بين زبيدة وعبادة

عادت دنانير إلى قصر المأمون فرأت عبادة أم جعفر في انتظارها على المسناة، وكانت قد شاهدت ما أصاب حفيدتها من القسوة والإهانة حين أخْذها إلى الأمين، وحدَّثتْها نفسها بأن تصحبها إلى هناك لكنها خافت أن يكون ذهابها سببًا لزيادة النقمة عليها؛ فامتثلت لمشورة دنانير عليها بالبقاء في القصر واعدة بإرجاع ميمونة معها، فقضت بقية ذلك اليوم وطول ليله ساهرةً وقد أخذ القلق منها مأخذًا عظيمًا وأصبحت في اليوم التالي فجلست على المسناة ترقب السفن النازلة حتى رأت حراقةً عرفت من شكلها أنها من سفن الأمين. فلما وصلت ولم ترَ ميمونة فيها صاحت: «أين ميمونة؟»

فأخذت دنانير بيدها وقصَّت عليها الخبر، ومنَّتها بقُرب رجوعها، فقالت: «لا، لن ترجع. إن الأمين إذا عرفها لا بد أن يُوقِع الأذى بها. ويلي! لماذا لم أذهب معها فيصيبني ما يصيبها؟ لقد أضعت تعبي في خدمتها!»

وجعلت تندب سوء حظها وتبكي بكاء الثكلى، فأخذت دنانير تُهوِّن عليها حتى سكن روعها، ففكرت فيما تستطيعه في سبيل إنقاذ حفيدتها، ووقعت يدها على حُقِّ الزمرد الذي تحمله، فخطر لها أن تستخدمه في هذا السبيل. وكان الناس يتحدثون منذ أيامٍ بمجيء زبيدة أم جعفر والدة الأمين من الرقة ومعها خزائن الرشيد، فقالت في نفسها: «لعلي إذا سرت إليها واستعطفتها باسم زوجها أن أُثير عاطفتها بما في هذا الحُق من آثار الرشيد فتتوسط عند ابنها لإطلاق سراح حفيدتي.» ولما خطر لها ذلك شعرت براحةٍ وطمأنينة، واستشارت دنانير في الأمر فاستحسنت رأيها وقالت: «لم يَبقَ لنا باب نطرقه غير هذا، ولعل هذه المرأة إذا رأت آثار زوجها وسمعت ما أصابكِ من البلاء تنسى حقدها. سِيري على بركة الله.»

فخرجت عبادة في ظُهر ذلك اليوم تقصد إلى دار القرار قصر زبيدة، وكان الأمر صعبًا عليها ولكنها استسهلت كل صعب في سبيل إنقاذ ميمونة.

وركبت من قصر المأمون حراقة أوصلتها إلى قُرب دار القرار، فهبطت هناك ومشت بثوبها الأسود تتوكأ على عُكازها وقد بدا الانكسار في مُحيَّاها، والانكسار يبدو في الشيوخ مضاعفًا.

وبلغت باب القصر عند الأصيل، فرأت عنده جماعة من الشاكرية وقوفًا بأسلحتهم، فوقفت وحيَّتهم فلم ينتبه إليها أحد، فاقتربت من أحدهم وقالت: «لعل مولاتنا أم جعفر في القصر؟»

فأجابها بقوله: «ماذا تريدين منها؟»

قالت: «أريد أن أراها وأتبرَّك بلثم ثوبها.»

قال: «إنها لا تأذن لأحدٍ الآن، وإذا كنتِ تلتمسين إحسانًا فليس اليوم موعده.»

قالت: «كلا يا ولدي، لا أريد شيئًا من ذلك ولكنَّ لديَّ حديثًا أريد أن أقصَّه عليها.»

قال: «وما هو حديثك يا خالة؟»

قالت: «إنه حديث خاص بها، فأدخِلني عليها إذا شئت.»

