مدينة الملائكة

في لحظة إحساسٍ باللافاعلية والضيق بالصبر وانعدام الدور والجدوى؛ لحظةٍ من تلك اللحظات التي كثيرًا ما تنتاب أيًّا منا أمام ما يتصوره وما يجده من عقبات هائلات كأنها جبال تفاهات شامخة، دق جرس التليفون دقًّا دوليًّا في العاشرة مساءً:

– ألو، صباح الخير (دهشت)، أقصد مساء الخير … فلان؟!

– نعم، صباح الخير أو مساء الخير، أهلًا وسهلًا.

– أنا عفاف لطفي السيد … الدكتورة عفاف لطفي السيد الأستاذة في جامعة لوس أنجلوس.

– أهلا وسهلًا … عفاف لطفي السيد؟

– نعم.

– ابنة أستاذ الجيل؟

– ابنته الروحية ولكن والدي كان سعيد لطفي السيد باشا شقيقه.

– أول رئيس للإذاعة المصرية؟

– تمامًا.

– أهلًا وسهلًا، أهلًا وسهلًا.

– لقد كلفتني جامعة لوس أنجلوس بأن أَعرض عليك أن تحضر إلى الجامعة كأستاذ كاتب زائر لمدة ربع عام أو عام حسبما يسمح وقتك فما رأيك؟!

كان أول خاطر سريع أن أقبل فورًا؛ ففي تلك اللحظة كنت مستعدًّا لتلبية أي نداءٍ قدَري يأتيني ولو بالذهاب إلى واق الواق.

لقد كنت أحتار إذا سألني أحد السائلين عن هواياتي، كنت أفتش حياتي فلا أجد لي هواية واحدة تصلح للذكر؛ فلا أنا رياضي ولا شطرنجي ولا إلى أي نشاط اجتماعي أنتمي. والانطواء أحب إليَّ كثيرًا من الجلوس في نادٍ، ولا أصطاد بالبندقية، وحظِّي في صيد السمك صفر. أخيرًا جدًّا اكتشفت أن كثرة حبي للسفر تُعَد هوايتي الحقيقية، والعام الماضي كله تقريبًا قضيته على سفر: دعوة لحضور مهرجان الشعر الشبابي في العراق، دعوة من الجمعية العربية السويدية لاستوكهلم، دعوة من وزارة العلاقات الثقافية الخارجية لزيارة فرنسا، دعوة من هيئة «البروهيلفيسيا» السويسرية (ما يقابل المجلس القومي للثقافة عندنا) لزيارة سويسرا، وكان رفيقي في الدعوة صديقي وأستاذي الدكتور لويس عوض الذي لا أملُّ مداعبته، ولم أملَّ طوال الأسابيع الثلاثة التي قضيناها في سويسرا … وها هي الآن دعوة إلى كاليفورنيا ولوس أنجلوس وجامعة عتيدة مهيبة اسمها Ucla.

ولكن انبثاقة الرغبة في التلبية سرعان ما توقفت؛ فقد رنَّت في أذني كلمة «أستاذ» ولو كان زائرًا للجامعة.

فكل الدعوات السابقة كانت دعوات ثقافية سياحية ومقابلات مع كُتَّاب وفنانين ومثقفين وحضور مؤتمرات.

تنحنحت وقلت: يا دكتورة عفاف … تقولين أستاذًا زائرًا؟

– نعم.

– ولكن أستاذ ماذا؟ أستاذ لتدريس الأدب العربي؟

– شيء كهذا.

