مجلس الفضل

كان سلمان قد رجع من قصر المأمون في ذلك الصباح إلى مخدعه فغيَّر هندامه وتقمَّص شخصية الملفان سعدون، وسار حتى دخل مدينة المنصور وقصد إلى قصر باب الذهب يتوكأ على عُكازه ويسرح لحيته وقد تأبَّط كتابه ومشى يلتمس المنزل الذي أُعِد له بأمر الأمين أثناء إقامته هناك. فدخل حجرته وأخذ يطالع في كتابٍ كأنه يكشف أمرًا أهمَّه. وظل في ذلك إلى العصر وهو يتوقَّع أن يأتيَه أحد في استفتاءٍ أو استطلاعٍ لعلمه أن الجواسيس والعيون مبثوثة بالأبواب ينقلون خبر القادمين والذاهبين إلى صاحب الشرطة.

وفيما هو في ذلك، سمع وقْع حوافر جواد يقترب من حجرته، فأصاخ بأذنيه فسمع الراكب ينزل ويخطو نحو بابه مسرعًا، فأدرك من رائحة الطيب التي فاحت أنه ابن الفضل، وعلم من سرعة خطوه أنه جاء متلهفًا؛ فظل جالسًا حتى قرع الباب فنهض وفتح له واستقبله بفتورٍ واستخفاف على غير عادته؛ فتهيَّب ابن الفضل من رؤيته لما سبق إلى ذهنه من اقتداره على استطلاع الغيب، فحيَّاه وهو يبتسم وقال: «كيف حال الملفان سعدون اليوم؟»

فأجابه بالإشارة أن يدخل ويجلس وظل ساكتًا.

فابتدره ابن الفضل قائلًا: «ما بالك يا ملفان؟ ما لي أراك غاضبًا؟»

قال: «تفضل يا ابن الوزير واجلس. من أنا وما هو غضبي؟ ولكني رأيت أهل هذا الجيل لا يليق بهم غير الخداع والكذب.» قال ذلك وأشار إلى ابن الفضل أن يجلس.

فقال ابن الفضل: «لا حاجة بي إلى الجلوس. إني لم آتِك لأمرٍ يهمني وإنما لأدعوَك إلى أبي.»

قال: «إذا كان أبوك يُسيء الظن بي ولا يُصدق قولي كما فعلت أنت، فلا فائدة من سماع كلامي.»

فاستغرب ابن الفضل تعريضه به وعلم أنه يشير إلى ذهابه للبحث عن ميمونة في المدائن بعد أن أكَّد له سعدون أنها خرجت منها، ولكنه تجاهل وقال: ما هذا التعريض والتلميح؟ متى أسأت الظن بك؟»

قال: «أظنك تحملت المشقة في الذهاب إلى المدائن لأنك ما صدقت قولي إنها خرجت منها؟ هل وجدتَها هناك؟»

فخجل ابن الفضل وغُلب على حجته، ولكنه غيَّر الحديث وقال: «سنعود إلى هذا الشأن في فرصةٍ أخرى، والآن تعالَ إلى أبي فإنه سيسألك عن أمرٍ مهم يتعلق بالدولة والخلافة.»

ففهم من هذه العبارة على سذاجة قائلها ما يُغنيه عن بحثٍ طويل وقال: «إني رهين إشارة الوزير، أين هو الآن؟»

قال: «هو في قاعة صاحب الشرطة بهذا القصر.»

فمشى سعدون إلى نعاله وشدَّها بقدميه وتأبَّط كتابه وقبض على عُكازه وخرج في أثر الفضل وهو يفكر فيما عساه أن يسمع من الأسئلة، وإن كان قد أدرك أن الغرض الأول هو السؤال عن بهزاد؛ استنتاجًا من قرائن الأحوال ومما سمعه من ابن الفضل من أن أباه سيسأله عن أمرٍ يتعلق بالدولة. وكان سلمان يحذر الفضل ويخاف فراسته ودهاءه، ولا سيما بعد أن رآه مُطلعًا على أمر بهزاد ومجيئه إلى بغداد، وبعد أمره بالقبض عليه وإن فشل في ذلك. فسار في أثر ابن الفضل مُطرقًا يُتمتم. ولم يكن يخاف ابن ماهان صاحب الشرطة لعلمه بضعفه وغروره.

