الفصل الثاني عشر

شعب هولدا

لم أبحر في البحار الشمالية من قبل، وكنت أتخيلها مضطربة ومتقلِّبة وعاصفة طوال الوقت. ولكن كان الواقع مختلفًا عما تخيَّلته تمامًا في ذلك الطقس الصحو من شهر أغسطس. عندما ركبتُ ولومبارد وجوردي هاميلتون القارب المتجه إلى أيسلندا من ليث، كان ثمة ضباب كثيف يغطي خور فورث، ولكننا خرجنا إلى جوٍّ صافٍ بعد مرورنا بجزيرة ماي، وفي صباح اليوم التالي، أثناء التفافنا حول جزر أُركاني، كان البحر هادئًا، وهبَّ علينا نسيم عليل، وتحت أشعة الشمس الساطعة وقفت الجزر البعيدة واضحة المعالم وبدت أشبه بتلال صغيرة سقط عليها ضوء الفجر في سهول جنوب أفريقيا الخضراء.

ولكن لم يرفع الطقس الجيد من معنوياتي. فلم أذهب في مهمة من قبل بحماسة أقل أو بتشاؤم أكثر من هذه المرة. جعلني لومبارد أشعر بالخجل. فهذا الرجل، الذي اعتقدت أنه أصبح واهنًا ومسنًّا، كان يواجه المجهول، ليس برباطة جأش فحسب، بل ببهجة أيضًا. كان يبدو وكأنه متوجه إلى عطلة، وكان سيسعد بالمشاركة في المهمة، حتى لو لم يقطع هذا العهد على نفسه، وأنا واثق من ذلك. بدأت أفكر في أن المهن التي تنطوي على التعامل مع المبالغ المالية الضخمة ربما كانت تدريبًا أفضل من المهنة التي امتهنتها أنا طوال حياتي. كان جزءٌ من بهجته يرجع إلى إعجابه بساندي، هذا الإعجاب الذي جعله ينصاع لأوامره كطفل صغير يسير على خطى أخيه الأكبر. لا يمكن لأحد أن يؤمن بساندي أكثر مني، ولكننا مررنا بالكثير من المصاعب معًا وأعلم أنه ليس معصومًا من الخطأ. ظلت تلك العبارة اليونانية البغيضة التي اقتبسها ماكجيلفري من هيرودوت ترن في أذنيَّ. لقد حالفنا الحظ كثيرًا، أنا وساندي، طوال حياتنا، ولكن الحظ من شيمه أن ينقلب في النهاية.

كان ما يؤرقني أني لم أتمكن من استشراف نهاية هذه المسألة. إننا بصدد مواجهة عصابة لا تأبه للقانون على جزيرة نائية خارج نطاق أي سلطة للقانون. وهذا لا يعني إلا أمرًا واحدًا، مواجهة مباشرة على الطراز القديم. لا شك في أن هارالدسن سيستعين بجماعته، ولكن لم يكن النورلانديون أهل حرب أبدًا، وعلى الرغم من أن العدد سيكون في صالحنا، فإني لم أكن مستعدًّا لأن أثق بأن النتيجة ستكون في صالحنا. إذا ما هزمناهم، فسنرهب تروث وبارالتي دون رجعة، ولكن لن يكون للهزيمة تأثير يُذكر على دينجرافيل. إلا إذا قتلناه. ولكن إذا هُزمنا، فالله وحده يعلم ماذا سيحدث لهارالدسن وابنته، ولبقيتنا، خاصةً ساندي. لن تنتهي هذه المسألة إلا بموت دينجرافيل أو ساندي. بدا الأمر وكأنه أحد تلك المبارزات الجنونية التي اعتاد الشماليون القدامى على الاحتكام لها، وتذكرت أنهم كانوا دائمًا ما يختارون جزيرة لهذا الغرض. كلما زاد تفكيري في الأمر، زاد اعتقادي أنه جنوني وكئيب. جُر مواطنان رصينان، أنا ولومبارد، جرًّا تحت عجلات العربة الحربية لمناضلين وهميين، فقد كان ساندي يشتهر بتهوره الشديد، وهنا تكمن عبقريته. وبدا الأمر وكأن هارالدسن تقمص شخصية أحد أسلافه الجامحين.

ولكن، كنت قلقًا جدًّا على من تركناهم خلفنا. ماري، كما آمل، لا تدرك شدة الخطر المحدق بنا، فلطالما أخبرتها بأن المسألة برمتها لا تتعدى عملية ابتزاز عادية. وأننا ذاهبون لمساعدة هارالدسن على الاستقرار في وطنه، والتأكد من أنه مرتاح، وأسوأ ما قد يحدث هو أننا قد نضطر إلى توبيخ بعض المبتزين السوقيين. من المؤكد أن ساندي قال المثل لباربارا، كنت آمل في ذلك على الأقل. ولم تعرف أيٌّ منهما أي شيء عن دينجرافيل. ولكن ماري امرأة شديدة الذكاء لا تفوتها فائتة، وشديدة الحساسية تجاه الجو العام المحيط بها. كانت مرتبطة جدًّا بعائلة هارالدسن، ولم تكن لتلمح لي أبدًا بأنه يجدر بي أن أنكث بعهدي معهما. ولكني على يقين تام من أنها أدركت أن واجبي نحوهما أكثر خطورة من تلك المهمة السريعة التي تظاهرت بأني سأؤديها. لم تقل شيئًا، وودعتني كما لو أننا ذاهبون إلى النرويج لصيد أسماك السلمون. ولكن انتابني شعور بأنها أجبرت نفسها على الظهور بهذا المظهر الهادئ، فلا توجد امرأة قادرة على التحكم في انفعالاتها مثلها، ولن يهدأ قلقُها إلا بعدما تراني مجددًا. ستتذكر ذلك الصباح من أيام شهر أغسطس في ماتشراي عندما خرجت في مهمة تتبع عادية ليومٍ واحد، ثم عثرتْ عليَّ بعد عشرين ساعة فاقد الوعي عند قمة جرف صخري وجثة مدينا قابعة في قاعه.

أعمتني هذه الأفكار عن رؤية عصر ذلك اليوم الجميل بينما نلتف حول الطرف الشمالي لجزر أركاني ونقترب من رأس روست حيث سيبدأ مسار رحلتنا من هناك. لاحظت فجأة أن السفينة تبطئ سرعتها. وقف ربان السفينة، ذلك الرجل الدنماركي المسن الهادئ الذي عقدت صداقة معه.

وقال: «سينضم إلينا راكب آخر أيها الجنرال. راكب لم يتمكن من اللحاق بنا في ليث. وأخطرونا بقدومه عبر اللاسلكي. سيضطر إلى دفع أجرة الرحلة من ليث إلى ريكيافيك كاملةً، وإلا ستقع مشكلة مع سلطات الموانئ البريطانية.»

نظرت إلى حيث ينظر ورأيت قاربًا سريعًا صغيرًا يقترب منا من ناحية الساحل، وعلى متنه شخص واحد غير واضح المعالم.

قال القبطان وهو يناولني النظارة المقربة: «إنه رجل. ربما كان أيسلنديًّا تلكأ لفترة طويلة في اسكتلندا، أو ربما كان اسكتلنديًّا يريد اللحاق بالفرصة الأخيرة لصيد أسماك السلمون الأيسلندي.»

