مجلس العدل
(هذا المجلس يُذكِّرنا ببعض المجالس الدولية، ويقوم على حكاية شعبية
سمعتُها في الصبا، ولا أظنُّ أنها مكتوبة في كتاب، ولكنَّها قد تكون من الحكايات التي
قام
شعبنا بتأليفها في وقتٍ ما لستُ أدري تحت أيِّ ظروف، وقامت بنشرها الأفواه بعدئذٍ في
كل
زمان … إنها قصة فرَّان نشأت بينه يومًا وبين قاضي المدينة صداقةُ مصلحةٍ … وإليكم ما
حدث
…)
(الفرَّان يلتقي بالقاضي وهو داخل إلى الجلسة.)
القاضي
:
ما لك يا صديقي الفرَّان؟
الفرَّان
:
أنقذني أيُّها القاضي!
القاضي
:
ماذا جرى؟
الفرَّان
:
الإوزَّة.
القاضي
:
أيُّ إوزَّة؟
الفرَّان
:
الإوزَّة المُحمَّرة التي أرسلتُ إليك نصفها أمس …
القاضي
:
على فكرة … كانت لذيذة الطعم، شهيَّة المنظر بدُهنها الوردي، ورائحة لحمها التي
يسيل لها اللعاب!
الفرَّان
:
صاحبها جاء يطالب بها.
القاضي
:
أهذ ما يُزعِجك؟!
الفرَّان
:
ماذا أقول له؟
القاضي
:
قل له طارت.
الفرَّان
:
طارت؟! … بعد أن أدخلتُها الفرن؟!
القاضي
:
وما له؟!
الفرَّان
:
وإذا لم يُصدِّق؟
القاضي
:
هاته لي.
الفرَّان
:
وهو كذلك.
(يفترقان … الفرَّان يذهب من حيث جاء، والقاضي يدخل إلى جلسته … بعد
ساعةٍ، يأتي الفرَّان وخلفه جماعة من الناس يدفعون به إلى مجلس القاضي … وهو يُدافِعهم
ويُشاكِسهم في غير خشية ولا حياء … حتى يمثُل بين يدي القاضي وهو يَصيح فيهم ويُبعدهم
عنه.)
القاضي
:
ما هذا الشغب؟
الفرَّان
:
هذا الرجل يقول إني لص.
القاضي
:
مَن هذا الرجل؟
الفرَّان
:
رجل يزعم أني أخذت إوزَّته!
القاضي
:
تقدَّم يا رجل!
صاحب الإوزَّة
:
يا سيدي القاضي!
القاضي
:
من أنت؟
صاحب الإوزَّة
:
أنا صاحب الإوزَّة.
القاضي
:
هل كانت لك إوزَّة؟!
صاحب الإوزَّة
:
نعم يا سيدي القاضي … وأخذها مني هذا الفرَّان وهي في الصينية، وأدخلها في فرنه
أمامي … وعندما طالبتُه بها، رفض ردَّها.
القاضي
:
ماذا قال؟
صاحب الإوزَّة
:
قال شيئًا لا يدخل العقل! … طبعًا حجة مزعومة للاستيلاء على إوزَّتي.
القاضي
:
لا تتفلسف! … قُل نَصَّ كلامه!
صاحب الإوزَّة
:
قال إنها طارت … أتُصدِّق ذلك يا سيدي القاضي؟!
القاضي
:
وهل أنت لا تُصدِّق؟
صاحب الإوزَّة
:
لا طبعًا.
القاضي
:
هل أنت مؤمن بالله؟
صاحب الإوزَّة
:
مؤمن بالطبع.
القاضي
:
ألا تؤمن بقدرته؟!
صاحب الإوزَّة
:
طبعًا أُومِن.
القاضي
:
ألا يستطيع الله أن يُحيِيَ العظام وهي رميم؟!
صاحب الإوزَّة
:
يستطيع … ولكن …
القاضي
:
كفى! … لا يوجد لكن … إمَّا أنت مؤمن بالله وقدرته … وإمَّا أنك كافر زنديق حلَّت
عليك لعنته.
صاحب الإوزَّة
:
مؤمن بالله وقدرته.
القاضي
:
إذن، اعترِف أنه يستطيع أن يجعل إوزَّتك تطير من الفرن.
صاحب الإوزَّة
:
يستطيع … ولكن …
القاضي
:
اسمع، هي كلمة واحدة: هل تطير الإوزَّة بقدرة الله أو لا تطير؟
صاحب الإوزَّة
:
تطير.
القاضي
:
انتهينا.
صاحب الإوزَّة
:
لكن يا سيدي القاضي … هذه الإوزَّة التي أعدَدتُها لطعامي وطعام أولادي، من يدفع
لي ثمنها؟! … هل يرضى الله أن تطير إوزَّتي وأتضوَّر أنا وأهلي جوعًا؟!