– ولكن هذا التدريس لم أجرِّبه أبدًا ولا أصلح له، لا أطيق أن أكون أستاذًا أو أدرس شيئًا؛ فأنا كثير التغيير والتبديل في آرائي، والحقيقة عندي بالغة الصعوبة في الوصول إلى مرحلة اليقين فيها، والأستاذ لا بُدَّ أن يكون قد «وصل» إلى ما يتصور أنه الحقيقة ليستطيع أن «يعلِّمها» لغيره، ألا تعرفون هذا في جامعة لوس أنجلوس عني؟ أنا دكتور طبيب يا دكتورة ولم أنل أية دكتوراه، وكنت قد تنازلت عن اللقب ككاتب وظللت ردحًا طويلًا أكتب اسمي فقط، إلى أن عيَّنني الأستاذ هيكل في الأهرام، ورأى أن يكتب اسمي مضافًا إليه لقب دكتور، وهكذا ذهبت مثلًا، والتصق اللقب بي، وكأن نبوءة المرحوم الشاعر كامل الشناوي قد تحققت؛ إذ حين خلَّفت ابني الأول والأكبر (سامح) ظللت طويلًا حائرًا في تسميته؛ فقد كنت أريد أن أسميه محمدًا وكانت أمه قد قرأت قصة لي اسمها «لعبة البيت» وبطلها طفل اسمه سامح، فأصرت على أن تسميه «سامحًا» حتى لا يغضب منا اللغويون؛ إذ إن العائلتَين مليئتان باسم محمد، ويومها — وأنا حائر في اختيار الاسم — قال المرحوم كامل الشناوي: اسمع يا يوسف، ما رأيك أن تسميه دكتور (والمرحوم كان دائم التشهير بطِبِّي ومتطببيَّ) بحيث ستجبر الناس على أن يقولوا: «دكتور يوسف إدريس» يقولونها لسامح وإن لم يقولوها لي.

طبعًا لم أقل كل هذا للدكتورة عفاف؛ فهي تتكلم من مسافة لا تقل عن سبعة عشر ألف كيلو متر والدقيقة بالشيء الفلاني، ولكن فكرت في كل هذا، وفي جملةٍ لخصت لها الموقف: أنا لا أصلح أستاذ أدب أو مدرسًا لتلاميذ.

فُوجئت بها تقول: ولكننا نعرف هذا ولهذا دعوناك.

– دعوتموني لهذا؟!

– نعم، لتعطينا وتعطي الخريجين المتخصصين وأعضاء تدريس الأدب العربي رؤيتك كمبدع في القصة والمسرح.

– ولكن هناك في جامعات مصر أساتذة كبار يفيدونكم أكثر.

– في الحقيقة نحن نتبع نظامًا أصبح معمولًا به في أمريكا الآن، وهو دعوة الروائيين والشعراء وكُتاب القصة والمسرح كأساتذة زائرين يناقشهم الطلبة في أعمالهم ويقتربون من المبدعين الخلَّاقين؛ لكي يثيروا فيهم حبهم للأدب والفن ويدخلوا تيارات غير أكاديمية على عقولهم، بحيث لا تعود الجامعات أديرة مقفلة بعيدة عن الواقع العلمي أو الفني الحي؛ ولهذا نحن نرحب بالكُتاب ليقولوا هم نظرتهم الشخصية أو النقدية إلى عملية الخلق وإلى آرائهم في النقد حتى في طريقة تدريس الفن أو الأدب …

ورغم أن الكلام كان مقنعًا جدًّا، إلا أن فكرة أستاذ وجامعة ودراسة ظلت تدور في عقلي وتقترب من محيط الرفض حتى وأنا أقول لها: ولكن ثلاثة أشهر مدة طويلة.

– سوف تجد أنها ليست كذلك حين تأتي.

– إذن شكرًا يا دكتورة على الدعوة ومبدئيًّا أنا أقبلها.

•••

سبع عشرة ساعة من الطيران المتواصل، ١١ ساعة من القاهرة لنيويورك، وانتظار ساعتَين ثم ست ساعات للوصول إلى لوس أنجلوس.

برأسٍ دارَ حول نصف الكرة الأرضية في رحلة متصلة وصلت «مدينة الملائكة»، (أنجلوس بالإسباني تعني ملائكة)، وأنا بالكاد أُدرك من أنا، وبدا لي المطار الكبير المتوهج بالأضواء وبالسلالم وبالوجوه لوحةً قد اختلطت وتداخلت، لوحة لا بُدَّ رَسَمَها تجريديٌّ مجنون، ولولا أني لمحت وسطها وجهًا أعرفه جيدًا هو زميلنا السابق في الأهرام الدكتور إبراهيم كروان عضو مركز الدراسات بها أو هكذا خُيِّلَ إليَّ؛ إذ كانت قد أُضيفت إلى وجهه ذقنٌ صغيرة أنيقة جعلته يبدو وكأنه جزء من اللوحة يضيع في عدم اليقين.