كان ثمة شيء مألوف في هيئة الراكب، ولكني هبطت إلى الطابق السفلي من السفينة لأحضر جراب التبغ، ولم أرَ القارب وهو يصل. ولكم كنت ذاهلًا عندما صعدت إلى سطح السفينة مرة أخرى لأجد بيتر جون واقفًا أمامي! كان يرتدي أحد معاطفي الفضفاضة، ووضع لوازمه في حقيبة كبيرة. كما كان يحمل أنثى الصقر موراج على ساعده. كان واقفًا على سطح السفينة يبدو خائفًا ومرتبكًا كطفل صغير. لم يقل شيئًا، ولكنه كان يحمل خطابًا.

كان الخطاب من ماري. قالت فيه إنها لم تستطع تحمُّل رؤية الكآبة المرتسمة على وجه ابنها. كتبت قائلة: «كان يدور حول نفسه في المنزل كما لو كان كلبًا تائهًا. أعتقد أن نسيم البحر سيفيده، فقد ظل في منطقة حارة لفترة طويلة مؤخرًا. وإذا ما حدثت أي مشاكل، فسيكون خير عون لك، فهو يتمتع برأي سديد. لقد وعدني بأنه سيعتني بك، وسيهدأ بالي لأني أعرف أنه بجوارك. أرسل إليَّ من فضلك برقية من يالمارزهافن تخبرني فيها بأنه قد وصل إليك.»

كان هذا هو فحوى الرسالة. كان بيتر جون يقف في مكانه متخشبًا، كما لو كان يتوقع توبيخًا، ولكني لم أكن أميل إلى التوبيخ. كنت سعيدًا بوجوده معي، واقتنعت بأن ماري لا تشعر بالقلق عليَّ، بما أنها أرسلته خلفي، رغم تشككي في أن هذا الاستنتاج يوفي رصانتها حقها. ثم طرأت عليَّ فكرة. كان الفتى يعلم مدى خطورة مهمتنا، فقد سمع ساندي وهو يشرحها بالتفصيل.

فسألته: «هل أخبرت والدتك بأن هذه المهمة تنطوي على مخاطرة؟»

«نعم. رأيت أن من حقها أن تعرف.»

«ماذا قالت؟»

«قالت إنها تعرف ذلك بالفعل، وإنها ستشعر بمزيد من الاطمئنان إذا كنتُ معك لأرعاك.»

تلك هي ماري التي أعرفها. أي امرأة أخرى لو وُضعت في الموقف نفسه، كانت ستتشبث بابنها لتبعد ولو واحدًا على الأقل من أحبائها عن الخطر. أما ماري فعندما عرفت بخطورة المهمة المطلوب إنجازها، كانت على استعداد للمخاطرة بكل شيءٍ لإنجازها على الوجه الأمثل.

انفرجت أسارير بيتر جون المكتئبة وتحولت إلى ابتسامة بعدما رأى التغير في تعبير وجهي.

سألته: «كيف وصلت إلى هنا؟»

أجابني قائلًا: «ركبت طائرة. ركبت طائرة حتى إنفيرنيس ثم ركبت طائرة أخرى إلى كيركوول. لم أواجه صعوبات سوى في القارب السريع وفي إرسال الرسالة عبر اللاسلكي.»

ضحكت مما قال.

وقلت: «لا أعلم إن كنت قادرًا على الاعتناء بي. ولكني واثق من أنك قادر على الاعتناء بنفسك.»

وصلنا إلى ميناء يالمارزهافن، عاصمة نورلاند، الصغير دون أن يتغير الطقس الصحو أو الرياح الغربية. بدت التلال الخضراء خلف الجروف الشاطئية السوداء، والأمواج الزرقاء التي تتحول إلى زَبَدٍ أبيض على الشواطئ الصخرية الصغيرة، والقمم الداكنة التي تبدو كجدار ناحية الشمال، وكأنها تغفو في سلام مثل الجزر المباركة المذكورة في رواية «داريل الجزر المباركة». كان في يالمارزهافن بعض الضجة، وشممنا خليطًا من ألف رائحة سيئة مختلفة، تراوحت من أعشاب بحرية متعفنة إلى جثة حوت متحللة. وكانت المنازل مدهونة بعشرات الألوان، وكان الخليج الصغير يعج بالكثير من المراكب المختلفة، مراكب صيد أسماك، ومراكب صيد حيتان، وقوارب كاياك، وزوارق بدائية ذات محركات. كانت المراكب الكبيرة الوحيدة التي رأيتها هي سفن الصيد القادمة من جريمزبي، وسفينة تجارية تُشهر العلم الدنماركي بألوانه الحمراء والبيضاء وصلت للتو من أيسلندا. كانت السفينة التي وصلنا على متنها هي سفينة الركاب الأولى التي تصل من الجنوب منذ أسبوعين، وهذا يعني أن الجماعة الأخرى لم تصل قبلنا. أجريت بعض التحقيقات وعلمت أن مركب الصيد القادمة من أبردين قد وصلت منذ ثلاثة أيام، وأن هارالدسن توجه من فوره إلى جزيرته.

استأجرنا قاربًا سريعًا، ودرنا في عصر ذلك اليوم حول الطرف الجنوبي للجزر الرئيسية، والتففنا حول جانبها الغربي، وشققنا طريقنا عبر أرخبيل من الجزر الصخرية الصغيرة حتى وصلنا إلى جوار جزيرة هالدر، ثاني أكبر جزر المنطقة. كان ساحل الجزيرة متعرجًا جدًّا، وكانت وديانها العميقة تنحدر من قمم تصل ارتفاعاتها إلى حوالي ٣٠٠٠ قدم وتطل تلك القمم في بعض الأحيان على هاويات هائلة وأحيان أخرى تنحدر تدريجيًّا إلى سهول خضراء وشطآن واسعة مكسوة بالحصى. ومن موقعنا الحالي في الميناء، ظهر أمامنا ساحل منبسط، وعرفت من الخريطة أنه ساحل جزيرة الخراف. كان يفصل بينها وبين جزيرة هالدر قناة يبلغ عرضها حوالي ميلين، ولكنها كانت ذات طبيعة مختلفة تمامًا عن جارتها. ذكرتني هذه الجزيرة بجزيرة كولونساي ذات الأراضي المنبسطة الخضراء، التي توجد في وسط البحر، حيث قد يعيش المرء وكأنه في سفينة مع صوت الأمواج المستمر في أذنه.

ثم رأيت المنزل، وكان مبنيًّا على أرضٍ مرتفعة تطل على خليج صغير، وبدا لي قلعة ومنارة في الوقت نفسه، مبنى ينتمي لليابسة وللمياه. لا توجد أشجار في نورلاند، ولكن حتى من هذه المسافة البعيدة تمكنت من رؤية أن ثمة نوعًا من الأراضي الزراعية تقسمها ممرات حجرية تؤدي إلى سرادقات مسقوفة. على أرض أقل ارتفاعًا، بالقرب من الشاطئ، كانت ثمة مستعمرة من المنازل الصغيرة. كانت الخضرة الرائعة هي ما أسرَ نظري. بعد الألوان البنية والرمادية الكئيبة لجزر شيتلاند، بدت الجزيرة شديدة الخضرة مثل مرج إنجليزي في شهر مايو. كان الجزء السفلي من المنزل مبنيًّا بالحجر، والجزء العلوي بنوع من الخشب الأسود، وكان السقف مكسوًّا بالعشب الأخضر الفاتح الذي كان ينمو صحيحًا وكأنه ينمو في حقل. عندما وصلنا إلى المرفأ الصغير ساعة غروب الشمس، شعرت وكأني أنظر إلى مرفأ خارج العالم المأهول في مملكة سلام منسية.

لن أنسى خطوتي الأولى على أرض الجزيرة ما حييت، رائحة السمك المقدد القادمة من ناحية الشاطئ، والصخور البازلتية السوداء، وتجمعات عشبة الملاك الطبية ذات الأوراق العريضة، ومصائد المحار التي تظهر أجزاء منها على طول الشاطئ المكسو بالحصى.

