بهزاد وميمونة

خرج ابن الفضل ليُناديَ العيارين ليقبضوا على ميمونة ويحملوها قهرًا، فسمع الخدم يقولون: «أتى رئيس المنجمين.» فأراد أن يراه ويخاطبه لعله يُقنعها بالحسنى، فقيل له: «إنه عند السيدة زبيدة.» وكانت قد انفردت في القاعة الكبرى وأخذت تفكر فيما أحاط بها وما يهددها وقلبها خائف على ابنها. فدخلت القهرمانة وأخبرتها بقدوم رئيس المنجمين فقالت: «ادعيه إليَّ.»

وكان سلمان قد وصل إلى القصر مع بهزاد منذ هنيهة والمدينة قد سقطت وأهل قصر المنصور لا يعلمون. فلما أتيا وجدا في ساحته جماعة من العيارين فلم يبالِ سلمان وتقدَّم إلى الباب فرآه موصدًا وسمع ضوضاء من الداخل، فقرعه فلم يُجبه أحد، فبالغ في القرع فأطلَّ عليه خادم من كوَّة فوق الباب وقال: «من الطارق؟»

فرفع سلمان بصره فرأى غلامًا عرفه فصاح به: «افتح حالًا.»

فعرف الغلام أنه رئيس المنجمين فأسرع وفتح الباب، فدخل ببغلته ودخل بهزاد في أثره إلى فناء القصر وترجَّلا وسلَّما الدابتين إلى الغلام، فرأيا أهل القصر في هرج والخدم يدخلون ويخرجون من باب القصر الداخلي، فقال رئيس المنجمين للغلام: «أين القهرمانة؟»

قال: «هي بين يدي مولاتنا زبيدة.»

فلما سمع ذلك تشاءم من وجودها فقال: «ادعُ لي القهرمانة الساعة. قل لها رئيس المنجمين يطلبك لأمرٍ مهم.»

فمضى وعاد وهو يقول: «ادخل فإن السيدة زبيدة تطلبك.»

فالتفت إلى بهزاد وقال له: «لا شك أنها ستسألني عن ابنها وعن مكانه، وربما تسألني عنك، فهل أذهب إليها وحدي؟»

قال: «دعني أذهب معك.»

فقال سلمان للغلام: «قل للقهرمانة إن مع رئيس المنجمين رفيقًا لا يدخل إلا معه.»

فعاد وقال: «ادخلا إلى القاعة.» فدخلا والغلام يمشي أمامهما إلى القاعة. فدخل أولًا سعدون وحيَّا، ثم دخل بهزاد ولم تنتبه له زبيدة لاشتغالها عنه بهواجسها، وكانت قد تربَّعت ووضعت على حِجرها وسادة أسندت إليها كوعَيها وألقت رأسها بين كفيها. فحالما دخل سعدون رفعت رأسها وصاحت به: «ويلك؟ أين كنت وكيف أتيت في إبان الحاجة إليك؟»

ثم أشارت له بالقعود فقعد، وقعد بهزاد وهي لا تراه.

فقال سلمان: «كنت مُجدًّا في البحث عن بهزاد حتى وجدتُه.»

فأبرقت أسرتها وصاحت: «وجدتَه؟ أين هو؟»

فأشار إلى بهزاد وقال: «هذا هو يا سيدتي.»

فدهشت وأجفلت وصعد الدم إلى وجهها، ونظرت إلى بهزاد وحدقت فرأت فيه جمالًا وهيبة ووقارًا، فلم تتمالك أن صاحت فيه: «أنت بهزاد؟»

قال: «نعم، أنا هو.»

قالت: «كيف تجرَّأت على المجيء إلينا؟ ألم تَخفْ بطش أمير المؤمنين؟»

فقال بهدوء ورزانة: «لم أَخفْه حيًّا، فكيف أخافه ميتًا؟»

فذُعرت واقشعرَّ بدنها ولطمت خديها وصاحت: «أمير المؤمنين مات؟ ابني محمد … ماذا تقول؟ أتهزأ بي يا نذل؟»

قال: «كلا يا سيدتي، إني أقول الحق، ويسوءُني أن يؤلمكِ هذا، ولكنكِ سألتِني فلم أَكذبك.»

