شاعر على القمر

(مكتب مدير عمليات غزو الفضاء … الحجرة مزدحمة بأجهزة تليفزيونات وتليفونات وآلات وملفات ونحو ذلك … المدير منهمك في العمل … تارةً يراقب شاشة تليفزيون … وتارةً يرفع سماعة تليفون … ثم يضعها قبل أن يتكلَّم، ويتناول أحد الملفات ويُقلِّب فيه بسرعة … تدخل عليه السكرتيرة.)

السكرتيرة : إنه مُصِرٌّ على أن تستمع إليه.
المدير : قلتُ لك مستحيل.
السكرتيرة : إن كلامه يبدو معقولًا.
المدير : معقول عندك … وليس عندي.
السكرتيرة : وما الضرر في أن تناقش طلبه؟! … ولك أنت بالطبع الرأي الأخير.
المدير : أنا مشغول كما تعرفين … وقتي ثمين … وليس لي أن أُضيِّعه في محادثة المجانين!
السكرتيرة : إنه ليس مجنونًا.
المدير : شاعر!
السكرتيرة : نعم … ومن أنبغ الشعراء.
المدير : كتب في جمالك قصيدة ولا شك!
السكرتيرة : لم يفعل ذلك بعد.
المدير : أهو متزوج؟
السكرتيرة : نعم … ولكن زوجته لا تفهمه جيدًا.
المدير : أنت وحدك التي تفهمينه؟
السكرتيرة : إنني مُتحمِّسة جدًّا لطلبه.
المدير : وزوجته؟
السكرتيرة : إنها تُعارِضه.
المدير : إنها امرأة عاقلة.
السكرتيرة : أرجوك … استمع إليه لحظةً!
المدير : أمرك عجيب أيَّتها السكرتيرة!
السكرتيرة : إني موضع ثقتك كما تقول … ثِقْ بي هذه المرة أيضًا، واسمح له بالمقابلة.
المدير : أمام إلحاحك هذا … فليكن … خمس دقائق فقط … لا أكثر.
السكرتيرة : وهذا يكفي.
المدير : قولي له مُقدَّمًا إني لن أَعِدَه بشيء.
السكرتيرة : طبعًا.
المدير : مُجرَّد استماع.
السكرتيرة : وهو كذلك.

(تخرج السكرتيرة … ثم تعود بعد قليل مع رجل في نحو الأربعين … هو الشاعر.)

