زينب ودنانير

كانت زينب سريعة النمو جسمًا وعقلًا، يحسبها الناظر إليها تُناهز السادسة عشرة وهي لم تدرك الثانية عشرة. وكانت صبيحةَ الوجه سوداءَ العينين برَّاقتَهما، صغيرةَ الأنف غائرةَ الشفتين بارزةَ الذقن، يدل مَبسِمُها على الثبات ورباطة الجأش وقوة العزيمة، وعيناها تدلان على الذكاء وسرعة الخاطر. وكانت دنانير قد ربَّتها على سذاجة المعيشة، ونزَّهتها عما كانت الرغبة منصرفةً إليه يومئذٍ من التبرُّج والبذخ؛ فكانت تقضي النهار وليس عليها من الثياب إلا رداء ساذج وقد ضفرت شعرها ضفيرة واحدة ترسلها على ظهرها.

أما دنانير فنشأت في منزل يحيى بن خالد البرمكي، وكانت صفراء صادقة الملاحة، أصلها لرجل من أهل البصرة خرَّجها وأدَّبها وروَّاها الشعر، ثم اتصلت بيحيى البرمكي وهي فتاة فرُبِّيت في منزله. وهي غير دنانير المُغنِّية التي اشتُهرت بالغناء وحفظ الشعر. أما هذه فكانت ميَّالةً إلى المسائل العقلية. وكان مجلس يحيى لا يخلو من بحثٍ أو مناظرة في علمٍ أو أدب، وكذلك كان سائر البرامكة؛ فإنهم أول من نشط العلم في العصر العباسي. ولما همَّ يحيى بترجمة المِجَسْطي إلى العربية استقدم المترجمين إليه، وكانت دنانير تسترق الاجتماع بهم، وكثيرًا ما كانوا يرونها مُصغِية لتستمع ما يتذاكرون فيه من المسائل الفلكية وأحكام النجوم في أثناء الترجمة، ورفيقاتها الجواري يضحكن منها ويُعيِّرنها برغبتها في علومٍ هي من قبيل الرموز الغامضة التي لا يُقدِم على حلها إلا قهارمة العلم من أهل الذمة. وكانت المسائل الفلسفية حديثة العهد يومئذٍ في العربية؛ إذ لم يكن قد تُرجم منها غير علم النجوم وبعض كتب الطب في زمن المنصور والمهدي والرشيد. على أنها كانت تُلمُّ بتلك المسائل قبل نقلها إلى العربية مما يدور بين جلساء يحيى، واشتُهرت بين جواري البرامكة بحب العلم والتعقُّل؛ ولذلك لما صار المأمون في حِجر جعفر وعَهِد في تربيته إليها، كانت وهي تلاعبه في الحديقة تحمل معها قرطاسًا أو ورقًا عليه رسوم فلكية أو مسائل طبية تراجعها، وأول ما فتح عينيه وصار في سن الاستغراب والاستفهام لم يكن يسألها عن شيء إلا فسَّرتْه له بتعقُّل. ثم أخذت في تلقينه المسائل على قدر ما يتحمَّله سِنه. لم تكن تفعل ذلك رغبةً في تعليمه، بل تلذذًا بالعلم؛ فإن محب العلم يلتذُّ بإلقاء الحقائق كما يلتذُّ بتلقِّيها.

ولما ترعرع المأمون وآن تسليمه إلى المعلمين، كان قد تولَّد فيه الميل إلى البحث عن الأسباب والتماس البرهان على كل شيء؛ فجرَّه ذلك إلى الاعتزال والتشيُّع والرغبة في العلم والفلسفة حتى كان ما كان من نقله كتب الأقدمين على ما هو مشهور.