ولكنه كان هو.

وكان الوقت متأخرًا إذ كان صباح اليوم التالي قد أشرق في القاهرة، بل حل ظُهره وليله ويوشك فجر يوم جديد أن يأتي إن لم يكن قد جاء فعلًا.

لم تكن تلك أول مرة أزور فيها لوس أنجلوس؛ فقد زرتها عام ١٩٦٦، وكنت تلك المرة مدعوًّا من قِبل جامعة شيكاغو وقمت بجولة في أهم المدن الأمريكية.

ولكن هذه لوس أنجلوس أخرى تمامًا؛ عام ٦٦ كانت مدينة متوسطة الكِبر والمباني، وكانت تختلف عن غيرها من المدن الأمريكية في خلوِّها من ناطحات السحاب المشهورة أو ندرتها، ولكن هذه المدينة أصبحت غابةً من ناطحات السحاب المهيبة، بل من مدينة واحدة تكاثرت مثل «أميبا» عمرانية مخيفة الأبعاد، فأصبحت خمس (أو ربما ست) مدن تكاد مدينة بيفرلي هيلز (حيث هوليود) تصبح أقلها أهمية.

فجأة وأفقت على الحقيقة، أنا في بلد غريب تمامًا، وكأن الدعوة كانت فرصة لكي أغمي عيني وأقذف نفسي في سَفرة أخرى، وها أنا ذا أفيق على حقيقة أني في مدينة رهيبة الغنى والأبعاد، أقصر شارع فيها طوله سبعون كيلو مترًا، وعربات بولسيها وإسعافها لا تكف عن النعيق، والعربات الأمريكية الهائلة الحجم كثيرة كثيرة وصفوفًا صفوفًا، تُدبِر حمراء وتُقبِل بأنوار بيضاء ساطعة، ماذا أتى بي يا ربي وماذا أفعل هنا، وماذا سأفعل في الجامعة غدًا أو على الأصح بعد أن تذهب عني «تولة» الرحلة؟!

أقول: أغمضت عيني وقذفت بنفسي في تلك السفرة لأسباب لا علاقة لها بأهمية الدعوة أو الجامعة بقدر ما كانت أسبابًا تتعلق بي شخصيًّا، كنت في الحقيقة أريد أن أخلد إلى نوعٍ من الانفراد بالنفس وتأمُّل طويل لا تقطعه علاقات أو نشاطات أو زيارات لحياتي؛ فمنذ عام ١٩٥٨ حين ارتبطت كتابتي بالصحافة وتركت الطب، هدهدت خواطري التي اعترضت على الفكرة بقولي لنفسي: إنها مجرد فترة قصيرة جدًّا، أجرِّب فيها الكتابة للصحافة؛ إذ لا مناص لكاتب القصة القصيرة، وحتى المسرح من الالتحاق بالصحافة إن آجلًا أو عاجلًا؛ فالقصة القصيرة الحديثة المكتوبة هي الابنة الشرعية للصحافة، لولا الصحافة ما وُجدت، فكاتب القصة القصيرة لا يستطيع أن يُصدِر كتابًا في كل مرة يكتب فيها قصة قصيرة، لا بُدَّ أن ينشرها في مجلة أو جريدة ثم يجمعها — أو لا يجمعها — في كتاب بعد ذلك، والمسألة في العادة تبدأ بنيَّة نشر القصص القصيرة ثم يبدأ الكاتب ينزلق إلى كتابة خاطرة، ثم اقتراحًا، ثم صورة قلمية، وفي النهاية يجد نفسه منغمسًا تمامًا في دور الكاتب الصحفي؛ ذلك أن الصحافة تحمِّل الكاتب حملًا إلى مشاكل الناس، مشاكل الاقتصاد والثقافة والسياسة والتعليم والإسكان والمواصلات، وحتى الحب يصل أيضًا إلى مشاكله، وليس إلى قصصه فقط.