كان هارالدسن وأنَّا في انتظارنا. كان هارالدسن يرتدي زيًّا تقليديًّا نورلانديًّا، معطفًا وسراويل ركوب خيل بُنِّيةٍ مَحيكة منزليًّا، مع أزرار فضية عند الخصر والركبتين، وجوربًا مغزولًا منزليًّا وحذاءً فضيَّ اللون ذا إبزيم، وقبعة غريبة مخروطية الشكل تحمل لونين: الأزرق الداكن والأحمر. كان مظهره يجمع بين مظهرَي الإقطاعيين والقراصنة، ولكنه كان مناسبًا تمامًا للمنظر المحيط به. كانت أنَّا ترتدي تنورة كحلية اللون وسترة حمراء، وكانت عارية الساقين، وفي قدميها خفٌّ ذو إبزيم مصنوع من الجلد غير المدبوغ.

قال هارالدسن بعد كلمات الترحيب الأولى: «لقد أحضرتم الصبي.» بدا الجزع في عينيه.

فقلت: «لقد أرسلته والدتُه خلفنا. من المفترض أن يعتني بي.»

رد عليَّ مقطبًا جبينه: «إنه مُرحَّب به قطعًا.» استنبطت من تعبير وجهه أن وجود طفل ثانٍ ضمن المجموعة يُثقِل المسئولية الملقاة على كاهله … لم يُخمِّن أيٌّ منا أن هذين الصغيرين سيكونان خلاصنا.

كانت تحية أنَّا لنا مختلفة تمامًا. بدا أنها تخلصت من شخصية الطالبة الإنجليزية، ومعها كل حيل الكلام والطريقة التي ضايقت ابني منها. ذكرت أنها كانت تعامله حتى هذه اللحظة بطريقة متعجرفة ما دفعه إلى التزام صمت واجم. كانت الآن هي صاحبة المنزل، وتعاملت وكأنها أميرة تستقبل صديقًا لمملكتها. كانت تبدو بارعة الجمال بشعرها الأشقر وعينيها الفاتحتين وبشرتها العاجية التي سمَّرتها رياح البحر ولوحتها أشعة الشمس. أمسكت يد الصبي بين راحتيها.

وقالت: «كم تسعدني رؤيتك يا سيد بيتر جون. لا شك في أننا سنمرح كثيرًا معًا.»

لم أكن أتوقع أن يكون المنزل الذي بناه هارالدسن الأب قصرًا. كنت قد تقبلت ثراء العائلة كحقيقة واقعة، ولكني لم أرَ أي دليل على ثراء ذلك الرجل المطارد وتلك الطالبة الرثة الثياب. وأدركت الآن أن ثمة ثروة كبيرة بالفعل. فوق الجروف المنخفضة، كانت الأرض مستوية، وكانت ثمة مروجٌ شاسعة شبيهة بمروج إنجلترا؛ ففي هذا المناخ الرطب، ينمو العشب بطريقة مثالية. وكانت الزهور أيضًا تحاول النمو، الورد وزهور العائق وبعض الزهور الحولية، ولكنها كانت تنمو في الفجوات المنخفضة بين الأراضي المرتفعة تجنبًا للرياح القوية التي تهب في نورلاند. كان المنزل مكوَّنًا من ثلاثة طوابق، وكان محميًّا من الرياح من ثلاثة جوانب بتلال على شكل هلال، وكانت تلال جزيرة هالدر على الجانب الآخر من القناة تضعف الرياح الشرقية القوية. طبقًا لطراز البناء النوردي، كان الطابق الأرضي من المنزل عبارة عن حجرات للتخزين، مثلما هو الحال في الحصون الحدودية، وتوجد غرف المعيشة في الطابق الذي يعلوه، وتوجد غرف النوم في الطابق الأخير. كان المنزل بالكامل حديث البناء فيما عدا جانبًا واحدًا توجد فيه غرفة حجرية صغيرة لا أعلم إن كانت زنزانة أم محرابًا، فقد كانت جدرانها بسمكٍ يبلغ حوالي خمسة أقدام. كانت هذه الغرفة الصغيرة، كما تقول القصة، مسكن ناسك أيرلندي لجأ إليها في العصور المظلمة حتى أنهى الشماليون الوثنيون حياته.

كان مدخل المنزل بعد سلمٍ مكوَّنٍ من بضع درجات بدا وكأنه نُحت في صخرة حية. كان أول ما رأيناه داخل المنزل بهو شاسع يبلغ طوله مائة قدم على أقل تقدير ويبلغ ارتفاع سقفه ارتفاع المنزل نفسه. بُنِي هذا البهو، على ما أعتقد، على طراز بهو منازل الفايكينج، وكان المرء يشعر داخله بأن قد عاد بالزمن إلى الماضي. لم أتمكن من تخمين المكان الذي حصل منه هارالدسن الأب على الخشب، ولكنه كان موغلًا في القِدَم، وكان محفورًا على ألواح خشب السنديان الأسود زخارف غير مألوفة. كان أثاث المنزل قديمًا وضخمًا، فكانت ثمة مائدة طويلة تكفي لجلوس خمسين رجلًا من الفايكينج، ومقاعد هائلة الحجم لا يمكن لأحد ملؤها إلا فالستاف البدين أحد شخصيات مسرحيات شكسبير. أما بالنسبة إلى الديكورات، كانت ثمة بعض السجاجيد الجدارية الرائعة، والكثير من نماذج السفن من جميع العصور مصنوعة من الفضة والعاج وقرون الحيوانات وخشب الساج، ومن المؤكد أن قيمتها تساوي ثروة هائلة.

كان هذا هو المكان المخصص لاستقبال الزوار، ولم يكن مريحًا على الإطلاق. ولكن كانت توجد غرف أخرى على جانبيه — قاعة استقبال كبيرة مفروشة بأثاثٍ باهظ، ولكنها لا تصلح لحياة البشر وكأنها متحف، وهي مكتظة بالتحف المنتقاة مثل المتحف تمامًا، وهناك أيضًا غرفة تدخين عُلقت على جدرانها جميع أنواع الأدوات النوردية بدايةً من العصر الحجري فصاعدًا، ثم توجد غرفة البلياردو التي تضم مجموعة من التذكارات الرياضية، بما في ذلك الكثير من رءوس الحيوانات التي اصطادها هارالدسن الأب في أفريقيا، وكانت الغرفة الأهم هي المكتبة. كانت المكتبة هي الغرفة الأكثر بهجةً في المنزل، وكان من الجلي أنها غرفة هارالدسن المفضلة، فقد كانت تحمل طابع الأماكن الأثيرة على قلب أصحابها ولا يفارقونها. اختار بانيها لها سقفًا من الجص الناعم، تتخلله ألواحٌ من الخشب تحمل شعار النبالة بين قوالب من الرموز النوردية. كانت الكتب تغطي جميع جدرانها، كتبٌ بدا من مظهرها أنها ليست بغرض الزينة؛ ما جعلها تضفي على الغرفة شعورًا حميميًّا لا يمكن للكتب الموضوعة بغرض الزينة أن تقدمه. في الطابق العلوي، كانت غرف النوم واسعة وجيدة التهوية وذات أرضيات من خشب السنديان عارية من المفروشات، ولم تكن تحتوي على الكثير من الأثاث رغم احتوائها على جميع وسائل الراحة الحديثة.

ما لفت نظري بشكل خاص هو أن كل ما يوجد في المنزل كان من الأشياء الأعلى جودةً وربما الأعلى قيمةً. بدا من الغريب أن أتأمل القصر الفخم الذي حوصرنا فيه بكل ما فيه من كنوز.