ونشأ المأمون على احترام دنانير احترام الولد لأمه، وكثيرًا ما كان يُجالسها في ساعات الفراغ ويُباحثها في بعض المسائل ويُسَرُّ من تعقُّلها؛ فلما رُزق بابنته زينب سلمها إليها وهو على ثقةٍ من أنها تُربِّيها كما يحب. وكانت زينب كثيرة الشبه بأبيها من حيث الرغبة في البحث واستطلاع الأسباب؛ فلم تكن دنانير تدَّخر وسعًا في ترقية مداركها، فشبَّت وهي تدعوها أمها، نظرًا إلى أن أمها كانت مُتوفَّاة. وربما أحبتها أكثر من حبها لأبيها لاشتغال المأمون عنها بأموره. على أن الآباء قلما كانوا يعاشرون أبناءهم وإنما يعهدون في تربيتهم إلى الجواري، فرُبِّيتْ زينب تربية فلسفية ونشأت لا تبالي إلا بحقائق الأمور، وطرحت ما كان يتسابق إليه أترابها من اللعب والقصف. وبلاط الخلفاء مسرح واسع لأسباب اللهو يومئذٍ حتى في القصر المأموني نفسه؛ فقد كان فيه كثير من وسائل اللعب يتمتع بها الجواري والخدم، وزينب لا تميل إلى ذلك ولا تخالط من الخدم غير مُربِّيتها؛ فكانت ألزم لها من ظلها تصاحبها حيثما توجهت؛ فتخرج معها إلى الحديقة لقطف الأزهار، وتعرج إلى بيوت السباع لتشاهدها في أقفاصها والسباعون يُقدِّمون لها الطعام من قِطع اللحم الكبيرة. فإذا أعوزها اللهو تشاغلت بالشطرنج، وكانت هذه اللعبة حديثة العهد في بلاط الخلفاء؛ لأن الرشيد أول من لعبها منهم، وكانت دنانير تجيد اللعب بها وربما شغلت بها زينب أحيانًا، أو خرجت بها إلى الباب الغربي عند المسناة لتجلسا في روشن أو شرفة تتفرجان من بين الستور على السفن المارة في دجلة. وكثيرًا ما يكون الجلوس هناك مُطربًا لكثرة من يمرُّ من أهل القصف والطرب ومعهم المُغنُّون والعوادون.

فاتفق في اليوم الذي بدأنا فيه روايتنا أن كانت زينب جالسةً مع مُربِّيتها في شرفة فوق المسناة تطل على دجلة، وعليها رداء وردي اللون، وفي عنقها عِقد من اللؤلؤ أهداه إليها جدها الرشيد قبل سفره. ودار بينهما الحديث في مسألةٍ تتعلق بالطوالع والأبراج، وأشكل فهمها حتى على دنانير فقالت: «إن هذه المسألة من المسائل العويصة، فمتى جاء طبيبنا سألناه عنها.»

فقالت زينب: «وهل يفهم الأطباء النجوم؟»

قالت: «يغلب في الطبيب أن يعرف كل علم، ولا سيما أطباء الفرس، وطبيبنا على الأخص؛ فإنه من نوابغ الفلاسفة وقهارمة الأطباء، و… و…»

فضحكت زينب ملء فيها ضحكةَ فتاةٍ لا تعرف من الدنيا غير أسباب المسرات، وقالت والاستغراب بادٍ في عينيها: «إذن هو أعلم منك؟» قالت ذلك لاعتقادها أن مُربِّيتها أعلم أهل الأرض. وذلك شأن الناس فيمن يشبُّون في حِجره أو يتلقَّون العلم عنه؛ فالأولاد يعتقدون الكمال في آبائهم أو مُربِّيتهم، ويتوهمون أن معلميهم من كبار الفلاسفة ولو كانوا أجهل مِن قاضي جبل. فيروُون عنهم ويستشهدون بأقوالهم ويُعظمون من أمرهم، فإذا كان المعلم صغير العقل صدَّق تلميذه وظن في نفسه التفوق على العلماء والحكماء، وقد يكون علمه محصورًا في مبادئ الصرف والنحو فيتوهَّم أنه لا يُشقُّ له غبار فيزداد غرورًا.

وكانت دنانير تعلم حقيقة منزلتها، فلما سمعت زينب تُطري علمها ابتسمت وقالت: «إني يا سيدتي لا أعرف شيئًا، وإنما التقطت بعض المسائل من أفواه العلماء. وأما هذا الطبيب فقد تفقَّه في الطب والفلسفة في مدرسة «جندي سابور» المشهورة التي تخرَّج فيها ابن بختيشوع طبيب أمير المؤمنين. ولكنه أعلم منه بأمورٍ كثيرة، ولا سيما بالكيمياء والنجامة، ولولا ذلك لم يهتم الفضل بن سهل بأمره حتى وصى مولاي المأمون به.»

