العودة إلى زينب

نهضت ميمونة مذعورةً تلوم نفسها على التأخُّر، وتلثَّمت بخمارها واحتذت نِعالها ومشت في أثر جدتها حتى خرجتا من الدهليز، فسمعت صهيلًا فالتفتت فرأت بهزاد على جواده وقد تزمَّل بعباءته وجعل الصندوق بين يديه على القربوس، والتفَتَ إلى ميمونة وعبادة وأشار إليهما إشارة الوداع وأومأ إلى سلمان قائلًا: «اذهبا مع سلمان.» وهمز جواده.

فأحست ميمونة كأن قلبها قد نُزع من مكانه، وهمَّت بأن تستوقف بهزاد فإذا به قد ساق جواده مسرعًا، فبُهتت وكاد الدم يجمد في عروقها، ونسيت موقفها وبكت، فأمسكت جدتها بيدها وقالت: «هلم بنا فالقارب في انتظارنا على الشاطئ. وأما الطبيب فإنه سيوافينا إلى قصر المأمون.»

فمشت وقد تولتها الدهشة وعيناها شائعتان نحو بهزاد حتى توارى، وجدتها لا تعلم ما يُكِنُّه قلبها، أو لعلها علمت بعضه وتجاهلت رفقًا بعواطفها، وترفُّعًا عن الميل إلى الاستطلاع والسؤال كما يفعل العجائز اللاتي يجدن في الحديث عن الآخرين لذة. أما عبادة فقد رُبيت في بيت رجل كبير وتعوَّدت معاناة العظائم ومشاهدة الغرائب، وانقطعت لتربية ميمونة وتولت كفالتها ولازمتها ملازمة الظل فلا تخاف عليها أن تأتيَ أمرًا لا ترضاه لها، ناهيك بإعجابها ببهزاد وإيثاره على الجميع.

فسارتا الهُوينَى إلى الشاطئ وسلمان بلباسه الأصلي وقد التفَّ بعباءته، حتى أقبلوا على دجلة فرأَوا الحراقة في انتظارهم فركبوها وأمروا الرُّبَّان فأدار الدفة نحو بغداد وأرخى الشراع. وجلست عبادة بجانب حفيدتها على مقعدٍ في صدر الحراقة وكلٌّ منهما في هاجس، وجلس سلمان بالقرب من الرُّبَّان يتلفَّت نحو الشاطئ على الجانبين كأنه يراقب أمرًا يتوقَّع حدوثه.

وما جرت السفينة ساعةً حتى ظهرت حراقة قادمة من بغداد تشقُّ عباب الماء وعليها عَلَم عرفه سلمان أنه علم الفضل بن الربيع، وأن السفينة من سفنه، فأوجس في نفسه خيفةً وأسرع إلى ميمونة وعبادة، وأشار إليهما أن تنزلا عن المقعد وتستترا. فلما رأت ميمونة إشارته ولهفته خافت ونزلت وجدتها وعيناهما تراعيان الحراقة الأخرى، وكانت قد فُرشت بالسجاد والوسائد. ووقف فيها جماعة من الخدم، بينما تصدر المجلس شاب جميل الخلقة عرفت عبادة أنه ابن الفضل، والتفتت إلى ميمونة فرأتها تنظر إليه فلما تحقَّقتْه انقبضت نفسها وضاقت وامتُقع لونها وأغضت بصرها.

أما عبادة فنظرت إلى سلمان كأنها تستوضحه، فابتسم تشجيعًا لها وقال بصوت منخفض: «لا تخافي يا مولاتي إن هذا الغلام لا يجرؤ على أمرٍ ونحن في حراقة مولاي المأمون.»

فقالت: «وماذا يفعل لو كنا في سواها؟»

قال: «ربما أوقفها واستفهم عمَّن فيها؛ لأنه ذاهب إلى المدائن للبحث عن …» وأومأ بعينيه إلى ميمونة.

فقالت: «قبَّحه الله! ألا يزال على عزمه؟»

فقال: «وقد استشار المنجمين واستكتبهم الأرصاد التماسًا لمحبتها، فقالوا له إنها خرجت من المدائن، فكأنه لم يُصدِّق قولهم فذهب ليتحقق ذلك بنفسه.»

وسمعت ميمونة سلمان وتجاهلت حياءً وأَنَفة، ولكنها عجبت لاطِّلاع سلمان على خبرها مع ابن الفضل وتركت الكلام لجدتها فقالت هذه: «خسئ النذل، إنه لا ينال قلامةً من ظفرها ما دمتُ على قيد الحياة.»