قال هارالدسن: «هذه الكنوز ملك لأبي. أما أنا فلا أريد أي ممتلكات ثمينة. لا أريد شيئًا سوى كتبي.»

كانت الضيافة في المنزل جيدة بنفس قدر الإقامة فيه. كان ثمة رئيس خدم مُسِن يُدعَى آرن أرناسون، وكان يرتدي ملابس تشبه ملابس سيده، ويشبه شخصية رامبيل ستيلتزكين في الحكاية الخرافية، ويعمل تحت إمرته أربع خدامات مسنات. أخبرني هارالدسن بأنه معتاد على إرسال قاربه السريع إلى يالمارزهافن مرةً كل أسبوع لإحضار الخطابات والأشياء التي يستوردها. ولكن كانت الجزيرة توفر له أغلب لوازمه. فقد كان يملك أبقارًا يحصل منها على الحليب، كما أن لحم الضأن هنا يُعد الأفضل في العالم، وكان يُعِدُّ لحم الأبقار واللحم المقدد بنفسه، ويزرع جميع الخضروات سهلة الزراعة، بما في ذلك بطاطس ليس لها مثيل: وكان البحر يوفر له الأسماك التي يحتاج إليها، ناهيك عن سرطان البحر، وتوفر له البحيرات السلمون البحري والسلمون البني. بالفعل، لم أتناول طعامًا أشهى من ذلك الطعام في حياتي؛ طعام بسيط، ولكن طُهِيت المكونات الأساسية بطريقة مثالية. كان ثمة شيئان فقط شذا عن بساطة المنزل ونمَّا عن البذخ. كان ثمة قبو مشروبات يحتوي على نبيذ إسباني ونبيذ ماديرا لا مثيل لهما، وطبقًا لتقاليد شعوب الشمال، كانت وجباتنا تبدأ بمجموعة متنوعة جدًّا من فواتح الشهية. كان بيتر جون يأكل الكثير من تلك الأطباق الصغيرة غير المألوفة حتى تمتلئ معدته ولا يستطيع تناول أيٍّ من الأطعمة الرئيسية، حتى تعلَّم ألا يفعل ذلك.

ذهبنا إلى الفراش مبكرًا، ولكن قبل أن أنام، كنت بحاجة إلى التحدث إلى هارالدسن في أمر مهم.

قلت: «لقد أصبحنا على الجبهة الآن. هل من جديد عن العصابة؟»

«لا جديد. لقد اتصلت بيالمارزهافن هاتفيًّا، ورتبت الأمور بحيث يتم إخباري بجميع الأغراب الذين يصلون إلى هناك. ولكني لا أعتقد أنهم سيأتون عبر يالمارزهافن.»

«هل وصلك أي أخبار عن اللورد كلانرويدن؟»

هز رأسه نفيًا. وقال: «لا شك في أنه سيرسل إلينا برقية قريبًا، وستصلنا فحوى الرسالة عبر الهاتف. قال إنه سيتبعنا على الفور.»

طرحت عليه سؤالًا آخر، ورد عليَّ بإجابة جعلتني أذهب إلى فراشي قلقًا. قلت: «كم عدد رجالك على الجزيرة؟»

فبدت عليه الحيرة.

وقال: «آرن أرناسون في المنزل. وثمة ثلاثة بستانيين، دال وهولم وإيفانسن. وفي المرفأ، يوجد جيكوب جريجارسن، المسئول عن القارب السريع. كما يوجد أبسالون صياد الطيور، ولكنه طريح الفراش. وجميعهم رجال مسنون للأسف.»

فهتفت مندهشًا: «يا إلهي! ظننت أن لديك مجموعة كبيرة من الشباب.»

قال مبررًا: «معذرةً. لقد نسيت. كان يوجد عدد كبير من الشباب في جزيرة الخراف، ولكنهم خارجها حاليًّا. ذهب بعضهم إلى جرينلاند وأيسلندا لصيد أسماك القد، وذهب البعض الآخر لصيد أسماك الهلبوت. وأبحر أحدهم إلى أمريكا الشهر الماضي، وكان أكثر من أعتمد عليه.»

•••

انتهى الجو الصحو تلك الليلة. وعادت نورلاند في صباح اليوم التالي إلى طبيعتها، فقد هبت الرياح الجنوبية الغربية محملة بالكثير من الأمطار، وغطى الضباب جميع التلال. ولم تكن جزيرة هالدر سوى طيف رمادي إذا ما نظرت نحوها عبر القناة. كانت الأسرة معتادة على تناول إفطار خفيف، ثم تتناول وجبة غداء كبيرة في منتصف النهار. وكان هارالدسن منشغلًا ببعض الأعمال، فارتديت ولومبارد وبيتر جون معاطف مطر واصطحبتنا أنَّا في جولة حول الجزيرة.

كانت معالم الجزيرة الرئيسية بسيطة، وبما أنها مهمة لقصتي، عليَّ أن أوضح تفاصيلها. كانت أبعاد الجزيرة تبلغ ستة أميال طولًا وميلين عند أقصى عرضٍ لها، وكان اتجاهها موازيًا للمحور الرأسي للأرض. كان المنزل يقع على ارتفاع يبلغ ثلثَي ارتفاع أراضي الجزيرة، وكانت الأرض الأكثر ارتفاعًا في الجزيرة تقع خلفه تمامًا ولا يزيد ارتفاعها عن خمسمائة أو ستمائة قدم. ناحية الطرف الشمالي من الجزيرة، كانت الأرض تتحول إلى أراضي برية تتخللها بحيرات صغيرة مليئة بأسماك السلمون، وكانت نهايتها عبارة عن جرف شديد الانحدار يعلو لمسافة أربعمائة قدم على أقل تقدير، تعلوه واحدة من البحيرات تفرغ ما فيها من ماء على هيئة شلال رائع الجمال. كان هذا الجزء من الساحل متعرجًا ومتشققًا، وكانت ثمة مجارٍ مائية صغيرة تنحدر من الأراضي المرتفعة إلى الشاطئ الذي تتناثر عليه الصخور.

كان تحت المنزل قناة صغيرة، كما قلت سابقًا، وإلى الجنوب كانت ثمة قرية قريبة من الماء. وجنوب القرية توجد أراضٍ رملية منبسطة، ولأن الساحل عند هذه المنطقة يمتد لمسافة معينة داخل البحر، فهو يُعد ملاذًا جيدًا للقوارب عندما يثور البحر. كان الجزء الجنوبي من الجزيرة ذا طبيعة مختلفة. فكانت أرضه منبسطة لا تعلو عن سطح البحر إلا لبضعة أقدام، وكان ساحله إما رمليًّا أو حيودًا واسعة. كانت أرض الجزيرة في هذه المنطقة عبارة عن براري مليئة بالأعشاب والمستنقعات تتخللها الكثير من البحيرات السبخة تنذر الصيادين بصعوبة الصيد فيها. لمعت عينا بيتر جون بينما كنا نتجول في المكان، فكان من الجلي أنه جنة للطيور. لفتت صيحة منه انتباهي إلى زوج من دجاج الأرض الأرجواني. لم يكن صيد الطيور والحيوانات على البر مسموحًا في نورلاند، وكان صيد البحر مسموحًا به لموسم قصير فقط؛ لذا، كانت الجزر ملاذًا رائعًا لمختلف أنواع الحيوانات. كان من الغريب أن ترى طيور الكروان تعدو بين ساقيك كما لو كانت طيور تدرج داجنة، وأن ترى طائرًا خجولًا مثل القطقاط الذهبي يرمقنا في هدوء من على صخرة تبعد عنا مسافة ياردتين فقط. كانت مساحة هذا المستنقع الشاسع تبلغ حوالي أربعة أميال مربعة، وكان مكتظًّا بجميع أنواع الطيور. وكان من الصعب إبعاد ابني عنه.

