تقرير قمري

(عندما يُفترَض أن القمر قد يكون مسكونًا بكائنات غير مرئية للعين البشرية، ولكنَّها كائنات ذكية، فإن الفرض المنطقي يذهب أيضًا إلى احتمال تساؤل هذه الكائنات عن أمر هذَين الرجلَين الرائدَين اللذَين هبطا أول مرة على سطح القمر. من أيِّ بلد جاءا؟ وإلى أي مجتمع ينتميان؟ … كائنات القمر تريد تقريرًا عن ذلك … ولم يعرف أحد بأمر هذا التقرير إلا مؤخرًا جدًّا … ولا يعرف أحد فحواه بالضبط … لكن ما يمكن معرفته هو الحديث الذي دار في هذا الصدد … منذ اللحظة الأولى، يومَ هبط رائدا الفضاء أول مرة، وأخذا يَخطُوَان في حذرٍ على سطح القمر، ويضعان عليه اللوحة التذكارية، بينما الكائنات تُتابِعهما وتتهامس! …)

الكائن الأول : ماذا يضعان؟
الكائن الثاني : لوحة تذكارية … تُفيد أنهما جاءا هنا باسم الإنسانية.
الكائن الأول : لا بأس! … بداية طيبة.
الكائن الثاني : انظروا، انظروا … ماذا يضعان أيضًا؟ … هذه راية … راية البلد الذي ينتميان إليه؟
الكائن الأول : لماذا؟
الكائن الثاني : تفاخرًا وتحديًا … عادوا إلى طبيعتهم.
الكائن الأول : وا أسفاه!
الكائن الثالث : حقًّا … لم يستطيعوا الاحتفاظ باحترامنا أكثر من لحظة قصيرة.
الكائن الثاني : قلتُ لكم إنهم لا يستحقُّون منا شيئًا أكثر من توجيههم إلى الأحجار الزهيدة.
الجميع : صدقتَ! … فليأخذوا الأحجار!

(رائدا الفضاء يجمعان بعض الأحجار والصخور الصغيرة، ويمضيان عائدَين إلى المركبة ويرتفعان بها منصرفَين.)

الكائن الأول : انصرفوا.
الكائن الثالث : سيعودون مرةً أخرى بعد قليل … وبعدد أكبر.
الكائن الثاني : ماذا يريدون بالضبط؟
الكائن الثالث : مع مثل هؤلاء، كلُّ شيء ممكنٌ أن يُقال.
الكائن الأول : ما هي آخِر مرة كنتَ فيها هناك … بينهم؟
الكائن الثالث : كان ذلك يوم إلقاء قنبلة مخيفة … أظنُّ أني حدَّثتُكم عن ذلك في حينه.
الكائن الأول : نعم، نعم … قلتَ لنا كلامًا مرعبًا.
الكائن الثاني : وتركتَهم هربًا … وعُدتَ إلينا فورًا.
الكائن الثالث : لم أشأ بعد ذلك أن أعرف عنهم شيئًا.
الكائن الأول : بالعكس … يجب الآن أن نعرف عنهم كل شيء.
الكائن الثاني : بدون شك … يجب الآن أن نعرف ماذا يجري هناك … في هذا البلد.
الكائن الأول : اسمعوا … عندي رأي … فليذهب أحدنا في الحال إلى هناك ويعرف لنا شيئًا عن هذا البلد الذي جاء منه هذان الشخصان … لنُحدِّد سلوكنا في المستقبل مع هؤلاء الناس.
الكائن الثالث : ومَن الذي يذهب؟
الكائن الثاني : أنت.
الكائن الثالث : أنا؟! … مستحيل … لقد قررتُ ألَّا أذهب إلى ذلك المكان مرةً أخرى.
الكائن الأول (للثاني) : فلتَكُن أنت إذن.
الكائن الثاني : وحدي؟
الكائن الأول : ومِمَّ تخاف؟
الكائن الثاني : ليس الخوف … ولكن … اسمع … لماذا لا تأتي أنت أيضًا معي؟! … اثنان خير من واحد في مثل هذا العمل … نستطيع، على الأقل، أن نتبادل الرأي فيما سوف نرى.
الكائن الثالث : أعتقد أن هذا أصوب … شاهدان رؤيتهما أدق.
الكائن الثاني : وأشمل وأعمق.
الكائن الأول : وهو كذلك … فلنذهب إذن معًا … أنا وأنت.
الكائن الثالث : وأنا أنتظركما هنا وأتمنَّى لكما التوفيق!
الكائن الأول : التوفيق في ماذا؟
الكائن الثالث : في فَهم هؤلاء الناس ومجتمعهم.