وأفقت لأجد نفسي قد قضيت أكثر من ربع قرن كتبت أثناءها أكثر من ثلاثة آلاف موضوع صحفي، وهو كمٌّ يعادل ما كتبته فنًّا عدة مرات، وقبل أن أشرع في رحلتي الأخيرة تلك كنت قد انتهيت من مراجعة كثير من هذه المقالات وتنسيقها في أربعة كتب صدر بعضها ولا يزال الآخر في انتظار الصدور، وحين راجعت هذا العدد المهول من المقالات اكتشفت أني ما تركت مشكلة من مشاكل الشعب المصري أو العربي إلا وكتبت عنها ونبهت إليها، حتى تجريف الأرض الزراعية كتبت عنه منذ خمس سنوات بعنوان: الذين يأكلون أمَّهم (أي الأرض)، ومن مشاكل تلوث البيئة إلى مشاكل السياسة والسياسيين والتلوث الثقافي والتعليمي والتربوي، حتى الانفجار السكاني كتبت عنه في الخمسينيات.

وهنا استوقفني سؤالٌ مفجع: دعك من الأصدقاء النُّقَّاد وكاتبي المقالات الصحفية الذين سلخوني طوال السبعينيات حول نهايتي ككاتب فن «وهروبي» إلى الكتابة الصحفية؛ فهؤلاء كنت أجيبهم بقولي: إن نهاية الأرب في فهم الأدب هي أن يبادر الكاتب وينشئ شيئًا من أجل الآخرين، فإذا شب حريق في دار إخوانه الآخرين هؤلاء، أيترك الناس تحرق البيت والآخرين وينزوي في ركن يكتب عما حدث قصةً أو روايةً أو مسرحيةً، أو يتصرف كالرجال ويشمِّر عن ساعده وبكل ما يملك يساعد فورًا في إطفاء الحريق، وبعد هذا يكتب القصة أو لا يكتبها؟ هذا شيء غير مهم بالمرة؛ فالكاتب ليس صانعًا ماهرًا لكراسٍ مُذهبة أو كراسي مقاهٍ ليس حرفي قصة ورواية ومسرحية. الكاتب روحه معلقة بروح شعبه، في مشنقة واحدة أو في باقة حرية واحدة. الكاتب هو «أول» من يبادر وآخر من ينكص. الكاتب ظاهرة اجتماعية بيولوجية قبل أن يكون ظاهرة فردية هدفها ذاتي محض، أن يكون أكثر أهل صنعته إتقانًا لحرفته أو أكثرهم امتيازًا على أقرانه.

مئات المقالات قرأتها وأنا أراجع الكتب الأربعة والسؤال المفجع يقف كاللقمة في زور الواقع، وماذا صنعت تلك المقالات؟!

لا بُدَّ أنها صنعت شيئًا، كثيرًا أو قليلًا، غير مهم؛ فصدى الصنع أجده في كل مكان أذهب إليه، وصحيح أنها غيرت في تفكير كثيرين، ولكن هل غيرت حقًّا في الواقع؟ هل حلَّت فعلًا مشاكل؟ هل أخذت بها أي حكومة أو حتى أي مصلحة؟!

ذلك أمرٌ أترك الحكم عليه للناس وللتاريخ …

ولكني ككاتب لا بُدَّ أن أراجع دوري الآن.

فلقد كنت أكتب في السبعينيات في فترة اتسمت بغياب — معظم الوقت — للمعارضة وللرأي الآخر السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، والآن ومنذ نهاية عام ٨١ ونحن في حقبةٍ أخرى، هناك أحزاب معارضة، تُعارض حتى رئيس الجمهورية في قراراته، وهناك صحف معارضة مقالاتها وكُتابها السياسيون والثقافيون والعلميون أعلى صوتًا من أعلى الأصوات التي تكتب الرأي الآخر فيما يُسمى بالصحف القومية.