فاستخفَّ الرجل بقولها والتفت إلى رفقائه وكانوا وقوفًا يسمعون ما دار بينهما، فتقدَّم شاكري آخر وقال لها: «أتريدين المثول بين يدي مولاتنا أم الخليفة نفسها؟»

قالت: «نعم أطلب الدخول على أم الخليفة السيدة زبيدة. وأرجو أن تستأذن لي في ذلك ولا تماطلني؛ فقد أتعبني طول الطريق ولا صبر لي على الوقوف!»

فقال: «أراكِ مسكينة وسأطلب لكِ إحسانًا من قَيِّمة القصر وأكفيكِ مئونة الدخول على مولاتنا أم جعفر؛ لأنها يندر أن ترى أحدًا.»

فأثَّر كلامه في نفسها، وتذكرت سابق أيامها وكيف أصبح حالها لا يدل على غير الاستجداء، فقالت وهي تكاد تَشرق بدموعها: «لست أطلب إحسانًا يا بُني، ولكنَّ لديَّ أمرًا يهم مولاتنا أم جعفر أريد عرضه عليها، فاستأذن لي ولك الفضل.»

فلما رأى الشاكري بكاءها رقَّ لها ودخل للاستئذان، وظلت هي بالباب وقد تعبتْ فقعدتْ على حجر. وبعد هُنيهة عاد الشاكري وهو يقول: «سألتني عن اسمك.»

فتحيَّرت بماذا تجيب وفكرت قليلًا ثم قالت: «اسمي أم الرشيد.»

فأجفل الجميع وأخذوا يتفرَّسون فيها وهم لا يعرفونها، واستغربوا هذا الاسم فقال أحدهم: «اسمك أم الرشيد؟ وأيَّ رشيد تعنين؟»

قالت: «ألم تسألني عن اسمي؟ قل لها إن أم الرشيد بالباب تلتمس الدخول.»

فعاد الشاكري ومكثت هي في انتظاره وقد سرَّها أن تتقدم إلى زبيدة بهذا الاسم فلعله يكون فألًا حسنًا. وما عتم الشاكري أن عاد وهو يقول: «تفضلي يا خالة، ادخلي.»

فدخلت في أثر الشاكري وهي تتوكأ على عُكازها حتى تجاوزت الحديقة إلى باب القصر، ونزعت نعالها ودخلت في الدهليز فانتهت منه إلى غُرفٍ يستطرق بعضها إلى بعض، والجواري المقدودات يخطرن بين يديها وهن ينظرن إليها ويَعجبن من حالها. أما هي فظلت تمشي مُطرقة حتى وصلت إلى قاعةٍ كبيرة فاحت منها رائحة الطِّيب، فلما أطلت على القاعة رأت سقفها قبة مصنوعة من خشب الصندل، مَكسوَّة بالوشي والسمور وأنواع الحرير بألوانه الزاهية، ويتدلى على جدرانها ستائر مطرزة بأبياتٍ من الشعر، معلقة بكلاليب من الذهب. وفي أرض الغرفة بساط واحد من السجاد الثمين عليه من الوسائد والكراسي ما يُبهر النظر ولكنه لم يُبهر عبادة؛ لأنها ألفت مثله في قصر ابنها أيام نعيمها وإقبال سعدها، وإنما كان همها اليوم أن تنال رضى زبيدة لتنقذ حفيدتها.

فلما وصلت إلى الباب رأت زبيدة في صدر القاعة متكئة على وسادة من الحرير المُوشَّى فوق سرير من الآبنوس المرصَّع، فتركت عصاها خارجًا وألقت التحية باحترامٍ ونظرت إلى زبيدة ووقفت تنتظر أمرها بالدخول أو الجلوس. وكانت زبيدة مرتديةً ثوبًا سماوي اللون يأخذ بالأبصار، وقد تعصَّبت بعصابة مُرصَّعة بشكل الطاوس من الحجارة الكريمة على غير عادتها، كأنها فعلت ذلك لتزيد في النكاية بعبادة المسكينة. فظلت هذه واقفة وزبيدة تلهو بجامٍ من العاج فيه فُتات المسك، وتساقط بعضه فأخذت في التقاطه فظنت عبادة أنها لم تنتبه إليها وسعلت، فرفعت زبيدة بصرها إليها شزرًا وقالت: «من هذا؟»

فاستأنست بالسؤال ومشت نحوها وقالت: «أَمَتك عبادة.» ولما وصلت إلى وسط القاعة نظرت إليها زبيدة وقلبت شفتها السفلى ورفعت حاجبيها استخفافًا وقالت: «عبادة؟ قيل لي إن أم الرشيد تطلب الدخول عليَّ؟»

قالت: «هي نفسها جاريتك يا مولاتي. انظري إلى وجهي فعسى شحوبه لا يُنسيك صاحبته.»

