الصيدلة عند الفراعنة

وصلت الصيدلة أيام الفراعنة شأوًا عظيمًا، وقد دلت قراطيسهم البردية القديمة على أن القساوسة الأطباء كانوا يرسلون وصفاتهم إلى القساوسة الصيادلة بمعابد «إيزيس»، وهؤلاء الذين لدرايتهم بالأرواح التي تسكن النباتات الطبية — كما كان الناس يعتقدون في تلك الأيام — كانوا يقومون بتحضير الدواء وما يلزم أثناء ذلك من الشعائر الدينية والتعاويذ السحرية.

وقد كانوا يكتبون وصفاتهم مبينة بها العناصر باللون الأسود غالبًا، وأمامها المقادير باللون الأحمر، وقد بلغ الإتقان بهم أن استعملوا الكسور الدقيقة في تحديد مقادير مثل ١ / ١٦، ١ / ٣٢، ١ / ٦٤، من الوحدة المستعملة في ذلك الوقت.

وأهم المراجع لدراسة تاريخ الصيدلة والدواء عند قدماء المصريين ما يأتي:
  • أولًا: ما ورد في التوراة عن عقاقير الفراعنة، وفي ذلك الباب كثير من الأدلة: منها ما جاء في سفر أرميا إذ يقول: «يا عذراء بنت مصر باطلًا تكثرين العقاقير لا رفادة لك»، وفي ذلك ما يدل دلالة واضحة على أن المصريين كانوا يستعملون الأدوية والعقاقير بكثرة.
  • ثانيًا: أقوال المؤرخين القدماء وهي كثيرة جدًّا وأهمها ما أورده هيرودوتس خاصًّا بالعقاقير في مصر، ومنها قوله: «إن مصر بلدة خصبة تُخرج أرضها عقاقير كثيرة لا يمكن إحصاؤها.»
  • ثالثًا: آثارهم المحفورة والمكتوبة، وأهمها أوراق البردي المسماة بالقراطيس، وكذلك اللوحة المحفوظة بالمتحف البريطاني تحت رقم ١٠٠٥٩، والتي يرجع تاريخها إلى عصر الملك خوفو؛ أي: منذ ٣٧٠٠ سنة تقريبًا.
  • رابعًا: آثار الدول المجاورة الخاصة بعلم العقاقير والتي اصطبغت بالطابع الفرعوني القديم، مما يدل على أنهم أخذوها عن المصريين القدماء.

ويروي بعض المؤرخين عنهم أنهم كانوا يُلقون ذوي الأمراض المستعصية في الشوارع، حتى إذا مر بهم من اعترته هذه العلة وشفي منها بعلاج، سواء استعمله بنفسه أو استوصفه من غيره أنبأهم به فجربوه، حتى إذا ما شفي به المريض كتبوا اسمه ومنفعته في لوحة خاصة، وعلقوه على جدران معابد آلهتهم، وبهذه الطريقة بدأت فكرة «دساتير الأدوية».

وقد روى بلينوس أنهم مبتدعو فن الشفاء ومكتشفو خواص العقاقير، وأن ما اكتشفته إيزيس من الأدوية والعقاقير والتركيبات المختلفة لتخفيف متاعب آلام الإله رع، كان أساس الصيدلة المصرية القديمة وكنز صيادلة الفراعنة.

وقد قال هيرودوتس: «إن المصريين كانوا يتعاطون الطب والصيدلة بتعقل، فلم يكن أحد من هؤلاء يتدخل في غير ما تخصص له، وكانوا جميعًا قساوسة»!

وكان قدماء المصرين يقدسون النباتات وخصوصًا الطبي منها؛ ولذلك كانوا ينسبونها إلى الآلهة، فكانوا يسمون اللبلاب نبات أوزيرس، والبربانة Vervain دموع إيزيس، والزعفران دم توت، وبصل العنصل عيون تيفون.

وقد استعملوا كثيرًا من العقاقير التي لا يمكن أن تكون من حاصلات مصرية؛ مما يدل على اهتمامهم بالعقاقير الطبية.