فقطعت زينب كلامها وقالت: «الفضل بن سهل أوصى به؟ ومتى كان ذلك؟ أليس الفضل مع أبي الآن في خراسان.»

قالت: «بلى، هما معًا هناك، ولكن هذا الطبيب جاءنا منذ بضع سنين بتوصيةٍ من الفضل بن سهل ذكر فيها أنه نابغة خراسان في الطب والعلم، حتى إنك لَترَين ذلك ظاهرًا في وجهه.»

فقالت: «فلماذا لا يقيم عندنا دائمًا؟ هل منعه أبي من ذلك؟»

قالت: «كلا، ولكنه اعتذر لمولاي المأمون يوم مجيئه من أنه لا يستطيع الإقامة عندنا لأسبابٍ ذكرها له.»

فقالت: «وأين يقيم إذن؟»

قالت: «بلغني أنه يقيم بالمدائن كأنه استأنس بجوار إيوان كسرى أعظم ملوك الفرس وأعدلهم. وطبيبنا فارسي …»

قالت: «عَرَفتُ أنه فارسي من كلامه؛ فإنه لا يحسن النطق بالعربية حتى الآن، ولو أقام هنا لاعتاد النطق بمخالطة البغداديين.»

قالت: «والمدائن قريبة منا؛ فهي على بضع ساعاتٍ من هنا جنوبًا.»

قالت: «وقد كان ينبغي له أن يسكن هنا بعد ذهاب أبي وانتقالنا إلى هذا القصر البعيد عن المدينة لنتقوَّى به؛ لأنه من الجبابرة كما يظهر من كبر هامته. ومع كثرة ترداده علينا لا أزال إلى اليوم أتهيَّبه لمَّا يقبض على يدي ليجس نبضي.»

قالت: «صدقتِ، إنه طويل القامة ولباسه المستطيل يزيده طولًا، على أنه لطيف اللسان حسن الأسلوب قريب من القلب. ولكنه يغيب عنا أحيانًا بضعة أيام متوالية، ربما احتجنا إليه في أثنائها فلا نجده، والأطباء كثيرون ولكنني شديدة الثقة بعلمه.»

فقطعت زينب كلامها ووضعت يدها على كتفيها تدل بمحبتها وقالت: «قولي له أن يسكن في أحد القصور هنا.»

قالت: «سأطلب منه ذلك وعسى أن يجيب طلبي. إني أرى سفينة صاعدة من الجنوب لعله قادم فيها.»

وكانت زينب في أثناء الحديث تنظر إلى مجرى دجلة وعيناها تتأملان ما على الشاطئ الآخر من النخيل القائم كالأصنام الهائلة، يتراءى من خلالها في عرض الأفق برٌّ فسيح تغشاه الأشجار والأعشاب، تتخللها أبنية متفرقة كأنها أحجار كريمة نُثرت على ديباجة خضراء، وكانت الشمس قد مالت إلى الأصيل فوقعت ظلال النخيل على الماء واستطالت وتراءت في قاع النهر معكوسةً كأنها نبتت جذورها عند الشاطئ وسعفها غائصة في الماء، وجذوعها بين ذلك تتموَّج بتموُّج سطح الماء وتظهر متعرجةً كأنها مؤلَّفة من قطع مرصوصة بعضها فوق بعض على غير انتظام، فيتوهم من يرى تموُّجها أن الحياة قد دبَّت فيها فتلوَّت كالأفاعي تحاول الإفلات ممن قبض على أذنابها، أو أنها على وشك أن تتملص جذورها من الشاطئ لتنساب في الماء.

كانت زينب لاهيةً بهذا المنظر أثناء الحديث، فلما لفتتْ دنانير انتباهَها إلى السفينة التفتت وقالت: «وهل يأتينا الطبيب في الماء أم في البر؟ إني أعهده يجيئنا على فرس.»

قالت: «من هنا إلى المدائن طريقان أحدهما في البر والآخر على الماء.»

