الفضل بن سهل

فلنترك أهل بغداد على ما هم عليه لنرى ما كان من أمر بهزاد بعد رحيله؛ فقد ذكر في كتابه إلى ميمونة أنه مسافر إلى خراسان، وأنه أوصى سلمان بما عليه أن يصنعه في أثناء غيابه. فغادر بغداد على فرسه وقد شدَّ ذلك الصندوق إلى السرج، وسلك أقرب الطرق، وكان إذا بات في خانٍ أو نزل به ادَّعى أنه طبيب معه صندوق العقاقير. وبعد أيام قطع في أثنائها جبالًا وسهولًا وأوديةً وأنهارًا، أشرف على مدينة «مرو الشاهجان» عاصمة خراسان في ذلك العهد، وهي في منبسط من الأرض، حولها سور مربع الشكل، وفي وسطها قلعة ضخمة يقال لها في اصطلاحهم «القهندز»، تظهر للمُطِل على مرو من بعيد فيحسبها بلدًا، وكانوا يغرسون على سطحها الأشجار والمباقل كأنها بستان على رأس جبل. ولم يكن ذلك المنظر ليثير بهزاد؛ فإنه نشأ في هذه المدينة وشب فيها، فدخل توًّا يلتمس منزل الفضل بن سهل.

وكان الفضل بن سهل من سرخس، وقد نشأ مجوسيًّا ودرس علم النجوم ثم أدخله يحيى البرمكي في خدمة الدولة في أيام الرشيد ولم يُسلم إلا سنة ١٩٠ﻫ على مذهب الشيعة. وإنما أسلم رغبةً في نصرة الفرس بخراسان. وتعهَّده يحيى برعايته حتى صار من خاصته ثم جعله قهرمانًا له. ثم توسم الفضل في المأمون نجابةً وتعقُّلًا فتوقع أن تصير الخلافة إليه فلزمه وخدمه وتقرَّب منه. وكان المأمون يُجله ويُقدمه؛ فأصبح الفضل لا يطمع في أقل من الوزارة.

ويُحكى أن مؤدب المأمون قبل الخلافة لما رأى جميل رأيه في الفضل وإكرامه إياه نقل ذلك إلى الفضل وقال له: «لا أستبعد أن يحصل لك منه ألف ألف درهم.» فاغتاظ الفضل وقال: «والله ما صحبته لأكتسب منه مالًا قلَّ أو جلَّ، ولكني صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب!»

وكان الرشيد لما بايع لولديه بولاية العهد جعل للأمين العراق والشام إلى آخر المغرب على أن يكون الخليفة بعده، وجعل للمأمون خراسان وسائر المشرق على أن يتولى الخلافة بعد أخيه الأمين. وكل ذلك بتدبير جعفر وغيره من أحزاب الشيعة، وفي جملتهم الفضل بن سهل. ولما أراد الرشيد سنة ١٩٢ﻫ أن يسير إلى خراسان، أمر ابنه المأمون أن يبقى في بغداد حتى يعود. وكان الرشيد مريضًا فخاف الفضل أن يموت الرشيد في الطريق فيذهب سعيه سُدًى؛ فجاء إلى المأمون وقال له: «لست تدري ما يحدث للرشيد، وخراسان ولايتك، ومحمد الأمين مُقدَّم عليك، وليس مستبعدًا أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها كما تعلم؛ فاطلب إلى أمير المؤمنين أن تسير معه.» فطلب المأمون ذلك من أبيه فامتنع أولًا ثم أجاب. فسار المأمون مع أبيه ومعهما الفضل، وكان اهتمام الفضل منصرفًا أثناء الطريق إلى تأييد أمر المأمون، فأخذ له البيعة على كل من في عسكر الرشيد من القواد وغيرهم، وأقرَّ له الرشيد بجميع ما معه من الأموال. ثم نزل المأمون «مرو» قصبة خراسان، واشتد المرض على الرشيد وهو في «طوس» والأمين في بغداد وله عيون مع الرشيد أشدهم غَيرة عليه الفضل بن الربيع وزير الرشيد بعد البرامكة. فلما بلغ الأمين اشتداد المرض على أبيه بعث إلى ابن الربيع وغيره يحثهم على بيعته. فلما مات الرشيد هناك سنة ١٩٣ﻫ، احتال ابن الربيع على من كان في ذلك العسكر وحرَّضهم على اللحاق بالأمين فأطاعوه رغبةً في الرجوع إلى أهلهم في بغداد، وأغفلوا العهود التي أُخذت عليهم للمأمون، وحملوا ما كان في عسكر الرشيد إلى الأمين وتمَّت له البيعة.