القاضي
:
هذه مشكلتك أنت مع الله … وليس مع هذا الفرَّان!
صاحب الإوزَّة
:
سبحان الله! … وثمن الإوزَّة … من المسئول عنه؟! … أليس هو الفرَّان؟!
القاضي
:
أتُطالِب الفرَّان بثمن الإوزَّة؟!
صاحب الإوزَّة
:
ومَن غيرُه أمامي أُطالِبه؟!
القاضي
:
يا رجل … كُن منطقيًّا … من الذي أَطَارَ إوزَّتك؟ … الله أو الفرَّان؟!
صاحب الإوزَّة
:
والله يا سيدي القاضي …
القاضي
:
لا تلف ولا تدور! … تكلَّم بالعقل … هل الفرَّان له القدرة على أن يجعل إوزَّتك
تطير بعد تحميرها في الفرن؟!
صاحب الإوزَّة
:
لا.
القاضي
:
ومَن الذي يملك القدرة على ذلك؟!
صاحب الإوزَّة
:
الله.
القاضي
:
إذن، ما دام الله هو الذي أَطَارَ إوزَّتك، فكيف تسأل وتُطالِب الفرَّان؟!
صاحب الإوزَّة
(في ارتباكٍ)
:
لا أدري!
القاضي
:
اسمع يا رجل … المحكمة ستُخفِّف عنك الحكم؛ مراعاةً لظروفك النفسية.
صاحب الإوزَّة
:
الحكم؟!
القاضي
:
ألم تسُبَّ الفرَّان قائلًا له يا لص؟!
صاحب الإوزَّة
:
إنه يا سيدي القاضي …
القاضي
:
حكمت عليك المحكمة بجنيه غرامة.
صاحب الإوزَّة
:
أنا؟! … وهو؟!
القاضي
:
هو براءة.
صاحب الإوزَّة
(صائحًا)
:
يا ناس! … إوزَّتي … ملكي … يستولي عليها هذا الرجل … ويطلع هو صاحب
الحق؟!
الفرَّان
:
سامع يا حضرة القاضي؟! … يقول إني أنا استوليتُ على ملكه!
القاضي
(لصاحب الإوزَّة)
:
عيب … عيب الادعاء والاعتداء على الناس الأبرياء!
الفرَّان
:
تسمح لي يا حضرة القاضي أُناقِشه وأُثبِت حقوقي؟
القاضي
:
تفضل!
الفرَّان
(لصاحب الإوزَّة)
:
قل لنا يا هذا … منذ متى كانت لك هذه الإوزَّة؟!
صاحب الإوزَّة
:
طول عمرها كانت لي.
الفرَّان
:
وقبل أن تكون لك … أين كانت؟
صاحب الإوزَّة
:
كانت في البيضة.
الفرَّان
:
ولمَن كانت البيضة؟
صاحب الإوزَّة
:
كانت لي أيضًا.
الفرَّان
:
ومِن أين جاءتك البيضة؟
صاحب الإوزَّة
:
من الإوزَّة التي باضتها.
الفرَّان
:
وهذه الإوزَّة الأم، من أين جاءتك؟
صاحب الإوزَّة
:
كانت عندي … مع الكتاكيت … وربَّيتُها بنفسي.
الفرَّان
:
وقبل أن تربِّيها بنفسك؟!
صاحب الإوزَّة
:
كانت بيضة طبعًا.
الفرَّان
:
وأمُّ هذه البيضة؟
صاحب الإوزَّة
:
إوزَّة أخرى بالطبع.
الفرَّان
:
وأين هي هذه الإوزَّة الأخرى؟
صاحب الإوزَّة
:
أيُّ إوزَّة أخرى؟
الفرَّان
:
الإوزَّة الجدَّة … أين هي؟
صاحب الإوزَّة
:
الجدَّة؟!
الفرَّان
:
نعم … التي باضت البيضة التي خرجت منها الإوزَّة التي باضت البيضة التي فقست
وخرجت منها الإوزَّة موضوع النزاع؟
صاحب الإوزَّة
(يلتفت إلى القاضي)
:
يا سيدي القاضي … ما دخل هذا كله في موضوع إوزَّتي اليوم؟!
القاضي
:
هذا مهمٌّ جدًّا … لإثبات حق هذا الفرَّان!
صاحب الإوزَّة
:
شيء عجيب! … حقه في ماذا؟!
القاضي
:
لا تُراوِغ يا رجل! … أجب عن سؤاله!