وكان صيادلة قدماء المصريين على دراية تامة بطرق تحضير المنقوعات أو المغليات أو المحاليل واللبخ والمراهم والحبوب اللامعة وغيرها، وقد استعملوا آنيتهم من الحجر والخشب والزجاج، وأجهدوا أنفسهم في البحث لاكتشاف حجر الفلاسفة وإكسير الحياة.

وطبيعي أن يكون تقدم الصيدلة عندهم سابقًا لتقدم الجراحة بحكم عقائدهم الدينية بخلود الروح وتقديس الجسد وحفظه ووجوب بقائه حتى ترجع إليه، وبحث صيادلتهم المتوالي لحفظ هذه الأجساد من العطب حتى اخترعوا التحنيط الذي حفظوا به الأجسام آلاف السنين، وقد اهتم علماء العصر الحديث بالبحث لاكتشاف العقاقير والمواد الكيميائية التي استعملها الفراعنة لذلك، حتى توصل «رويل» إلى اكتشاف القار والحنظل وخشب الصندل والصبر والعسل والشمع والنطرون والملح والجاوي والشب من بين أدوية التحنيط، وقد قال في ذلك هيرودوتس: «إنهم يستخرجون المخ ويستأصلون ما بقي منه بعقاقير يحشونها في تجاويف الجمجمة، ويفتحون البطن ويُخرجون محتوياتها ثم ينظفونها وينقعونها في نبيذ البلح والعقاقير العطرية، ويملئونها بالمر النقي ومسحوق اليانسون وجميع العطور ما عدا الكندر، ثم يضعون الجثة في محلول النطرون سبعين يومًا.»

وقد وصلت الصيدلة أيام الفراعنة مركزًا يتمشى مع عظمتهم العمرانية وسيادتهم العلمية التي ظلت ما لا يقل عن أربعة آلاف عام زخرت في خلالها جامعة عين شمس بطلبتها النوابغ، وفي ذلك قال الطبيب الإنجليزي العظيم Bernard Dawson في مؤلفه «تاريخ الطب عند قدماء المصريين» في الصفحة الثامنة منه ما نصه:

وصل فن الصيدلة إلى درجة عالية من التقدم.

وفي موضع آخر في الصفحة العاشرة من نفس الكتاب:
ودراستهم الطويلة للصيدلة مع ممارستهم لها هيأت المصريين للتبكير في كثير من الاكتشافات الكيميائية، وهكذا أصبح صيادلتهم ماهرين في التعدين والصباغة والدباغة وصنع الزجاج والصابون والسبائك، حتى إن كلمة Chemistry اشتقت من الاسم القديم لمصر وهو Khemi.

(١) عقاقيرهم

أفاض المصريون القدماء في ذكر العقاقير المصرية القديمة، وشرح فوائدها وأماكن وجودها، وهذه العقاقير إما نباتية أو معدنية أو حيوانية ومنها ما هو معروف لدينا ومنها ما ليس معروفًا.

ومن عقاقيرهم النباتية: اللوتس والكمون والخروع وقشر الرمان والخشخاش والكركم والعرعر والجميز والدوم والصفصاف والزيتون والبلح والنبق والسنط والكسبرة والتين والشعير والجعة والنبيذ وشواشي الغاب وبذر الكتان والبابونج والصمغ والنعناع الفلفلي والحناء والبيلسان والمشمش والدخن والخردل والحلبة وحب العزيز وحصى اللبان والترمس وقصب الذريرة والقرطم والراتينجات المختلفة والتوت والثوم والصنوبر وعنب الديب والحصرم والخروب وبذر الخلة والخيار شمبر والريحان والزعتر والنيلة والسكران والكافور والإهليلج.

ومن العقاقير الحيوانية دهن الإوز ولحم الماعز وطحال البقر والبرص ودهن الجاموس البحري والديدان والثعابين والشمع.

ومن عقاقيرهم المعدنية صدأ الرصاص وخلات الرصاص وكبريت العامود والملح وبرادة الحديد وحجر جهنم وسلفات النحاس والإثمد والنطرون.