وكانتا تتكلمان وهما تنظران إلى السفينة من خلال الستر فلم تعرفا مَن فيها. ثم توارت أثناء مجراها ببعض تعرُّجات النهر فاشتغلتا عنها قليلًا. ثم ملَّت زينب الجلوس وهمَّت بالنهوض فإذا بها تسمع صوت ارتطام الماء على مقربة من القصر يتخلله نقر الهواء على الشراع فالتفتت فرأت قاربًا صاعدًا بجانب المسناة وفيه نوتيان قد أخذا في حل الشراع، وفي صدر القارب امرأتان التفَّت إحداهما برداء قديم قد غيَّر الزمان لونه، وسترت رأسها بخمار، وظهر مُحيَّاها وعليه ملامح الشيخوخة. والثانية عليها ثوب أسود فوقه خمار في لونه قد تلثمت به حتى لا يظهر من وجهها إلا العينان. وبعد هُنيهة شد النوتيان القارب بحلقة من حلقات المسناة وألقيا خشبة بينها وبين القارب، ونهضت المرأتان ومشتا وهما تتساندان حتى عبرتا إلى المسناة ووقفتا في أسفل السلم، والعجوز تنظر إلى القصر وتُجيل بصرها فيه كأنها تبحث عمن تريد أن تكلمه، فقال لها أحد النوتيين: «هذا هو القصر المأموني يا خالة.»

فنهضت دنانير لساعتها وتقدمت حتى وقفت بالباب وأطلت على القارب وتفرَّست في المرأتين وظلت زينب جالسة تنتظر ما يبدو منها، فما لبثت أن رأتها انحدرت على السلم مسرعةً حتى دنت من العجوز واستقبلتها بين ذراعيها وأكبَّت على يدها وقبَّلتها بلهفة، ثم أعانتها على الصعود والفتاة في أثرهما. وكانت زينب تتوقَّع كلمة تسمعها من دنانير فتعرف القادمتين فلم تسمع شيئًا، فظلت صامتة حتى أقبلت والعجوز تمشي معها تتوكأ على عكازها، ولما دنت منها تطاولت دنانير بعنقها وقالت بصوت ضعيف: «هلمي بنا يا مولاتي.»

فنهضت زينب ودخلن جميعًا في دهليز بين الباب الغربي والقصر حتى وصلن إلى قاعةٍ أمرت الجواري بالخروج منها، وأشارت إلى العجوز ورفيقتها بالدخول فدخلتا، وأجلستهما على طنفسة هناك، بينما جلست زينب على وسادةٍ وأخذت تنظر إليهما وتتفرَّس فيهما وقد أزاحتا الخمار فظهر شعر العجوز وقد اشتعل شيبًا، أما الفتاة فبان مُحيَّاها فإذا هي في إبان الشباب كأنها ملاك في صورة إنسان، وكانت رشيقة القوام جميلة الطلعة قمحية اللون متناسبة الملامح تدل خلقتها على كرم المَحْتِد والوجاهة، ويشفُّ لباسها عن سذاجةٍ وفقرٍ زادا جمالها وضوحًا، رغم ما يتجلى في وجهها من الكآبة والحزن ورغم ثوبها الأسود وما يتلألأ في عينيها من الدمع. وكانت في دخولها تمشي مُطرِقة كأنها تحاول كتمان ما في نفسها، فلما جلست رفعت عينيها وفيهما دعج وسحر فوقع بصرها على زينب، وكانت هذه تتفرَّس فيها مُتلهِّفة، فلما التقى بصراهما أحسَّت زينب بجاذبٍ إليها لم تعهد مثله في أحد تعرفه مع أنها فتاة مثلها، وشعرت بميلٍ إليها وانعطاف، وظنت أنها قد تكون رأتها من قبل.

أما العجوز فكانت مع ما يبدو عليها من مظاهر الذل والحزن، ينمُّ مُحيَّاها عن الأَنَفة والعز. فلما استقر بهما الجلوس التفتت دنانير إلى زينب وقالت وهي تشير إلى العجوز: «ألم تعرفيها يا مولاتي؟»

فأجابت الفتاة بعينيها وشفتيها أنْ لا.

فقالت دنانير وهي تهزُّ رأسها متحسرة: «إنها مولاتي أم جعفر.»