صاحب الإوزَّة
:
ما هو الموضوع بالضبط؟
القاضي
:
وبعدها معك يا رجل! … أنت الآن أمام محكمة تريد الوصول إلى حل عادل … اترك
الفرَّان يتكلَّم بكل حرية ليُثبِت حقوقه.
الفرَّان
:
أرأيتَ يا سيدي القاضي الظلم والاضطهاد؟!
القاضي
:
دعك منه … تكلَّم … نحن كلنا نستمع إليك!
الفرَّان
:
تلك الإوزَّة الجدة التي باضت البيضة التي خرجت منها الإوزَّة التي باضت هذه
البيضة التي أخرجت هذه الإوزَّة، كانت يومًا لي أنا وملكي.
القاضي
:
سمعتَ يا رجل؟
صاحب الإوزَّة
:
ما هذا الكلام؟!
القاضي
:
كلام واضح كالشمس!
صاحب الإوزَّة
:
الإوزَّة الجدَّة؟! … شيء مضحك! … والإوزَّة الوالدة … ما مركزها هي
الأخرى؟!
القاضي
:
الوالدة لا تهمُّنا … المهم الجدَّة.
صاحب الإوزَّة
:
وما هو دليله على أن جدة إوزَّتي كانت ملكه؟
القاضي
:
وما هو دليلك أنت على أنها لم تَكُن ملكه؟!
صاحب الإوزَّة
:
وما قيمة ذلك إذا كانت كل أجيال البيض وما خرج منها، كانت دائمًا ملكي وتحت
يدي؟!
القاضي
:
أتستطيع أن تُقسِم بالأيمان المُغلَّظة أنَّ جميع أجيال البيض والإوز كانت ملكك
وتحت يدك؟! … لاحظ يا رجل أنك إذا أقسمتَ كذبًا طبَّقنا عليك جريمة الشهادة
الزور!
صاحب الإوزَّة
:
ما هو المقصود من جميع الأجيال؟
القاضي
:
جميع الأجيال يعني جميع الأجيال … الكلام واضح كالشمس!
صاحب الإوزَّة
:
هل تدخل في ذلك مثلًا أول إوزَّة وُجِدت في الخليقة؟! … أو بعبارة أخرى ستنا حواء
الإوزَّة؟!
القاضي
:
أتمزح مع المحكمة؟!
الفرَّان
:
تفرَّج يا سيدي القاضي … يحلو له الهزار أمام مجلس العدل المُوقَّر!
القاضي
:
اسمع يا رجل! … سأعتبر كلامك هذا تهرُّبًا وعجزًا أمام أدلة الفرَّان
الناصعة!
صاحب الإوزَّة
:
اسمحوا لي أسأل … بكل احترام: ماذا تريدون مني؟
الفرَّان
:
رد شرفي!
القاضي
:
ها هو قد أخبرك.
صاحب الإوزَّة
:
وكيف يمكن ذلك؟!
الفرَّان
:
الاعتراف بشرعية وضعي.
صاحب الإوزَّة
:
وضعه؟! … أيُّ وضع هذا؟!
القاضي
:
ألم تَقُل إنه استولى على إوزَّتك بغير وجه حق؟!
صاحب الإوزَّة
:
نعم … وما زلتُ أقول … وقد حكمتَ عليَّ بجنيه غرامة! … فماذا تريد أكثر من
ذلك؟!
الفرَّان
:
إنه مُصِرٌّ يا سيدي القاضي … مُصِرٌّ على موقفه!
القاضي
:
فليُصِرَّ كما يشاء … يكفي أن المحكمة قد برَّأتك أنت وصادقت على أقوالك، ولم
تلتفت إلى أقواله … وحكمت عليه بالغرامة لعدوانه عليك بالافتراء … والآن، تفضَّل
انصرف أيها الفرَّان الفاضل، مُعزَّزًا مُكرَّمًا مُشيَّعًا بعطف المحكمة.
الفرَّان
:
شكرًا يا سيدي القاضي … وليَحْيَ العدل!
صاحب الإوزَّة
:
العدل! … لا حول ولا قوة إلا بالله!
(الفرَّان يخطو للانصراف … ولكن جماعة من الناس في آخِر الجلسة
تصيح.)
الناس
:
لا تدعه ينصرف يا حضرة القاضي!
القاضي
:
مَن هؤلاء؟
الناس
:
نحن جماعة اعتدى علينا هذا الفرَّان!
القاضي
:
كيف يمكن ذلك؟
(أحد الجماعة معصوب العين، يتقدَّم ويقف بين يدي القاضي.)
المعصوب
:
أنا أقصُّ عليك ما حدث يا سيدي القاضي.
القاضي
:
قُل ولا تُطِل!
المعصوب
:
كنتُ أسير في طريقي أمام فرن هذا الفرَّان.