فلما وصلا إلى مجلس صاحب الشرطة دخل ابن الفضل بلا استئذان، وظل الملفان سعدون واقفًا حتى ناداه ابن الفضل، فلما دخل رأى الفضل متكئًا في صدر القاعة على وسادة كبيرة وقد قطَّب حاجبيه وظهر الاهتمام في وجهه، وبيده مذبة يذب بها الهواء عن وجهه وكتفيه؛ إذ لم يكن هناك ما يذبه، ولكنه كان يتشاغل بذلك لِما تزاحم في خاطره من الأفكار. ووجد ابن ماهان جالسًا بجانبه على وسادةٍ وقد أرسل لحيته على صدره وبالغ في صبغها بالحناء فبدت شديدة الحُمرة، وكان مع وهن عظمه ما زال يُغالب الشيخوخة، فجلس القرفصاء مع أن في وسعه أن يتكئ بين يدي الفضل في غير كلفة، وإنما خاف أن يُعَد ذلك عجزًا وهرمًا.

•••

فلما دخل ابن الفضل لم يتحرك أبوه من مُتَّكئه، وإنما وجَّه بصره إلى سلمان وقال: «هذا هو الملفان سعدون! أظنني رأيته بالأمس هنا؟»

فقال ابنه: «نعم يا أبتِ، وهو رئيس المنجمين في دار مولانا الأمين.»

فأشار الفضل إلى سلمان أن يقعد، فأطرق هذا متظاهرًا بالسذاجة وقلبه يخفق تهيُّبًا من الفضل بعد تلك المقابلة (ويكاد المريب يقول خذوني). على أنه تجلَّد وهدَّأ روعه وتشاغل بتسوية المنديل الحريري حول كتابه المعهود. وما كاد يأخذ مجلسه حتى سأله الفضل: «أأنت رئيس المنجمين؟»

فقال: «هكذا يقولون يا مولاي، ولكني لا أستحق هذا اللقب.»

قال: «يظهر أنك أهل لأكثر من ذلك، فقد سمعت الكثير من صاحب الشرطة وابني هذا عن مقدرتك العجيبة في استطلاع المخبآت!»

قال: «إن الفضل في هذا يرجع إلى هذا الكتاب، وإلى ما تلقيته من القواعد التي يُستعان بها في كشف الغوامض؛ فأنا أقول ما يظهر لي أو يُلقى إليَّ، وقد أتلو العبارة وأنا لا أفهم معناها.»

فالتفت الفضل إلى ابن ماهان كأنه يستطلع رأيه في ذلك، فأجابه هذا بإشارة من حاجبيه مُصدقًا لما قيل كل التصديق؛ فابتسم الفضل ابتسامة تشفُّ عن ارتياب وقال: «عند الامتحان يُكرَم المرء أو يُهان. هل تجيب عما أسألك عنه؟»

فرفع الملفان رأسه نحو الفضل وبصره متجه إلى المذبة يتحرك بحركتها كأنه يُظهر التهيب من النظر إلى وجهه وقال: «اسأل ما تريد، وما العلم إلا من عند الله، فإذا فتح عليَّ بشيءٍ قلته، وإلا اعترفت بعجزي؛ فهذه هي عادتي.»

فلما قال ذلك هزَّ ابن ماهان وابن الفضل رأسيهما موافقَين؛ لأنهما خبرا ذلك فيه. فاعتدل في مقعده وقال: «إني أسألك عن أمر مهم يتعلق بالخلافة فاصدقني خبره كما تراه، ولا تظنني أسألك عن أمر أجهله؛ فإني إنما أختبر معرفتك!»

فابتسم سلمان ابتسام الاستعطاف وقال: «إذا كنت في ريبٍ من صدقي فالأولى إطلاق سبيلي؛ فإني …»

فقال الفضل مقاطعًا: «لا، لا أطلق سبيلك قبل أن أختبر صدقك أو خداعك، فإذا كنت من أهل العلم الصحيح فقل لي عما أضمره.»

فلما أدرك سلمان جفاءه عمد إلى الملاينة وقال: «الأمر لمولاي في ذلك، وله أن يُطلق سراحي أو يُقيدني أو يقتلني أو يفعل بي ما يشاء بلا اختبار.»