فتبادر إلى ذهن الفتاة لأول وهلة أنها تعني زبيدة زوج الرشيد؛ فدُهشت لما تعهده في زبيدة من شبابٍ باقٍ وهي ترى بين يديها عجوزًا طاعنة في السن فضلًا عن فارق الملامح؛ فأدركت دنانير سبب دهشتها فقالت: «إنما أعني مولاتي أم جعفر الوزير، وهي عبادة بنت محمد بن الحسين بن قحطبة.»

وكانت زينب قد علمت أن جدها الرشيد اغتال وزيره جعفرًا هذا وأباح منازله، ولم تسمع بأمه فكانت تحسبها ماتت. وغلبت العصبية الهاشمية على زينب فانقبضت نفسها وتراجعت، فابتدرتها دنانير قائلة: «إن لأم جعفر دالة على سيدي المأمون؛ لأنه رُبي في حِجرها، وكانت تخدمه وتحبه، وهو يحترمها، وكثيرًا ما كان يذكرها بعد نكبة ابنها ويودُّ أن يراها ليُكرمها. ولو علم بوجودها على قيد الحياة لاستقدمها إليه وأكرم وِفادتها وعزَّاها على ثكلها.»

وكانت أم جعفر في أثناء ذلك تمسح دموعها وتتجلد حتى تُخفيَ بكاءها. أما زينب فلما سمعت قول مُربِّيتها وشاهدت بكاء تلك العجوز رقَّ قلبها وكادت تشاركها في البكاء لولا رباطة جأشها وما سبق إلى فؤادها من كُره البرامكة. وكانت دنانير تعلم ما في نفس زينب، فأحبت أن تبالغ في استعطافها فقالت: «حتى أمير المؤمنين الرشيد، مع ما تعلمينه من أمره مع ابنها، يحترمها ويُعلي قدرها لأنها أرضعتْه وربَّته بعد أن ماتت أمه وهو في المهد. وكان يشاورها ويكرمها ويتبرَّك برأيها، وطالما سمعتُه يناديها يا أم الرشيد!»

فلما سمعت الفتاة ذلك قالت: «هي إذن جدتي؟»

فقطعت عبادة كلامها قائلة: «بل أنا أَمَتك يا سيدتي، وإنما أكرمني أمير المؤمنين بذلك تفضُّلًا منه. ولم يُصبنا ما أصابنا بعدئذٍ إلا بتقدير العزيز الحكيم.» قالت ذلك وشرقت بدموعها.

فرقَّ قلب زينب لحالها وقالت: «مسكينة يا أم جعفر! لماذا لم يرعَ جدي زمامك ويعفُ عن ابنك؟»

فقالت: «إن مولانا الرشيد فعل ما فعله بوشاية الأعداء؛ لأن بعض الحُسَّاد وشى بولدي وحسَّن له قتْله، والرشيد حفظه الله إذا عزم على أمرٍ بادر إلى إنفاذه لا يسمع فيه رجاءً ولا استرحامًا. ولكن كل ما يفعله أمير المؤمنين مقبول مطاع.» ثم التفتت إلى دنانير وقالت: «وقد تمكَّن الأعداء من إغراء الرشيد بزوجي يحيى وبابني الفضل فأخذهما وحبسهما، فشفعت إليه بحُرمة اللبن أن يعفوَ عنهما ويأمر بإطلاقهما أو تسريح أحدهما فلم يفعل.»

فقالت دنانير: «وماذا فعلتِ؟»

•••

مدت أم جعفر يدها إلى جيبها وأخرجت حُقًّا من زمردة واحدة خضراء ونظرت إلى دنانير وقالت وهي تفتح الحُق بمفتاح من الذهب: «قد تشفعت إليه بما في هذا الحُق من آثاره.» وأخرجتْ من الحُق خصلة شعر وبضع أسنان، ففاحت رائحة المسك حتى تضوعت القاعة، وقالت: «تشفعت إليه بهذا الشعر لأنه شعره، وبهذه الأسنان فإنها ثناياه. وقد حفظتهما منذ طفولته، ولكنه لم يقبل شفاعتي.»