المدير (يفحصه بعينَيه مليًّا) : إني مُصغٍ إليك.
الشاعر : قيل لي إن طلبي مرفوض … أريد أن أعرف ما هي الأسباب؟
المدير : ليس لنا أن نُبدي أسبابًا لرفض مثل هذا الطلب الجنوني.
الشاعر : في عصرنا الحاضر، ليس من حق أحد أن يصف عملًا بالجنون! … إن فكرة غزو الفضاء ذاتها كانت فكرة جنونية!
المدير : نعم … ولكنَّها قامت على أسس علمية … أمَّا أن نرسل شاعرًا إلى الفضاء فهذا تخريف!
الشاعر : تخريف؟!
المدير : بالطبع … لأن الشعر نفسه تخريف … قل لي ما هو الشعر؟
الشاعر : ألا تعرف ما هو الشعر؟!
المدير : على أي نظرية يقوم؟ … وفي أي معمل تُجرَى تجارِبه؟ … وإلى أين يؤدي؟!
الشاعر : لا أحب أن أُضيِّع وقتك في الكلام عن الشعر … إنه، بهذا المقياس، لا فائدة له!
المدير : إذن، من حقِّي أن أرفض طلبك.
الشاعر : ومن حقي أن أُصِرَّ على السفر إلى القمر.
المدير : أتظنُّ السفر إلى القمر كالسفر بالطائرة إلى مصيف من المصايف … تتغزَّل هناك على الشواطئ الرملية بالعبارات الشعرية في حسناوات بالمايوهات؟!
الشاعر : مَن يدري؟!
المدير (ينظر في ساعته) : أظنُّ وقتي لا يسمح بالإصغاء إلى مثل هذا الحديث أكثر من ذلك.
الشاعر : أريد أن أسافر في الرحلة القادمة التي تُعِدُّون لها … وسأسافر.
المدير : عجبًا! … أهذا يحدث هكذا … بمُجرَّد إرادتك؟!
الشاعر : بل بقرارٍ منك.
المدير : قرار مني؟! … مني أنا؟!
الشاعر : وسيكون قرارًا تاريخيًّا.
المدير : طبعًا … لأنه سيُسجِّل تاريخ أول مسئول عن رحلات الفضاء يُدخِلونه مستشفى المجاذيب!
الشاعر : بل سيُدخِلونه التاريخ.
المدير : اسمع … هل تعرف كيف نُعِدُّ لرحلة إلى القمر؟! … ومدى الجهد الذي يبذله روَّادُها في تدريباتهم الشاقَّة … والمهام التي يُكلَّفون بها وتقتضي اليقظة وعدم الانفعال وضبط المشاعر في ظروفٍ خارج نطاق البشرية … والقدرة على الاستخدام الدقيق للأجهزة العلمية؟!
الشاعر : أعرف ذلك.
المدير : وهل تعرف كم من عشرات الملايين تتكلَّف رحلة إلى القمر؟! … وأن أي خطأ في الحساب والتقدير يؤدي إلى كوارث؟!
الشاعر : نعم … أعرف.
المدير : أَوَتعرف أيضًا أن روَّاد الرحلة يُختَارون بدقَّة، وتُجرَى عليهم الاختبارات … وأنَّ لكلٍّ منهم عملًا مُحدَّدًا عليه أن يُنجِزه بدقَّة كدقَّة الجهاز الذي يستخدمه؛ فإذا غفل لحظةً ارتبكت أعمال الرحلة وتعرَّضت للفشل الرهيب؟!
الشاعر : فعلًا.
المدير : إذن كيف تريد مني أن أُصدِر قرارًا بإرسال شخص يعيش في الخيال … وليس له عمل محدد؟!
الشاعر : ومع ذلك فهذا الشخص يجب أن يسافر.
المدير : على أيِّ أساس؟ … وبأيِّ صفة؟
الشاعر : بأهمِّ صفة وأنبل أساس … بصفة كونه الإنسان الأول الذي يسافر إلى القمر.
المدير : الإنسان الأول؟ … تقصد من؟
الشاعر : أنا … أنا الإنسان الأول … الذي سيذهب إلى القمر.
المدير : أنت؟! … ألم يَبلُغك خبر الرجال العديدين الذين ذهبوا إلى القمر وعادوا في الرحلات السابقة؟!
الشاعر : عادوا بماذا؟
المدير : بمعلومات علمية على جانب كبير من الأهمية.
الشاعر : فعلًا … عادوا بما تعود به الأجهزة العلمية … إنكم، يا سيدي، لم ترسلوا الإنسان … ولكنَّكم أرسلتم أجهزة في صورة إنسان!
المدير : ماذا تقصد؟
الشاعر : أقصد أن الرجال الذين ذهبوا إلى القمر حتى الآن، كانوا مُجرَّد أجهزة علمية دقيقة … ولا شيء غير ذلك … أما الإنسان الحقيقي فلم يذهب بعدُ.
المدير : وهذا الإنسان الحقيقي هو أنت!
الشاعر : بدون شك.
المدير : وماذا ستفعل هناك؟!
الشاعر : أي شيء … إلَّا أن أكون جهازًا.
المدير : وما الذي ستعود إلينا به؟!
الشاعر : لا أدري … لن أعود، على أي حال، بمعلومات علمية!
المدير : ربما بقصيدة شعرية!
الشاعر : ليس هذا بضروري … المهم القلب الذي يشعر.
المدير : القلب؟!
الشاعر : نعم … وهو الشيء الذي لا تستطيعه الأجهزة!
المدير : بديهي … الأجهزة لا شأن لها بهذا.
الشاعر : إذن، اعترِف بأن الإنسان لم يذهب بعدُ إلى القمر!
المدير : وأخيرًا؟!
الشاعر : لا بد أن تُرسِلني إلى هناك.
المدير : أُرسِلك؟!
الشاعر : وقرارك بإرسالي سيكون — كما قلتُ لك — قرارًا تاريخيًّا سيُسجَّل لك بالفخر.
المدير : فلنتكلَّم بعقل … افرض أني اقتنعتُ بما تقول … كيف السبيل إلى تنفيذ ذلك عمليًّا؟!
الشاعر : ماذا تعني؟!
المدير : أعني من الذي يتحمَّل مسئولية سلامتك واحتمالك لمخاطر الرحلة؟!
الشاعر : أنا المسئول عن نفسي، وأكتب لك إقرارًا بذلك.
المدير : هذا لا يكفي.
الشاعر : إني مستعدٌّ للقيام بالتدريبات والاستعدادات التي يقوم بها الرواد … مهما تَكُن شاقة ومرهقة.
المدير : إذن لا بد أن أضمَّك رسميًّا إلى قائمة المرشحين.
الشاعر : أكون شاكرًا.
المدير : طبعًا باعتبارك رائدًا لا شاعرًا.
الشاعر : فليَكُن.
المدير : سأُدبِّر الأمر بالطبع حتى لا يُعتمد عليك كثيرًا في أعمال مُعقَّدة.
الشاعر : إذن توافقون على سفري؟
المدير : اترك لي فرصةً أبحث الأمر.
الشاعر : ستبحث جديًّا … أو هي طريقة للتخلص؟
المدير : سأبحث جديًّا.
الشاعر : إني أُصدِّقك … وأشعر بأنك صادق.
المدير : نعم … صدِّق.
الشاعر : أشكرك … ولن أنسى لك هذا الفضل.
المدير (يمُدُّ إليه يده) : إلى اللقاء.

(على سطح القمر … المركبة القمرية وقد هبطت واستقرَّت على التراب … يخرج منها ثلاثة أشخاص في ثياب الفضاء … اثنان يشرعان في إخراج الأجهزة، تمهيدًا لجمع عينات من الأحجار والصخور … أما الثالث، فبمُجرَّد وضع قدمه على السطح يقف جامدًا مشدوهًا.)