القاضي
:
ولماذا اخترتَ هذا الطريق يا رجل؟!
المعصوب
:
إنه طريقي المعتاد إلى منزلي.
القاضي
:
استمِر!
المعصوب
:
فلمَّا وصلتُ إلى الفرن، وجدتُ مشاجرة بين الفرَّان وهذا الرجل صاحب
الإوزَّة.
القاضي
:
لا شأن لك بالإوزَّة!
المعصوب
:
طبعًا لا شأن لي … ولكن الذي رأيتُه هو العراك بين الرجلَين والتلاكم بالأيدي …
فتدخلتُ أُخلِّص أحدهما من الآخر، وإذا بالفرَّان يقول لي: «ابتعد يا وغد!» … ثم
لطمني على عيني هذه لطمة عنيفة أفقدتها البصر.
القاضي
:
ولماذا تتطفَّل وتتدخَّل بينهما؟!
المعصوب
:
أردتُ منع الشر.
القاضي
:
ألم تسمع بالمثل الذي يقول: ما ينوب المخلص إلا تمزيق هدومه؟!
المعصوب
:
إن الفرَّان مزَّق عيني … وفعلها عمدًا … ولم تكن هناك حاجة إلى ذلك.
القاضي
:
وهذه العين فقدت البصر تمامًا؟
المعصوب
:
تمامًا.
القاضي
:
يعني غير موجودة الآن.
المعصوب
:
غير موجودة بالمرَّة.
القاضي
:
وما هو الموجود إذن؟
المعصوب
:
عيني الأخرى.
القاضي
:
تقصد عينًا واحدة.
المعصوب
:
نعم … واحدة.
القاضي
:
إذن نعتبر العين المفقودة غير موجودة.
المعصوب
:
بالتأكيد.
القاضي
:
فهي في حكم العدم … وكأنَّها لم تكن.
المعصوب
:
طبعًا.
القاضي
:
إذن نتصرَّف على أساس أنك تملك عينًا واحدة … هي هذه المبصرة الموجودة أمامنا في
الجلسة.
المعصوب
:
بدون شك.
القاضي
:
العدل إذن يجب أن يأخذ مجراه.
المعصوب
:
بارك الله فيك يا سيدي القاضي!
القاضي
:
والعدل يقول: «العين بالعين» … سامع يا رجل يا مظلوم؟! … العين بالعين! … وبناءً
على ذلك، عليك أن تفقأ للفرَّان عينًا، وعلى الفرَّان أن يفقأ لك عينًا.
المعصوب
:
أيُّ عين؟!
القاضي
:
العين الموجودة أمامنا في الجلسة الآن.
المعصوب
:
هذه العين المبصرة؟!
القاضي
:
وهل لك عين أخرى يمكن أن تُفقَأ؟!
المعصوب
:
والعين المفقودة؟!
القاضي
:
لا تُغالِط يا رجل! … هذه خارج الحساب.
المعصوب
:
خارج الحساب؟!
القاضي
:
طبعًا … ألم تعترف الآن يا رجل أمام المحكمة أن المفقودة غير موجودة، وأنَّها في
حكم العدم؟! … فكيف تبني الأحكام على ما هو معدوم؟!
المعصوب
:
لكن يا سيدي القاضي.
القاضي
:
أتعترض يا رجل على أحكام القانون؟!
المعصوب
:
لا أعترض، ولكن …
القاضي
:
ولكن ماذا؟ … إن من المبادئ المُقرَّرة أن العين بالعين، والسن بالسن … هذه مبادئ
العدل، وقد أعطيناك حقَّك طبقًا لمبادئ العدل!
المعصوب
:
نعم يا سيدي … ولكن ذلك سيجعلني أعمى.
القاضي
:
ولكنَّك ستأخذ حقَّك!
المعصوب
:
حقِّي … أن أصير أعمى؟!
القاضي
:
في نظير ذلك، ستأخذ عين غريمك.
المعصوب
:
ولكنَّه سيُبصِر بالعين الأخرى.
القاضي
:
لأن له عينَين.
المعصوب
:
وأنا كنتُ أملك عينَين!
القاضي
:
ستعود إلى المُغالَطة!
المعصوب
:
وإذا رفضتُ؟
القاضي
:
رفضتَ ماذا؟
المعصوب
:
أن يفقأ كلٌّ منا عينَ الآخَر.
القاضي
:
ترفض الحكم؟!
المعصوب
:
وأنصرف إلى حال سبيلي، ولا أُطالِب بشيء، وحسبي الله.
القاضي
:
إذن أنت رافض حكم المحكمة!
المعصوب
:
المحكمة المُوقَّرة أرادت أن تُنصِفني وتُعطِيني حقِّي، وأنا متنازل عن طيب خاطر
عن هذا الحق!