فقالت دنانير: «وكيف ذلك يا مولاتي؟»

فبدا الاهتمام في وجه أم جعفر وعادت إليها أَنَفتها واعتدلت في مقعدها وقالت: «لما علمت بما أصاب ولدي جعفرًا — وا حسرتاه عليه! — وأن الرشيد قبض على يحيى، قلت في نفسي لأذهبنَّ إلى الرشيد أستعطفه ليعفوَ عن زوجي، لعلمي بما كان من إكرامه إياي وأنه كان لا يردُّ لي شفاعة في أحد؛ فكم أسيرٍ فككت وكم مستغلقٍ فتحت وكم …» قالت ذلك وغصَّت بِريقها، ولكنها تجلدت وأتمت الحديث فقالت: «ذهبت إلى الرشيد وكنت أدخل عليه بلا إذنٍ فاستأذنت فلم يأذن لي، وفشلت محاولاتي العديدة للمثول بين يديه، فلما يئست ذهبت إلى بابه ماشيةً حافيةً كاشفةً عن وجهي، فلما رآني الحاجب على تلك الحال دخل عليه وقال له: «إن مرضع أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة.» ووصف له حالتي، فسمعته يقول له: «ويحك أجاءت ماشية؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين، وحافية.» فصاح فيه: «أدخِلها؛ فرُبَّ كبد غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها.»

فلما سمعتُ قوله استبشرتُ بنيل مرادي، فعاد الحاجب وأشار إليَّ فدخلت، فقام الرشيد وتلقاني محتفيًا بي، وأكبَّ على تقبيل رأسي ثم أجلسني معه فقلت: «أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفًا منك الأعوان، ويُحرِّضك علينا أبناء البهتان، وقد ربَّيتك في حِجري، وأخذت برضاعتك الأمان من عدوي ودهري؟»

فقال لي: «وما ذلك يا أم الرشيد؟»

قلت: «جئتك في أمر يحيى ولا أصفه بأكثر مما علم أمير المؤمنين من نصيحته وإشفاقه وتعرُّضه للتلف في شأن موسى الهادي.»

فقطب الرشيد حاجبيه وقال: «يا أم الرشيد، ذلك أمر سبق، وقضاء حُمَّ، وغضب من الله نفذ.»

فقلت: «يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ».

قال: «صدقتِ، ولكن هذا مما لم يمحُه الله.»

فقلت: «الغيب محجوب عن النبيين فكيف، عنك يا أمير المؤمنين؟»

فأطرق مليًّا ثم قال:

وإذا المَنيَّةُ أنشبتْ أظفارَها
ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ

فقلت على الفور: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قيل:

وإذا افتَقرتَ إلى ذَخائرَ لم تَجِد
ذُخرًا يكونُ كصالحِ الأعمالِ

هذا بعد قول الله عز وجل: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

فتشاغل هُنيهة بقضيبٍ كان بيده ثم قال: يا أم الرشيد،

إذا صُرفتْ نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ
إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تُقبِلُ

فلما رأيته مُصرًا على عزمه قلت:

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني
يمينك، فانظر أي كف تبدل؟

فقال لي: «رضيت.»

فقلت: «هبه لي يا أمير المؤمنين؛ فقد قيل من ترك شيئًا لله لم يفقده.»

فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه وهو يقول: «لِلهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ».

قلت: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ … واذكر يا مولاي أليتك ما استشفعت إلا شفعتني.»

فقال: «اذكري يا أم الرشيد أليتك ألا شفعت لمقترف ذنبًا.»

فلما رأيته صرَّح بمنعي، ولاذ عن مطلبي، أخرجت هذا الحُق من جيبي وفتحت قفله وأخرجت هذه الذوائب وهذه الثنايا وقلت: «يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك وأستعين بالله عليك وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك.»

فأخذ الحُق مني ولثمه، واستعبر وبكى بكاءً شديدًا، وبكى أهل المجلس؛ فما شككت أنه مُجيبي، ولكنه لما أفاق ألقى الحُق وما فيه إليَّ وقال: «لحسن ما حفظت الوديعة.»

فقلت: «وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين.»

فسكت وأقفل الحُق ودفعه إليَّ وقال: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.

قلت: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . ويقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ.