فلما بلغ المأمونَ موتُ أبيه ورجوع رجاله إلى أخيه بالأحمال والأموال وقد نكثوا عهده، خاف على نفسه فجمع خاصته بمرو وشاورهم في الأمر مظهرًا لهم ضعفه وأنه لا يقوى على أخيه، فنشطوه ووعدوه خيرًا. ولبث الفضل يترقب الفرص لنيل بُغيته التي أسلم لأجلها. وكان من جملة مساعيه قبل موت الرشيد أنه أنفذ بهزاد طبيبًا إلى بيت المأمون، ومعه سلمان خادمًا له وهو من رجال الخرمية أيضًا. وكانت المراسلات السرية دائرةً بين بهزاد والفضل، فلما مات الرشيد واستأثر الأمين بالخلافة وآن العمل في خراسان ركب بهزاد إليها ليكون مع الفضل.

وكان الفضل يوم وصول بهزاد إلى مرو جالسًا في قصره مع أخيه الحسن، فجاءه الحاجب بأن بهزاد بالباب فأمر بإدخاله، فدخل وهو لا يزال بلباس السفر وفي يده الصندوق، فوضعه بالباب وسلَّم، فرحب به الفضل والحسن وأجلساه في صدر القاعة. وكان الفضل صفراوي المزاج رقيق البدن أصفر الوجه مع صحة ونشاط، وهو يومئذٍ في حدود الكهولة إذا نظرت إلى عينيه رأيتهما تنطقان بما في صدره من المطامع وما يضمره من المكايد وما يفكر في نصبه من الحبائل بهدوء ورباطة جأش. ولم يكن أخوه الحسن في مثل مزاجه ودهائه وكان أقرب إلى إظهار ما في نفسه وتجلي أغراضه في وجهه. فلما جلس بهزاد أخذ الفضل وأخوه يسألانه عما وراءه، فقص عليهما ما جرى؛ فأُعجبا بشجاعته وغيرته، ثم سأله الفضل رأيه في حزب الخرمية ببغداد فأجابه بقوله: «إنهم على دعوتنا لا يدخرون في سبيلها مالًا ولا نفسًا.»

قال: «وكيف فارقت ذلك الغلام؟» يريد محمدًا الأمين.

قال: «فارقته بين الكأس والطاس والجواري والغلمان.»

فقال الحسن: «إن دولته ذاهبة لا محالة، ولكن …»

فقال بهزاد على الفور: «ولكن ذلك لا ينفعنا إلا إذا أذهبناها نحن.»

فضحك الفضل ضحك الظافر وقال: «وإنا لفاعلون إن شاء الله، إنما ينقصنا أن يستحكم الخلاف بين الأخوين حتى يستنصرنا هذا على ذاك فنشترط شرطنا.»

فقال بهزاد: «لا تلبثون أن تسمعوا بذلك قريبًا بفضل صاحبنا سلمان. وإلا ذهب إسلامك عبثًا!»

فشق هذا التصريح على الفضل؛ لأنه مع اشتهار ذلك عنه واشتراك بهزاد معه فيه، لم يكن يرضى أن يُقال عنه إنه أسلم رغبةً في الدنيا، أو لعله بعد أن أسلم احتيالًا أصبح يرى الإسلام حقًّا. ولكنه سكت لأنه كان يريد أن يُثبت قدم بهزاد في العمل معه لما أظهره من الكفاءة، ثم نظر إلى أخيه الحسن كأنه يكتم أمرًا يتردد في التصريح به، ففهم غرضه وابتسم ونظر إلى بهزاد وبقي ساكتًا، فابتدره الحسن بالكلام قائلًا: «إننا نرى لك فضلًا كبيرًا في نصرة الفرس، وسيأتي يوم تنال فيه نصيبك من الفوز.»