فالتفتت إلى سلمان وهي تَحسَب نفسها في منامٍ وقالت: «سعدون، قل الصحيح، قل أين أمير المؤمنين؟ أظن الرجل يهذي، أين ابني محمد؟ ولدي حبيبي، أين هو؟ قل.»

فأجابها بفتور: «رأيت رأسه معلقًا على حائط البستان يا سيدتي، وقد قضي الأمر.» قال ذلك ونهض فلطمت زبيدة خدَّيها بكفَّيها وصاحت وولولت. وسمع بهزاد في تلك اللحظة صوت ميمونة تستغيث وتقول: «آه، أين أنت يا بهزاد؟ أنجدني، أنقذني.»

فوثب من القاعة ويده على خنجره وهو يقول: «لبيكِ يا حبيبة.»

فرأى جماعة من العيارين قد أمسكوا بشعرها وأخذوا يَجرُّونها وابن الفضل واقف يقول: «خذوا هذه الخائنة.»

فما كان من بهزاد إلا أن استلَّ خنجره وطعن ابن الفضل طعنةً قضت عليه، وتحوَّل إلى العيارين وصاح فيهم: «اخسئوا يا أنذال جاءكم بهزاد.» فلما سمعوا صوته ورأَوا ابن الفضل مجندلًا فرُّوا هاربين. ولم تكن ميمونة تعلم بوجود بهزاد هناك، ولكنها لما يئست من النجاة ورأت ابن الفضل يأمر العيارين بِجرِّها استغاثت على غير هُدًى، فلما رأت بهزاد ترامت عليه وأُغمي عليها وأسرعت جدتها إليه وقالت: «من أين أتيت إلينا أيها الملاك؟ إني أخاف عليكَ من هؤلاء الأنذال.»

فقال: «لا تخافي يا سيدتي، إن بغداد في قبضتنا ورأس الأمين معلق على الحائط يراه الناس.»

فلما سمع أهل القصر ذلك ذُعروا وأخذوا يتراكضون إلى زبيدة فرأَوها في القاعة وقد حلَّت شعرها وأخذت في النحيب وهي تقول: «وا ولداه! قتلك البغاة الظالمون!»

فسمعتْها عبادة تقول ذلك، فأثَّر قولها في نفسها فدخلت إليها، ولما رأتها في تلك الحال غلب عليها الحزن ورقَّت لحالها، فأكبت على يدَيها تُقبلهما وتقول: «ارفقي بنفسكِ يا سيدتي، هذه إرادة المولى.» وتذكَّرتْ مصيبتَها بابنها فشاركتْها في البكاء.

وكانت زبيدة تتوقَّع أن تشمت عبادة بها، فلما رأت مجاملتها وسمعت بكاءها خجلت ونظرت إليها نظر الانكسار والذل، ولا يذل مثل الموت، وقالت: «صدقتِ يا أم الفضل (عبادة) لا يعرف قيمة الثكل إلا الذي ذاقه، أواه! يا ولداه! رحم الله جعفرًا والرشيد ورحم الله محمدًا … مات؟ مات حقيقة؟ قتلوه؟ علقوا رأس ابني؟ بالله ارفقوا ببدنه الغض، إنه لم يتعوَّد الشقاء، لا طاقة له بحر الشمس، كيف علقتموه؟ إنه لم يتعود غير الرفاه والنوم في الحرير، حرام عليكم، إنه شاب في مقتبل العمر، ألم يكن الأولى أن أُقتل أنا ويبقى هو حيًّا، أنزلوه وعلقوني مكانه. صدقتِ يا أم الفضل، إنني لم أُصغِ لتضرُّعك لأني لم أكن قد ذقت الثكل …» وأخذت في البكاء والنحيب، وطفقت تلطم وجهها وتخطر في القاعة ذهابًا وإيابًا على غير هُدًى حتى لم يبقَ أحد هناك إلا بكى، ثم اشتغل كلٌّ بنفسه.