القاضي
:
هذا يُعتبَر استهتارًا واستخفافًا بأحكام المحاكم … وبناءً عليه، حكمت عليك
المحكمة بجنيه غرامة!
المعصوب
:
وأخرج بغرامة؟! … يا ناس! … يا هوه!
(يخرج الرجل المعصوب من قاعة الجلسة وهو يضرب كفًّا بكف.)
القاضي
(يُنادي)
:
غيره!
(يتقدَّم من بين الجماعة التي في آخِر الجلسة زوج ومعه زوجته
الشابَّة.)
الزوج
:
يا سيدي القاضي … أنا وزوجتي هذه كنا نسير أمام الفرن.
القاضي
:
أنتما أيضًا؟!
الزوج
:
وزوجتي حامل.
القاضي
:
وما دخل الحمل في الفرن؟!
الزوج
:
لا دخل.
القاضي
:
استمِر!
الزوج
:
وجدنا المُشاجَرة على أشُدِّها بين هذا الفرَّان وبين صاحب الإوزَّة.
القاضي
:
قلنا لكم اتركوا الإوزَّة!
الزوج
:
لم أتدخَّل في العراك؛ نظرًا لوجود حريمي معي … وهي حامل في شهرَين … حمل كنت
أنتظره بفروغ صبر يا سيدي القاضي! … لأني لم أُرزَق بعدُ … وهذه أول الخلفة.
القاضي
:
ما دمتَ لم تشترك في العراك وتنتظر الخلفة … فلماذا شرَّفتَ؟! … لتُبلِغنا الخبر
السعيد ونُهنِّئك بالمولود؟!
الزوج
:
لا يا سيدي القاضي … مع الأسف الشديد … فرحة ما تمَّت … لن يكون هناك
مولود!
القاضي
:
سبحان الله! … السبب؟
الزوج
:
السبب هذا الفرَّان.
القاضي
:
ما له! … أيضًا في هذا؟!
الزوج
:
كان يتشاجر في الطريق … يلطم هذا بيده، ويركل ذاك بقدمه … فقلتُ له: «حاسب يا عم،
معنا حريم»، فما كان منه إلَّا أن ضرب بقدمه بطن زوجتي فأسقط حملها.
القاضي
:
أسقط حملها؟!
الزوج
(وهو يبكي)
:
نعم يا سيدي القاضي … المولود المنتظَر … ذريتي … خليفتي!
القاضي
:
خليفتك؟! … ما هي مهنتك؟
الزوج
:
صرَّام.
القاضي
:
يعني صرماتي!
الزوج
:
نعم.
القاضي
:
وكنتَ تنتظر خليفة!
الزوج
:
نعم.
القاضي
:
خليفة على عرش الصرم!
الزوج
:
ابني على كل حال … ومِن دمي وصلبي.
القاضي
:
هل رأيتَه؟
الزوج
:
كيف أراه يا سيدي وهو لم يزل في بطن أمه؟!
القاضي
:
إذن أنت تتكلَّم عن شيء لم تَرَه بعينك!
الزوج
:
وهل يمكن رؤية الحمل؟
القاضي
:
ولا خبر عندك عن نوعه: ولد أو بنت؟
الزوج
:
لا أدري … هذا علم الله!
القاضي
:
أنت لا تدري شيئًا أيُّها الرجل!
الزوج
:
طبعًا، لا يمكن أن أدري.
القاضي
:
إذن كيف تقول إن هذا المولود المنتظر هو ابنك؟!
الزوج
(مُفاجَأً)
:
ماذا يا سيدي القاضي؟!
القاضي
:
ما دمتَ لا تعلم أنه ولد، فكيف تقول إنه خليفتك؟!
الزوج
:
من باب الأمل والعشم!
القاضي
:
إذن أنت لستَ متأكدًا؟
الزوج
:
طبعًا.
القاضي
:
إذن، ما دمتَ غير متأكد، فلا حق لك أن تقول إنه ابنك.
الزوج
:
ماذا تقصد يا سيدي القاضي؟!
القاضي
:
شيء لا تعرف عنه أيَّ شيء، كيف تدَّعي أنه لك؟
الزوج
:
لم أفهم.
القاضي
:
أُفهِّمك … أليست زوجتُك تحمل شيئًا خفيًّا غير منظور في بطنها … تجهله أنت كلَّ
الجهل … فما علاقتك أنت به؟!
الزوج
:
علاقتي به؟!
القاضي
:
هي تحمل شيئًا لا تعرفه أنت ولا تراه، فما شأنك أنت؟!
الزوج
:
بذرتي.
القاضي
:
بذرتك وحدك؟!
