمَّى عند أبناء هذا السبيل سلسبيلَا، وعند أصحاب المقامات والكرامات خيرٌ مقامًا وأحسن مقيلَا. الأبرار فيه يأكلون ويشربون، والأحرار منه يفرحون ويطربون، وهو كنيل مصر شرابٌ للصابرين، وحسرة على آل فرعون والكافرين، كما قال الله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ. وإنه شفاء الصدور، وجلاء الأحزان، وكشَّاف القرآن، وسعةُ الأرزاق، وتطييبُ الأخلاق بأيدي سَفَرة كرام بررة، يمنعون بألَّا يمسَّه إلا المطهرون، تنزيلٌ من رب العالمين لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، والله يرصده ويرقبه، وهو خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين، وله ألقاب أُخَرَ لقَّبه الله تعالى بها، واقتصرنا على هذا القليل، والقليلُ يدل على الكثير، والجرعة تدل على الغدير، والحفنة تدل على البيدر الكبير.»

وأما المقدمات الأُخَر فبعضُها وصف للكتاب، ونصيحة للطلاب. وقد بيَّن في مقدمة الجزء الثاني الحكمة في تأخير نَظْمِهِ بعد الفراغ من الجزء الأول، وفي مقدمة الجزء الخامس بيَّن الفرق بين الشريعة والطريقة والحقيقة.

٨

والذي يلقي نظرة على فهرس الكتاب يرى ألوانًا مختلفة من الآيات والأحاديث والحكم والقصص، وإليكم هذا المثال من فهرس الجزء الأول: تفسير رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، مجيء رسول الروم إلى عمر، إضافة آدم عليه السلام الذلة إلى نفسه، سؤال سبب ابتلاء الروح، قصة الببغاء والتاجر، تفسير بيت العطار … إلخ، تعظيم السحرة موسى حين رمى العصا، بيان حديث إن سعدًا لغيور … إلخ، مَضَرَّة تعظيم الخلق والشهرة، تفسير ما شاء الله كان، قصة الزامر الهرم الذي ذهب يزمر حِسْبة في المقابر، حديث إن لربكم في أيام دهركم نفحات.

وفصول الكتاب لا يستقل بعضها عن بعض، بل يؤدي الاستطراد من واحد إلى الآخر. وربما يبدأ القصة ثم يستطرد إلى قصة أخرى ثم يرجع ليكمل الأولى، وهو يأخذ القصة القصيرة يجعلها وسيلة إلى بيان مقاصِدِه ويطول به البيان حتى يدع حوادث القصة ضئيلة خفيَّة بجانب البيان أو الحوار الذي يبتغيه، ومن أجل هذا يتبين القارئ ضعفًا في القصص أحيانًا أو اختلالًا، وأنَّى يبالي جلال الدين في استغراقه ووجده وهُيَامِه بإحكام القَصص والعناية بصُوره؟

وهو قوي البيان فيَّاض الخيال بارع التصوير، يوضِّح المعنى الواحد في صور مختلفة، ويسوق المثل إثر المثل، والمعاني تأتيه أرسالًا، والألفاظ تواتيه انثيالًا، وبحر الرمَل يطاوعه رهوًا مسترسلًا، حتى ينظم حول القصة الصغيرة القصيرة مئات الأبيات، فيستخرج منها، ويصل بها ما يشاء من الآراء والنصائح والعظات والعبر؛ فقصة الأسد والوحوش والأرنب التي أهلكته من قصص كليلة ودمنة، نظم فيها زهاء خمسمائة بيت، وهي مترجمة في هذه الفصول، وقصة الببغاء والتاجر نظم فيها نحو ثلاثمائة بيت، وهي قصة قصيرة ترجمتها منظومة في هذه الفصول أيضًا … إلخ.

وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، ومستغرق فيه، فكل شيء يذكِّر به وكل فكر يؤدِّي إليه؛ فتراه يبتدئ القصة التي تحسبها بعيدة كل البُعد عن العشق والاستغراق والفناء، فإذا هو ينتهي إلى هذه المعاني ويغوص فيها، ذلكم مُراده مهما يَقُل، وتلكم قِبلته أنَّى توجه، وغاية تصريحه وكنايته، وهو في عبوسه يُكِنُّ السرور به، وفي صمته يكثر القول فيه، وإذا نفى فإنها يثبته. يقول:
أنا غريق العشق الذي غرق فيه عشق الأولين والآخرين. إذا ذكرتُ الشفة فهي شفة البحر (حافة البحر)،٣ وإذا قلت لا فإنما مرادي إلَّا.