فضحكت زبيدة وقالت: «عرفتك يا عبادة! ألا تزالين على قيد الحياة؟»

فاستغلظت عبادة هذا السؤال لِما فيه من الاحتقار، ولكنها كظمت وقالت: «نعم، لا أزال حية لسوء حظي.»

فقهقهت زبيدة وقالت: «ذلك جزاء العقوق يا عبادة، اجلسي.»

فجلست وهي ترتجف من الغيظ وندمت على مجيئها، ولكنها تذكرت ميمونة وأنها جاءت لإنقاذها فهان عليها الأمر وقالت: «لم أُنكر جميلًا يا مولاتي، ولكن لله الأمر، يفعل ما يشاء.»

قالت: «صدقتِ، لله الأمر، وهو يجزي كل نفس بما قدمت. أرأيت عاقبة سعيكِ وسعي زوجك وأولادك في نزع الخلافة منا؟ أرأيتِ عاقبة الغدر؟ أرأيتِ عاقبة الجرأة على مولاكم؟ أرأيتِ كيف رد الله كيدكم في نحركم؟ لقد كنتُ أحسبكِ قضيتِ كمدًا من الثكل، فإذا أنت حية تَسعَين!»

وكانت عبادة تسمع كلام زبيدة مُطرِقة، فلما انتهت قالت لها: «إنما جئت الآن يا مولاتي مستعطِفة، فإنك والدة وتعرفين انعطاف الوالدات، وقد صرتِ جدة وتعرفين انعطاف الجدات.»

فقطعت كلامها وقالت: «لَشدَّ ما أبطأ حُنو الوالدة والجدة؟ أين كان ذلك الحُنو لما أراد ابنكِ المقتول أن يخلع ابني من ولاية العهد ليجعلها لابن مراجل.» تعني المأمون.

فقالت وقد جاشت أحزانها في صدرها وكاد الكظم يخنقها: «قلتُ لكِ يا مولاتي إنما جئتكِ مستعطِفة، ولا أستعطفكِ بحسنةٍ أتيتُها وإنما أتقدم إليك مستشفِعة بصاحب هذه الآثار.» وأخرجت حُقَّ الزمرد ومفتاحه الذهب من جيبها، ونهضت ومدت يدها نحوها لتُعطيَها إياه. فتباطأت زبيدة في تناوله مبالغةً في الازدراء، تاركةً يد عبادة ممدودة كأنها سائل يستعطي. وأخيرًا قالت لها زبيدة: «وما الذي يحويه من الآثار؟»

فأخذت عبادة تعالجه بالمفتاح ويداها ترتعشان من ضعف الشيخوخة وشدة التأثُّر، وتقدمت به إلى زبيدة، فإذا في الحُق خصلة من شعر زوجها وبضع أسنان من أسنانه وقد فاحت منها رائحة المسك، فقالت: «ما هذا الشعر والأسنان؟»

قالت: «إنها شعر مولانا الرشيد وأسنان طفولته. ألم أكن ظِئره؟ ألم أرضعه؟ ألم يكن يدعوني أم الرشيد؟ بهذه الآثار أتوسَّل إليكِ أن تسمعي شكواي وترحمي ضعفي، ليس من أجلي أنا، بل من أجل فتاة بريئة من كل ذنب، وكانت في عهد تلك الأحداث طفلة ناشئة في مهاد الرغد والرخاء، وهي الآن يتيمة طريدة لا ملجأ لها ولا نصير، وحياتها أو موتها بين شفتيكِ. بالله اعطفي عليها بكلمة تُنقذها من الموت.» قالت ذلك وشرقت بدموعها وناهيك بعجوزٍ تبكي وتستعطف.