ناحية الطرف الجنوبي للجزيرة، كانت الأرض ترتفع قليلًا لتصبح تلالًا قصيرة معشوشبة، ويظهر من خلفها البحر بعيدًا. لا بد أن هذه المنطقة تحتوي على عشرات الخلجان الصغيرة، وخليج كبير يبلغ عرضه ربع ميل تصب فيه إحدى البحيرات ماءها على صورة جدول. كانت أسماك كالسلمون البحري تقفز في سعادة عند مصب الجدول. تمنيت لو أني جئت إلى هنا في عطلة وليس من أجل هذه المهمة الكئيبة، فلم أرَ في حياتي أرضًا تَعِد بصيد وفير مثل تلك. سرنا حتى مدخل الخليج وكانت الأمواج تتكسر تحت وطأة الرياح، ثم نظرنا نحو الأفق ورأينا السحب الضبابية والبحر الهائج.

قضينا يومين في هذا الطقس المطير، وبما أنه لم يكن ثمة شيء لأفعله، استثمرت الوقت في التفكير. سيكون إجمالي قوتنا عندما يصل ساندي أربعة رجال فعَّالين بدرجة معقولة، وطفلين، وثلاثة أو أربعة خدم مسنين، ومجموعة من النساء. واختفت من ذهني صورة العدد الكبير من الشباب النورديين المقدامين الجاهزين لخوض المعركة من أجل سيدهم. كان الأمر سيئًا جدًّا، ولكن ما كان يحيرني حقًّا هو السبب الذي يدعونا للقتال. كان ساندي واثقًا من قدومنا إلى هنا حتى تتعادل الكفتان، ولكني لم أكن أملك أدنى فكرة عن هاتين الكفتين.

كنت أدرك جيدًا اللعبة القديمة التي مارسها تروث وبارالتي. فكان من السهل أن يذهبا إلى جزيرة منعزلة ويرهبا شخصًا معتزلًا عصبيًّا لينفذ ما يريدان منه. وربما لم يكن صعبًا عليهما أن يضعا أيديهما عليه في إنجلترا، فقد كان غريبًا في بلاد غريبة، ويرهبانه حتى يذعن. ولكنه أصبح محاطًا الآن بأصدقاء أقوياء، وكانت العصابة تدرك ذلك. فقد كان لومبارد رجل أعمال مُهمًّا، وساندي رجل شهير، وأنا أمتلك بعض السمعة الجيدة. كان أعداء هارالدسن رجالًا ذوي وضع معين، وكان أحدهم على الأقل رجلًا ذا طموح شره، ولم يكونوا ليقدموا على مخالفة القانون بطريقة سافرة في ظل وجود أشخاص مثل ساندي يمكنهم أن يفضحوا تعدياتهم علنًا. ربما كانت الإغارة على جزيرة الخراف خطأً كبيرًا. كما أنها قد تكون بلا طائل. حتى وإن كانوا يفوقوننا عددًا، فيمكننا أن نستدعي مددًا. عرفتُ أن هناك نصف دزينة فقط من رجال الشرطة في نورلاند، كما أننا لا نستطيع الاعتماد بالكامل عليهم، ولكن من شأن مكالمة هاتفية واحدة إلى يالمارزهافن أن تحضر لنا دعمًا من متطوعين، كما أن ثمة سفينة تابعة للحكومة الدنماركية تجوب البحر في مكان ما حول مناطق الصيد. ومن شأن رسالة لا سلكية واحدة من يالمارزهافن أن تحضرها لتفرض القانون والنظام.

أقنعت نفسي تدريجيًّا بأن الأعداء قد لا يأتون من الأساس، فقد فررنا بخبث من دون أن يتمكن أحد من تتبعنا، وأفضل شيء يمكنني ولومبارد فعله هو أن نحوِّل هذه المهمة إلى عطلة لصيد الأسماك. لا شك في أن هذا الحال لن يستمر إلى الأبد. لن يمكننا أن نبقى في هذا الجزء الغريب من العالم طوال حياتنا، فلدينا الكثير من الالتزامات في الوطن. قررتُ أن نظل هنا لأسبوعين، وإذا لم يحدث شيء، فسنعتبر أن هارالدسن في أمان ونعود إلى إنجلترا.

لم يورثني قراري هذا شعورًا بالراحة، فلم أستطع الكف عن التفكير في كلمات ساندي. كان ساندي واثقًا أنَّ الأمور ستصل إلى ذروتها في القريب، وإلى جانب معرفته بأعدائنا أفضل من بقيتنا، كان حدسه نادرًا ما يخطئ. ثم تذكرت الكلمات التي قالها ماكجيلفري في الربيع. وتذكرت دينجرافيل الغامض الذي لم أره من قبل. كان وضعه مختلفًا عن الآخرين، فلن تكن لديه سمعة يخاف عليها، ولا وضع اجتماعي يخاطر به، كان خارجًا عن القانون شن الحرب على المجتمع ولن يتورع عن فعل أي شيء لتحقيق مآربه. لم يكن تروث وبارالتي سوى ابنَي آوى أجبرهما أسد على الخروج معه للصيد ليعثرا له على طريدة. كما أن ثمة مواجهة مؤكدة مع ساندي، ولم يكن ليتهرب منها. مع مشاركة دينجرافيل في الأمر، لم تعد هناك حدود لما قد يحدث. سوف يُصعِّد الأمور إلى مواجهة وحشية تنتهي إما بالموت أو بالحصول على الكنز. ولم نكن ضعافًا فحسب، بل لم يكن لدينا أمل في الانتصار في ظل وجود طفلين ضمن صفوفنا. سواءً بالحيلة أو بالقوة، سيتمكن من اكتشاف نقاط ضعفنا وسيستغلها دون رحمة لينتصر.

كانت حصيلة هذه الأفكار أني أصبحت شديد العصبية، واشتقت إلى وجود ساندي ليسرِّي عني، ولكن لم تكن ثمة أية دلالات على وصوله أو أي أخبار عنه. لم يساعد الطقس الضبابي أو المشهد القاتم الذي لم أتمكن فيه إلا من رؤية البحر الذي تجلده الأمطار وشبح جزيرة هالدر، والمستنقعات الرطبة والصخور السوداء التي تقطر ماءً، في رفع معنوياتي. كنا قادرين على رؤية القناة بوضوح، وخلال هذين اليومين لم تمر أي سفينة سوى سفينة جانحة عن مسارها، وسفينة بخارية ترفع العلم الدنماركي قال عنها أرناسون إنها تابعة للحكومة وخرجت بغرض دراسة الأحياء البحرية. كانت السفينة تبحر بسرعةٍ كبيرةٍ نحو الشمال، وتمخر عباب البحر، كما يُقال. كانت أساطيل مراكب الصيد تبعد أميالًا ناحية الغرب، واحتلت المراكب الأيسلندية الجانب الآخر من جزيرة هالدر. شعرتُ كما لو أن الضباب يحبسنا داخل عالم مظلم بعيد عن البشر العطوفين، عالم قد تحدث فيه أمور مريعة في أي لحظة. على الرغم من وجود بيتر جون معي، فقد خيم عليَّ شعور عميق بالوحدة. كما انتابني شعور مقيت بتوقع حدوث كارثة لم أتمكن من التخلص منه. وغزا نشيد بحارة سخيف ذاكرتي:

«انتبه، احذر من خليج بنين … واحد ينجو من كل أربعين.»