أما بهزاد فلم يكن همُّه إلا ميمونة فحملها من بين الغوغاء وخفَّف عنها وهي تحسب نفسها في منام؛ تنظر إلى بهزاد ولا تُصدِّق أنها تراه وقد جاءها في إبَّان الحاجة إليه فأنقذها من القتل. وبينما هي تمشي بالدار متكئة على ذراعه انتبهت إلى جثة ابن الفضل ملقاةً على الأرض، فقالت لبهزاد: «إني آسفة لمقتل هذا الشاب، فقد كان يريد خيرًا، ولكنه كلَّفني ما لا طاقة لي به، إن قلبي لا يُحب غير بهزاد؟»

فقال بهزاد: «ولكنني رأيته ينتهركِ ويهددكِ فلم أُطِق صبرًا فقتلته. ما لنا وللناس، قد قضي الأمر، هلمي بنا، أين سلمان؟ هيا بنا.»

فجاء سلمان وأخذ بيد عبادة وأخذ بهزاد ميمونة، وخرجوا فركبوا دوابَّهم وانصرفوا وتركوا أهل قصر المنصور في مأتمهم.

وانتهى بمقتل الأمين ما كان من النزاع بين المتخاصمين، ودخلت بغداد في حوزة المأمون وأصبحت الخلافة له، ولكنه بقي في خراسان وأناب عنه في بغداد وغيرها الحسن بن سهل أخا الفضل، وكتب إلى طاهر بن الحسين بذلك.

أما بهزاد فلم يبقَ له عمل في بغداد، وأصبح راغبًا في الرجوع إلى أمه بمرو ليُبشرها بالفتح ويخبرها بحبه ميمونة لتُباركه وتُزوجه بها. وفي أصيل اليوم الذي خرج فيه من قصر المنصور ركب هو وميمونة وعبادة وسلمان يقصدون إلى خراسان، وميمونة لا تُصدق أنها مع حبيبها، ولا ترتوي من النظر إليه، وكثيرًا ما اشتاقت لمعرفة حقيقة حاله، وما هو نسبه، وماذا كان يحمل في ذلك الصندوق من أسرار، وهمت بأن تسأله أثناء الطريق فمنعها الحياء ووجود جدتها، على أنها عللت النفس بمعرفة ذلك عند وصولها إلى خراسان.

وكانت فاطمة والدة بهزاد وسائر أهل خراسان ينتظرون خاتمة الأحداث بفارغ الصبر، وقد قضَوا في ذلك منذ تُوفِّي الرشيد بطوس نحو خمس سنوات، والفضل بن سهل وزير المأمون في خراسان يشير عليه ويدير شئونه وسمَّاه المأمون ذا الرياستين.

فلما جاءهم البريد بمقتل الأمين وتسليم بغداد فرحوا واستبشروا، ثم أرسل طاهر رأس الأمين إلى المأمون ومعه البردة والقضيب والخاتم، فوصل الرأس إلى الفضل فأدخله للمأمون على ترسٍ فلما رآه سجد. وقد تمكن الفضل مما أراده من تمهيد الأمور لإرجاع سُلطة الفرس بظل الشيعة؛ إذ بايع المأمون بالخلافة بعده لعلي الرضا زعيم حزب الشيعة، وأمر الناس بترك السواد شعار العباسيين والاستعاضة عنه بلباس الخضرة؛ فكان لذلك وقع سيئ لدى العباسيين في بغداد وكاتبوا المأمون يعاتبونه ويهددونه. وكان الفضل يأخذ كتبهم ولا يُطلِع المأمون عليها لفرط دالته ونفوذ كلمته.

•••

وصل بهزاد إلى مرو وقد نال ما يرجوه من ثمار سعيه وخطيبته معه، أما سلمان فقد قام بما عليه ولكنه لم ينل جزاءه بعد. فلما وصل بهزاد إلى مرو واستأذن سلمان بالذهاب إلى بيته مع عروسه، قال له سلمان: «أما أنت فقد فرغتَ من مهمتك، وأنا لا أزال أتوقع الجزاء.»