(في ذلك الوقت كان على الأرض اجتماع هام في مكتب خاص بين قائد عسكري وزعيم سياسي … وهما مشغولان بحديث تليفوني سري … بينما الكائن القمري ١ والقمري ۲ قد هبطا واستقرَّا فوق سطح خزانة كبيرة ينظران فيما حولها.)

القمري ١ : أين هبطنا؟
القمري ٢ : في ذلك البلد طبعًا.
القمري ١ : أقصد هذا المكان … ما هو؟ … وما هذان الرجلان؟
القمري ٢ : لا أدري … سنعرف ذلك حالًا.
القائد العسكري (في التليفون صائحًا) : وقبضتم عليه؟ … بأيِّ تهمة؟
السياسي (للقائد) : يجب أن يُفهموه بأنه ليس مقبوضًا عليه … وأنه حرٌّ تمامًا، وفي بلد حر … ولكن … أحضروه هنا بسرعة … طبعًا بلباقة … زيارة ودية.

(القائد يضع السماعة وينتظر مُفكِّرًا.)

السياسي : بهذه الطريقة نستطيع أن نحصل منه على ما نريد.
القائد : بغير عنف؟ … ممكن؟!
السياسي : فلنحاول إقناعه أولًا.
القائد : وهل مِثلُه يقتنع بسهولة؟!
السياسي : مَن يدري؟! … هذا يتوقَّف على مقدرتنا نحن في إفهامه أن اكتشافه سوف يُدمِّر العالم.
القائد : هذا الصيني المتعصِّب؟!
السياسي : لا تَنْسَ أنه أبرزُ العلماء … والعلماء أقربُ الناس إلى الوقوع في شَرَك المنطق.
القائد : إلَّا إذا كان صينيًّا شيوعيًّا!
السياسي : فعلًا … هذا يجعل الأمر أكثر صعوبةً … ولكن فلنُحاوِل على كل حال.
القائد : إذا لم تنجح المحاولة، فاترك لي حرية التصرُّف.
السياسي : أَعِدُك بذلك.
القمري ١ : فهمتَ شيئًا؟!
القمري ٢ : لم أفهم بعدُ … فلننتظر قليلًا.

(موسيقى راقصة صاخبة تُسمَع مع ضحكاتٍ من بعيد … ثم تقترب وتعلو، ثم تبتعد.)

القائد (مشيرًا إلى مصدر الموسيقى) : أولادنا!
السياسي : عيد ميلاد بنتي.
القائد : أحسدك على عقلها!
السياسي : ألم يَزَل ابنك مُصِرًّا على موقفه؟
القائد : تصوَّر! … ابن قائد مثلي … يثور على أبيه!
السياسي : إنه يثور على الحرب.
القائد : وما الفرق؟!
السياسي : هؤلاء الشباب لا يفهمون.
القائد : إنهم يفهمون فقط تعاطي المخدرات والضَّياع والتسكُّع بهيئة زرية وإطلاق الصرخات والهتافات!
السياسي : بنتي، والحمد لله، بعيدة عن ذلك.
القائد : قلتَ لي إنها متفوِّقة في جامعتها.
السياسي : جدًّا.
القائد : لا يُدهِشني … سياسي مثلك لا بد أن ينجح في التفاهم، على الأقل، مع ابنته.
السياسي : هل حاولتَ التفاهم مع ابنك؟!
القائد : لا فائدة على الإطلاق.
السياسي : لا بدَّ أن يكون هناك حل.
القائد : وأين الحل؟
السياسي : هل ناقشتَه؟
القائد : لا يستمع إلى كلامي … يهزُّ كتفَيه ويمشي.
السياسي : إني دائمًا أُناقِش ابنتي وتُناقِشني.
القائد : وأنا قبل أن أنطق بكلمةٍ أجده أدار لي ظهره واختفى، ناظرًا إليَّ باحتقار.
السياسي : ربما كنتَ لا تُحسِن الكلام مع هذا الجيل.
القائد : هل تتولَّى أنت ذلك عني؟!
السياسي : بكل سرور … عندما تسنح الفرصة.