وكانت حراقة ابن الفضل قد حاذت حراقتهم ووقف بعض الخدم على حافتها يتفرَّسون في ركابها، فلم يقع نظرهم على غير سلمان، وميمونة ترتعد خوفًا وكرهًا، فلما تجاوزتهم أراد سلمان أن يعبث بالفتاة ليخفف عنها فقال: «أرى مولاتي تنفر من ابن الوزير وهو يكاد يموت شغفًا بها!»

فرفعت نظرها إليه لترى ما يرمي إليه، فرأته يبتسم فقالت جدتها: «إننا لا نريد النظر إلى هذا الشاب.»

فقطع كلامها وقال: «ولا إلى أبيه.»

وكانت عبادة تظن سلمان يجهل حقيقة حالهما، فلما سمعت ما قاله استغربته ورنت إليه كأنها تُنكر عليه قوله، فابتدرها قائلًا: «يحقُّ لكِ يا مولاتي أن تكرهيه وتكرهي أباه، ولا تعجبي لاطِّلاعي على سبب هذا الكره؛ فإني خليفة مولاي الطبيب في نُصرتكما؛ فَارْكَنا إليَّ وثقا بي فإني خادم لكما!»

فلما سمعت عبادة قوله توسَّمت الصدق في لهجته فاطمأن بالها. وأما ميمونة فلما سمعت ذِكر حبيبها، سألته وهي تُظهر السذاجة: «لعل الطبيب مسافر؟»

قال: «نعم إنه مسافر للبحث عن بعض العقاقير الطبية.» وضحك.

فأدركت ميمونة أنه يمازحها، وأنه لا شك عارف بأسرار مولاه، فابتسمت وقد استأنست به وارتاحت إلى خفة روحه وقالت: «هل تظنه يعود قريبًا؟»

فأجابها وهو يضحك: «إنك تسألين هذا السؤال قلقًا على مولاتنا بنت المأمون لأنها لا ترضى علاجًا إلا من يده. بارك الله فيكِ! أظنه سيسافر عما قريب، ولا أجزم لأن الطبيب يعمل ولا يُطلِع أحدًا على ما اعتزم.»

فقالت عبادة: «يلوح لي أنك تتجاهل يا سلمان، فإن الطبيب لا يُخفي عليك شيئًا، وأنت تقول إنك لا تعلم موعد سفره.»

فلما رآها تَجِدُّ في قولها أراد أن يغالطها لئلا تعتمد على قوله فيكون قد باح بما يعلمه وإن كان لا يخاف عاقبة اطلاعهما عليه فقال: «إن مولاي الطبيب حريص على مقاصده ضنين بما يُكِنُّه ضميره، وإذا كان ينوي سفرًا فإنه لا يكاشفني به، فلعله كاشفكِ بذلك يا مولاتي؟» قال ذلك ووجَّه كلامه إلى ميمونة.

أما هذه فاحترست كما احترس هو، ومنعها الحياء من الخوض في هذا الشأن، فأطرقت وتصاعد الدم إلى وجهها فتورَّدت وجنتاها، فاكتفى سلمان بذلك وأراد تغيير الحديث فتحوَّل إلى الرُّبَّان وقال له: «لعلنا قربنا من بغداد؟»

فأجابه وهو يشير بأصبعه إلى الأمام: «أليست هذه قصور كلواذة؟»

فالتفت سلمان وتفرَّس في الأفق وقال: «بلى، إني أرى أبنية البلدة عن بُعد، إذن نحن على مقربة من دار السلام.»

قال: «نعم، نحن على مقربة منها، ولا نلبث أن نرى مئذنة جامع المنصور ثم نشرف على قصر مولانا.»

ولما سمعت ميمونة ذكر القصر تذكرت دنانير وزينب وكيف ذهبت مهمتها في استقدام بهزاد الطبيب عبثًا. وأخذت تفكر فيما تقوله لدنانير؛ هل تخبرها بالأمر أم تكتم ما اطلعت عليه. وفيما هي تفكر في ذلك دنا منها سلمان وقال موجهًا خطابه إلى عبادة: «لا يخفى على مولاتي أن ما شاهدناه الليلة من حال مولانا بهزاد يجب أن يبقى مكتومًا.»