الرائد الأول : قل لصاحبنا هذا يتحرَّك قليلًا.
الرائد الثاني : لا فائدة من المحاولة.
الرائد الأول : ما الذي يجعله يتجمَّد هكذا؟
الرائد الثاني : هذا الذي كان يحدث له طول الرحلة.
الرائد الأول : الدهشة والذهول!
الرائد الثاني : من كل شيء حولنا … مع أن كل شيء يسير على ما يُرَام … طبقًا للبرنامج المرسوم.
الرائد الأول : ولم يحدث أيُّ خلل في الأجهزة … ولا أيُّ انحراف في خط السير.
الرائد الثاني : فلنتركه إذن جامدًا يُحملِق هكذا، ولْنَقُم نحن بالمهام الملقاة علينا.
الرائد الأول : أخشى أن يكون مريضًا!
الرائد الثاني : لا … ليس إلى هذا الحد.
الرائد الأول : كيف سمحوا لمثله بالرحلة؟!
الرائد الثاني : ومع ذلك فقد تدرَّب معنا التدريب الكافي … ولم يَبْدُ عليه شيء غير عادي.
الرائد الأول : ولكن ما كدنا نخرج عن جاذبية الأرض … ويرى الأرض تبتعد … ويصغر حجمها، حتى لمعت عيناه ببريق غريب … ولم يصبح الشخص العادي.
الرائد الثاني : إنه، على كل حال، زميل لطيف.
الرائد الأول : لست أُنكِر ذلك … كلُّ ما أرجوه أن يكون بخير.
الرائد الثاني : لعلَّه يُفيق بعد قليل … فلنتركه الآن … ولنذهب إلى أعمالنا.
الرائد الأول : هلمَّ بنا … فلنشغِّل أولًا أجهزة تسجيل درجات الحرارة … والضغط الجوي … ونثبِّت الكاميرات … قبل أن نفحص الصخور والأحجار ونأخذ عينات.

(يبتعد الرائدان بآلاتهما … ويبقى الثالث في جموده بلا حراك … ولا يلبث أن تحيط به أضواء خافتة ذات ألوان … وتَرِفُّ من حوله موسيقى حالمة رقيقة … ثم تُسمَع أصوات تطوف به … هادئة مُنغَّمة لطيفة.)

صوت ١ : ليس مثل الآخرين.
صوت ۲ : ليس من جامعي الحجر.
صوت ٣ : لم نَرَ مثله على القمر.
صوت ٤ : مَن يكون؟
صوت ١ : أهو من الأرض جاء؟
صوت ٢ : فيه شيء منَّا.
صوت ٣ : إنَّه هذا الصفاء.
صوت ٤ : مَن يكون؟
صوت ١ : عينه تُلوِّن الصخور.
صوت ٢ : من قلبه يَشِعُّ نور.
صوت ٣ : إنه يسمعنا.
صوت ٤ : مَن يكون؟
صوت ١ : إنه يحسُّ بنا.
صوت ۲ : بحفيف أجنحتنا.
صوت ٣ : إنه يعرفنا.
صوت ٤ : مَن يكون؟
صوت ١ : يعرفنا ولا يرانا.
صوت ۲ : شيء فيه يرانا.
صوت ۳ : ليست عيناه ككل العيون.
صوت ٤ : مَن يكون؟
صوت ١ : يريد أن يرانا.
صوت ۲ : كيف نتجلَّى له.
صوت ٣ : دون أن يصيبه جنون.
صوت ٤ : من يكون؟
صوت ۱ : فلنظهر له ككائنات.
صوت ۲ : مُحبَّبة له مألوفة.
صوت ٣ : ونُحادِثه بلغته المعروفة.
صوت ٤ : لنعرف مَن يكون.

(ظلام … ثم برق … الضوء البنفسجي الوردي … ويمتلئ المكان حول الشاعر الجامد بكائنات في صورة بشرية لطيفة … لا هي بالذكور ولا بالإناث … تحيط به في شِبه رقص.)

الكائن ١ : أنتركه في ثيابه الثقيلة؟
الكائن ٢ : ورأسه السجين في خوذة الفضاء؟
الكائن ٣ : ليَكُن مثلنا لا يحتاج إلى هواء.
الكائن ٤ : وليخرج حرًّا كالفراشة.

(يُجرِّدونه من ثياب الفضاء … وعندئذٍ يبدو وكأنَّه يُفيق من نوم عميق … ويُحرِّك ذراعَيه … يتنهَّد كمن تخلَّص من كابوس.)