(طرْق على الباب.)

القائد : ادخل.
جندي (يظهر ويُؤدي التحية العسكرية) : الصيني!
القائد : دعه يدخل.

(يخرج الجندي ويعود برجل صيني متوسط العمر.)

الصيني (ينظر حوله) : لماذا أخذوا جواز سفري؟!
القائد : نأسف … إجراء مؤقت … تفضَّل استرح.
الصيني (يجلس) : هل هناك تهمة مُوجَّهة إليَّ؟!
القائد : لا، لا … مطلقًا.
الصيني : لقد جاءوا بي من المطار.
القائد : أردنا التشرُّف بمعرفتك … وخِفنا أن تفوتنا الفرصة.
الصيني (مستريبًا) : أنا في خدمتكم.
القائد : ونحن أيضًا في خدمتك (مشيرًا إلى السياسي) … وصديقي، مثلي، كان يتوق إلى رؤيتك.
السياسي : فعلًا … لقد سمعتُ بك وباكتشافك العلمي.
الصيني : اكتشافي العلمي؟!
السياسي : إنه ليس سرًّا من الأسرار … الأبحاث العلمية — كما تعرف — لم يَعُد من السهل إخفاؤها طويلًا.
الصيني (مُطرِقًا) : فهمت.
القائد : ما دمتَ فهمتَ، فلندخل في الموضوع مباشرةً … ألم تتصوَّر مقدار الدمار الذي سوف يُحدِثه اختراعك؟!
الصيني : دمار؟!
القائد : بدون شك.
الصيني : يظهر أن هناك سوء تفاهم … أنا لم أخترع شيئًا يُحدِث دمارًا.
السياسي : نحن لا نقصد قنبلة بالمعنى الحقيقي.
الصيني : أنا لا شأن لي بالقنابل.
السياسي : نعلم ذلك.
القائد : ولكن النتائج واحدة.
الصيني : كيف يمكن أن تكون النتائج واحدة؟!
القائد : لماذا أردتَ أن تهرب باختراعك خارج البلاد؟!
الصيني : الهرب ليس بالوصف الدقيق.
السياسي : أنت بالطبع لم تَكُن تقصد سوءًا.
الصيني : كان سفري أمرًا طبيعيًّا … كان لا بد لي أن أعود إلى وطني.
السياسي : معقول … وأنت حرٌّ في ذلك.
القائد : ولكنه ليس حرًّا في أن يُخفِي هنا سر اختراعه.
السياسي : لا أظنُّ أنه أراد أن يُخفي شيئًا.
الصيني : فعلًا … ليس عندي ما أُخفِيه.
القائد : هل تسمح لنا إذن بفتح حقيبة أوراقك؟
الصيني : إذن أنا موضع تهمة؟
السياسي : لا … إنه مُجرَّد رجاء … لك أن ترفضه.
الصيني : وإذا رفضتُه أُصبِح موضع ارتيابكم طبعًا.
السياسي : لك أن تُقدِّر ذلك.
الصيني : لن تفهموا شيئًا من الأوراق؛ لأنها معادلات كيميائية … ولكني أشرح لكم الموضوع باختصار.
السياسي : الموضوع معروف.
الصيني : لا أظن … فأنتم تقولون إنه شيء يُحدِث دمارًا.
السياسي : هذه وجهة نظر.
الصيني : في هذه الحالة، أُفضِّل أن أعرف وجهة نظركم.
السياسي : تكلَّم أنت أولًا.
الصيني : ماذا تريدون أن تعرفوا بالضبط؟
القائد : ماذا تقصد بهذا المشروع؟
الصيني : القضاء على المجاعة في بلادنا.
القائد : في بلادكم وحدها؟
الصيني : هذا ما يهمُّني … ما يهمُّنا كلنا هناك … الصين كبيرة جدًّا … وعدد سكَّانها سوف يبلغ ألف مليون عن قريب.
القائد : معلوماتنا السرية عن مشروعك هو أنه يستهدف القضاء على الجوع في كل مكان.
الصيني : وما الضرر في ذلك؟
القائد : آه … جئنا إلى النقطة المهمة.
السياسي : إذن أنت معترف بأن المشروع مفروضٌ استخدامُه في أنحاء العالم.
الصيني : لمن يريد.
السياسي : طبعًا ستريد ذلك في الحال كلُّ دول آسيا، وكلُّ دول أفريقيا، وكلُّ دول أمريكا اللاتينية … والبقية تأتي.
الصيني : هذا مُحتمَل.
القائد : بل قُل هذا مؤكَّد.
الصيني : فليَكُن.
السياسي : ألم تتوقَّع النتائج؟!
الصيني : النتائج طبعًا هي أن تعيش هذه الملايين في رخاء وسلام.
القائد : ونحن؟
الصيني : وأنتم أيضًا.
القائد : لا يا سيدي … نحن سيُصيبنا الدمار.
الصيني : كيف ذلك؟
السياسي : اسمح لي أشرح لك … المعروف في مشروعك أنك ستستخرج الغذاء والكساء عن غير طريق الزراعة والصناعة التقليدية.