فقطع الفضل كلامه قائلًا: «بل يناله اليوم؛ فهل نجد أكفأ منه لبوران.» يعني بوران بنت الحسن بن سهل، وكانت بارعة الجمال يتحدث أهل خراسان بجمالها وتعقُّلها.

فلما سمع بهزاد اسمها أجفل؛ لأنه مقيد القلب، ولكنه لم يكن يستطيع رفضًا. وكاد الاضطراب يظهر في وجهه ولكنه تجلد وحنى رأسه شاكرًا وقال: «إنها نعمة لا أستحقها، ولم أعمل عملًا يُخوِّلني هذا الإنعام، ونحن لا نزال في أوائل الطريق!»

فاستحسن الفضل عُذره ولم يخطر له ببالٍ أنه يتجنب الزواج ببوران وليس في كبراء خراسان واحد لا يتمنى رضاها وقال: «وتكون قد تدرجت في مناصب الدولة.»

فقال بهزاد: «اعذرني يا سيدي وأعفني من المناصب؛ فأنا أخدم أمتي من طريق آخر.» ثم تحفَّز للوقوف وقال: «وأستأذن الآن في الذهاب إلى منزلي.» قال ذلك ومشى إلى الباب وتناول الصندوق وهمَّ بالخروج، فاستوقفه الفضل قائلًا: «ما هذا الصندوق؟»

قال: «إنه صندوق العقاقير يا مولاي.»

وخرج من القصر فركب فرسه وأوغل في المدينة مخترقًا أَزِقتها الضيقة حتى بلغ إلى بعض أطرافها وهو غارق في بحار التأمل، وقد ساءه ما ذكره الفضل عن بوران لعلمه بأن الفضل يعني تزويجه بها، وقد فاته أنه إنما قال ذلك ترغيبًا له في مناهضة العباسيين، ولو علم الفضل حقيقة بهزاد لرآه أرغب أهل الفرس في مناهضتهم.

فهاجت أشجانه، وتذكر ميمونة وكيف تركها في بغداد والعداء لا يلبث أن يستحكم بين الأخوين وتنشب الحرب بين البلدين، ولكنه اطمأن لإقامتها بقصر المأمون. وأنْسته هذه الهواجس طريقه فانتبه فإذا به قد جاوز المكان الذي يقصد إليه، فدار حتى أتى زقاقًا انتهى منه إلى بابٍ ترجَّل عنده، ووقف والصندوق بيده وقرع الباب قرعًا خاصًّا ولبث واقفًا، ففُتح الباب وخرج منه عبد طويل جاوز مراحل الشباب، فلما وقع نظره على بهزاد ترامى على يديه وأخذ يُقبِّلهما ويقول: «سيدي، سيدي، أنت جئت؟ لقد طال غيابك!» قال ذلك وأراد أن يأخذ الصندوق منه فأباه عليه ومشى، فأدخل العبد الفرس الإسطبل وأقفل الباب وسار بين يدي بهزاد مهرولًا فرحًا حتى وصلا في آخر الدهليز إلى فناءٍ واسع، فتحوَّلا من بعض جوانبه إلى غرفةٍ في صدرها عجوز طاعنة في السن قد شاب شعرها وتضنَّى جبينها وطال حاجباها حتى غطيا عينيها وقد تزمَّلت بمطرف وجلست الأربعاء، فلما أطلَّ العبد عليها صاح: «مولاتي، جاء سيدي، جاء سيدي.»

فبُغتت وصاحت: «جاء؟ أين هو؟» وكان بهزاد قد وصل إليها فجثا عند قدميها وقبَّل يدها، فرفعت بصرها إليه وعانقته وضمَّته إلى صدرها وأخذت تُقبِّله وهي تبكي وتقول بصوت مختنق: «أهلًا بولدي وحبيبي، أهلًا بك. أنت جئت يا كيفر، لقد طال انتظاري يا بُني وخفت أن أموت قبل أن أراك وأفي بنذري.» قالت ذلك وخنقتْها العبرات.

أما هو فتجلد وقال: «ما الذي يُبكيك يا سيدتي؟ فلنحمد الله على اللقاء.»

فتراجعت وأمسكت عن البكاء وقالت: «إني أحمد الله حمدًا كثيرًا يا بُني على رجوعك سالمًا. من أين أنت آتٍ الآن؟» قال: «من بغداد.»