الشاعر : من أنتم؟! … وأين أكون؟
الكائن ١ : نحن مَن أردتَ أن تراهم؟
الشاعر : نعم … في أغوار نفسي أردت.
الكائن ٢ : نحن نبدو لك كما تريد أن نكون.
الشاعر : نعم، نعم … عرفتُكم.
الكائن ٣ : كنا على ثقةٍ أنك تعرفنا.
الشاعر : وسمعتُ أصواتكم.
الكائن ٤ : كنَّا نعلم أنك تسمعنا.
الشاعر : كهفيف أجنحة النحل فوق زهر البرتقال.
الكائن ١ : سمعتَنا هكذا؟!
الشاعر : بل كفراشات حول نور.
الكائن ٢ : لماذا لا يسمعنا الآخرون؟
الشاعر : مَن تقصدون؟
الكائن ٣ : من جاءوا قبلك ويجيئون.
الشاعر : يستمعون إلى صوت أجهزتهم.
الكائن ٤ : أجهزة تذبح السكون.
الكائن ١ : سفَّاكُون!
الكائن ٢ : لمَّامُو صخور!
الكائن ٣ : من جوارح الصقور.
الشاعر : لا يعرفون الإصغاء إلى همس السكون.
الكائن ٤ : ما الذي جاء بك إلى هنا؟
الشاعر : صداقة قديمة للقمر.
الكائن ١ : منذ متى؟!
الشاعر : منذ طفولتي … كنت أراه يَبسِم لي فأبسِم … ويَعبِس فأعبِس … ويضحك فأضحك … ويهرب مني خلف سحابة … فأتربَّص به حتى يظهر … فما يكاد يُبصِرني حتى يعود إلى الهرب … مختفيًا بين السحب … إنه يراوغني … إنه يلاعبني … وأنا لا أسأم هذا اللعب … حتى يوغل الليل … وأهلي ينادونني للنوم فلا أحفِل بهم … إلى أن يتأكَّد لي أنَّ صديقي اللعوب قد ترك اللعب معي … لعبة الاختفاء خلف ستائر الغمام، وذهب هو أيضًا لينام.
الكائن ٢ : أكنتَ تلعب معه هكذا وأنت على الكوكب الآخر؟!
الشاعر : نعم … ولكن وقتئذٍ لم أَكُن أعرف أنكم هنا … كنتُ أتصوَّر القمر وحيدًا مثلي … لا يجد من يُحادِثه ويُلاعِبه غيري.
الكائن ٣ : والآن … وقد رأيتنا؟!
الشاعر : يُخيَّل إليَّ أني كنتُ أعرفكم دائمًا … وسبق لي أن رأيتُكم هكذا في أحلامي.
الكائن ٤ : نحن أيضًا.
الكائن ١ : حقًّا … نحن أيضًا نشعر كأنَّك صديق قديم.
الشاعر : أريد أن أعرفكم أكثر وأكثر … كيف تعيشون هنا؟
الكائن ٢ : كما ترى.
الشاعر : في غناء وهناء؟
الكائن ٣ : دائمًا.
الشاعر : وحب؟
الكائن ٤ : وحب.
الشاعر : مَن مِنكم الذكر ومَن منكم الأنثى؟
الكائن ١ : ما هذا الذي تقول؟!
الشاعر : أقصد النوعَين.
الكائن ٢ : أيُّ نوعَين؟!
الكائن ٣ : لا يوجد هنا غير نوع واحد … نحن.
الشاعر : نوع واحد؟!
الكائن ٤ : أتعجب لهذا؟!
الشاعر : إني أسأل.
الكائن ١ : كان هنا بالفعل نوعان … فيما مضى من الزمان.
الشاعر : ذكر وأنثى؟
الكائن ٢ : نعم … هذا الذي تقصد.
الكائن ٣ : ولكن ذلك مضى … مضى.
الكائن ٤ : منذ زمن سحيق … منذ أن كان هنا زمن.
الشاعر : عجبًا! … أَوَلَا يوجد الآن هنا زمن؟! … اعذروني إذا سألت!
الكائن ١ : اسأل ما شئتَ … ما دمتَ لنا صديقًا.
الكائن ٢ : لن نُخفِي عنك شيئًا.
الكائن ٣ : نحن نعلم أنك قادم من كوكب مختلف.
الكائن ٤ : كوكب مخيف!
الشاعر : لا زمان ولا نوعان.
الكائن ١ : كان هنا نوعان … ولكن كل نوع كان يُناقِض الآخر … ويحسده على مزاياه … ويريد التشبُّه به … وأخذ يقترب الواحد من الآخَر … إلى أن تلاشت الفوارق واتَّحدا في شكل واحد.
الكائن ٢ : وكان هذا آخِر العهد هنا بالاختلاف.
الكائن ٣ : والخلاف.
الكائن ٤ : وعشنا في ائتلاف.
الشاعر : وكيف تتوالدون؟
الكائن ١ : لا ميلاد ولا ممات.
الكائن ٢ : نحن طاقاتٌ من فكر وشعور.
الكائن ٣ : تتبدَّد وتتجدَّد من تلقاء الذات.
الكائن ٤ : كالضوء والنور.
الشاعر : أو كالروح، كما نقول نحن أهل الأرض، وربما كنتم أنتم أرواحنا الصاعدة … لذلك نُحبُّكم دون أن ندري … وتتطلَّع عيوننا إلى هذا القمر … نستلهمكم ونناجيكم … ونغني معكم.
الكائن ١ : نحن أيضًا نتطلَّع إلى كوكبكم الجميل.
الكائن ٢ : ها هو ذا ياقوتة كبيرة في منديل.
الكائن ٣ : ياقوتة زرقاء في كفِّ السحاب.
الكائن ٤ : يملؤنا فزع منه وإعجاب.

(يلتفتون جميعًا إلى قرص الأرض وقد طلع في الأفق متألقًا.)