(٢) مستحضراتهم

وقد تفنن المصريون في طرق تحضير أدويتهم كأحدث الطرق العلمية الصيدلية، فهم أول من استعمل اللبخات المحتوية على أكسيد الرصاص، كما ذكر ذلك في الوصفة نمرة ١٩١ من قرطاس هيرست، واستعملوا الحقن الشرجية المسكنة المحتوية على منقوع الخشخاش كما في الوصفة نمرة ١٦٤ من قرطاس إيبرس.

واستعملوا الدوشات للرحم من عقاقير نباتية منقوعة في لبن البقر، وكذلك اللعوقات والغراغر لالتهابات اللسان والزور.

وهم أول من عرف خواص المسهلات وقسموها إلى فرق، وأول من استعمل الدهانات العطرية لإزالة الروائح الكريهة من جسم الإنسان. وإليك وصفة من أهم مستحضراتهم لتعطير فم السيدات: مرٌّ ناشف وبرشان وكندر وسعد وماستكة ويانسون ودارصوص بكميات متساوية، تطحن جيدًا وتمزج ثم تعجن بالعسل وتقسم أقراصًا Tablets.
وقد اهتم المصريون اهتمامًا عظيمًا بجميع مستحضرات الزينة وحازت روائحهم العطرية السبق في العالم الغابر، وصنعوا منها أصنافًا مقدسة من عدة نباتات زكية، وأهمها ما كان يسمى عندهم باسم «خيفي» Kyphi.

وصنعوا زيوتًا خاصة للشعر، وكان للملكة «شيث» من الأسرة الثالثة زيت ملكيٌّ حضروه بغلي كعاب الكلاب وحوافر الحمير وزهر النخيل في زيت، وشاع بينهم استعمال دهان خاص للصلع مخلوط من دهن الحصان والتمساح والكركدن والقط والثعبان والتيتل. ومن يُدرينا ربما كان هذا أقوى مفعولًا من أدوية العصر الحديث.

واستعملت الملكة كليوباترا الكثير من الكريمات ودهانات الوجه والشعر والعطور، ونظرة بسيطة إلى ما خلفه أجدادنا في دار الآثار من أواني العطور الجميلة ذات النقوش الجميلة البديعة، تريك اهتمامهم الشديد بها وتدلك على مبلغ ما وصلته من التفنن والابتكار.

وكان لملوك الفراعنة ولع شديد باستجلاب النباتات الطبية وغيرها من البلدان الأخرى، وقد وجدت بعض نقوش في معابد الدير البحري تذكر أن الملكة حتشبسوت أرسلت عام ١٧٠٠ق.م. بعثة إلى بلاد الصومال (المعروفة قديمًا باسم بونت) استجلبت ٣٠ شجرة من المر لتُزرع في طيبة، وكذلك مقدارًا عظيمًا من المر، وتذكر بعض النقوش أن الملك تحوتمس أوفد الكثير من البعثات لاستجلاب أصناف النبات من سومطرة.

(٣) مكاييلهم وموازينهم

بلغت الدقة كما ذكرنا بالفراعنة أن قسموا مكاييلهم وموازينهم إلى كسور عديدة، وكانت وحدة المكاييل عندهم هي التنات Tenat وهي تساوي ستة أعشار اللتر تقريبًا، وكانت وحدة الوزن عندهم هي «القِدْت» وهي تساوي ٧٫٧٣٤ جرامًا، ويوجد في المتحف المصري بعض موازينهم المصنوعة من الحديد.

(٤) الصيدلة في الكتاب المقدس

قد جاء ذكر ما لا يقل عن ٣٠٠ عقار استعملها القدماء في وصفاتهم الطبية وروائحهم وزيوتهم المقدسة.

وأهم ما جاء ذكره في الكتاب المقدس: قصب الذريرة، البلسان أو بلسم جلباد، الأفسنتين، الحشيشة الزوفاء، المقل، المر، البخور، اللبان، الزيتون، الناردين، الصبر، الخمر، القرفة، السليخة، العرعر، الشيبة، اليقطينة، الخردل، الزعفران، الكمون، قشر الرمان، المن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