الصيني : بحوث العلم اليوم تتجه إلى ذلك.
السياسي : نعم … ولكنك توصَّلتَ فعلًا إلى الطريقة العملية الممكنة إلى تحقيق ذلك … وقمتَ فعلًا بتجربةٍ ناجحةٍ لصنع المأكل والملبس من موادَّ في الهواء والماء بأزهد التكاليف وبأبسط الوسائل.
الصيني : لم أنجح تمامًا.
السياسي : بل نجحتَ نجاحًا لم يكن منتظَرًا اليوم بهذه السرعة … وأنت مسافرٌ الآن إلى بلدك لتُحقِّقه على نطاق واسع.
الصيني : هذه معلوماتكم.
القائد : ومِن مصادر موثوق بها.
السياسي : وإليك النتائج المُدمِّرة لنا من عملك هذا … أولًا، القضاء على زراعتنا وصناعتنا … بمعنًى آخَر القضاء على اقتصادياتنا.
القائد : ماذا تريد أن نفعل بمحصول القمح الفائض عندنا؟
السياسي : وماذا نفعل بالأبقار والدواجن؟ … نتركها تتنزَّه في الغابات والحدائق؟!
القائد : والمشتغلون بالزراعة وتربية الحيوان يتشرَّدون في الشوارع؟!
السياسي : والمصانع القديمة تتوقَّف، ثم إنتاجها القائم على التصدير أين يذهب؟
القائد : تكلَّم!
الصيني : كلُّ ذلك قيل يومًا عندما اكتُشف البخار واحتجَّ أصحاب السفن الشراعية … وعندما اكتُشِفت الكهرباء وارتاع أصحاب المصانع اليدوية.
السياسي : مفهوم ولكن …
القائد : هناك أيضًا الجانب السياسي والعسكري … أين يكون مركز الدول الكبرى يوم تستغني عنها الدولُ الأخرى؟ … إن أهمَّ سلاحٍ للضغط في يد الدول الكبرى هو فائض زراعتها وصناعتها.
السياسي : إنه تدميرٌ أيضًا لسياسة الدول الكبرى.
الصيني : ولماذا تُصِرُّون على أن تكون هناك دول كبرى ودول صغرى؟!
السياسي : ماذا تقول؟!
القائد : هو باختصار يريد تدمير كل شيء.
السياسي : ما هي شروطك لتسليمنا هذا المشروع؟
الصيني : شروطي؟!
السياسي : نعم، قدِّر المبلغ … أي مبلغ تريد؟!
الصيني : نقود؟! … لا … لا أريد نقودًا.
السياسي : إذن ما هي طلباتك؟
الصيني : ليست لي طلبات خاصة … وليس من الضروري تنفيذ المشروع في بلادي أولًا … خذوه أنتم ولكن بشرط.
السياسي : نعم، قل ما هو الشرط.
الصيني : الشرط هو أن تُنفِّذوه أنتم هنا في بلادكم.
القائد : جميل جدًّا … تريد منا أن نأخذ منك القنبلة كي نُلقِيَها بأيدينا على رءوسنا!
الصيني : بل على رءوسٍ قليلةٍ عَفِنةٍ جَشِعة!
السياسي : قنبلتك ستُدمِّر تركيب المجتمع كله.
الصيني : المجتمع القديم … نعم … ولكن سيَنبُت مجتمع جديد سيجد كل فرد فيه ما يأكل وما يلبس بدون عناء، وسيعُمُّ الرخاء ويختفي الشقاء.
القائد : وتختفي الحروب.
الصيني : طبيعي.
القائد : وتنتهي الجيوش.
الصيني : فعلًا.
القائد : وأجلس أنا أقضم جزرًا كالأرنب!
السياسي : وأنا معك يا صديقي … لن تكون هناك حاجة إلى السياسي … وسأجلس أنا أيضًا أقضم شيئًا … لستُ أحبُّ الجزر … فلتَكُن خيارة.
الصيني : سيحتاج إليكم المجتمع الجديد في نوع جديد من العمل.
القائد : لا أريد أن أعيش حتى أراني في عمل جديد.
السياسي : إني أرى نوع العمل الذي ينتظرنا.
القائد : مجتمع القوة والمجد سينقلب إلى مجتمع أرانب.
الصيني : إذن، اتركوني أذهب بمشروعي إلى مَن يريدون مجتمع الأرانب … الأرانب الوادعة التي تعيش في جنَّة العشب الوفير … واحتفِظوا أنتم بمجتمعكم القوي المجيد.
السياسي : الأرانب إذا شَبِعت وتكاثرت وحاصرت الأسد فإنها تستطيع أن تخنقه!
القائد (بحزم وعنف) : سلِّمنا مشروعك بلا قيد ولا شرط.
الصيني : أُسلِّمه لكم لكي تُعدِموه؟!
القائد : بدون شك.
الصيني : في هذه الحالة، أَعدِموني أنا … لأنه موجود هنا في رأسي.
القائد : هذا ما كنتُ أتوقَّعه.
السياسي : نعم، يظهر أن المحاولة معه ليست مُجدِية.