فلما سمعت زبيدة كلامها ورأت ثنايا زوجها وشعره كاد الحُنو يغلب على عواطفها، فسكتت هُنيهة وعبادة تراقب حركاتها ولم تشكَّ في أنها أصغت إلى ندائها.

على أن زبيدة أغلقت الحُق وقالت لها: «ألم تتقدمي بهذه الآثار إلى الرشيد في حياته؟»

قالت: «بلى، فعلت.»

قالت: «ولماذا تقدمتِ بها إليه؟»

قالت: «تقدمت إليه بها ليعفوَ عن زوجي يحيى.»

قالت: «وماذا كان جوابه؟»

فحارت في الجواب ولكنها لم ترَ بُدًّا من الصدق فقالت: «إنه ردَّني خائبةً يا مولاتي.»

قالت: «وهل ينبغي أن أكون أنا أَعرَف منه لحقك يا عبادة؟»

قالت: «إني تقدمت إلى الرشيد أطلب حقًّا كنت أحسبه لي عليه، وأما الآن فإني أستعطفكِ وألتمس رحمتكِ ولا حق لي. أطلب إحسانك على فتاة لا شأن لها في أمرنا. أما أنا فإذا ظننتِ أني أذنبت إليكِ فهذا عنقي بين يديكِ ولا آسف على حياتي.»

فقالت: «وأيَّ فتاة تعنين؟»

فاستبشرتْ بسؤالها وقالت: «أعني فتاةً هي بقية ذلك القتيل السيئ الطالع، ساقها شقاؤها إلى الفرار مما أصاب أباها وأعمامها وجدها فبقيت على قيد الحياة وظللت أنا حية لأعولها وأتولى تربيتها، فقضينا السنين ونحن نتستر ونعيش عيش المتسولين وقبِلنا حكم القضاء فينا، فساقت لنا الأقدار أناسًا وشَوا بنا إلى أمير المؤمنين وحملوا الفتاة المسكينة إلى قصره، فخِفتُ أن يغروه بقتلها ولم أجد لي بابًا أطلب الفرج منه سواكِ؛ فأتيتكِ بهذه الآثار لعلها تُعطفكِ على تلك المسكينة، وعسى كلمة يكون لها فيها الحياة فيأمر أمير المؤمنين بإخراجها فأذهب بها وأقضي بقية الحياة معها في كوخٍ حقير أو أغادر هذه البلاد إلى حيث تأمرين. بالله ترفقي. أسألكِ برأس ابنكِ وبحُنوكِ عليه إلا أصغيتِ لتذللي. وأنتِ تعلمين أني لم أستعطف أحدًا في عمري حتى ولا الرشيد رحمه الله.» ولم تعد تستطيع إمساك نفسها عن البكاء.

وكانت عبادة تتوقع أن تسمع منها كلمة عطفٍ فإذا هي تسألها: «وما اسم الفتاة؟»

قالت: «ميمونة يا مولاتي.»

فابتسمت وحول مبسمها هالة من الحقد والنقمة وقالت: «ميمونة؟! جئت تطلبين النجاة لميمونة؟ لماذا لم يُنجِّها حبيبها الخراساني شاهر سيف النقمة على آل عباس؟ هذا الذي لو أُتيح له أن يشرب دمنا لشربه!»

فلما سمعت قولها أُرتِجَ عليها ودهشتْ لاطلاعها على سرٍّ كانت تحسبه مكتومًا عن كل إنسان، وقد فاتها تَفشِّي الجاسوسية في ذلك العصر، وأن لكل إنسان جاسوسًا على صاحبه، حتى الأب يتجسَّس على ابنه والابن يتجسَّس على أبيه. وكان لزبيدة عيون في بيت المأمون يأتونها بالأخبار عن كل حركة فيه، وقد علمت بخبر الخراساني بالأمس، وعزمت على أن تُخبر ابنها به ولم تعلم أنه غادر بغداد ونجا من حبائلها.