الزوج
:
طبعًا.
القاضي
:
ولماذا لا تكون هناك بذور أخرى؟!
الزوج
:
مستحيل.
القاضي
:
كيف تجزم بذلك؟
الزوج
:
أنا متأكد.
القاضي
:
منذ لحظة لم تَكُن متأكدًا من شيء … فما الذي يجعلك الآن تتأكد من هذا؟!
الزوج
:
زوجتي امرأة شريفة.
القاضي
:
شابَّة حسناء … وفي جيرانك — ولا شكَّ — شباب!
الزوج
:
إنها تُحبُّني.
القاضي
:
أليست هي التي تقول لك ذلك؟!
الزوج
:
إني أُصدِّقها.
القاضي
:
معقول! … إن لم يُصدِّق الزوج المخدوع زوجته، فكيف يمكنها إذن أن تخدعه؟!
الزوج
:
تخدعني؟! … قسمًا بالله لو أنها فعلت لقتلتُها وشربتُ من دمها!
الزوجة
(صائحةً في زوجها)
:
تشرب من دمي؟!
الزوج
:
وماذا تنتظرين أن أفعل؟! … تخونينني وأتركك تمرحين في الدنيا؟!
الزوجة
:
تُسرِّحني بإحسان.
الزوج
:
أُسرِّحك يا مجرمة!
الزوجة
:
أنا مجرمة؟!
الزوج
:
ألم تعترفي الآن بالخطيئة؟!
الزوجة
:
أنا اعترفتُ؟!
الزوج
:
حضرة القاضي سامع وشاهد.
الزوجة
:
يا حضرة القاضي … هل أنا اعترفتُ بشيء؟!
القاضي
:
لا تحشروني في أسراركم العائلية!
الزوجة
:
ولكنَّه يريد أن يقتلني ويشرب من دمي لذنبٍ لم أرتكبه!
الزوج
:
ألم تقولي الآن إنك خُنتِني ولي أن أُسرِّحك بإحسان؟!
الزوجة
:
خُنتُك؟! … أنا قلتُ إني خُنتُك؟! … أنا أتكلَّم فقط عن الحق الشرعي لأي زوج …
عمومًا … أن يُسرِّح زوجته، لا أن يقتلها … وحضرة القاضي يعرف ذلك.
الزوج
(للقاضي)
:
أصحيح هذا يا سيدي القاضي؟
القاضي
:
أنا هنا القاضي … ولا أنطق بكلام إلا بعد وقوع الجريمة.
الزوجة
:
يعني يجب أن يقتلني أولًا!
الزوج
:
وأشرب من دمك!
الزوجة
:
إذا كنتُ خُنتُك.
الزوج
:
أتحلفين أنك لم تفعليها؟!
الزوجة
:
أحلف.
القاضي
:
قالوا للحرامي احلف قال جاءك الفرج!
الزوجة
:
هل لاحظتَ شيئًا على سيري؟!
الزوج
:
حتى الآن لا … لكن، أنا في دُكَّاني طول النهار … هل أعرف ماذا يحصل في
غيابي؟!
الزوجة
:
في غيابك، أنا مع أمك في الدار … ولو حصل أي شيء كانت أمك قالت لك!
الزوج
:
هذا صحيح.
الزوجة
:
لا تظلمني إذن! … حرام عليك!
الزوج
:
والولد؟
الزوجة
:
تقصد الحمل؟
الزوج
:
أهو من صلبي؟
الزوجة
:
وهل هذا محلُّ شك؟!
الزوج
:
سامع يا حضرة القاضي؟!
القاضي
:
هذه مسألة ثقة … وما دمتَ تثق في أقوالها فأنت حر!
الزوج
:
وبماذا تنصحني إذن يا سيدي القاضي؟
القاضي
:
أنصحك بأن تبتعد أنت عن هذا الموضوع … فهو لا يخصُّك.
الزوج
:
أيُّ موضوع؟
القاضي
:
موضوع الحمل هذا … فالحمل — كما قلتُ لك — ملك المرأة … لأنه جزء من لحمها …
فالكلام فيه مع زوجتك مباشرةً.
الزوج
:
مع زوجتي وحدها؟!
القاضي
:
نعم … معها وحدها فقط. (موجهًا كلامه للمرأة) تقدَّمي أيَّتها المرأة! هل عندك شكوى؟
الزوجة
:
طبعًا يا سيدي القاضي … عندي شكوى ضد هذا الفرَّان!
القاضي
:
ماذا فعل؟
الزوجة
:
ضربني بقدمه في بطني فأسقط الحمل.
القاضي
:
يعني ليس عليه شيء سوى أنه أسقط حملك؟!