الشاعر :
نعم … جميلة هي أرضنا.
وفي هذا الوادي الأخضر بيتنا.
والماء الجاري في السهول.
وسنابل القمح في الحقول.
الكائن ١ : لكأنَّك ترى كل ذلك من هنا.
الشاعر : كل بقعة في أرضنا أراها من هنا … وزقزقة العصفور أسمعها هنا.
الكائن ٢ : وبحار الدم نراها من هنا.
الكائن ٣ : وتنهُّدات الهمِّ نسمعها هنا.
الكائن ٤ : وصرخات الرعب تُفزِعنا هنا.
الشاعر : نعم … وا أسفاه!
الكائن ١ : ليت كلَّ الناس هناك مِثلُك.
الشاعر : كثيرون هناك طيبون وأبرياء.
الكائن ٢ : ومَن الذي يصُبُّ على الأرض البلاء؟!
الكائن ٣ : ومَن الذي يترك فيها الجياع؟!
الكائن ٤ : ويبذر فيها سوء الطباع … وضراوة السباع؟!
الشاعر : نعم … وا أسفاه! … هذه القارَّات في أرضنا بأطرافها السفلى المُدبَّبة كأنَّها العناقيد المُدلاة.
الكائن ١ : لكنَّ اللون الأحمر هناك ليس النبيذ!
الكائن ٢ : من يُصدِّق أن هذه الياقوتة الواحدة مُفتَّتة الأجزاء؟!
الكائن ٣ : بين كل جزء وجزء حدود وسدود.
الكائن ٤ : من الأطماع والعدوان والظلم والبغضاء!
الشاعر : لحسن الحظ أن هذا القمر يحتفظ بكتلته المتحدة.
الكائن ١ : تُرى، لو حضرتم هنا، يا أهل الأرض، جماعات من دول وشعوب مختلفة منقسمة، هل تحتفظون لقمرنا هذا بوحدته … أو تُفتِّتونه هو أيضًا إلى أجزاء؟
الكائن ٢ : كل جزء يُناصِب الآخَرَ العداء.
الكائن ٣ : ويذبح السلام بسكِّين.
الكائن ٤ : السلام الذي عرفناه طوال الزمان … وبحارنا الشاسعة من الرمال التي لا موج فيها ولا أنين.
الكائن ١ : وأديمنا الذي لم يعرف آثار الأقدام.
الكائن ٢ : وبراكيننا برد وسلام.
الكائن ٣ : وَضوءُنا على أرضكم هالة ذهبية تُظلِّل الحب …
الكائن ٤ : وتَنسُج الأحلام.
الجميع : ولقمرنا وجه واحد ينظر به إلى أرضكم ويقول: إني ثابت على مبدأ واحد هو السلام.
الشاعر : كفى … كفى … كفى!

(يصيح الشاعر … ويعُمُّ الظلام فجأةً … وعندما يعود الضوء تكون الكائنات القمرية قد اختفت … وكل شيء عاد كما كان … والرائدان بقُرب الشاعر … يحملان ما جمعاه من صخور.)