هناك إذن حياةٌ حزبية شبه كاملة، ودور «قائم مقام» المعارضة أصبح على رأي لطفي السيد في معاهدة ٣٦ «غير ذي موضوع» بعد أن قامت المعارضة القوية الشرعية، والتفكير السليم يدعو كلًّا منا لأن يعود إلى تخصصه واختصاصه، وأعظم ما أستطيع أن أفعله الآن أن أُنتج قصة ومسرحية وفنًّا وفكرًا — بالطبع غير منعزل عن الحياة العامة — بل بتعمقها، ويضيف بعدًّا وجدانيًّا إلى مقالاتنا وخُطبنا وتصريحاتنا العقلانية. هذا أوان الكاتب والكتاب؛ فالضجة القائمة في صحافتنا عربية ومصرية شديدة العلو — ولا نرى طحنًا — وشعبنا حاجته ماسة إلى إبداع فني حقيقي «يكنس» العناكب والعقارب والثعالب والفئران النرويجي التي تكالبت على ضمائر الناس تنهشها وتزلزل قيمها. إن الفن الحقيقي هو الدفاع عن الضمير المصري والعربي، وضمائرنا لم تكن في حاجة إلى دفاع عنها بقدر ما هي في حاجة إليه الآن.

وليس بالفن وحده ندافع عن ضمائرنا، ولكن بالكتابة الحقيقية الصادقة الصادرة عن تجرُّد كامل وعن غيرية كاملة، وليس كما هو حادث الآن مع كثير من أصحاب الأعمدة اليومية الثابتة التي أحالوها إلى قطاع خاص في أحيان كثيرة لأهداف خاصة جدَّا، والكتابة في الفاضي والمليان لا لهدف إلا لتثبيت ملكية «العمود وإثبات وضع اليد». لقد أُطلعت وأطَّلع على الصحافة في العالم كله بطوله وعرضه وشرقه وغربه ولم أجد هذا النظام الغريب الذي تنفرد به الصحافة المصرية والعربية؛ نظام العمود الثابت لسبعة أو عشرة، أو أحيانًا كُتاب أكثر، يكتبون كل يوم ولا يقولون شيئًا بالمرة، أو يقولون الشيء نفسه كل يوم، كل يوم، والغريب أن معظمهم لا يتمتعون بآراء قيِّمة وقدرة دائبة في البحث عن الحقيقة وثقافة عميقة تتيح لهم معرفة موسوعية، بحيث يعالجون الأشياء التي يكتبونها بعمق ومن خلال وجهة نظر جديدة ومبتكرة ومحددة، ولكنهم في مجموعهم يشكلون آراء شائعة لا جديد فيها ولا ابتكار، غالبًا ما تكون قشرية أو أحيانًا غوغائية، وفي أكثر الأحيان تميل إلى المحافظة وتملُّق الرأي الشائع أو المُودة السارية، في حين أن كاتبًا يستطيع أن يكتب رأيًا يوميًّا لا بُدَّ أن يكون قائدًا فكريًّا أكثر خطورة بكثير من مارلو أو سارتر أو الحكيم بوذا أو حتى — بموسوعيته — العقاد.

والنتيجة ضجيج غريب، تضيع فيه الأصوات المفكرة الدارسة وتفقد الكتابة الصحفية نفسها أهميتها وتصبح كالطنين على الأذن، أشياء تدعو للنعاس.

•••

أغمضت عيني وقذفت بنفسي في آخر مدينة على غرب الدنيا، وفي نيتي أن أعتزل العالم ثلاثة أشهر كاملة، لعل ذرات الرمال الناعمة تذهب عن عيني، وتتضح الرؤية، والضجيج الذي يملأ آذاني ويسد مسام عقلي وتفكيري يكف؛ فأستطيع أن أسمع صوتي الداخلي وأتلمَّس نوع وطبيعة ما أريد حقيقةً أن أقوله وأفعله.

ولكني كنت أحلم.

فمدينة الملائكة التي ذهبت إليها كانت تحفل بضجيج لم أكن أتصوره وبأصوات صاروخية هذه المرة لا تعيق السمع ولكن تُصِمُّ الآذان فعلًا، وكانت تجربة.

ويا لها من تجربة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