وشعر ابن ماهان بأن سعدون قد استاء من تلك العبارة فقال: «لا يريد الوزير بك إلا خيرًا، ولكنه تعوَّد أن يرى في بلاط الخليفة جماعة من المنجمين الدجالين، ولما ذُكر له عملك وفضلك أحب اختبارك؛ فقل ما يبدو لك من أمر الخلافة.»

ففتح سلمان الكتاب وأخذ يقلب فيه ويتمتم مطرقًا وهم سكوت ينتظرون ما يبدو منه، ثم وجَّه خطابه إلى ابن ماهان فقال: «ألم أخبرك عن أمر الخلافة قبل أن يعرف أحد بخبرها؟»

قال: «بلى، ولكن المراد أن نعرف أعداءنا وما عساه أن يكون من أمرهم؟»

فعاد إلى التفتيش في الكتاب وهو يقرأ حتى بدا التعب في وجهه وتصبَّب العرق من جبينه؛ فأخرج من كُمِّه قطعة بخور مضغها في فيه وطلب قدحًا فيه ماء ووعاءً فيه نار، فأتَوه بمَوقِد صغير من النحاس كالمبخرة وضعوه بين يديه، فألقى قطعة البخور في النار وتناول القدح وأخذ يتفرَّس في الماء تفرُّس الخائف من أمرٍ يفاجئه، ثم صاح بغتةً قائلًا: «إلى المدائن. في قصر سابور؟»

وكرر التفرُّس في الماء جيدًا وهو يقول: «أليس هذا قصر سابور؟ ومن سكن فيه؟» وسكت وهو يسترق النظر إلى سامعيه ليرى هل يُضمرون السؤال عن بهزاد كما استنتج، فرأى ابن ماهان يشير بالإعجاب، فعلم أنه أصاب، ولكنه تظاهر بالتعب فألقى القدح من يده وتناول منديله وأخذ يمسح العرق من جبينه وهو ساكت، فقال له الفضل: «ماذا جرى في ذلك القصر؟»

فألقى في النار بخورًا ثم أعاد النظر في القدح وقال: «إني أرى جندًا وعيارين نزلوا من المراكب إلى البر مسرعين، ودخلوا ذلك القصر.»

فقال الفضل: «ثم ماذا؟»

قال: «ذهب سعيهم سُدًى يا مولاي لأنهم لم يجدوه في البيت!»

فأبرقت أسرة الفضل ولكنه بقي يُظهر الجد وقال: «بارك الله فيك، قد عرفت ما في نفسي، فاعلم أني أطلب الرجل الذي كان يقيم بذلك القصر، هل تعرف اسمه؟»

فأطرق وتمتم كأنه يتلو شيئًا أُلقي إليه، ثم قال: «يُسمُّونه بهزاد الطبيب الخراساني.»

فأظهر الفضل إعجابه وقال: «هذا طِلْبتي، فأين هو الآن؟ ابحث لنا عن مكانه!»

فعاد سلمان إلى الكتاب وقلبه، ونظر في القدح قليلًا، ثم وضع القدح وصفق وقال وهو يشير بيده إلى خارج بغداد: «هو خارج بغداد على جواده في صحراء بعيدة وعليه لباس السفر.»

فصاح الفضل: «هرب؟! هرب الخراساني الملعون؟ هل رأيت خادمه؟»

فأعاد نظره إلى القدح وقال: «لا أرى معه أحدًا.»

فقال: «وهل عرفت بالتنجيم شيئًا عن خادمه أو رفيقه؟»

فعلم سلمان أنه يعنيه هو؛ لأن الذي أطلع الفضل على خبر بهزاد ذكر أن معه رفيقًا وأنهما جاءا معًا لمهمةٍ سرية من خراسان، فلما عادا إلى بغداد أمر بالقبض عليهما فلم يظفر بهما. وقد علم سلمان باطلاع الفضل على خبرهما وإرساله الجند للقبض عليهما فسارع إلى إنقاذ بهزاد كما تقدم، فلما سأله الفضل عن رفيق بهزاد تجاهل وقال: «علمت أن له رفيقًا يُسمُّونه سلمان؟»

قال: «نعم سلمان. أين هو الآن؟»

فاضطربت جوارحه ولكنه تجلد وقال وهو ينظر في القدح ثم يتلفت يمنةً ويسرة: «إنه في بغداد، وأظنه في مدينة المنصور، ولكنني أراه مستترًا وقد أقام بينه وبين المنجمين سترًا كثيفًا، وقد أتغلب عليه وأكشفه في فرصةٍ أخرى.»