قالت: «وهل وُفقت إلى ما تريد؟» قال: «وُفقت وجئت بما تطلبين.»

قالت وقد دهشت: «جئت برأسه؟» قال: «نعم يا سيدتي.»

قالت: «أين هو؟» فأشار إلى الصندوق وقال: «هنا.»

فمدت يدها لتتناول الصندوق وقد نشطت كأنها استعادت شبابها وقالت: «في هذا الصندوق؟ افتحه. أرِني رأس مولاي. أرني إياه لأتمتع برؤيته قبل انقضاء أجلى!»

فاعتدل في مجلسه، والتفت إلى العبد فانصرف من الغرفة. فلما خلا إلى العجوز أخذ يعالج الصندوق حتى فتحه وأخرج جمجمة وضعها بين يديها وقد فاحت منها رائحة التراب المتعفن، فنظرت إلى الجمجمة بعينين محملقتين وصاحت: «هذا هو رأس أبي مسلم. هذا هو رأس أبي. إنك أحييته يا بُني.» وأخذت تُقبِّل الرأس وقد شرقت بدموعها.

أما هو فكاد يبكي معها ولكنه تجلد وقال: «وستفرحين يا سيدتي متى انتقمت له!»

قالت وقد ملكت أمرها رغم ما بدا من ارتعاش أناملها: «نعم، يجب أن تنتقم له، وأنا إنما دعوتك «كيفر» رغبةً في ذلك. إن اسمك يا بُني معناه الانتقام. إنك ستنتقم لهذا المقتول ظلمًا. وكيف عثرت عليه وقد بلغنا أنهم رموه في دجلة؟»

قال: «كنت أظن ذلك، ولكنني عرفت شيخًا كان حاضرًا مصرعه فدلني على مدفنه في المدائن وأعانني على إخراجه. هذا هو رأس أبي مسلم بلا ريب، تفرَّسي فيه جيدًا.»

فأعادت النظر إلى الرأس وعيناها تغشاهما الدموع وقالت: «نعم، هو بعينه، يدلني على ذلك خفقان قلبي. وهل يخفى عليَّ رأس أبي؟ نِعم الرجل أنت يا كيفر! إنك ستنتقم له … هل آن وقت الانتقام؟»

قال: «قد آن يا سيدتي. وآن أن تَقصِّي عليَّ خبر نسبي وتمنحيني الوديعة التي وعدتِني بأن أستخدمها في الانتقام.»

قالت: «إنها حاضرة يا ولداه، تمهَّل قليلًا. لا بد من أن أقصَّ عليك خبرها أولًا … اجلس، ألا تتناول طعامًا!»

قال: «كلا يا سيدتي.»

•••

نهضت العجوز من مكانها منتصبة القامة كأنها في عنفوان الشباب وضغطت كتف بهزاد لتمنعه من النهوض معها، ثم مشت إلى خزانةٍ في جانب الغرفة وأخرجت من جيبها مفتاحًا عالجت الخزانة به حتى فتحتها وهو ينظر إليها بلهفة، فأخرجت لفافة مستطيلة من الخز ورجعت بها فوضعتها بين يدي بهزاد وقعدت وقالت: «أنت تعلم أني فاطمة بنت أبي مسلم الخراساني؟» قال: «نعم.»

قالت: «ويعتقد الناس وأنت منهم أنك رُبِّيت في حِجري. لا تعرف أبويك ولا يعرفهما أحد سواي.»

قال: «صدقتِ.»

قالت: «إن جماعة الخرمية يكرمونني لأني من دم أبي مسلم، ولكنهم لا يعلمون أنك أنت من دمه أيضًا.»

فصاح قائلًا: «أنا من دم أبي مسلم؟ وكيف ذلك؟»

قالت وهي تبتسم: «لأنك ابني.»

قال وقد أخذته الدهشة: «ابنكِ؟ أنا ابنكِ؟»

قالت: «نعم يا ولدي. إنك حشاشة كبدي.» وضمَّته إلى صدرها وقبَّلته.

فقبَّل يدها وقال: «وكيف؟»

قالت: «لأني تزوَّجت ولا يعلم الناس أني وضعت ولدًا من أبيك فيزعمون أنك غلام فقير احتضنتُك وربَّيتُك.»