في صباح اليوم الثالث، غيرت الرياح اتجاهها لتهب نحو الشرق، واستيقظنا على مرأى سماءٍ زرقاء صافية، وتمكنا من رؤية جزيرة هالدر بوضوح، وانعكست أشعة الشمس بلطف على سطح البحر. ذكرني الجوُّ المنعشُ بجنوب أفريقيا، عندما كنت أخلد إلى النوم دائمًا، خلال حرب البوير الأولى، على أرض مبتلة دون عشاء وأستيقظ مدندنًا خالي البال تمامًا. كل ما في الأمر أني لم أتمكن من الاستمرار في كآبتي المنطقية، وانتقلتْ عدوى هذا المزاج المبتهج إلى بقية أفراد مجموعتي. كان من الصعب عليَّ أن أتصور أن هذا المكان المنعش المشمس قد يئوي أناسًا أشرارًا وأفعالًا إجرامية. ثم وصلتنا رسالة من ساندي أُبلغنا بها عبر الهاتف من يالمارزهافن. لم تقل الرسالة الكثير … فقط: «تأخرت، ولكني قادم. لا أعلم متى سآتي تحديدًا»، ولكني شعرت وكأنها قد خففت عن كاهلي بعض المسئولية. لم يخبرنا مكتب البريد في يالمارزهافن بتاريخ أو مكان إرسال الرسالة، ولم يكن بالإمكان اعتبارها تأكيدًا مكتوبًا على اقتراب وصوله.

طوال ذلك اليوم، وفي اليوم الذي تلاه، وضعنا همومنا خلف ظهورنا. فخرج هارالدسن عن صمته، وبدأ يمارس دور المُضيف ببراعة. واصطحبَنا إلى القرية وأرانا كيف يعيش سكانها، أماكنَ تجفيف الأسماك، والنساءَ العجائز الغريبات وهن يغزلن ويحكن ويصنعن الأصباغ المحلية باستخدام الأُشنَة والأعشاب البحرية ونبات إبرة الراعي والبرسيم. تحل الخراف في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية بعد الحيتان وأسماك القُد، وهي التي أعطت الجزيرة اسمها، وهي حيوانات لطيفة صغيرة الحجم شعثاء ذات صوف رائع. ثمة مثل نوردي يقول: «صوف الخراف هو ذهب نورلاند.» كانت قرية غريبة معبقة بروائح كريهة غير مألوفة، فقد كان علف الماشية في فصل الشتاء مكوَّنًا من لحم الحيتان المجفَّف، وكانت تلك الرائحة تنفذ إلى أنفك من على بُعدِ ميل. دار حديث رائع بيني وبين أبسالون طريح الفراش، صياد الطيور، وكان «خادمًا للملك»، امتلكت عائلته لأجيالٍ مزرعةً مُهداة من الملك شخصيًّا. كان هارالدسن يزرع أرضه من أجله؛ فقد هلك ابناه في البحر. وكان أبسالون يجلس في فراش مصنوع من أخشاب السفن يقص علينا حكايات، يترجمها هارالدسن، عن صيد الفقمات عندما كانت لا تزال ثمة فقمات في نورلاند، وحيوان الفظ الضخم الذي ضل طريقه من القطب الشمالي، ورحلات صيد الحيتان التي كانت تصبغ مياه الخلجان بلون الدم الأحمر. كانت يداه المعوجتان المُسِنَّتان تقبضان على البطاطين، وكان صوته عاليًا مثل إوزة، ولكن كانت قسمات وجهه تفيض بالطيبة مثل رجلٍ وَرِع.

خرجتُ من منزله أكثر سعادة مما دخلته، وزادت سعادتي أكثر عندما رأيت سفينة الأحياء البحرية الدنماركية ترسو في الخليج في جزيرة هالدر على الضفة الأخرى من القناة. أخبرني جريجارسن، المسئول عن قاربنا السريع، أن اسم السفينة هو: تشالدار، وأنها كانت تصطاد الكائنات البحرية بالشباك من عند رءوس الجزر الشمالية. قال جريجارسن: «ستواصل هذه الرياح الهبوب، فبحارة هذه السفينة مهرة، ولا يختارون الرسو إلا إذا كانت الرياح ستهب بشكل ثابت من الشرق.» شعرت بأن هذه السفينة الصغيرة المنظمة حافظت على اتصالنا بالعالم المتحضر بطريقة ما.

كان هارالدسن مُضيفًا جيدًا تلك الأيام، كما قلت سابقًا، ولكنه كان غريب الأطوار. عندما كنا في ليفرلو، عندما تخطى مشاكله العصبية، كان أشبه برجل إنجليزي عادي، بغض النظر عن اللكنة الأجنبية في حديثه. ولكنه كان في موطنه نورديًّا أصيلًا، فكان متعمقًا في معرفته بالجزيرة، وكان يستمتع بموطنه بشغف رجل عاد من المنفى. وأصبح الرجل الذي كان لا يكاد ينطق ثرثارًا، كما لو كان يريد أن يعبر عن نفسه لنا ويدعنا نطلع على أسرار حياته. واعتاد أن يقص علينا الحكايات الشعبية كما لو كان يؤمن بصحتها؛ كيف أن الفقمات هي أرواح جنود الفرعون الذين غرقوا في البحر الأحمر، وطائر النمنمة الذي ينقر أركان المنازل كان فأرًا ولكن حوَّلته العفاريت بسحرها إلى طائر. كانت العفاريت هي الوباء المستشري الرئيسي في نورلاند، ومن بعدها الجنيات وعرائس البحر. كانت هذه الكائنات من شعب هولدا، وهولدا شيطانة من نوعٍ ما، وكانت على استعداد دائم لتسبب المتاعب لبني البشر. فكانت هذه الكائنات تُغرق المراكب، وتعذب الماشية، وتمص دماء الحملان الصغيرة، حتى إنها كانت تختطف الفتيات الصغيرات، وكان يدير عينيه لينظر إلى أنَّا بقلق وهو يقول ذلك.

كان ملمًّا بتاريخ الجزر، بدايةً من حكاية تروند من جايت القديمة الشهيرة، والتي تُعد من الملاحم النوردية، إلى الأيام اللاحقة لغزو القراصنة الجزائريين لسواحل الجزر وإجبار سكانها على صعود التلال والاختباء في الكهوف البحرية. فهمت المغزى من هذه الأحاديث بمرور الوقت. كان يذكر نفسه — ويذكرنا كذلك — بأن حياة النورديين لطالما كانت محفوفة بالمخاطر، وأن ما يتوقع حدوثه في المستقبل القريب هو نفسه ما اضطرَّ أبناء جلدته إلى مواجهته في الماضي. وكان من الجلي أن اتباعه التقاليد الأزلية هو سلواه. لم يكن أيٌّ من شكوكي يراوده، فكان يؤمن بأنه من المؤكد أن نرى ما قُدر لنا مثلما أنه من المؤكد أن تشرق الشمس غدًا.