من السرور جلست عَبوسًا، ومن كثرة المقال قعدت صَموتًا.

بل إذا فكر في القافية وهو مستغرق في النظم نقله هذا الشاغل اللفظي إلى الحبيب المقصود، فبينا نراه في قصة التاجر والببغاء ماضيًا في بيانه إذا هو يقول:

أفكر في القافية وحبيبي يقول: لا تفكر إلا في رؤيتي. اطمئن أيها المفكر في القافية فأنت قافية السعادة أمامي. ما الحرف فتفكر فيه؟ إنه الشوق في جدار البستان! إني أمحق القول والحرف والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث، أفشي إليك السر الذي أخفيته عن آدم يا سر العالم … إلخ.

وكل هذا البيان، وكل هذا الفيض، وهذه الحُرقة، وهذا الوجد، يقصر عن تبيين ما في نفسه، فيشكو هذا القصور بين الحين والحين، ويقف حائرًا صائحًا: إنَّ الذي أحسه وراء الصوت والحرف بل وراء الأسماع والأفهام.

مجملش كفتم نه كردم من بيان
ورنه هم أفهام سوزد هم بهان

قد أجملت وإلا احترقت الأفهام واحترق البيان.

٩

ولصاحب المثنوي مهارة وبراعة في تضمين الآيات والأحاديث والملاءمة بينها وبين الوزن بتغيير يسير، مثل قوله:

وز ملك هم بايدم جستن زجو
«كل شيء هالكِ إلَّا وجهه»
بس عدم كردم عدم چون ارغنون
گويدم: «إنا إليه راجعون»

وقوله في حديث الشيطان في غزوة بدر:

كه أخاف الله ما لي منه عون
اذهبوا إني أرى ما لا ترون

وقوله في فاتحة المثنوي:

عشق جان طور آمد عاشقا
طورمست «وخر موسى صعقا»

ومن تضمين الأحاديث:

كوش من «لا يلدغ المؤمن» شنيد
قول بيغمبر بجان ودل كزيد
رمز «الكاسب حبيب الله» شنو
أز توكل در سبب كاهل مشو

١٠

ويتخلل بعض فصول المثنوي أحيانًا أشطار وأبيات عربية خالصة، ولا يخلو فصل من هذا الضرب، ويندر أن يتوالى بيتان أو ثلاثة.

ومن أمثلة الأبيات المفردة والشطور:

جملة كفتند أي حكيم باخبر
الحذر دع؛ ليس يُغني من قدر
تاتواني دم مزن اندر فراق
أبغض الأشياء عندي الطلاق
وادخلوا الأبيات من أبوابها
واطلبوا الأغراض في أسبابها

ومن الأمثلة القليلة ما جاء في الجزء الثالث أثناء قصة وكيل صدر بخارى:

غنِّ لي يا مُنيتي لحن النشور
ابركي يا ناقتي تم السرور
ابلعي يا أرض دمعي قد كفى
اشربي يا نفس وِردًا قد صفا
عدتَ يا عيدي إلينا مرحبَا
نِعْمَ ما رَوَّحْتِ يا ريح الصبا

١١

وقد افتتح الكتاب بحديث الناي ووصفه مبينًا عن أثره في نفسه، فجعل للناي بين المولوية مكانة وحُرمة، وقد تُرجمت هذه الفاتحة إلى الإنكليزية باسم «أغنية الناي».