فقالت عبادة: «وماذا نقول لدنانير إذا سألتنا عنه؟»

قال: «نقول إننا لم نجده في بيته.» فقالت: «حسنًا.»

•••

كانت دنانير صباح اليوم السابق بعد ذهاب عبادة وميمونة قلقة على زينب تنتظر رجوعهما بالطبيب، فانقضى النهار وهي في انتظارهما على أحرَّ من الجمر. على أن الفتاة ما لبثت أن تحسَّن حالها وبرحت الفراش كأنها لم تكن تشكو مرضًا، وانتظرتا رجوع عبادة وميمونة في الصباح، فلما مضى نصف اليوم التالي ولم يأتِ أحد قلقت دنانير وحسبت لذلك التأخير غير حساب. وفي الأصيل جاء بعض الخدم ينبئها بقدوم الحراقة، فخرجت لاستقبالها على المسناة، فلم ترَ الطبيب فيها، وبعد أن رحَّبت بعبادة وميمونة ورأت سلمان معهما، سألتهم عن الطبيب، فقال سلمان: «إننا لم نقف له على خبر، ألم يأتِ إليكم؟»

قالت: «كلا، إن أمره لعجيب، أين ذهب يا تُرى؟»

فقال: «لا أدري، وهذه عادته في غيابه كأنه مشغول بأمورٍ خاصة لا يعرفها أحد، وسأبحث عنه في بغداد.»

وكانوا في أثناء الحديث قد دخلوا القصر فأتتهم زينب ووجهها مشرق لا بأس عليها، فقبَّلتْها عبادة وميمونة وشغلاها عن الطبيب والسؤال عنه … وبعد أن استقر بهم المقام، أظهر سلمان أنه ذاهب للبحث عن مولاه في بغداد، وخرج ومكث أهل القصر في انتظاره.

وعاد في اليوم التالي وهو يُظهر الاهتمام، وطلب مقابلة دنانير وكانت مع عبادة وميمونة في الحديقة، فجاءها أحد الغلمان يقول: «إن سلمان يرجو مقابلتك الآن إذا شئتِ.»

فأسرعتْ وتركتْ رفيقتيها في حيرةٍ من أمر تلك الدعوة، ولا سيما ميمونة؛ فقد اضطرب بالها لما عساه أن يكون المراد من هذه الدعوة.

أما دنانير فلما لقيت سلمان تقدَّم إليها سرًّا وقال: «إني وجدت مولاي الطبيب على الجسر وكان عازمًا على المجيء إليك، فلما رآني عهد إليَّ برسالةٍ أبلغكِ إياها.»

فقالت: «وما هي؟»

قال: «أخبرني أنه جاءه كتاب من مولانا المأمون يستقدمه إليه حالًا …»

فقطعت كلامه قائلة: «مِن وليِّ العهد، وهل به بأس؟»

قال: «كلا، ولكنه أمره بالحضور إلى مرو بلا سببٍ يعلمه، فأنابني في إبلاغ ذلك إليكم، وأمرني أن أبقى هنا تحت أمركِ.»

قالت: «وهل يطول غيابه؟»

قال: «لم يُخبرني عن مدة الغياب.»

فأطرقتْ حينًا وقد ساءها ذلك السفر السريع؛ لأنها كانت تستأنس ببهزاد وتعتمد عليه، وعلى الخصوص في شأن زينب كما علمت؛ فقالت: «سامحه الله، ولكن لعل له عذرًا، ما الذي حمل مولانا المأمون على استقدامه إليه بهذه العجلة؟» قالت وتحوَّلت تطلب الرجوع إلى الحديقة وهي تقول: «فأنت تقيم عندنا الآن؟»

قال: «لا أستطيع الإقامة هنا، ولكنني أتردَّد عليكم وقت الحاجة، كُوني مطمئنة.»

وعادت دنانير إلى الحديقة فرأت ميمونة قد تركت جدتها جالسة في مكانها وتقدَّمت لتلقى دنانير، وقد بدت اللهفة على مُحيَّاها، فلما رأتها تذكرت ما لاحظته فيها من الميل إلى بهزاد وعلمت أن خبر سفره يسوءُها … فأرادت التظاهر بعدم الاكتراث وكتمان خبر سفره، فرأتها تنظر إليها والحياء يمنعها من الاستفهام، فأدركت مرادها فابتدرتها قائلة: «ما بالكِ يا بُنية؟ لماذا تركتِ جدتكِ وحدها؟» قالت ذلك وألقت ذراعها على كتفها في رفق، فأحست بارتعاشها فقالت: «كأني أشعر بارتعاشك.»