(القائد يضغط على زر فيظهر الجندي فيُشير القائد إلى الصيني فيأخذه الجندي ويذهب به بعد أن يفهم من عين القائد ماذا يجب أن يصنع به.)

القائد : هيا بنا ننظر ماذا يفعل أولادنا.

(يخرج القائد والسياسي … ويهبط القمري الأول والقمري الثاني من فوق الخزانة، ويلُفُّ أحدهما فوق المكتب والآخَر فوق المقعد … ثم يُصحِّحان الوضع ويحاولان الجلوس في مكان كلٍّ من القائد والسياسي، مُقلِّدَين حركاتهما، كأنَّما يسخران منهما.)

القمري ١ : والآن … أظنُّ أننا فهمنا كل شيء.
القمري ٢ : طبعًا فهمنا.
القمري ١ : ماذا فهمتَ أنت؟
القمري ٢ : وأنت ماذا فهمتَ؟
القمري ١ : أن رجلًا يريد أن يُطعِم الجميع هنا على الأرض فأخذوه وأعدموه.
القمري ٢ : نعم … الطعام … لكن ما هو الطعام؟!
القمري ١ : ألا تعرف ما هو الطعام؟
القمري ٢ : أعرف طبعًا … هو شيء سخيف يدخل عندهم من ناحية ويخرج من الناحية الأخرى، ويُسبِّب لهم كل متاعبهم ومشاكلهم.
القمري ١ : نحمد الله أننا نحن لا نعرف هذا الشيء!
القمري ٢ : لو عرفناه نحن لكنَّا مثلهم؛ يقتل كلٌّ منا الآخَر.
القمري ١ : صه … صوت قادم.