فقال الفضل: «إن بقاء سلمان هذا في بغداد غنيمة كبرى تُعوضنا عن فرار رفيقه، وقد بلغني أن سلمان هذا يتزيَّا كل يوم بزيٍّ جديد.»

فقال: «ولهذا ظهر لي في المندل مستترًا، ولكنه لا يخفى على الملفان سعدون ولو تمنطق بالنجوم وتعمم بالشمس وانتعل القمر. والأمور مرهونة بأوقاتها.»

ثم رأى أن يغتنم هذه الفرصة لنيل البُغية التي يسعى إليها أعداء العباسيين فقال: «وهل يظن مولاي أن فرار بهزاد خير له من بقائه هنا؟»

قال: «إن فراره يُنجيه من أيدينا، هل ترى غير ذلك؟»

ففتح الكتاب وقلب صفحتين وقرأ ثم قال: «لكنه ذاهب لنُصرة رجل كبير في خراسان.»

فأدرك الفضل أنه يَعني المأمون فقال: «لا فائدة من نُصرته وهو بعيد.»

قال: «أرى ذلك الرجل الكبير صاحب سلطان خوَّله إياه أمير المؤمنين، وقد يحاربه إن لم يتلافَ أمره ويقص جناحيه.» وقد أراد سلمان أن يُحرض الفضل على خلع المأمون من ولايته على خراسان ليتسع الخرق بين الأخوين فتسنح الفرصة للطامعين.

•••

والتفت الفضل إلى ابن ماهان فرآه ينظر إليه مستفهمًا، وفي نظرته دليل الموافقة على تحريض الأمين على خلع أخيه، وكان الفضل أكثر رغبةً في ذلك لما يعلمه من حقد المأمون عليه لمساعيه ضده، ولكنه تجاهل وأراد تغيير الحديث فقال: «بورك فيك يا ملفان.» ثم التفت إلى ابنه وقال: «لقد أسأنا إلى رئيس المنجمين إذ أسأنا الظن به، وأخشى أن نكون قد فرطنا في الأمر!»

فقال ابن الفضل: «كنت واثقًا بالملفان، ولكنك حملتني على الشك فيه حتى فعلنا ما فعلناه.»

ولم يكن الملفان عالمًا بما فعله الفضل من إرساله إلى دنانير يطلب ميمونة فنظر إلى الفضل وقال: «أرجو ألا يكون فيما فعلتموه ضرر.»

فقال ابن الفضل: «إنما أسأت بك الظن لِما رأيته من إنكارك المكان الذي تقيم فيه الفتاة، ثم علمنا من جواسيسنا أنها في قصر المأمون فكتبت إلى قهرمانته أطلب إرسالها إلينا فأساءت الجواب وردَّت الرسول خائبًا، فأرسلنا إليها جندًا يأتون بها قهرًا!»

فشق على سلمان ما قد يصيب الفتاة من الأذى، ولكنه تجاهل وقال: «إنني لم أُخفِ على مولانا (وأشار إلى ابن الفضل) مكانها، ولكنني ذكرت له أنها خرجت من المدائن، ولم تكن نزلت بالقصر المأموني بعد، ولو سألني بعد نزولها لأخبرته بمكانها. وكنت عازمًا على أن أحملها إليه بالحسنى مستعينًا بهذا الكتاب، فليته لم يعجل بالأمر.» قال ذلك وقد ساءه ما تصوَّره من الغلظة التي يأتونها في هذا السبيل.

فقال الفضل: «إن قهرمانة القصر أساءت الأدب في رد الشاكري، ولعلها لا تعلم أن الفتاة مغضوب عليها وعلى كل أهلها، وإنما أردنا تشريفها واستبقاء حياتها لأنها وقعتْ من ولدي هذا موقع الاستحسان.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