فقال بهزاد: «ستكون رئيسًا لجماعة الخرمية، وقد أوصيتُ لك بذلك من قبل، ألا يقنعك هذا الجزاء؟»

قال: «كلا، وإنما أرجو شيئًا آخر هو أهم عندي من الرياسة، فكن ساعدي فيه كما كنتُ ساعدك في مثله.» قال: «وما ذاك؟»

قال: «ألم أكن نصيرك في الحصول على ميمونة؟ فأنا أطلب الزواج ببوران بنت الحسن بن سهل، وإذا شاء عمها الفضل، فالأمر سهل، وأظنني أهلًا لها بعد ما أتيته من المعجزات في نصرة هذه الدعوة.»

فأطرق بهزاد وأعمل فكرته في هذا الطلب، فلم يجده بعيد المنال، وتذكر ما دار بينه وبين الفضل في شأن بوران قبل عودته إلى بغداد، فرأى في تزويجها من سلمان فضًّا للمشكلة، فقال: «غدًا ننظر في ذلك، ولكنني أطلب منك أمرًا هو خاتمة أفضالكَ عليَّ.»

قال: «وما هو؟» قال: «إني أحتاج إلى رأس الأمين. هل تحتال في إخراجه إليَّ من مدفنه سرًّا كما أخرجنا رأس جعفر ورأس أبي مسلم؟»

فأدرك سلمان غرضه، فقال: «ذلك شيء يسير، فانتظرني إلى الغد فآتيك بالرأس إلى منزلك.» وافترقا.

وسار بهزاد توًّا إلى بيت أمه فاطمة ومعه عبادة وميمونة وهو يخاف أن يكون قد دهمها الموت أثناء غيابه، فقرع الباب وهو مُصيخٌ بسمعه فلم يجبه أحد، فخفق قلبه، فقرع ثانية فسمع وقْع أقدامٍ في الداخل، ثم فتح الباب وأطل الخادم الذي فتحه له في المرة الماضية وأنس في وجهه تغيُّرًا وانقباضًا، فابتدره قائلًا: «كيف الوالدة؟»

فرحب به وقال: «في خير، ولكنها تشكو ضعفًا من شدة شوقها إليك.»

فأوصى الخادم بأن يُدخل الضيفتين إلى غرفةٍ ترتاحان فيها، وأسرع ودخل على والدته فوجدها ملقاةً على سريرها وقد غارت عيناها وبرزت وجنتاها وبان فيها الهرم المتناهي، فوقف بإزائها وحيَّاها بصوتٍ ضعيف وهو يخشى أن تكون قد ماتت.

فلما سمعت صوته أفاقت وفتحت عينيها وأدارت رأسها ببطء لشده الضعف وتبسمت تبسُّمًا لا رونق فيه، فجثا بجانب سريرها وأكبَّ على يدها وقبَّلها، فأشارت إليه أن يدنوَ منها، فقبَّلت جبينه ونظرت إليه نظرة مستفهم، فقال: «قد جئتك يا سيدتي بما تريدين، فغلبْنا القوم الظالمين، وقتلنا خليفتهم الغلام الغر، وأصبح ابن أختنا المأمون خليفة المسلمين، وغدًا يكون الخليفة علي الرضا صاحب الشيعة، ثم تعود الدولة إلينا؛ فها أنا ذا انتقمت لجدي بخنجره كما أمرتِ.» ومدَّ يده فأخرج الخنجر وأراها أثر الدم على نصاله وقال: «وانتقمت لجعفر بن يحيى.»

فبان السرور في وجهها وتنهَّدت تنهُّد مرتاح، وقالت بصوتٍ متقطع: «بورك فيك يا بُني، لقد نزعت العار عن قومك، وجبرت قلب أمك.» ثم تنهدت وتململت وهي تتجلد وتُغالب الضعف، وقالت: «أين الرأس الثالث؟»

قال: «يكون هنا في صباح الغد وتُدفن الرءوس الثلاثة معًا.»