وترجمتُها إلى العربية منذ سنين، وهي خمسة وثلاثون بيتًا وهي:

استمع للناي غنَّى وحكى
شفَّه البين طويلًا فشكا
مُذْ نأى الغلبُ وكان الوطنا
ملأ الناسَ أنيني شجَنا
أين صدرٌ من فراقٍ مُزِّقَا
كي أبث الوجد فيه حُرَقَا
من تُشَرِّده النوى عن أصله
يبتغي الرُّجعى لمَغْنَى وصله
كل نادٍ قد رآني نادبَا
كل قوم تَخِذوني صاحبَا
ظن كلٌّ أنني نعم السمير
ليس يُدرَى أيُّ سر في الضمير
إنَّ سرِّي في أنيني قد ظهر
غير أن الأُذْنَ كَلَّتْ والبصر
ليسَ بين الروح والجسم حُجُبْ
غير أن الروح عَنَّا تحتجب
إن صوت الناي نارٌ لا هواء
كل من لم يَصْلَهَا فهو هباء
هي نار العشق في الناي تثورْ
وهي نار العشق في الخمر تفور
آنست هجراتنا أصواتُه
مزَّقت أستارنا نغماتُه
من رأى كالناي سمًّا ودواءْ؟
من رأى كالناي غمًّا وعزاءْ
حدَّث النايُ بأهوال الطريق
وعن المجنون صبًّا لا يفيق
أهل هذا الحسِّ من لا حسَّ لهْ
أرهفِ السمع لهذي المعضلةْ
حارت الأيام في آلامنا
ليس إلا النار في أيامنا
فدَعِ الأيام يذهبن فدَى
وابق يا من أنت للقلب هُدَى
كل ظمآن سوى الحوت ارتوى
من يفته الزاد أعياه المدى
ما درى الخالي بحال المستهام
فلأقصِّرْ من بياني والسلام
اقطع القيد، تحرر يا فتى!
يا أسيرًا للهوى! حتى متى؟
إن تصبَّ البحر في كوز فهل
فيه إلا شِرب يوم أو أقل
إنَّ عين الحرص ليست تُملأ
ويحها مطروفة لا تَرقأ
صدفُ البحر، تأمل واسمع
لا يحوز الدرَّ ما لم يَقنع
من يمزق ثوبه العشقُ صفا
وزكا كالدرِّ خلَّى الصدفا
مرحبًا يا عشق يا خير أمل
يا طبيب النفس من كل العلل
يا دواء منه تسمو روحنا
أنت جالينوس أو أفلاطُنَا٤
ومن العشق، وأنَّى يُحمل
رقص الطودُ وخفَّ الجبل
عشق الطور أجل قد عشقا
فهوى إذ «خرَّ موسى صعقا»
لو تسنَّى من صديق لي فم
قلت كالناي حديثًا أكتم
من يفارقْه نجيٌّ يَفهم
فهْوَ — مع ألف لسان — أبكم
صمتَ البلبلُ عن ألحانه
حين غاب الورد عن بستانه
ميْتٌ العاشق والمعشوق حي
كلٌّ المعشوق والعاشق فَي٥
هو إن لم يُقدَر العشق له
طائر حُصَّ جناحًا ويله
كيف أدري ما ورائي وأمامْ
دون نور من حبيبي في الظلامْ
كم بصدري من معانٍ غاليَهْ
لكن المرآة ليست حاكيَهْ
إن مرآتك غامت دنَسا
صدأ الطبع عليها طمسَا

١٢

الديوان

وأما الديوان الذي سماه ديوان شمس تبريز وعُرِفَ باسم ديوان شمس الدين التبريزي ففَنٌّ آخر من النظام، هو قصائد متفرقة، كل واحدة مستقلة عن الأخريات، أعني أنها نظمت للإبانة عمَّا جال في ضمير الشاعر حين نظمها، واختير لها وزن خاص وقافية، ولم يُرِدْ أن تكون مقدمة لمنظومة أخرى أو مكمِّلة لها، وإن كانت المعاني متشابهة متقاربة أو متماثلة، وهي فيض في العشق والفناء وغيرها من المطالب العالية في نحو ستة وأربعين ألف بيت.

الفرق بين المثنوي والديوان أن الأول منظومة واحدة في وزن واحد وضرب واحد من التقفية، وفيها تعليم بَين تفسير آية وشرح قصة وضرب مثل، وإن كان هذا كله متصلًا بمقصده الأخير: حب الله والفناء فيه، فجلال الدين في المثنوي أستاذ معلم مختلف الأساليب، يخاطب وينصح ويعِظ، وينتقل بتلاميذه من فَنٍّ إلى آخر، ويغلبه الوجد بين الحين والحين فيرتمي في البحر الذي لا يعرف سابحه أو غريقه ساحلًا.