الزوجة
:
نعم … أسقط حملي.
القاضي
:
أي أنه أفرغ ما كان في بطنك!
الزوجة
:
نعم.
القاضي
:
وأنت تطلبين الإنصاف، وتستحقِّين فعلًا كلَّ إنصاف.
الزوجة
:
وهذا أملي في عدلك.
القاضي
:
والعدل يقضي بأن مَن أفرغ إناء عليه أن يملأه.
الزوجة
:
يعني …
القاضي
:
يعني حكمت المحكمة على الفرَّان أن يملأ ما أفرغه … والآن اذهبي معه أيَّتها
المرأة ليضع لك حملًا بدل الذي أسقطه.
الزوج
(صائحًا)
:
تذهب مع الفرَّان؟!
الزوجة
:
هذا مستحيل … مستحيل!
الفرَّان
:
اسمعي يا ست كلام العدل والإنصاف!
الزوج
:
اخرس!
القاضي
:
تُعارِض حكم المحكمة يا رجل؟!
الزوج
:
ولا يمكن قبوله أبدًا … أبدًا.
الزوجة
:
نعم … لا يمكن أبدًا … أبدًا!
الفرَّان
:
أرأيتَ يا سيدي القاضي عدم احترام الأحكام؟!
القاضي
:
قلة أدب! … حكمت عليك المحكمة، يا رجل أنت وزوجتك، بجنيه غرامة!
الزوج
:
غرامة غرامة!
(يسحب الزوج زوجته ويخرجان من الجلسة بسرعة.)
القاضي
(يُنادي)
:
غيره!
(يتقدَّم شيخ مُعمَّم حتى يقف مُطرِقًا أمام القاضي وهو يُجفِّف
دمعه.)
الشيخ
:
يا مولانا القاضي.
القاضي
:
أنت أيضًا كنت تسير أمام الفرن؟!
الشيخ
:
لا … أنا لا شأن لي بالفرن، ولا أعرف أين الفرن.
القاضي
:
الحمد لله!
الشيخ
:
أنا كنتُ في المسجد … أُصلِّي.
القاضي
:
وأنعِم بالصلاة!
الشيخ
:
وكان شقيقي الوحيد يُصلِّي هو الآخر في المسجد.
القاضي
:
جميل!
الشيخ
:
فما ندري إلا وهَرْجٌ ومَرْجٌ قد اقترب من المسجد … وإذا بجماعة من الناس تلاحق
هذا الفرَّان … أحدهم يقول: الإوزَّة! …
القاضي
:
وبعدها لكم مع الإوزَّة؟!
الشيخ
(مُستمِرًّا)
:
وآخَر يصيح قائلًا: عيني، عيني! … وثالث يقول: زوجتي، زوجتي! … وامرأة تُولوِل
وتصرخ: بطني، بطني! … وفلاح يزعق: حماري، حماري … والكلُّ ومعهم أهل الناحية يجرون
خلف الفرَّان، وهو يدفعهم عنه بيدَيه وقدمَيه … إلى أن دخل المسجد …
القاضي
:
ليصلي؟
الشيخ
:
ليعتصم به من مُطارِديه … فلمَّا رآهم دخلوا خلفه … أراد أن يهرب منهم، فصعد إلى
أعلى المئذنة … فصعدوا خلفه … فقفز، وألقى بنفسه منها …
القاضي
:
ومات؟
الشيخ
(يمسح دمعةً)
:
شقيقي هو الذي مات!
القاضي
:
وما دخل شقيقك؟!
الشيخ
:
كان يُصلِّي في صحن المسجد المكشوف تحت المئذنة … وكان ساجدًا … وإذا الفرَّان
بكل ثِقله يقع من أعلى المئذنة على عنق شقيقي فيدقُّه دقًّا!
القاضي
:
وشقيقك هذا … لماذا اختار هذا الموضع بالذات ليُصلِّي فيه؟
الشيخ
:
قِسمته!
القاضي
:
إذن هو ذنبه، وسوء تصرُّفه واختياره … ومَن يضع نفسه موضع التهلُكة، فلا يلومنَّ
إلا نفسه!
الشيخ
:
وهل هذا موضع تهلُكة يا سيدي القاضي؟! … هذا موضعٌ من المسجد، يُصلِّي فيه كما
يُصلِّي الناس جميعًا من سنين طويلة!
القاضي
:
أَوَلَم يهلك أخوك فيه؟ … إذن هو موضع تهلُكة!
الشيخ
:
وهل كان يخطر على بال أحدٍ أن يصعد المئذنةَ رجلٌ يُلقي بنفسه منها على رقاب
المُصلِّين؟!
القاضي
:
حدث، فماذا تريد؟
الشيخ
:
أريد العدل والإنصاف.