أما عبادة فجمد الدم في عروقها ولم تُحِرْ جوابًا؛ فظلت ساكتةً ثم خافت أن يُعَد سكوتها موضعًا للتهمة فأرادت التنصُّل منها على قدر الإمكان فقالت: «لم أفهم مرادكِ يا مولاتي. من هو ذلك الخراساني؟ وما شأننا والدسائس ونحن لا نكاد نملأ جوفنا طعامًا؟ بالله اقبلي رجائي فقد صغرتْ نفسي وهانتْ عليَّ، وكل ما أطلب منكِ إخراج هذه الفتاة من قصر أمير المؤمنين، ومهما تأمري بعد ذلك أفعل.»

فحولت زبيدة وجهها عنها ومدت يدها بالحُق إليها وقالت: «كفى يا عبادة. خُذي هذا الحق لعله ينفعك في غير هذا السبيل. وإذا كنتِ في حاجة إلى عطاءٍ من مال أو طعام أعطيناكِ.»

فأيقنت عبادة ألا خير يُرجى من زبيدة وأنها تريد أن تصرفها، فتناولت الحُق وقالت: «كنت أقبل عطيتكِ يا سيدتي لو كان لي مطمع في الحياة، فأستغفر لذنبي على ما بدا من جسارتي، وأرجو أن يُديم الله سعدكِ ويؤيد عرش ابنكِ.» قالت ذلك وتحوَّلت تهمُّ بالخروج وهي تتوقع أن يلين قلب زبيدة بما سمعته، فوصلت إلى باب القاعة ولم تسمع صوتها ولا رأتها تحركت من مكانها؛ فأكبرت أن تخرج من بين يديها ذليلةً مغلوبةً على أمرها؛ فعادت إليها أَنَفتها وتذكرت حالها على عهد ابنها وما أصابها من المصائب بسبب زبيدة، وما رأته من قساوة قلبها وشماتتها بذُلها؛ فالتفتت إليها فإذا هي لا تزال جالسةً على السرير وعيناها على الوسادة تتشاغل بالتقاط فتات المسك عنها وحول شفتيها ابتسامة تُغني عن شرح عواطفها؛ إذ جمعت بين الاستخفاف وعز الانتصار وأَنَفة الكبراء وشماتة الحاقدين.

وكانت زبيدة تريد رجوع عبادة لأنها لم تشفِ كل غليلها منها، ولم تُجِبها ساعة الوداع رغبةً في رجوعها، وقد لذَّ لها الحديث مع امرأةٍ ساعدتها الأقدار عليها حتى سحقتْها سحقًا بعد أن قتلت ابنها وأذلت زوجها وسائر أهلها وشتتت شملهم واستباحت أموالهم وضِياعهم وأصبح اسمهم فزعة يخافها المنتمون إليهم. وكان الرشيد قد نكب البرامكة برأي زبيدة وتحريضها، فلذَّ لها النصر، وليس ألذَّ لقلب الإنسان من النصر. ولو حللت أسباب السعادة تحليلًا دقيقًا لرأيتها ترجع إلى النصر أو ما في معناه؛ فالمنتصر في الحرب يتمتع بالنصر على أبسط معانيه، وناهيك بلذة القائد عندما يرى جيشه ظافرًا وجيش عدوه مدحورًا. وطلاب المال لا يجمعونه خوف الجوع؛ فإن الإنسان يُشبِعه ما لا يَعجز أفقرُ الفقراء عن الحصول عليه، وإنما يجمع المال ليستعين به في تنفيذ أغراضه أو تقوية نفوذه في الدولة أو الهيئة الاجتماعية، وذلك هو النصر أو الفوز. وطلاب الشهرة على اختلاف وجوهها إنما يطلبونها الْتماسًا لمثل هذه اللذة؛ فطالِب الشهرة من طريق السياسة يشعر إذا مدحه الناس على عملٍ أُعجبوا به أنه تغلب على آرائهم بقوة عقله، وأن إعجابهم به إنما هو إقرار بتقصيرهم عنه في ذلك السبيل؛ وطالِبها من طريق العلم أو الشعر أو غيرهما من المهن القلمية يلذُّ له إعجاب الناس بنفثات يراعه أو بنات أفكاره مثل شعور القائد بانتصاره على أعدائه؛ فلا عجب إذا لذَّ لزبيدة انتصارها الكبير على البرامكة، وخاب رجاء عبادة وتذللها لديها لاستغراقها في تلك اللذة حتى نسيت عاطفة الشفقة أو تناستها، أو لعلها أبعدت تلك العاطفة عمدًا.