الرائد الأول : إنه لم يزل واقفًا جامدًا كما تركناه.
الرائد الثاني : ألم يُفِق بعد؟
الرائد الأول (للشاعر) : هل أنت بخير؟
الشاعر : نعم.
الرائد الثاني : استعِدَّ إذن … فقد حان وقت العودة.
الشاعر : العودة؟!
الرائد الأول : إلى الأرض.
الشاعر : الأرض؟!
الرائد الثاني : نعم … لقد انتهت مهمَّتنا هنا.
الرائد الأول : وجئنا بمعلومات ونتائج سيدهش لها العالم.
الرائد الثاني : إن هذا القمر هو مخزن كنوز لا حصر لها.
الشاعر : كنوز!
الرائد الأول : لقد جمعتُ صخورًا تَلمَع بالذهب الخالص.
الرائد الثاني : وما جمعتُه أنا من صخور تَبرُق بالماس النفيس.
الرائد الأول : ولم يَعُد لدينا شكٌّ أن كلَّ المعادن متوفِّرة هنا بكثرة مذهلة.
الرائد الثاني : حتى النادرة، مثل اليورانيوم والراديوم.
الرائد الأول : علاوةً على معادن أخرى مجهولة لنا … وغير معروفة في كوكبنا.
الرائد الثاني : ومَن يدري ماذا كنَّا نجد أيضًا لو استطعنا الهبوط من فوهة بركان من هذه البراكين إلى القاع.
الرائد الأول : فلنترك هذه المهمَّة لمَن يأتي بعدنا … والآن، هلمَّ نُعلِن إلى العالَم خبر هذه الثروة العظيمة.
الرائد الثاني : إلى العالَم؟! … أو إلى دولتنا وحدها؟!
الرائد الأول : إلى دولتنا وحدها بالطبع … عندما أقول العالم فإني أقصد دولتنا.
الرائد الثاني : يجب أن نكتم الأمر إذن … وأن يبقى الأمر سرًّا … لأن الأمر لو شاع لتكالبت الدول الأخرى على هذه الكنوز.
الرائد الأول : بالطبع … يجب أن نكتم ذلك … وإن كنت أشكُّ في إمكان الاحتفاظ طويلًا بأي سرٍّ في دولة واحدة.
الرائد الثاني : يكفي أن يكون كلٌّ منا على حذرٍ في محيطه … فأنا مثلًا لن أَفُوهَ بكلمة … حتى ولا لزوجتي.
الرائد الأول : يجب أن نُقسِم على ذلك.
الرائد الثاني : أُقسِم.
الرائد الأول (للشاعر) : وأنت؟!
الشاعر : أُقسِم على ماذا؟
الرائد الثاني : على عدم البوح بسرِّ هذه الكنوز لأحد.
الرائد الأول : إلَّا للمسئولين.
الشاعر : ولا للمسئولين … هذه الكنوز يجب أن تبقى هنا … في مكانها.
الرائد الثاني : ماذا تقول؟!
الشاعر : وهذه النماذج من الصخور التي معكما، لا ينبغي أن تذهب إلى كوكبنا الأرضي.
الرائد الأول : ما هذا الكلام؟!
الشاعر : هذا لا بد منه … إذا كنتم تريدون أن يبقى هنا على القمر سلام.
الرائد الثاني : نعود بغير هذه الصخور؟!
الشاعر : نعم.
الرائد الأول : يجب أن نعود بها.
الشاعر : إنكم تعودون بكارثة!
الرائد الثاني : أتُسمِّي هذه الثروة كارثة؟!
الشاعر : نعم … إنها الوقود لنار جديدة … ستشتعل هنا على القمر … هذا المكان الذي لم يعرف غيرَ الهدوء.
الرائد الأول : أَوَتظنُّ أننا جئنا إلى هذا المكان الهادئ لمُجرَّد النزهة والاستجمام؟!
الرائد الثاني : أو لأخذ حمام شمس على شاطئ بحر الرمال؟!
الشاعر : تريدون أن يحدث هنا ما حدث في الهند يومَ ذهب إليها الباحثون عن التوابل فإذا هم يستعمرونها استعمارًا … وكما حدث في أمريكا يوم جاءها الباحثون عن الذهب فأبادوا أهلها إبادة؟!
الرائد الأول : اطمئن! … ليس هنا سكَّان لاستعمارهم … ولا كائنات لإبادتها!
الشاعر : مَن أدراكم؟
الرائد الثاني : ماذا تقصد؟!
الشاعر : أقصد لو فُرِض وكانت هنا كائنات … أتضمنون لها أن تبقى في هدوء؟!
الرائد الأول : ليس من مهمَّتنا أن نتحدَّث في فروض.
الرائد الثاني : أَكُلُّ ما تخشاه هو إقلاق راحة كائنات تفترض فرضًا أن لها وجودًا؟!
الشاعر : إن ما أخشاه هو أن يعرف هذا الترابُ البكرُ الطاهرُ لونَ الدماء.
الرائد الأول : أيُّ دماء؟!
الشاعر : دماء البشر … دماء أهل الأرض … يوم يجيئون هنا من كلِّ جنس يتقاتلون على هذه الثروات.
الرائد الثاني : إن خيالك واسع.
الشاعر : ليس خيالًا … ولكنَّها رؤيةٌ لنتيجةٍ محتملة الحدوث … ويجب التفكير فيها من الآن.
الرائد الأول : ليس من عملنا التفكير في مثل هذا … عملنا هو أن نكشف بأجهزتنا عن بيانات ومعلومات … وقد فعلنا.
الشاعر : ولكنَّ عملي أنا هو أن أُفكِّر وأشعر.
الرائد الثاني : ومن كلَّفك بهذا؟!
الشاعر : أنا.
الرائد الأول : أنت كلَّفتَ نفسك؟!
الشاعر : نعم.
الرائد الثاني : أنت مجنون!