فاضطرب بهزاد والتبس عليه الأمر فقال: «وكيف إذن؟ كيف أنا ابنك؟»

قالت: «لا تعجب. إن أباك محرز بن إبراهيم توفاه الله وأنا فيما يقرب من سن اليأس وظننتُني عاقرًا، ولكنني لما تُوفِّي كنت حاملًا بك، وعند الوضع أخفيت خبرك حينًا ثم أظهرتُ أني احتضنتُك وربَّيتك. ولما كبرت غرست حب جدك أبي مسلم في قلبك وسمَّيتك «كيفر» أي الانتقام؛ لأن أولئك الظالمين حرقوا قلبي بقتل جدك غدرًا تلك القتلة الشنعاء. وما زلتُ منذ تزوجتُ وأنا أَعِد نفسي بولد أُكرِّس حياته للانتقام لأبي؛ إذ إنه لم يُخلف ابنًا ينتقم له، وطال انتظاري كما سمعت، ثم جئتَ أنت فنذرتُك لهذا الغرض، وقد حفظتُ من أثر جدك خنجرًا لم يخنه قط، وكان النصر مصباحًا له طالما تقلده.» قالت ذلك وحلت اللفافة وأخرجت منها خنجرًا استلتْه فلمع فرنده كالبرق، ودفعته إليه وقالت: «انتقِم لأبي مسلم بهذا الخنجر.»

فتناول بهزاد الخنجر وقلبه بين يديه ثم قبَّله وأغمده وخبَّأه في جيبه وقال وهو يحسب نفسه في منام: «إني إذن حفيد أبي مسلم الخراساني. قد كنتُ أسعى للانتقام منه متأثرًا بما ربَّيتِني عليه، أما الآن فأنتقم له لأنه جدي!» ولما قال ذلك أبرقت عيناه وثارت الحمية في رأسه وتذكَّر ميمونة، كما تذكر رأسًا آخر فمد يده إلى الصندوق وهو يقول: «وهنا رأس آخر نحن ناقمون على قاتله.» وأخرج يده وهو قابض على ذلك الرأس من شعراتٍ في ناصيته يبس الدم عليها وقد جف جلد الوجه واسودَّ والتصق بالعظم حتى يحسبه الناظر إليه عظمًا أسود.

فنظرت فاطمة إلى ذلك الرأس فلم تعرفه فقالت: «رأس من هذا؟»

قال: «تفرَّسي فيه. ألم تعرفيه؟»

فتفرست فيه وقالت: «لا، لم أعرفه.»

قال: «رأس جعفر القتيل الثاني.»

فصاحت: «رأس جعفر؟ جعفر بن يحيى؟»

قال: «نعم يا أماه، إنه رأس جعفر المقتول غدرًا.» وحدثتْه نفسه أن يبوح لأمه بحبه لميمونة، ثم أطرق وهو يراجع في ذهنه ما سمعه من الغرائب في تلك الساعة.

قالت: «وكيف عثرت عليه يا بُني؟»

قال: «ألم تعلمي أن الرشيد غدر به وقتله ولم يكتفِ بقتله، بل قطع بدنه قطعتين نصب كلًّا منهما على جسرٍ من جسور بغداد ونصب الرأس على جسر ثالث. مُعرَّضة للحر والبرد والشمس والمطر سنتين حتى سافر الرشيد إلى الري، وعند رجوعه عزم على الإقامة بالرقة فمرَّ ببغداد وأمر أن تنزل جثة جعفر وتُحرق وكنت أثناء نصب الجثة قد وكلت إلى سلمان أن يسعى في الحصول على الرأس فلما أنزلوا الجثة احتال على الموكَّل بالإحراق وأخذ منه الرأس، فحفظتُه في هذا الصندوق حتى جمعت إليه رأس جدي.»

فأُعجبت فاطمة بما أتاه ولدها، فقبَّلته وقالت: «ضع هذين الرأسين في الصندوق، وضع الخنجر معهما، حتى يأتيَ وقت تجريده فتتقلده وأنت فائز بإذن الله. ولكن اكتم ما ذكرتُه لك عن كل إنسان، وسيأتي يوم تتقلد فيه هذا الخنجر وتقتل به عدوك، تقتل به بعض أبناء قاتل جدك، ولكن احذر يا بُني أن تُظهر للملأ ما تعمله، فإذا دُعيت إلى الحرب فلا تكن قائدًا أو أميرًا.»