فلما التفتت عبادة إليها ظلت هي مشتغلة بالتقاط المسك عن الوسادة وقلبها يخفق توقعًا لما عساه يبدو من تلك الوالدة المقهورة المغلوبة على أمرها؛ فإذا هي تقول لها: «أأخرج من بين يديكِ ولم أنل جوابًا منكِ غير الشماتة والاستخفاف، وقد تقدمتُ إليكِ بحُرمة زوجك المدفون في طوس فاكتفيتِ بقولك إن الله إنما أوصلنا إلى هذه الحال جزاء ما جنته أيدينا؟ وقد سرني أنكِ تعرفين ذلك، وأن الله قادر على مثله في كل زمان ومكان.»

فنظرت زبيدة إليها فإذا هي قد تغيرت سحنتها من الاستعطاف والتذلل إلى الغضب والنفور، واحمرَّت عيناها وجفَّ دمعهما وارتجفت شفتاها وارتعشت يداها ورجلاها حتى كادت تقع على الأرض لولا تجلُّدها. وكانت قد تناولت عُكازتها فتوكأت عليها ولم تزد على ما قالته وأخذت تبحث عن نعلها لتلبسها وتخرج، فصاحت بها زبيدة: «عبادة!» فتغافلت وظلت سائرةً في الدهليز، فصاحت بها ثانية: «عبادة يا أم الرشيد!»

فلما سمعتْها تناديها بهذه الكنية استبشرت وتراجعت وكظمت ما في نفسها لعلها تستطيع أن تنفع ميمونة، فالتفتت وإحدى يديها على العكازة والأخرى على خصرها كأنه تتماسك من الضعف، فوقعت عيناها على عينَي زبيدة وهي ترجو أن تقرأ شيئًا جديدًا يشفُّ عن انعطافٍ أو حُنو، فرأتها لا تزال تبتسم ابتسامتها المعهودة وقد زادها رهبة ما بدا من عينيها من دلائل الغضب، فظلت عبادة بضع لحظات تتفرَّس في عينَي زبيدة وتقرأ الغضب فيهما، ولكنها غالطت نفسها رغبة في إنقاذ ميمونة، وإذا بزبيدة تقول بصوت مختنق: «أتدعين على ابني بالقتل؟»

قالت: «معاذ الله يا سيدتي! أطلب إليه تعالى ألا يُريَكِ مكروهًا فيه، بل أتوسل إليه أن يحفظ كل أبناء الناس لعل حفيدتي المسكينة أن تصيب طرفًا من عنايته.» ثم تغيَّر صوتها واختنق.

فقطعت زبيدة كلامها وقالت: «أكنتِ تطلبين ذلك من قبل؟»

فأدركت عبادة أنها تشير إلى أيام عزها قبل مقتل ابنها فقالت: «كنت أرجو ذلك ليبقى ابني، ولكنني لم أكن أقوله بحرارة قلب ولهفة كما أفعل الآن لأني لم أكن جرَّبت الذل بعد. كنت مثلك يا مولاتي لا أعرف من الدنيا إلا نعيمها وراحتها، وكنت أَحسَب الدهر يدوم لي، فإذا هو قد أذاقني ما لم يُسمع بمثله في الأرض.»

فأدركت زبيدة أنها تُعرِّض بما تخافه عليها من النكبة، فكرهت أن تسمع شيئًا يُكدرها إذا هي أطالت الحديث معها، فوقفت وأخذت تتشاغل بإصلاح عقدها والعصابة التي حول رأسها كأنها تتأهَّب للخروج؛ فاكتفت عبادة بما قالته وتحوَّلت وخرجت إلى قصر المأمون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