(يدخل فتًى وفتاة في شِبه خصام، ويغلقان خلفهما الباب.)

الفتى : أنت جاسوسة.
الفتاة : أنا؟!
الفتى : مَن ليس معنا فهو علينا.
الفتاة : أنا لستُ معكم ولا عليكم … أنا لا أفهمكم.
الفتى : أبوك السياسي البارع قد حشا رأسك الصغير بالأكاذيب.
الفتاة : أبي يفتح لي قلبه، ويُناقِشني بكل حرية.
الفتى : يقول لك إن القضاء على حرية شعبٍ هو إنقاذٌ للعالم الحر؟!
الفتاة : لم يقل لي ذلك.
الفتى : طبعًا قال لك عبارات مُنمَّقة مقنعة.
الفتاة : قال لي بكل صراحة إننا نحارب الشيوعية لأنها تقضي على كيان مجتمعنا.
الفتى : لماذا؟
الفتاة : سألتُه هذا السؤال … فأجاب بكل حرية وصراحة أيضًا أن الشيوعية جميلة ونبيلة، ولكن خطرها في التطبيق والتنفيذ … فهي تحتاج إلى جهاز تنظيمي وإداري غاية في الدقة والأمانة، وأن أيَّ خلل فيه يؤدي إلى الفوضى أو إلى الدكتاتورية.
الفتى : قلتُ لك إنه بارع … ولكنه مُضلِّل.
الفتاة : لا تَقُل عن أبي إنه مُضلِّل.
الفتى : عفوًا … أبي أنا أيضًا في نفس الوضع … إن لم يكن أسوأ … الاثنان مشتركان في نفس الجريمة … جريمة دَفْعنا — نحن الجيل النظيف — إلى حرب قذرة … لماذا لا يكتفون بإقناع مجتمعنا هنا بمزاياه؟! … لماذا يذهبون بنا إلى شعبٍ آخَر لنهدم مجتمعه ومذهبه الذي اختاره لنفسه؟!
الفتاة : فعلًا … هذا ما قلتُه لأبي: لماذا لا نترك الآخرين وشأنهم في سلام؟!
الفتى : طبعًا قال لك إننا ندافع عن سلامتنا … وإن خير طريقة للدفاع هي الهجوم!
الفتاة : نعم … قال شيئًا كهذا.
الفتى : واقتنعتِ أنت؟!
الفتاة : ليس تمامًا … ولكني لم أجد ردًّا.
الفتى : ألم يخطر لك أن تقولي له إن خير طريقة للدفاع ليس الهجوم، ولكنه السلام والرخاء العام؟!
الفتاة : الرخاء العام؟
الفتى : لو أن ملايين الملايين التي تُنفَق هنا في الحرب، أُنفِقت في إلغاء الفقر والعوز والعنصرية والسطحية في مجتمعنا، لكان هذا هو حصن الدفاع المتين، والمثَل الحي الذي قد يُبرِّر للناس في كل مكان مزايا الاحتفاظ به أو السير على هداه.
الفتاة : فعلًا.
الفتى : لكن والدي ووالدك وأمثالهما، يُقوِّضون مجتمعنا هذا، ويُنفِقون أمواله خارجه في حروب عقيمة، ويتركونه للفساد والتحلُّل والفقر بين طبقاتٍ تعيش في ظلام اليأس أو دماء الآخرين، ويدفعون بنا — نحن شباب المستقبل — لنموت دفاعًا عن مثل هذا المجتمع المتداعي.
الفتاة : حقًّا … حقًّا … لماذا لم يُفكِّروا في ذلك؟
الفتى : من الذي يُفكِّر؟! … إن هذا المجتمع المنحلَّ هو مِلكٌ لحفنةٍ من الشركات العظمى، وطبقةٍ من رجال المال والأعمال، يستأجرون عقل والدك وبراعته السياسية، وسيف والدي وخبرته الحربية؛ لحماية مصالحهم وأرباحهم.
الفتاة (منزعجةً كمن أفاق) : أرباحهم؟!
الفتى : وها هنا النقطة الأخيرة … التي تُفسِّر لك كل شيء؛ هذه الأرباح لا يمكن أن تُجنَى إلَّا من عرق شعوبٍ أخرى تكدح في سبيل لقمةٍ كي تعطي ثرواتها لهذه الشركات … ولماذا تقبل؟ … بالضغط … بدهاء والدك وسيف والدي.