كان هارالدسن على النقيض تمامًا مما كان عليه في ليفرلو، فقد عادت أعصابه لتثور، ولكن بطريقة مختلفة. فقد أصبح حديثه مفعمًا بالحيوية، وراقيًا، ومنمقًا، وكان يتحدث عادةً كما لو كان شخصيةً من شخصيات رواية، كما لو أن الكلمات لم تكن كلماته. كانت ثمة أوقاتٌ يبدو فيها كما لو كان «ممسوسًا»، كانت عيناه تدوران في محجريهما، وصوته يصبح أجش ومتحشرجًا، وتصبح لغته أقرب إلى لغة أحد أنبياء بني إسرائيل. كان هذا يحدُث عادةً عندما يقص علينا إحدى الحكايات الملحمية، وكان يفعل ذلك بحماسة مفرطة كما لو كان يقص علينا تجاربه الشخصية. ثمة أمر واحد غريب لاحظته، وهو أنه كان دائم الحديث عن النار، كما لو أن النار هي قَدَر النورديين. في هذا المكان الرطب الملحي، لا أعتقد أن النار تُعَد عنصرًا خطيرًا، وقد يعتقد المرء أن الريح والأمواج هي الأعداء الحقيقية. ولكن كانت القصص دائمًا ما تقول إن النار هي ما ساعدت عائلته على تحقيق النصر، وبواسطة النار يهلك تعساء الحظ. والنار هي التي استخدمها شعب هولدا لارتكاب أكثر أفعالهم شرًّا. والنار التي توجد في مؤخرة رأسه بطريقة ما، هي ما أكثر ما يخشاه على نفسه وأحبائه. فكان يقول: «ثم جاءت النار»، كما لو أن هذه هي الخاتمة الطبيعية لكل شيء.

•••

كانت أنَّا وبيتر جون الشخصين الوحيدين السعيدين. فقد انتهى الجفاء القديم بينهما وأصبحا مثل الأخ وأخته. كانت أنَّا سيدة الجزيرة، وحظيت بضيف يستحق أن تقدم له كنوزها، وكان أمام الصبي عالم كامل ينتظره لكي يستكشفه؛ ومن ثَم كان متحمسًا جدًّا. كان قسم كبير من الجزيرة شبيهًا باسكتلندا، باستثناء أن العشب كان ضعيفًا. وكانت ثمة مراعٍ مزهرة مبهجة بجوار الجداول تمامًا كتلك الموجودة في مروج إنجلترا. لم أرَ في حياتي ازدهارًا أفضل للنعناع وإكليل المروج، واللُّخنيس وإبرة الراعي، وكانت أزهار السوسن وأذريون الماء منتشرة في كل مكان على مرمى البصر، والمنحدرات الجافة مزدانة بأزهار اليعقوبية بمختلف ألوانها. كان الكلأ في أغلبه من أعواد البرسيم الطويلة. ونما عرق إنجبار على التلال بوفرةٍ لم أرها في أي مكانٍ آخر، وكان النساء المسنات يطحنَّ جذوره في الرَّحى كبديل لنبات الجُنجل. كان أغلب الطيور مألوفة، ولكنها كانت متوفرة بأعداد هائلة — طيور الجيلموت وأبو موس، وطيور ببغاء البحر الوديعة مثل العصافير، وطيور الأخرق الآتية من مستعمرة تقع على الجروف الغربية. الطيور السابقة هي الطيور البحرية، أما بالنسبة إلى الطيور البرية، فقد كانت الجزيرة تضم جميع أنواع الطيور الأرضية التي يعرفها بيتر جون فيما عدا طيور الطيهوج. لم تكن هناك صقور، فيما عدا صقرًا أيسلنديًّا واحدًا لمحناه سريعًا وهو يحلِّق فوق القناة. كان بيتر يطلق موراج كثيرًا لتصطاد، واصطادت لنا طيور الشنقب والكروان لنأكلها، وكادت تقتل إحدى تلك القطط الأيسلندية الزرقاء الصغيرة أمام باب أحد الأكواخ.

أعتقد أني ذكرت سابقًا أن ابني ليس فارسًا، ولكن أجبرَته أنَّا على أن يحصل لنفسه على أحد الأحصنة النوردية القزمة، وكانا يطوفان أنحاء الجزيرة معًا. ولكن كان أكثر ما يشغفان به هو البحر الذي كان بالأمر الجديد بالنسبة إلى بيتر الذي نشأ بعيدًا عنه. خلال الجو الصحو الدافئ، كانا يقضيان ساعات طوالًا إما في السباحة وإما في الإبحار. كان بيتر سبَّاحًا جيدًا، أما أنَّا فكانت مذهلة، كان أرناسون العجوز يمزح قائلًا إن ثمة غشاءً بين أصابع قدميها، وأنها سليلة الفقمات، ولكنها كانت تدحض أقواله بعرض قدميها الجميلتين.

لم يكن ثمة تنوعٌ في المراكب على الجزيرة، فقط القارب السريع الذي كان يعتني به جيكوب جريجارسن، والذي لم يكن يُستخدم إلا في الرحلات الطارئة إلى يالمارزهافن لإحضار المؤن والرحلة الأسبوعية الوحيدة لإحضار البريد، بالإضافة إلى قاربٍ نوردي عتيق أو اثنين، وكانا عبارة عن قاربين مدبَّبَي الطرفين، ذوَي قائمين خلفيين مرتفعين، يبلغ طول كل منهما عشرين قدمًا وعريضَين جدًّا عند الوسط. وكان ثمة عدد ضئيل من قوارب الكاياك في المنازل، من نوعية قوارب الإسكيمو التي تشبه زوارق روب روي الطويلة، وكانت تلك القوارب تُجَر إلى البحر وتُطلَق لتكون وسيلة الترفيه الرئيسية للأطفال. كانت أنَّا بارعة في الإبحار بقاربها، وكانت تقلبه مثل السلحفاة ثم تعيده إلى وضعه الطبيعي، وكان بيتر جون تلميذها النبيه. كان الاثنان — وهما يتسابقان في الخليج ويبحران لمسافة بعيدة في القناة — يشبهان زوجًا من البط الغطاس. كنا نواجه صعوبة كبيرة في إرجاعهما إلى المنزل لتناول الطعام، فقد كانت تلك الأيام طويلة النهار تغريهما بقضاء وقت أطول في الخارج، ولم يكن أيٌّ منهما يحمل ساعةً، فكانا يتجولان حتى منتصف الليل ويعتقدان أنهما عادا إلى المنزل في موعد العشاء. كانت أنَّا تأمل في وصول قطيع من الحيتان وأن يتجمع جميع سكان نورلاند لصيدها. لم ترَ حوتًا في حياتها إلا مرةً واحدةً، ولكنه لم يفارق مخيلتها. كان حوتًا صغيرًا من فصيلة الحوت الطيار — يطلقون عليه في اسكتلندا اسم «حوت كايين» — وسمعتها وهي تقص على بيتر جون الإثارة الجامحة التي شعرت بها خلال المطاردة، ومخاطر صيد الحيتان الجمة. كانت تتحدث وكأنها فتاة صغيرة متعطشة للدماء من الفايكينج، وكانت مصرة على أنهما يجب أن ينضما لعملية الصيد في قاربَيهما وأن يشهدا عملية القتل بنفسَيهما. وصممت في ذهني أنهما لن يشاركا في مثل هذه المغامرة.

•••

لم تكن أنَّا قلقة من شيء، فلم يخبرها هارالدسن بسبب عودته إلى جزيرته، وقطع بيتر جون عهدًا على نفسه بألا يخبرها بشيء. كان يعرف القصة برمتها بالطبع، وبما أنه كان دائم التنقل في الجزيرة، نبهتُه ألا يغفل عن أي شيء قد يثير الشكوك. كان يحمل منظاره المكبر معه طوال الوقت، وكنت واثقًا من عدم دخول أي أحد إلى الجزيرة من دون أن يلاحظه. كان من الجيد امتلاك مثل هذا المُستَطلِع، فقد كانت الجزيرة برمتها غير مأهولة في هذه الفترة، فيما عدا المنزل والقرية. وكان يرى جليًّا أني قلق، وبذل أقصى ما في وسعه لينفذ تعليماتي بحذافيرها. لم يكن ثمة شيء يبلغني به في اليوم الأول من الطقس الجيد. وفي اليوم الثاني أخبرني بأنه اكتشف دلالات على زيارة من مركب تعمل بالجازولين في الخليج الذي يقع على الجانب الآخر من الجزيرة. وعندما أخبرت هارالدسن بذلك، لم يهتم. وقال: «ترسو بعض مراكب الصيد على الجزيرة طلبًا للماء، والكثير منها تحمل قوارب ذات محركات خارجية.»