الشاعر : ربَّما … ولكنِّي إنسان.
الرائد الأول : اسمع … لقد احتملنا منك طول الرحلة ما لا يُمكِن أن يُحتمَل … وسنُضمِّن تقاريرنا كلَّ هذا الذي لاحظناه عليك … ولكنَّنا لن نسمح لك بأن تُعرقِل مهمَّتنا.
الرائد الثاني : تعالَ معنا.
الشاعر : لن أتحرَّك من هنا قبل أن تلُقِيا بعيدًا بهذه الصخور الملعونة!
الرائد الأول : نرجوك … كن عاقلًا.
الرائد الثاني : قدِّر المسئولية!
الشاعر : قدِّروا أنتم مسئوليتكم أمام ضميركم!
الرائد الأول : تريد منا أن نحرم أهل الأرض من ثروات ضخمة؟!
الشاعر : لو كانت هذه الثروات ستُوزَّع على أهل الأرض جميعًا لكنتُ معكم … ولَمَا وقفتُ هذا الموقف … ولكنَّ هذه الثروات سيُحرَم منها أكثر أهل الأرض، وسيظلُّون كما هم في جوعهم … بينما تُتخَم بها بطونٌ، وتزداد بها قوةً وسيطرةً.
الرائد الثاني : وما هو الحل إذن؟
الشاعر : الحل كما قلتُ لكم … لا تثيروا الجشع في النفوس الآن … ولا تُحرِّكوا روح الشر والعدوان … فتتجدَّد أخطار الدمار … قبل كل شيء، يجب أن نعمل على أن يسود كوكبنَا الأرضيَّ العدلُ والإخاء.
الرائد الأول : وإلى أن يتحقَّق هذا؟!
الرائد الثاني : ندفن هذه الكنوز هنا؟! … أهذا ما تتصوَّر؟!
الشاعر : هذا ما يجب أن نفعل.
الرائد الأول : نحن نرفض هذا الرأي.
الرائد الثاني : كل الرفض … لأنه حماقة.
الشاعر : كلٌّ منا حرٌّ في رأيه … لستُ من رأيكم … تصرَّفوا كما تشاءون.
الرائد الثاني : سنعود الآن بما نحمل إلى المركبة القمرية.
الشاعر : عودوا.
الرائد الأول : وأنت؟
الشاعر : لن أعود معكما.
الرائد الثاني : أستبقى هنا؟
الشاعر : نعم.
الرائد الأول : تبقى وحدك هنا على القمر … ونعود — نحن الاثنين — إلى الأرض؟! … بدونك؟! … أهذا معقول؟!
الشاعر : لن أعود معكما وهذه الصخور معنا.
الرائد الثاني : لا يُمكِننا أن نُلقِي بها بعد أن جمعناها.
الرائد الأول : إنك تطلب منَّا الإخلال بواجباتنا.
الشاعر : إني أطلب منكما الخيار بين أمرَين: إمَّا أن تُلقِيا بهذه الصخور، وإمَّا أن تُلقِيا بي.
الرائد الأول : هذا اختيار عسير!
الرائد الثاني : لا نستطيع أن نُلقِي بك ولا بهذه الثروة.
الشاعر : وأنا لن أتحرَّك من مكاني هذا.
الرائد الأول : ونحن لا نستطيع العودة إلى الأرض بدونك.
الشاعر : ولِمَ لا؟
الرائد الثاني : ماذا نقول لهم هناك؟!
الشاعر : قولوا أيَّ شيء … قولوا إني فُقِدت منكم.
الرائد الأول : فُقِدتَ أين؟ … وكيف؟
الرائد الثاني : خطواتنا هنا محسوبة.
الشاعر : أليس من المُحتمَل أن أموت هنا؟!
الرائد الأول : في هذه الحالة، لا بد من حمل جثمانك معنا.
الشاعر : وإذا طلبتُ أن أُدفَن في القمر؟
الرائد الثاني : نتَّصل بالمتابعة الأرضية لطلب التصريح بذلك من ذويك.
الشاعر : لن تستطيعا حملي بالقوة معكما.
الرائد الأول : نرجو ألَّا تُلجِئنا إلى استخدام القوة.
الشاعر : أهو تهديد؟!
الرائد الثاني : أنت الذي تتحدَّى!
الشاعر : فليُحاوِل أحدكما أن يلمسني!
الرائد الأول : ماذا ستفعل؟
الشاعر : سأدافع عن نفسي.
الرائد الثاني (ينتحي بالرائد الأول هامسًا) : وما العمل الآن؟
الرائد الأول : لم يَبْقَ لنا إلَّا أن نتصل بالمتابعة الأرضية، ونعرض عليها الأمر.
الرائد الثاني : هذا موضوع خطير.
الرائد الأول : أهناك حلٌّ آخَر؟!
الرائد الثاني : ماذا سيقولون على الأرض؟! … هذه أول مرة يحدث فيها شيء كهذا في الفضاء الخارجي … خلاف وشجار يقع بين رواد الفضاء على سطح القمر؟!
الرائد الأول : ومَن السبب في ذلك؟!
الرائد الثاني : لا يهمُّ … إنها فضيحة للرحلة كلها!
الرائد الأول : وهل نترك هذا المجنون يُفسِد هذه الرحلة بتصرُّفاته الحمقاء؟!
الرائد الثاني : هذه التصرُّفات نضعها — كما قلنا — في تقرير سري … أمَّا أمام العالم، فلا بد من إنقاذ سمعة رحلةٍ هي أهمُّ رحلات الفضاء حتى الآن.
الرائد الأول : لو استطعنا أن نُفاجِئه بلطمةٍ تُفقِده صوابه … ثم نحمله معنا رغمًا عنه …
الرائد الثاني : ليس هذا بالأمر السهل.
الرائد الأول : حقًّا!
الرائد الثاني : ومع ذلك … فلنُحاوِل.
الرائد الأول : نعم … فلنُحاوِل … ليس أمامنا سبيل آخر.