الفتاة : والدي ووالدك؟!
الفتى : ونحن — الشباب — أدواتهم … يجلسون على المكاتب، ويقذفون بنا وقودًا حيًّا في نارٍ يوقدونها لطهو ولائم أسيادهم الباذخة، ويُسمُّون هذا دفاعًا عن الحرية!
الفتاة : حرية من؟! … حرية السادة إذن في أكل الآخرين.
الفتى : وهل عندك شك؟!
الفتاة : كلَّما قلتُ لوالدي لماذا تحاربون، قال من أجلكم أنتم يا أولادنا … لكي تعيشوا دائمًا في عالم حر.
الفتى : لكي يعيش عدد من أصحاب الملايين مرضى بضغط الدم، وعدد من صاحبات الملايين مخموراتٍ على ظهور اليخوت!
الفتاة : ليس إذن من أجل مستقبلنا؟
الفتى : مستقبلنا … مستقبلنا … سنُبطِل لهم هذه الحجة عن قريب.
الفتاة : كيف؟
الفتى : سنُحطِّم لهم هذا المستقبل حتى يفقدوا السبب الذي من أجله يحاربون … سنُحطِّم المستقبل!
الفتاة : والدك يقول إنك شيوعي.
الفتى : ووالدكِ أنت، ماذا يقول عني؟
الفتاة : يقول أحيانًا إنك فوضوي، وأحيانًا …
الفتى : وأحيانًا …
الفتاة : وأحيانًا يقول إنك مخدوع.
الفتى : مخدوع؟!
الفتاة : لا تفهم حقائق الأمور.
الفتى : كلُّ من يكره مجتمعهم هذا يقولون عنه أيَّ شيء.
الفتاة : أنا أيضًا لا أحبُّ كثيرًا هذا المجتمع.
الفتى : إذن، تعالَي، وانضمِّي إلينا.
الفتاة : أين؟!
الفتى : في مجتمعنا نحن، الذي نصنعه بأنفسنا.
الفتاة (مُتردِّدة) : لا.
الفتى : خائفة؟
الفتاة : سمعتُ عنه أشياء.
الفتى : أشياء مقززة؟!
الفتاة : نعم.
الفتى : وصدَّقتِها؟
الفتاة : ربما كانت أكاذيب.
الفتى : لا ليست أكاذيب.
الفتاة : تعترف.
الفتى : بالطبع … كلُّ ما سمعتِ حقيقة … وأقل من الحقيقة.
الفتاة : وبماذا تُبرِّرون هذا؟
الفتى : نحن لا نُبرِّر، ولا نكذب … لقد هربنا من مجتمع الأكاذيب والتبريرات.
الفتاة : لا بد مع ذلك أن يكون هناك سبب … فكرة.
الفتى : لا يوجد.
الفتاة : كيف ذلك؟
الفتى : لا يوجد … لا نريد.
الفتاة : لماذا؟
الفتى : ما زالت عقليَّتكِ تبحث عن الأسباب … المُبرِّرات … أي الأكاذيب … نحن لا نريد أسبابًا للدفاع عن أنفسنا … ولا مبرِّرات لتجميل موقفنا … نحن هكذا كما نحن … مقرفون … مُقزِّزون … ضائعون! … فهمتِ؟
الفتاة : هذا عجيب!
الفتى : هذا طبيعي.
الفتاة : طبيعي؟!
الفتى : لقد رفضنا هذا المجتمع … رفضناه بكلِّ ما فيه … بكلِّ تقاليده … بكلِّ مدلولاته … بكلِّ كلماته … كلمة النظافة … كلمة العقل … كلمة الحرب … كلمة الحكمة … كلمة السبب … كلمة المُبرِّر … كلمة الكذب … كلمة الأخلاق … كلمة السلوك … كلمة النظام … الهندام … الصحو … الصحة … اليقظة … المهنة … العمل … المال.
الفتاة : وماذا بقي؟
الفتى : لا شيء.
الفتاة : تقول لا شيء؟!
الفتى : لا شيء من ذلك المجتمع القديم.
الفتاة : لكن …
الفتى : لا تحاولي أن تفهمي … يكفي أن تأتي معنا … وتعيشي بيننا.
الفتاة : وهل أنتم سعداء؟
الفتى : نعم.
الفتاة : حيث لا يوجد شيء.
الفتى : نعم، لا شيء.
الفتاة : والحب؟
الفتى : هو كل شيء.
الفتاة : مُدهِش!