فرفعت ميمونة نظرها إليها كأنها تستعطفها وقالت: «ما الذي أتانا به سلمان؟»

قالت: «أتانا برسالةٍ من الطبيب؟»

قالت: «وما هي؟ هل سافر؟»

فأرادت دنانير أن تداعبها فقالت: «وهل دلَّكِ قلبُكِ على سفره؟ لقد قيل: من القلب إلى القلب دليل!»

فخجلت من هذا التلميح واحمرَّ وجهها، ولم تكن تشعر بأن دنانير تعلم شيئًا مما يُكِنُّه قلبها فقالت: «لماذا تقولين هذا يا خالة؟ إنني أسأل اهتمامًا بأمر مولاتنا بنت وليِّ العهد لعلمي بتعلقها به!»

فقالت دنانير وهي تبتسم: «بارك الله في مروءتك. وإذا علمتِ أنه سافر فهل يسوءُك سفره إكرامًا لمولاتنا؟»

قالت وهي تُظهر السذاجة وقلة الاكتراث: «هل سافر حقيقةً؟»

قالت: «نعم سافر.» ثم تفرست في وجهها فرأت البغتة ظاهرة فيه وقد تحوَّل احمرار الخجل إلى صُفرة الوجل؛ فاستدركت بقولها: «ولكنه يعود قريبًا؛ لأن قلبه لا يطاوعه على الفراق.»

فخافت ميمونة أن ينفضح أمرها إذا ظلت مع دنانير، فانصرفت تطلب غرفتها لتخلوَ إلى نفسها، فلقيها سلمان في الدهليز، فلما وقع نظرها عليه ابتدرته قائلة: «هل سافر بهزاد حقيقةً؟»

قال: «نعم يا مولاتي.» قالت: «إلى أين؟»

قال: «إلى مرو في خراسان حيث مولانا المأمون.»

فقالت: «كيف سافر وتركنا؟» وغصَّت بِريقها.

فقال: «تركنا جميعًا إلا أنتِ، وهذا كتابه إليك.» قال ذلك ودفع إليها منديلًا ملفوفًا فتناولته، وعلمت من ملمسه أن في جوفه كتابًا فأشرق مُحيَّاها وخبَّأت المنديل في جيبها، وذهبت إلى غرفتها فاستوقفها سلمان قائلًا: «هل تحتاجين إلى شيءٍ آخر؟»

فأجابته بقولها: «شكرًا يا سلمان، إني لا أنسى جميلك ولا غنى لي عن مروءتك.»

فقال: «إني رهين إشارتك.» ومضى.

وما كادت ميمونة تصل إلى غرفتها وتخلو إلى نفسها حتى جلست على البساط، ثم فتحت المنديل وأخرجت منه لفافة من الكاغد — وكان الكاغد قريب العهد بالاستعمال في التراسل، والفضل في ذلك لأبيها جعفر؛ فإنه أول من استخدمه في الدواوين بدل الجلود — ففضت الكتاب وقرأته فإذا فيه:

من المُحِب الذي تُسمُّونه بهزاد إلى ميمونة بنت جعفر بن يحيى المقتول ظلمًا …

أما بعد، فقد كنت أودُّ أن أكتب إليكِ بلسان أجدادنا العظام لو كنتِ تفهمينه، ولكن قضت صروف الزمان أن نتفاهم بلسان أُمة ظلمتْنا وغلبتْنا على أمرنا فقتلت رؤساءنا، واستخدمت قُوادنا وحُكامنا، واستبدَّت في شئوننا. وسيأتي يوم نقلب لهم فيه ظهر المِجَنِّ ونأخذ بالثأر؛ فيعلم الظالمون أيَّ منقلب ينقلبون. وكنت أُحب أن أراكِ قبل سفري وأودعكِ وجهًا لوجه لولا خوفي أن يغلبني قلبي كما غلبني أثناء ذلك الاجتماع ففضح سرًّا كتمته عدة أعوامٍ وكنتُ عازمًا على كتمانه حتى يأتي وقته فأبوح به في يومٍ آتي به عملًا يؤهلني لحبك. ولكنكِ أَبَيتِ إلا أن أقول لك إني أحبك فقلت، وأقول: إني أحبك، إني أحبك يا ميمونة، أحبك حبًّا مبرحًا … أقول ذلك الآن وأنا لا أحاذر أن يَحُول قولي دون ما عقدت النية عليه منذ عرفتك وقبل أن أعرفك. ولو كنتُ بين يديكِ ما قلت ذلك مخافة أن يغلب عليَّ الغرام فأطيعك، بل أطيع قلبي، فأُضيع سعيًا قضيتُ العمر في إعداده. أما وأنا في مأمنٍ من ذلك فلا أبالي أن أبوح لك بمكنونات قلبي؛ فاعلمي يا مُنْيتي أني أوقفت حياتي عليكِ وعلى الانتقام لأبيك. وما أنا بهزاد ولا أنا طبيب ولا كيميائي ولا أنا رسول من جماعة أو جماعات، وإنما أنا من ستعرفينه وتفتخرين بحبه. ولا أقول مَن أنا حتى تأتيَ الساعة، ودون الوصول إليها قطع الرقاب والاستهداف للحراب. إني ذاهب إلى خراسان لا بدعوة من المأمون ولا بأمر أحدٍ من الناس، وإنما أنا ذاهب لإتمام أمر بدأت به ولا بد من إتمامه، إني ذاهب طوعًا لصراخٍ صاعد من أعماق القبور ينادي أهل النجدة أن ينتقموا للمظلوم من الظالم. وأما الصندوق فقد كنتُ أُحب أن أُريكِ ما يحويه ولكنني أشفقت على قلبك. وسأفتح لكِ الصندوق كما فتحتُ لكِ قلبي ولكل أجل كتاب. أقيمي ببغداد في حراسة الله، وقد أوصيت غلامي سلمان أن يقوم على خدمتك، وهو أمين صادق فاعتمدي عليه وثقي به واحتفظي بما اطَّلعت عليه حتى يأتيكِ النبأ الصحيح من خراسان يوم تنقلب الأحوال وينتصر الحق على الباطل. وإذا لم يُسعدني الزمان بما أرجوه فإني أموت ناعم البال وقد فعلت فعل الرجال. وغاية ما يستطيعه الإنسان أن يجود بنفسه في نُصرة الحق. والله من وراء ذلك وهو على كل شيء قدير.

وما أتت على آخر الكتاب حتى امتُقع لونها وتغيَّرت سحنتها وكادت تسمع نبضات قلبها بأذنها وخارت عزيمتها، وظنت نفسها في حلم. ولما تحققت من يقظتها طوت الكتاب وخبَّأته في جيبها، واستلقت على البساط واستغرقت في بحار الهواجس، فراجعت في مخيلتها خلاصة علاقتها ببهزاد منذ عرفته بالمدائن، وما كان من عنايته بها وبجدتها، وكانت تَحسَبه يفعل ذلك رغبةً في الإحسان وأنه لا يعرف حقيقتها، وقد ظهر لها من ذلك الكتاب أنه كان مشغوفًا بها عالقًا بحبها؛ فندمت على ما أضاعته من فرصة البوح بالغرام.

على أنها تذكرت ما جاء في كتابه من الوعد والإشارة فاشتاقت إلى تلاوته فأخرجته وأعادت قراءته ثانيةً وثالثةً وهي تُحاذر أن يدهمها قادم أو يراها راءٍ. ثم سمعت خطواتٍ قريبةً فأخفت الكتاب واستلقت وهي تتناعس ثم تباعدت الخُطى وعاد السكوت فعادت إلى هواجسها، فراجعت ما ارتسم في ذهنها من عبارات حبيبها، فرأت أنه يُعرِّض نفسه لخطر الموت فاختلج قلبها خوفًا عليه وفضَّلت رجوعه عن عزمه وبقاءه معها تتمتع برؤيته. وتصوَّرت عزمه على الانتقام لأبيها فسهل عليها الفراق، وخُيِّل إليها أنه سيعود ظافرًا منصورًا فتُفاخر به وتُعوَّض عما قاسته من الذل والتستُّر.

على أنها تحيرت في أمره ومَن عساه أن يكون إذا لم يكن بهزاد الطبيب ولا رسول الخرمية. ولما أعياها التفكير استسلمت إلى المقادير، وصبرت لترى ما تأتي به الأيام، ثم غلب عليها النعاس وكادت تنام وإذا بقارعٍ يقرع الباب، فنهضت وفتحته فرأت دنانير وحدها فرحَّبت بها، فدخلت ضاحكةً وقالت: «ما لي أراكِ وحدكِ يا بُنية؟»

قالت: «استلقيت على هذا البساط لأستريح فغلب عليَّ النعاس.»