وأما الديوان فهو كما أسلفنا قصائد قصيرة يغلب فيها فورة الشعر وخياله، فهو من هذه الناحية أعلى من المثنوي وأدق، وأدخل في الشعر.

ويكثر فيه الرمز، ويجود فيه التصوير، ويُعنَى كذلك بالصناعة اللفظية أحيانًا، ويردف القافية ويلتزم ما لا يلزم.

على حين يظهر في المثنوي كثيرًا أثر الإملاء المرتجَل والثورة التي لا تتريث للترتيب والإحكام.

١٣

وهذا مثال من الديوان يبين ما يكثر فيه من الرموز والإشارات من القصيدة التي مطلعها:

إين خانه كه بيوسته درو بانك جغانست
أز خواجه بپرسيد كه اين خانه چه خانست؟

… إلخ.

هذه الدار التي لا تفتر فيها الألحان سل ربها أي دار هذه! إن كانت الكعبة فما صورة الصنم هذه؟ وإن كانت ديرَ المجوس فما هذا النور الإلهي؟ في هذه الدار كنز يضيق به العالم، وإنما هذه الدار وهذا السيد (رب الدار) فعل وذريعة. لا تضع على الدار يدًا فما هي إلا طلسم، ولا تكلم السيد فقد أفنى الليل سكرًا. تراب هذه الدار وقمامتها مسك وعنبر وعطر. كل سطحها وبابها شعر وألحان. فمن وجد سبيلًا فيها فهو سلطان الأرض وسليمان الزمان.

أيها السيد أطلّ علينا من الشرفة مرّة فان في خدك الجميل أمارة من الإقبال.

أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك — ولو كان مُلك العالم — خيال وخرافة. تحير البستان أي ورق وأي زهر! وولهت الطير أي شبَك وأي حَب!

هذا سيد الفلك كالزهرة والقمر، وهذي دار العشق لا حدَّ لها ولا نهاية.

حينما أخذت مرآة الروح صورتك في القلب تدلت في القلب طُرَّتُك كالمشط.

إن سكارى الله واحد وإن كانوا ألوفًا، وإن يكن من سكارى الهوى واحد فهو اثنان. اقتحِم غاب الأسد ولا تخش الجراح؛ فإن الخشية والخوف ليسا من الرجولة.

ليس هناك جراح. كل ما هناك رحمة ومحبة، ولكن وهمك حجاب خلف الباب.

لا تُضْرِمِ النار في الغابة واصمت أيها القلب، أمسك لسانك فإنه لسان النار.

١٤

آراء جلال الدين
شرح جلال الدين آراءه في المسائل الفلسفية والصوفية والدينية والأخلاقية في أكثر من اثنين وسبعين ألف بيت، في المثنوي والديوان. ويتعذر على الباحث أن يُجمل آراءه ولو في المسائل الكبرى؛ فإن مسألة واحدة منها تحتاج إلى فصل أو أكثر، فقصارى المتكلم في مثل هذا المقام أن يعرض أمثلة من قوله في بعض المسائل، وأنا أعرض بعض أقواله في الروح وصلتها بالله، وحنينها الدائم إلى موطنها الأول، وفي تطور الموجودات وفنائها في الله، ثم أعرض ناحية من فلسفته العملية فأبين رأيه في القضاء والقدر، والعمل في هذه الحياة. وأنا في هذا أعرض صورة واحدة من صور شتى لمسائل قليلة من مسائل كثيرة جدًّا:

الروح من عالم آخر امتحنت بهذا السجن الأرضي، وهي تسمع النداء من تلك الديار كل حين.

يقول في الديوان:

كل حين نسمع صوت العشق من يمين وشمال. ها نحن أولاء ذاهبين إلى الفلك، فمن يريد تسريح النظر؟

كنا من قبلُ في الفلك، كنا أصدقاء المَلك، وهنالك نعود فتلك ديارنا.

والحق أننا أعلى من الفلك، وأننا أكبر من الملك، فلماذا لا نجتاز هذين؟ ألا إن منزلنا الكبرياء.