القاضي
:
ونحن هنا للعدل والإنصاف، والعدل يقول رقبة برقبة.
الشيخ
:
بوركتَ يا سيدي القاضي!
القاضي
:
وما دام هذا الفرَّان قد ألقى بنفسه من المئذنة على رقبة أخيك وهو يسجد فدَقَّها
… فعليه هو الآخَر أن يسجد في موضع أخيك، وتصعد أنت إلى أعلى المئذنة وتُلقِي بنفسك
منها على رقبته فتدقها!
الشيخ
:
وإذا لم أقع على رقبته ووقعتُ على رقبتي أنا؟!
القاضي
:
هذا شأنك.
الشيخ
:
لا يا سيدي القاضي! … الله الغني … لا أريد.
القاضي
:
هذا حقُّك.
الشيخ
:
أنا متنازل عن هذا الحق؟
القاضي
:
ما الذي جرى لكم جميعًا؟! … جئتم لطلب العدل، وعندما نحكم لكم بالعدل ترفضون! …
هذا تلاعُب بالقضاء … حكمت عليك المحكمة بجنيه غرامة.
الشيخ
:
غرامة!
(الشيخ ينصرف في ذهول.)
القاضي
:
غيره!
(لا أحد يتقدَّم أو يتحرَّك أو يُجيب.)
القاضي
:
ما لكم خَرِستم؟! … ألا يوجد أحد آخَر؟!
الفرَّان
(يشير إلى فلَّاح بحماره آخِر الجلسة)
:
يوجد يا سيدي القاضي هذا الفلاح بحماره … هناك في آخِر الجلسة … قُربَ
الباب!
القاضي
:
ما شأنه؟
الفرَّان
:
يقول إنه كان وسط الناس راكبًا حماره … فلما اشتدَّ جَذْب الناس لي، وأردتُ
الخلاص منهم، أمسكتُ بذيل حماره، وتشبَّثتُ به إلى أن انخلع في يدي، وصار
أزعر!
القاضي
(يُنادي الفلاح)
:
تعالَ يا رجل هنا!
الفلاح
(يتقدَّم)
:
نعم يا سيدي.
القاضي
:
ما الذي حدث؟!
الفلَّاح
:
لم يحدث شيء.
القاضي
:
عجيبة! … ألم يُمسِك هذا الفرَّان بذيل حمارك؟!
الفلاح
:
أبدًا.
القاضي
:
أليس حمارك أزعر؟!
الفلاح
:
خلقة ربه!
القاضي
:
من يوم ولادته؟
الفلاح
:
طول عمره بلا ذيل!
القاضي
:
وكيف يَنُشُّ الذباب عنه؟
الفلاح
:
أنا أَنُشُّ له.
القاضي
:
ولماذا لا تُركِّب له بدل الذيل مِنشَّة؟!
الفلاح
:
فكرة!
القاضي
:
أنت رجل كذَّاب!
الفلاح
:
أنا يا جناب القاضي؟!
القاضي
:
أيُوجَد، يا رجل، حمار يُولَد أزعر؟!
الفلاح
:
ربنا قادر على كل شيء.
القاضي
:
أسمعتَ أنه يخلق الحمار بلا ذيل؟!
الفلاح
:
كما سمعتُ أنه يجعل الإوزَّة المُحمَّرة تطير من الفرن!
القاضي
:
معقول! … أقنعتَني! … لعنة الله عليك! … إذن، ليست لك شكوى ضد الفرَّان؟
الفلاح
:
لا أبدًا … لا سمح الله!
القاضي
:
وماذا جئتَ تفعل هنا إذن؟
الفلاح
:
أتفرَّج.
القاضي
:
تتفرَّج؟! … تتفرَّج على ماذا؟
الفلاح
:
على الجلسة!
القاضي
:
قالوا لك إن العدالة فُرجة؟! … وفُرجة بالمجان؟! … حكمت عليك المحكمة بجنيه
غرامة!
الفلاح
:
بشكوى، من غير شكوى … العدل ملاحق الجميع! … سلام عليكم!
(ينصرف هو وحماره … وينصرف معه كل الحاضرين، ولا يبقى في الجلسة
غيرُ القاضي والفرَّان.)
القاضي
:
أظنُّ انتهت الجلسة!
الفرَّان
:
على خير والحمد لله!
القاضي
:
ما رأيك؟ … خلصتُك كالشعرة من العجين!
الفرَّان
:
والغرامات؟
القاضي
:
مفهوم! … لك فيها نصيب!
الفرَّان
:
طبعًا … نظير الاضطهاد العام الذي أصابني من جموع الناس!
القاضي
:
اطمئن! … ستحصل على تعويضات سخيَّة!