فقال: «ذلك ما عزمت عليه؛ فإنه لا أرب لي إلا في الانتقام.»

فتنهَّدت وقالت: «هل أرى ذلك اليوم وأشفي غليلي؟»

قال: «أرجو أن تَريه وتفرحي بي.»

قالت: «وستجتمع بالخرمية؛ فكن لديهم على ما يحبون؛ فهم يَعُدونك زعيمهم لأنك ربيبي، فابقَ معهم على هذه الحال لئلا يفسد عليك تدبيرك.»

وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب وأُعِد الطعام فنهضا وأكلا. وبات بهزاد (أو كيفر) ليله وقد أحسَّ بنشاطٍ جديد كأن روح أبي مسلم دبَّت فيه، وتذكر ما يعلمه عن حال الخلافة في بغداد وضعف أمرها، فتوقَّع أن تسنح الفرصة للانتقام عندما يخلع الأمين أخاه، وكان واثقًا من ذلك وعالمًا بما دبره سلمان في هذا الشأن.

ونهض في اليوم التالي فسار إلى حيث اجتمع ببعض كبار الخرمية في خلوتهم السرية؛ فشجعهم وأبلغهم ما شاهده من استعداد أنصارهم في بغداد لنصرتهم بما يملكون، وتباحثوا في تدبير الأمور والتربُّص ريثما يأتي الوقت للانتقام. وكان ينتظر ما يأتيه من أخبار سلمان ببغداد.

قضى في ذلك أيامًا دون أن يجتمع بالفضل، ثم أصبح ذات يومٍ فإذا بهجان جاءه بكتاب خبَّأه في نعاله حذرًا من أن يراه أحد، فتناول الكتاب وعلم من خاتمه أنه من سلمان، ففضَّه وقرأه فإذا فيه:

من سلمان خادم الخرمية إلى رئيسهم ومقدامهم بهزاد

أما بعد، فقد علمتَ ما نحن ساعون فيه وقد وُفقت إلى ذلك بالأمس؛ فإن الفضل بن الربيع لما قدم من العراق بعد أن نكث بعهد المأمون، أصبح خائفًا على نفسه منه إذا ولي الخلافة، وراح يعمل على تجنُّب هذا الخطر، وقد حثه رئيس المنجمين على إغراء الخليفة بخلع أخيه من ولاية العهد ليختصَّ بها موسى بن الأمين، وشاور الأمينُ في ذلك ابنَ ماهان، وهو كثير الثقة بهذا الشيخ المغرور، فأشار عليه بالمبادرة إلى تنفيذه، فقبل مشورته، وجعله شيخ الدعوة ونائب الدولة، ولا يبعد أن يُوَليَه قيادة الجيش، ولئن نشبت الحرب لتكونن قيادته شؤمًا على الخليفة، فابن ماهان مغرور لا ينفع. وقد علمت هذا الصباح أن الأمين كتب إلى عماله بالدعاء لابنه موسى بالإمارة، وأظنه يبعث إلى المأمون في خراسان يطلب إليه أن يخلع نفسه. فافعلوا ما ترونه، ونحن هنا في خيرٍ، والسلام.

فلما أتى على آخر الكتاب انشرح صدره وشعر أنه تقدَّم خطوة كبرى نحو الغرض المطلوب، وكان وقتئذٍ في منزل أمه، فأطلعها على الكتاب فاستبشرت وقالت: «قد دنا الوقت يا بُني ولا أظن الفضل بن سهل يجهل ما يجب عليه في مثل هذه الحال، وإذا جهله فهل تجهله أنت أيضًا؟»

قال: «أرشديني برأيكِ يا أماه.»

قالت: «إذا استفحل الأمر بين الأخوين فعلى الفرس أن ينصروا المأمون فينصرهم ويرعى حقهم، ولكنهم إذا أرادوا بعد ذلك أن يتخلصوا من المأمون، ليستأثروا بالسلطان لأنفسهم بلا خلافة، فلا شك في أن سعيهم يذهب عبثًا؛ لأن العامة لا يُحكمون إلا بالدين.»