(يلتفتان إلى الشاعر … ويخطوان نحوه خطوةً … ولكنهما يقفان في دهشة.)

الرائد الثاني : انظر … إنه يُحرِّك شفتَيه … كمَن يخاطب أحدًا.
الرائد الأول : يُخاطِب مَن؟
الرائد الثاني : لا أدري … انظر إلى عينَيه.
الرائد الأول : كأنهما تُحدِّقان في شيء ماثل أمامه.
الرائد الثاني : إنه لا يشعر بوجودنا.
الرائد الأول : لعلَّها اللحظة المناسبة لمُفاجأته باللطمة.
الرائد الثاني : فلننتظر قليلًا … ولنراقبه.

(صوت الكائنات … يسمعه الشاعر فقط ولا يسمعه الرائدان.)

صوت ۱ : نراك ونسمعك وأنت تُجاهِد لتمنع عنَّا بلاء البشر.
الشاعر : ولكنَّ صوتي ضعيف.
صوت ۲ : اصمُد واستمِر.
الشاعر : أخشى أن يغلبوني ويذهبوا بي إلى الأرض بكنوز الدمار.
صوت ۳ : اذهب معهم إلى أرضك واصمُد واستمِر.
الشاعر : لن أستطيع منعهم … ولا بموتي.
صوت ٤ : لن تموت … اصمُد واستمِر.
الشاعر : إذا عدتُ إلى أرضي فأنا معكم، ولن أنساكم.
الكائنات (جميعًا) : ونحن معك، ولن ننساك، وداعًا … وداعًا!
الشاعر : وداعًا … يا أرقَّ الكائنات!

(يشير الشاعر بيده كالمُودِّع … ويتحرَّك.)

الرائد الأول : إنه يتَّجه إلى المركبة القمرية.
الرائد الثاني : إلى أين تذهب؟
الشاعر : إلى الأرض.

(يمشي الرائدان خلف الشاعر نحو المركبة القمرية في صمت.)

(على سطح الأرض … في مكتب مدير عمليات غزو الفضاء … المدير يقرأ تقريرًا.)

(السكرتيرة تدخل.)

السكرتيرة : إنهم في الخارج … ينتظرون.
المدير : لحظة … حتى أقرأ التقرير.
السكرتيرة : والبرقيات؟
المدير : انتظري … يظهر أن صاحبك الشاعر قد أتى هناك بتصرُّفات حمقاء.
السكرتيرة : في نظر مَن؟
المدير : وأنتِ التي كنت تُلحِّين في إرساله.
السكرتيرة : وماذا حدث؟ … هل فشلت الرحلة؟
المدير : بالعكس … جاءت بنتائج باهرة … لم تكن في الحسبان.
السكرتيرة : جاءت بكنوز؟
المدير : نعم … ولكن … هذا الشاعر!
السكرتيرة : إنه أحد أعضاء الرحلة.
المدير : أنتركه بدون اتخاذ أيِّ إجراء؟
السكرتيرة : إجراء؟!
المدير : تصرُّفاته …
السكرتيرة : كانت مُتوقَّعة.
المدير : أَكُنتِ إذن تتوقَّعين.
السكرتيرة : وأنتَ أيضًا … ما دام شاعرًا … لا بد أن يكون مختلفًا عن الآخرين.
المدير : تريدين أن تجُرِّيني معك إلى …
السكرتيرة : هل سمعتَ منه؟ … ألا يحسُن أن تسمع أقواله؟
المدير : وهو كذلك … أدخليه.

(السكرتيرة تفتح الباب وتُشير بيدها فيدخل الشاعر مندفعًا.)

الشاعر : سيدي المدير … أرجوك!
المدير : تكلَّم.
الشاعر : هذه الكنوز يجب أن تبقى في طيِّ الكتمان الشديد … أيُّ تسرُّب لخبرها سيُحدِث كارثة!
المدير : كارثة!
السكرتيرة : أخشى أن يكون شيء قد تسرَّب … هذه البرقيات الكثيرة … غير عادية.
المدير : برقيات؟! … اقرئي.
السكرتيرة (تفضُّ البرقيات) : شركات ومؤسسات من أنحاء العالم … تستفسر عن محتويات عينات الصخور الواردة من القمر.
الشاعر : إذا عرف العالم هذه المحتويات فسوف يقع ما حسبته … لم أَكُن أريد لهذه الكنوز أن تأتي هنا.
المدير : ولهذا أحدثتَ ذلك الشجار هناك؟
الشاعر : نعم … وسأصمد … وسأستمر.
المدير : تستمر في الشجار؟!
الشاعر : في الدفاع عن رأيي.
المدير : ليس كلُّ الناس من رأيك … هذه الكنوز على القمر هي ثروة لبلدك … لدولتك.
الشاعر : لدولتي وحدها؟!
المدير : طبعًا.
الشاعر : وبقية البشر؟!
المدير : أيُّ بشر؟!
الشاعر : ألا يوجد بشر آخرون غيرنا في بلاد أخرى؟!
المدير : وما دخلهم هم؟!
الشاعر : أليس لهم حقٌّ في هذه الثروة؟
المدير : وهل هم الذين جاءوا بها؟!
الشاعر : إذن هي لنا وحدنا؟!
المدير : هذا طبيعي … وإلَّا ما كنَّا قمنا بهذه المجهودات … وما كنتم أنتم ركبتم هذه المخاطر.
الشاعر : هذه نهاية الرحلة إذن.
المدير : وكانت رحلة مُوفَّقة … فتحت لنا باب ثراء مُتدفِّق.
الشاعر : عونًا يا أهل القمر … عونًا!
الكائنات (في صوت لا يسمعه غير الشاعر) : نحن معك دائمًا … معك.

(جرس التليفون يرن.)

المدير (يرفع السماعة) : معمل التحليل … آه … أنا هو المدير … ماذا تقولون؟! … نتيجة الفحوص سلبية … صخور عادية … تراب زجاجي … شكرًا.
السكرتيرة : تراب زجاجي؟!
المدير : مواد زهيدة … لا كنوز ولا ثروة هناك.
الشاعر : بوركتم يا أصدقائي.
المدير (في دهشة وذهول) : يُخاطِب مَن؟!
الشاعر : بوركتم يا أطهر الكائنات!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