(نقر على الباب … ثم يُفتَح ويظهر الجندي.)

الجندي : أين الجنرال؟
الفتى : أبي؟ … ماذا تريد منه؟
الجندي : أُبلغه شيئًا هامًّا.
الفتى : قل وأنا أُبلغه.
الجندي : الصيني انتحر.
الفتى : انتحر؟ … أو قُتل؟
الجندي : أرجو تبليغه ذلك … وشكرًا.

(ينصرف الجندي.)

الفتاة : الصيني؟!
الفتى : أتعرفين حكايته؟!
الفتاة : سمعتُ أنه يصنع قنبلة.
الفتى : هذه القنبلة هي اختراع نبيل لإطعام كل سكان الأرض.
الفتاة : وانتحر؟!
الفتى : بل قُتل … هذا كان متوقعًا … قتله والدي ووالدك.
الفتاة : لماذا؟
الفتى : لأنَّ هذا المجتمع لا يعيش إذا عاش كل الناس في رخاء.
الفتاة : فظيع!
الفتى : تعالَي معنا … اهربي.
الفتاة : إلى أين؟ … إلى حيث لا شيء؟!
الفتى : نعم … لا شيء … سوى الدمار … الضياع … نحن مستقبله … نُدمِّر أنفسنا لنُدمِّره … نحن القنبلة … الرهيبة … ستنفجر بنا وبه … لن يكون هناك شباب … لن يكون لهذا المجتمع مستقبلٌ يَنسُجُون باسمه الأكاذيب … ويجعلون من مستقبله حجةً لأغراضهم الدنيئة.
الفتاة : تريد مني إذن …
الفتى : أن تُدمِّري نفسك … معنا … حتى لا تقع هذه النفس رهينة عصابة من المجرمين … من مجتمع مجرم … يصنع من الشباب أداةَ حروب قذرة.
الفتاة : ألا يوجد حلٌّ آخر؟
الفتى : في مجتمعنا هذا، لا يوجد سوى هذا.
الفتاة : الانتحار؟!
الفتى : نعم انتحارنا جميعًا … نحن الشباب … انتحار مستقبلٍ بأكمله يصنعه مجتمع موبوء … خيرٌ لنا أن نختار بأنفسنا نهايتنا من أن يختاروها لنا في حروبٍ نقتل لهم فيها الأبرياء.
الفتاة : نعم … يجب أن يكون لنا، على الأقل، حق اختيار نهايتنا!
الفتى : هيا بنا.

(الفتى والفتاة يذهبان بسرعة.)

القمري ۱ : سمعتَ؟
القمري ٢ : سمعتُ وفهمتُ.
القمري ١ : أهذا هو البلد … المجتمع … الذي جاءنا منه هذان الرجلان؟!
القمري ٢ : إذا كان حقًّا هو كل هذا.
القمري ١ : ما مستقبله إذن؟
القمري ٢ : إذا كان مستقبله، كما سمعنا، هو شبابه … وإذا كان شبابه انقلب إلى قنبلة تدمر نفسها.
القمري ١ : ربما استطاعت معجزة أن تصلح الأمور.
القمري ٢ : هذا لا شأن لنا به … كلُّ مهمتنا أن نسمع ونرى ونُقدِّم تقريرنا.
القمري ۱ : فلنُسرِع بتقديمه إذن.
القمري ٢ : إذن فلنَعُد إلى قمرنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