قال: «ولكن معنا خليفة هو المأمون نحكم الناس به.»

قالت: «وهل يخلد المأمون؟ إنه إذا مات انتقل الأمر إلى بعض أهله، وقد يكون خليفته راضيًا عنا وقد يكون ناقمًا علينا، كما كان الرشيد، فينتقم منا شر انتقام!»

فوقع قولها من نفسه موقعًا عظيمًا، وأُعجب بدهائها وتذكَّر ما دار بينه وبين كبار الخرمية ليلة الإيوان في المدائن وقال: «وما الرأي إذن؟»

قالت: «الرأي أن تهيئوا منذ الآن مستقبلًا ثابتًا لأعقابكم. فإذا لم يكن بُدٌّ من وجود خليفة عربي، فالعلويون أقرب مودةً لنا من سائر العرب؛ فاشترطوا على المأمون إذا نصرتموه أن يجعل الخلافة بعده لبعض العلويين (الشيعة) فيتم لكم ما تريدون. فاعرض هذا الرأي على الفضل بن سهل، وانظر ماذا يرى.»

فلما سمع نصيحتها همَّ بيدها فقبَّلها، واستأذنها في الذهاب إلى الفضل ليُطلعه على كتاب سلمان ويباحثه في الأمر. ثم خرج وتوجَّه إلى القصر فبلغه عند الضحى، ودخل دون أن يعترضه الحاجب لعلمه بمنزلته عند مولاه، فمرَّ في الحديقة وسار توًّا إلى مجلس الفضل وأخيه وكانا يقيمان معًا بذلك القصر فرأى في طريقه قُبة وسط الحديقة، يقف ببابها غلام، فأيقن أن الفضل جالس تحتها، واتجه إليها محاولًا الدخول، فإذا بفتاة خارجة منها في غير كلفة؛ لأنه لا تعلم بوجود أحد غريب هناك، فوقف بهزاد ذاهلًا ووقع نظرها عليه فأجفلت وبدت البغتة في مُحيَّاها وتوردت وجنتاها خجلًا، ووقفت لحظةً كأنها صنم لا يتحرك، وارتبكت في أمرها لا تدري؛ أترجع إلى القبة وفي رجوعها ضعف؟ أو تقابل القادم وتُحيِّيه؟

وكانت بملابس البيت، وعلى رأسها نقاب خفيف إذا أسدلتْه على وجهها لم يُغطِّ إلا بعضه، فلما وقع نظر بهزاد عليها أُعجب برونق جمالها وإشراق مُحيَّاها وبريق عينيها بما يتجلى فيهما من الذكاء والحياء؛ فخجل لما سبَّبه لها عفوًا من الانزعاج، وابتدرها قائلًا: «العفو يا مولاتي، أظنني أزعجتك؟ وإنني أريد مولانا الفضل وقد حسبته في هذه القبة على عادته.»

فقالت وهي تنظر إليه نظر السذاجة وصفاء النية: «إن عمي الفضل خرج مع أبي هذا الصباح للاجتماع بالمأمون، وليس في قدومك أي إزعاج، وإذا صدق ظني فأنت صديقهما بهزاد!» وسكتت كأنها تنتظر جوابه فابتدرها قائلًا: «نعم يا سيدتي، يُسمُّونني بهزاد.»

فقالت: «إن والدي وعمي معجبان بك، ولو كانا هنا لفرحا بقدومك. اجلس إذا شئت.»

فأُعجب بهزاد بظرف الفتاة وذكائها على صغر سنها، وعلم أنها بوران بنت الحسن بن سهل، وتذكَّر تلميح عمها في شأنها فرأى أنها جديرة بأفضل الرجال، ولو لم يكن قلبه مشغولًا لكانت نصيبًا حسنًا. فأجابها بقوله: «أشكركِ يا سيدتي على تلطُّفك، وكنت أودُّ البقاء هنا ولكني أراني مضطرًّا إلى الذهاب إلى مجلس المأمون أيضًا.» قال ذلك وتحوَّل يطلب قصر المأمون، وهو قصر الإمارة؛ لأن المأمون كان يومئذٍ أميرًا على خراسان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