أين عالم التراب؟ وأين الجوهر الطاهر؟ قد هبطنا وسنرجع فما هذا لنا بمقام.

الخدُّ الناضر رفيقنا، وبذل الروح عملنا، ودليل قافلتنا فخر العالم المصطفى.

عَرْف هذا النسيم من ثنايا طرته، ولألاء هذا الخيال من ضحى غرَّته.

قد انشق القمر من وجهه، فلم يستطع رؤيته؛ سعد القمر بهذا الجَد وهو السائل الصغير، فانظر في قلوبنا كل لحظة شق القمر …

جاء موج «ألست»٦ فحطم سفينة القالب (البدن) وإذا حطمت السفينة فهذه نوبة اللقاء.

الخلق كطير الماء، خُلِقُوا من بحر الروح، وكيف يسكن إلى المقام هنا طائر ارتفع من ذلك اليم؟

بل نحن دُرٌّ من ذلك البحر، كلنا حاضر فيه، وإلا فما هذا الموج المتتابع من أرواحنا؟ إنه وصل اللقاء، إنه حِسُّ البقاء، إنه اللطف والعطاء، بحر صفاء في صفاء.

ارتفع موج العطاء، وسمع زخير البحر. تنفس صبح السعادة. لا، إنه نور الله.

الفناء في الله

وهو يتحدث كثيرًا كما يتحدث كبار الصوفية عن فناء الإنسان، ويتكلم عن زوال الاثنينية، وامِّحاء أنا وأنت، وهي فكرة شائعة في شعر ابن الفارض وغيره، ولكن جلال الدين يذكر فناء العالم في الله سبحانه في صورة أخرى: يرى أن العالم يرقى إلى الله، حائلًا من جماد إلى نبات إلى حيوان فإنسان فملَك، ثم يفنى في الله، وقد ذكر بعض الصوفية كعبد الكريم الجيلي صاحب «الإنسان الكامل» ما يؤخذ منه أن الإنسان صلة العالم كله بالله، وهي فكرة جلال الدين في شكل آخر.

كرر هذا القول جلال الدين في المثنوي والديوان، يقول في قصة وكيل صدر بخارى في الجزء الثالث من المثنوي على لسان العاشق الذي لا يبالي بالموت:

أز جمادي مردم ونامي شدم … إلخ.

صرت، إذ متُّ جمادًا ناميَا
متُّ نبتًا صرت حيًّا ساعيَا
متُّ حيوانَ إذا بي بشر
كيف أخشى الموت ماذا أحذر
ثم أغدو مائتًا بين البشر
طائرًا في مَلَك لا أستقر
ليس لي إلا مسيرٌ نحوه
كل شيء هالكِ إلا وجهُهُ
ثم أسمو طائرًا فوق المَلك
ذاك فوق الوهم لا يخطر لك
ثم أفنى والفنا كالأرغنون
منشدي: إنا إليه راجعون

وقد كرر هذا في الديوان في القصيدة التي أولها:

هرنقش راكه ديدي جنسش زلامكانست
كَرنقش رفت غم نيست أصلش چو جاودانست
قال:

قد وضع أمامك منذ جئت عالم الوجود سُلَّم للخلاص، كنت جمادًا فصرت نباتًا، ثم صرت حيوانًا، كيف خفي هذا عليك؟

ثم صرت إنسانًا ذا عقل وعلم وإيمان، فانظر أي زهرة صار هذا الجسم الترابي؟

وإذا جاوزت الإنسان تصير — ولا ريب — ملَكًا، فتترك هذه الأرض إلى السماء.

جاوِزِ الملكية أيضًا، وادخل ذلك اليم لتصير قطرتك بحرًا هو مائة بحر.

القضاء والقدر

وأما القضاء والقدر فجلال الدين يذهب فيه إلى الاختيار ويشتد على الجبرية:

اين چنين وآن چنان فردا كنم
أين دليل اختيار ست أي صنم
قولك افعل هذا وذاك غدا دليل الاختيار أيها الصنم.

وقد حكى في الجزء الأول قصة الوحوش والأسد التي في كليلة ودمنة، فبدأها بمحاورة بين الأسد والوحوش في الجبر والاختيار وانتهى بالمحاورة إلى ترجيح الاختيار. وهذه القصة مترجمة في الفصول الآتية.