فرفعت يدها نحو السماء كأنها تدعو له، ثم لمست وجهه لتُباركه فأحسَّ ببردها وجفافها، كأن أصابعها من حديدٍ بارد. وأومأت إليه فانحنى عليها فقبَّلته ثانيةً وهمست في أذنه بصوتٍ لا يكاد يبين: «ادفنه معي غدًا.»

فنظر إلى وجهها الشاحب الضئيل، فرأى في عينَيها دمعتَين تحاولان الانحدار، ولا تجدان مخرجًا من المقلتين لشدة غورهما وهي مستلقية فتحقَّق قُرب أجلها، فابتدرها قائلًا: «لقد باركتِني يا أماه، فأتوسل إليكِ أن تُباركي فتاةً ستكون شريكة حياتي كما كانت شريكتي في المصائب.» والتفت فأشار إلى الخادم أن يُناديَ ميمونة وعبادة.

وكانت ميمونة قد سمعت بهزاد يسأل الخادم عن أمه ساعة وصولهم فعلمت أنها في المنزل وأصبحت مشوقةً إلى معرفة نسبه، فلما جاءت لمشاهدة أمه ذُعرت لِما رأته فيها من الضعف والشيخوخة، وبان ذلك عليها وأدرك بهزاد ذعرها، فابتدرها قائلًا: «طالما أحببتِ أن تعرفي نسبي، فاعلمي الآن أن هذه الراقدة أمي، وهي بنت أبي مسلم صاحب الدعوة، مؤسس الدولة العباسية الذي قُتل غدرًا، كما قُتل أبوك، وليس في خراسان من يعلم أني حفيد ذلك البطل إلا سلمان الخادم وأمي، والناس يَحسَبونني ربيبها لأني وُلدت بعد وفاة أبي، وادَّعت هي أني ربيبها وأوقفتْني على الانتقام لأبيها وسمتْني كيفر. وقد آن لي أن أُخبرك أيضًا عما في ذلك الصندوق، فاعلمي أن فيه رأس جدي ورأس أبيك.»

فلما سمعتْ ميمونة ذلك أجفلت وتغيَّر لونها، فشغلها عن دهشتها بإتمام حديثه فقال: «وقد حفظتهما في الصندوق حتى أتيت برأس الأمين وهو ثالثهما، وسيُؤتى به إلينا غدًا ويُدفن الثلاثة معًا؛ فأكون قد وفيتُ نذر والدتي وزدت على ذلك أني أتيتها بابنة جعفر حبيبنا.»

وكانت فاطمة في أثناء ذلك مستغرقةً في النوم لشدة ضعفها، فلما فرغ بهزاد من حديثه أمسك ميمونة بيدها وأدناها من سريرها وهو يقول: «هذه ميمونة بنت جعفر بن يحيى قتيل الرشيد، قد أسعدني الحظُّ بلُقياها، وأحببتُها وأحبَّتْني، وقاست العذاب معي، وقد فرحنا معًا، وهي ستكون زوجتي فباركيها.»

فرفعت يدها وأشارت إليها أن تدنوَ منها، فدنت فقبَّلتها ومسحت وجهها بكفِّها وتمتمت وأشارت إلى ثوبها الأسود وشفعت ذلك بإشارة النهي، ففهمت أنها تأمرها بنزع الحداد فأشارت مطيعة، ثم استقدم عبادة وكانت بجانبه، وقال لها: «وهذه أم الفضل والدة جعفر.»

فحدَّقت فيها مع شخوص بصرها وجموده وتكلفت الابتسام، كأنها تقول: «عرفتها.» فقالت عبادة: «نعم، إني أعرفكِ منذ صباي.» وانحنت عليها وقبَّلتها فلمستها فاطمة بشفتَيها وقد أخذ منها الضعف مأخذًا عظيمًا وأحست بضيق صدرها وسرعة تنفُّسها، فعلم القوم أنها في حالة النزع، ولكنها ما زالت مبتسمة ابتسام الفوز حتى فاضت روحها وهم ينظرون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