فأظهرت أنها صدَّقت قولها وهمَّت بالخروج وقالت: «نامي يا حبيبتي تَرَيْه في الحلم.»

فاستغربت تعريضها وقالت: «ماذا تعنين؟»

قالت: «لا تخافي يا ميمونة، إن جدتك غائبة الآن فلا تكتمي. على أنَّ تكتُّمكِ لا ينفعكِ، وأنا قهرمانة خبرتُ الزمان وقرأتُ الكتاب من عنوانه.»

فتوهَّمت ميمونة أنها تشير إلى ذلك الكتاب، فقالت: «وأيَّ كتاب تعنين؟» وبدا الارتباك في وجهها.

فقالت: «لا أعني كتابًا مرقومًا.» وتحوَّلت إليها بجملتها وقالت: «إنما أعني أن دلائل الحب لا تخفى على أحد، وقد عرفتُ حبكِ بهزاد من أول نظرة، ويسوءُني أنه سافر قبل أن …» وأومأت بجفنها.

فخجلت ميمونة من ذلك الإيماء ولكنها سُرَّت لبقاء أمر الكتاب مكتومًا عنها، وهان عليها مكاشفة دنانير بحبها — وفي المكاشفة راحة للمُحبين إذا وثقوا من كتمان حبهم — فابتسمت وأطرقت.

فاستبشرت دنانير وهي إنما تلتمس ذلك منها لتشاركها السعي في نيل مطلوبها، فألقت يدها على كتفها وأشارت إليها أن تقعد، فقعدت وهي تلاطفها وتهش لها لتُجرئها على أن تبوح، ثم قالت: «سامح الله طبيبنا، كيف سافر قبل أن يُتم العقد؟ لا تخجلي يا ميمونة؛ فإنك تُحبينه حبًّا طاهرًا ولا شك أنه يحبك أيضًا، وهو من خيرة الشبان، لا حرمكِ الله منه.»

فتجرأت ميمونة على الكلام وقالت: «وهل الحب عيب يا خالة؟»

قالت: «معاذ الله! لم أقل ذلك. فلا يصعب عليكِ فراقه؛ فإنه لا يلبث أن يعود فلا تجزعي.»

فتنهَّدت وسكتت وسرورها بادٍ ثم قالت: «إني يتيمة مسكينة، فلعل الله نظر إلى ذُلي فأراد رفعي، ولا غنى لي عن عونكِ لأني في حماك.»

قالت: «إنكِ مولاتي وبنت مولاتي، ولا أنسى فضل أبيكِ رحمه الله، فأيقني أني عون لكِ على كل ما تريدين. وهذه مولاتنا زينب قد أحبتكِ واستأنستْ بك.»

ولم تتم كلامها حتى سمعت خطواتٍ مسرعةً نحو الحجرة وصوتًا مرتجفًا ينادي: «أين مولاتنا القهرمانة؟»

فعلمت دنانير أن بعض الغلمان جاء في مهمة، فصفقت فجاء الغلام حتى وقف بالباب وصاح: «أأدخل؟» فقالت: «ادخل.»

فدخل وحيَّا، فصاحت به: «ما وراءك؟»

قال: «إن شاكريًّا بباب القصر يقول إنه يحمل كتابًا إليك.»

فقالت: «شاكري؟ وما شأن الشاكرية عندنا. إنهم رسل الخليفة وليس في القصر رجال. لعله ضل السبيل.»

قال: «سألته في ذلك فذكر أنه يحمل رسالة إلى قَيِّمة القصر، وسمَّاكِ باسمك.»

قالت: «اذهب وهات الرسالة لنرى فحواها.» فخرج. واستغربت هي الخبر، أما ميمونة فارتبكت وخافت أن تكون الرسالة بشأنها أو لأمرٍ يسوءُها. ومن تتوالى عليه النوائب يسبق إلى ذهنه ما يسوءُه ويغلب أن يصدق ضميره فيه.