تتجلَّى عظمة جلال الدين في المناداة بالاختيار، وحفز الناس إلى العمل والمسير قُدُمًا، بل هو يرى أن الحياة جهاد مستمر لا ينبغي أن يسكن المجاهد فيها ساعة.

يقول في المثنوي في قصة التاجر والببغاء:

الغريق يجهد نفسه ويضرب يده على كل عشبة لعلها تنقذه من الخطر.

والحبيب (الله) يحب هذا الاضطراب، وإن الجهد الذاهب سدى خير من النوم.

إن الملك نفسه ليس فارغًا من العمل، ولهذا قال الرحمن: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. اكدح في هذا الطريق واجهد، ولا تفرغ ساعة، حتى الساعة الأخيرة.

والألم عنده وسيلة اللذة، والبكاء سبب الضحك: «كيف يضحك المرج إذا لم يَبْكِ الربيع؟ وكيف ينال الطفل اللبن بغير بكاء» والعناء أحرى، والكد أنفع. ورجل الطريق أو رجل الله يلقى الخير والشر واللذة والألم راضيًا مقدمًا موقنًا أنه بالألم يكمل ويرقى حتى يبلغ غايته. يقول في المثنوي:

إن مكروهه محبوب في نفسي. فدًى روحي للحبيب المعذِّب قلبي، أنا عاشق نصبه وألمه. إنني أكحل عيني بتراب الغم ليمتلئ بحر العينين بالجواهر. إن الدموع التي تمطرها العين في سبيله جوهر يحسبه الناس دمعًا.

ويقول:

ذاك المكروه الذي يصيبني به غاضبًا أكثر إطرابًا من الرباب، يا من جفاؤه أحسن من السعادة، وانتقامه أحب من الروح، هذه نارك فكيف نورك؟ وهذا مأتمك فكيف العرس؟ أنوح وأخشى أن يستمع لنواحي فيخفف عني هذه الشدة كرمًا، إنني عاشق قهره ولطفه، فاعجب لعاشق الضدين. واللهِ لئن جاوَزْنَ هذا الشوك إلى البستان لأنوحنَّ نواح البلبل. اعجب لبلبل يفتح فاه ليأكل الشوك والورد! أي بلبل هذا؟ إنه تنين ناري يحبب إليه العشق كل مكروه، هو عاشق الكل وهو الكل نفسه، هو عاشق نفسه وطالب عشق نفسه.

بل يرى أنَّ هذا النواح من الأرواح المجاهدة مناجاة دائمة ورقي مستمر يقول:

حين ينوح بغير شكوى ولا شكر، تضج له السموات السبع. له كل حين مائة نوحة، ومن الله مائة رسالة. منه يا رب مرة، ومن اللهِ سبعون لبيك. وله كل لحظة معراج خاص، ولرأسه مائة تاج خاص. صورته على الأرض، وروحه في لا مكان، لا مكان لا يدركه وهم السالكين.

تلكم قطرة من بحر جلال الدين، وشرارة من ناره، وبصيص من نوره. ومثل هذا الفيلسوف ينبغي أن تذاع فلسفته، لقد أثرت هذه الفلسفة الإسلامية في رجل من رجال عصرنا فجعلته شاعر القوة والحياة في الهند، وحسبه الناس سائرًا على أثر فلاسفة أوربا ولكنه قال عن نفسه: إنه أثر من جلال الدين، فما أجدر جلالًا أن يخرج للمسلمين في كل جيل مثل شاعر الهند محمد إقبال.

هوامش

(١) أهدى إليك القسم السادس في تمام المثنوي فأضيء الجهات الست من هذه الصحف الست … إلخ.
(٢)
كشت أز جذب چو تو علامه اي
در جهان كردان حسامي نامه اي
(٣) كلمة لب بالفارسية تدل على شفة الإنسان وعلى شاطئ البحر.
(٤) يعني أفلاطوننا فاختصرت أفلاطون إلى أفلاط وأضيفت إلى نون المتكلمين.
(٥) الأصل والعاشق ستر أو حجاب.
(٦) إشارة إلى الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