ولكن في اليوم الثالث، جاءني الصبي تعلو وجهه أمارات القلق الشديد.

وقال: «يقول جريجارسن إن القارب السريع مُعطل. ثمة خطبٌ ما في المحرك؛ شيء سيئ، وسيحتاج إلى إحضار رجلٍ من يالمارزهافن لإصلاحه.»

قلت بانزعاج: «كيف حدث ذلك بحق السماء؟» فقد كان القارب السريع هو وسيلة انتقالنا الوحيدة إلى العالم خارج هذه الجزيرة. ثم استطردت: «إنه لم يخرج به من الجزيرة.»

«إنه يعتقد أن شيئًا أصابه في الليل. ويقول إن بعض الحمقى كانوا يعبثون به.»

توجهت إلى المرفأ وألقيت نظرة على القارب. بدا واضحًا أن ثمة ضررًا شديدًا قد وقع. لقد اختفت شمعة الإشعال، وقُطع أنبوب التغذية الرئيسي. كان جريجارسن رجلًا مسنًّا أحمق، أصيبت ساقه بالعرج أثناء رحلة صيد في جرينلاند، وكانت معلوماته الميكانيكية تقتصر على الأساسيات فقط.

سألته: «كيف حدث هذا؟» فقد كان يتحدث نوعًا من الإنجليزية الأمريكية تعلَّمها عندما كان يعمل مساعدًا على متن إحدى السفن الجوالة من بوسطن. استأنفت: «هل تسير أثناء نومك؟»

هز رأسه نفيًا. وقال واجمًا: «شعب هولدا.»

أقلقتني هذه الحادثة كثيرًا؛ فالضرر حدث على يد شخص ما يملك الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الغاية. لم يكن بيدنا فعل شيء سوى الاتصال بورشة صغيرة لإصلاح السفن في يالمارزهافن لنطلب منهم إرسال رجل لإصلاح القارب. ولكني لم أفعل ذلك على الفور؛ إذ كنت على موعد مع هارالدسن لنتمشى حتى الطرف الشمالي من الجزيرة، فأجلت الأمر حتى نعود عند موعد الغداء.

لم أستمتع بتلك التمشية، فقد ظللت أفكر متحيرًا في أمر القارب السريع، ولم أتمكن من التخلص من فكرة أن ثمة شيئًا بدأ يقض سلام الجزيرة. لم أتمكن من فهم ما حدث، فيما عدا فرضية أن جريجارسن كان سكران، أو أصيب بجنون مؤقت ونسي ما فعل. كان الأمر مزعجًا جدًّا، ففي اليوم التالي، كان من المفترض أن نرسل القارب إلى يالمارزهافن لإحضار الخطابات، وكنت أتوق إلى سماع أخبار من ساندي. شعرت كأني جندي قابع في أرض معركة محتملة دون وجود القائد المسئول. لم يُسَرِّ عني حديث هارالدسن شيئًا. كان أشبه بعرافة غامضة، وجاء رده الوحيد على شكواي: «لا مناص من أن ترى عيناك قدرَك.» كذلك بدأ الطقس يتغير. بحلول منتصف النهار، اكفهرَّت السماء الزرقاء، وبدت كأنها اقتربت من الأرض فجأة. واختفت معالم تلال جزيرة هالدر التي كانت واضحة، وتحوَّلت مياه القناة من مياه متلألئة متألقة إلى مياه معتمة عَكِرة. وكان كل ما قاله هارالدسن عن الموضوع هو: «ران يُحْمِي أفرانه»، ولم يهدئني أن أعرف أن ران هو إله البحر.

اتصلت بعد الغداء مباشرة بجزيرة يالمارزهافن، ولكن الاتصال لم يكتمل. لم يكن ثمة أي خطب بالهاتف داخل المنزل، وربما كانت المشكلة في الطرف الآخر، إلا أن حادثة القارب السريع ملأت نفسي بالشكوك، فخرجت وحدي في عصر ذلك اليوم لأتتبع خط الهاتف. امتد خط الهاتف على أعمدة قصيرة تمر بجوار مؤخرة الحديقة ثم يهبط إلى شق في الأرض يمتد إلى الشاطئ على مسافةٍ تقِل عن ربع ميل من القرية. كان خط الهاتف يبدو سليمًا حتى حافة المياه. ثم تلقيت صدمة كبيرة. كان خط الهاتف يمتد داخل البحر في غلاف نحاسي يخرج من رصيف خرساني صغير. وعند هذه النقطة، بدا شكل الكابل غريبًا، فمرَّرت يدي عليه. ورفعته فوجدته مقطوعًا بعناية.

كان هذا كفيلًا بأن يؤكد شكوكي. كان الضباب يزداد كثافةً. عندما كنت أسير مع هارالدسن، كنت أستطيع رؤية الجانب الآخر من القناة ورؤية السفينة تشالدار تقف ساكنةً في مرفئها الصغير بعد عودتها من جولاتها التي تقوم بها. ولكن أصبحت معالم هالدر مطموسة تمامًا الآن، ولم أكن أستطيع الرؤية داخل البحر إلا لبضع مئات من الياردات فقط. شعرت كما لو أننا قد حُبِسنا في عالم بشع حيث يمكن حدوث أي شيء. حُبِسنا نحن وأعداؤنا، فقد كنت واثقًا تمامًا من أنهم أصبحوا قريبين. لقد قطعوا اتصالنا بالعالم الخارجي، وأصبحنا تحت رحمتهم؛ ثلاثة رجال، وطفلان، وبضعة مسنين. لم أحاول التفكير في المكان الذي أتوا منه أو كيف وصلوا. شعرتُ بوجودهم وسط الضباب من حولي، شعب هولدا الذين يملكون طرقًا خاصة بهم للتنقل في البر والبحر.

عدوت عائدًا إلى المنزل شاعرًا بشيءٍ أقرب إلى الذعر. كان لومبارد وهارالدسن قد خرجا للتريُّض، ولكي أشغل نفسي بشيءٍ ما، فحصت ما نملك من أسلحة بعناية. كان بحوزتنا نصف دزينة من البنادق، وأربع بنادق صيد، وكمٌّ وفير من الذخيرة. وكان ثمة عدد من المسدسات يساوي عددنا، بالإضافة إلى مسدس إضافي جهزته من أجل بيتر جون.

عندما برزت صورته في ذهني، تحول كامل قلقي ناحية الصغار. إذا ما وصل الأشرار إلى الجزيرة بالفعل، فسوف يقعون تحت رحمتهم. عاد هارالدسن ولومبارد في موعد الشاي، ولكن لم تعد أنَّا أو بيتر جون. عندما سمع هارالدسن قصتي، خرج من حالة الحالم النوردي وأصبح الوالد الشارد. زاد الضباب كثافةً، وسنكون أثناء بحثنا عنهما كالعميان، ولكننا جمعنا طاقم الحديقة وجريجارسن، وانطلقنا في اتجاهات شتَّى.

حل موعد العشاء دون أن يظهر الصغيران. ظللنا نبحث في أنحاء الجزيرة متعثرين وسط تلك العتمة الضبابية التي تميز ليل الشمال. وحلَّ منتصف الليل ونحن لا نزال نبحث. وحتى ساعات الصباح الأولى، لم يظهر لهما أثر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