وبعد قليلٍ عاد الغلام وفي يده كتاب مختوم ودفعه إلى دنانير وخرج، فنظرت في الختم فرأته خاتم الفضل بن الربيع وزير الأمين، فتشاءمت من رؤيته وأخذت في فَضِّه ويدها ترتجف، وأدركت ميمونة بغتتها فاختلج قلبها، ولبثت تنتظر ما يبدو منها؛ ففضَّت دنانير الكتاب وأخذت تقرؤه والدهشة بادية في عينيها، وميمونة تراقب حركاتها وتكاد تخطف الكتاب من يدها لتطَّلع على ما فيه، ولكنها تجلدت وصبرت نفسها فرأت دنانير تُعيد قراءته وقد ظهر الارتباك عليها، ثم تحفَّزت للوقوف فأخذت ميمونة بيدها وصاحت وصوتها يرتجف: «إلى أين؟ قولي لي أليس هذا الكتاب عني؟ إني أرى عليه خاتم الفضل بن الربيع، لا ريب أنه يمسني.»

قالت: «وما شأنكِ أنت؟ إنه يخاطبني أنا!»

قالت: «أشعر أن له علاقةً بي، قُولي ماذا يريد مني؟ ويلاه! قُولي!»

فابتعدت دنانير منها ونهضت وهي تقول: «لا علاقة له بك!»

فتبعتها وأمسكت بيدها وترامت عليها وقالت: «أتوسل إليكِ أن تَصدُقيني، بالله قولي ولا تُخفي عليَّ واعذري لهفتي.»

فبدا الغضب على دنانير وقالت: «لقد أوغل هذا الرجل في القحة وتجاسر كثيرًا! وكأنه اغتنم فرصة غياب سيدي وحسب أننا نخاف سطوته ونُطيع أوامره. قبحه الله!»

فتأكدت ميمونة أن الكتاب يتعلق بها فصاحت: «مهما يكن من فحوى هذا الكتاب فإني أحب الاطلاع عليه، والأمر لكِ في كل حال. أطلعيني عليه ولو كان فيه قتلي، بالله أطلعيني عليه.»

فلم ترَ دنانير بُدًّا من مسايرتها، فدفعت الكتاب إليها فتناولته بيدها وهي ترتجف وقرأته، وهاك نصه:

من الفضل بن الربيع وزير أمير المؤمنين إلى القهرمانة دنانير.

وقع إلى أمير المؤمنين أن في قصر مولانا المأمون فتاةً اسمها ميمونة جاءت من عهدٍ قريب، ويجب أن يراها ويسألها عن بعض الشئون، ويطلب إرسالها مع الشاكري حامل هذا الكتاب.

وما أتمت ميمونة تلاوة الكتاب حتى غشي الدمع عينيها وكاد الكتاب يقع من أناملها لفرط دهشتها، وصاحت: «ويلاه! إن حبل تعاستي لا يزال متصلًا. ويلاه! ماذا أفعل؟ دعيني أخرج من هذا القصر.»

فأخذت دنانير تُخفف عنها وقالت: «لا بأس عليكِ، لن تخرجي من هنا، ولن نُسلمك لأحد؛ إنكِ في ضيافتنا، كوني مطمئنة.» قالت ذلك وخرجت وظلت ميمونة وحدها. ولما صارت دنانير في الدهليز صفقت فجاء الغلام فقالت: «قل للشاكري أن يذهب ولا جواب له عندنا.»

ورجعت إلى ميمونة وهي ترتجف من الغضب، فوقعت ميمونة في حيرة وأخذت تندب حظها، ودنانير تُطمئنها وتُخفف عنها. وفيما هما في ذلك أتت عبادة وهي خالية الذهن من الأمر، فلما رأتهما قالت: «ما بالكما؟»

قالت ميمونة: «إن وزير السوء كتب في طلبي، وزعم أن أمير المؤمنين يحب أن يسألني عن بعض الشئون!»

فأطرقت عبادة وفكرت هنيهة وقالت: «قد علمتُ السبب في ذلك، إن الكتاب ليس من أمير المؤمنين وإنما كتبه الفضل لغرض في نفسه أنا أعلمه، وأظنكما تعلمانه أيضًا. والأجدر أن نخرج من هذا القصر قبل أن يتفاقم الخطب ويحدث ما لا تُحمد عقباه بسببنا.»

فصاحت دنانير: «إنكما في ضيافتنا ولا تخرجان مطلقًا. أيجسر هذا الوغد على أضياف وليِّ العهد؟ كلا، لن تخرجا على هذه الصورة، ومتى جاء سلمان شاورناه في الأمر فإنه خبير. ونرى ما يكون.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