فنظر إليَّ فعلمت من عينيه أنه يستفهمني عن مرادي، وكنت قد تعوَّدت فهم مراده من النظر في عينيه، فقلت: «أما أقسمت لي ألا تحجبني ولا تمتهنني؟»

فلما تذكر عهده قال: «أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكمة فيه.»

فقلت: «أنصف يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة ولا راجعة عنك.»

قال: «بكم تشترينه؟»

قلت: «برضاك عمَّن لم يُسخطك.»

فظهر الملل في وجهه وقال: «يا أم الرشيد، أما لي من الحق مثل الذي لهم؟»

قلت: «بلى يا أمير المؤمنين، أنت أعز عليَّ وهم أحب إليَّ.»

قال وهو يتزحزح من مقعده: «فتحكمي في غير هذا.»

فلما تحققت أنه غير مُجيبي نهضت وأنا أقول له: «قد وهبته وجعلتك في حلٍّ منه.» وخرجت ونسيت مصيبتي وجفَّفت دمعتي، وأنت ترين دمعي الآن وكيف أني أكاد أختنق به، أمَّا في ذلك اليوم فلم تسقط لي دمعة.»

ولما فرغت أم جعفر من حديثها أقفلت الحُقَّ على ما فيه وجعلتْه في جيبها وقالت: «لم يبقَ لي مأرب الآن في الرجاء؛ فإن الذي كنت ألتمس رضى الرشيد عنه ارتاح من شقاء هذه الحياة فمات في حبسه، ومات بعده ابني الفضل بالأمس في سجنه بالرقة.» وصمتت هُنيهة وهي تمسح عينيها، وأطرقت ثم قالت: «ولكن موته لا بد أن يعقبه أمر عظيم؛ لأني كثيرًا ما كنت أسمعه يقول: «إن أمري قريب من أمر الرشيد.» ولكنني أطلب من الله أن يطيل عمر أمير المؤمنين.»

فخفق قلب زينب خوفًا على جدها، ولكنها استحسنت استدراك أم جعفر بالدعاء له بطول البقاء، وعادت إلى التفكير في غرابة حديثها.

•••

كانت عبادة أم جعفر تقصُّ حكايتها بلهفةٍ وفصاحة، وأم حبيبة مقبلة عليها بكل جوارحها وعيناها شاخصتان تراعي حركات شفتيها، وغلب عليها التأثُّر غير مرة وأحست كأنها تجهش بالبكاء. ولما أتت أم جعفر على آخر الحديث انقلب إشفاقها إلى إعجاب وإكبار، لما عاينتْه من أَنَفتها وعِزة نفسها. وأحست بانعطاف إليها وشاركتها تألُّمها بما أصابها من الثكل والفشل، وإن كان مثلها لا يُدرِك كُنْهَ المصائب، ولكنها كانت كبيرة العقل والقلب تفهم وتُحس أكثر مما تقتضيه سنها.

وكانت قد نسيت لهفتها لمعرفة رفيقة أم جعفر لاشتغالها بسماع الحديث، فلما انتهى أجالت نظرها في الفتاة وجعلت تتفرَّس فيها والحشمة تمنعها من الاستفهام، فأدركت دنانير ذلك وهي أشد لهفةً منها لاستطلاع أمرها، وكانت أثناء الحديث تسترق اللحظ إلى الفتاة لعلها تستطلع شيئًا من أمرها فلم تستطع، فصبرت نفسها إلى آخر الحديث. وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب فأمرت الخدم أن يُضيئوا الشموع القائمة على المنابر في جوانب القاعة، وهي شموع ضخمة كانوا يتأنقون في اصطناعها ويمزجونها بالعود، فإذا أُضيئت فاحت رائحة العود وتضوَّع المكان بها. وعادت دنانير إلى التفكير في الغرض الذي جاءت أم جعفر لأجله ذلك اليوم بعد طول احتجابها، فأرادت أن تسوقها إلى التصريح بذلك عفوًا فقالت لها: «إن حكايتك يا مولاتي غريبة، وأغرب منها احتجابك عنا كل هذه السنين والناس لا يعرفون مقرك؛ فأين كنتِ تُقيمين؟»

فتنهدت وقالت: «كنت محتجبة لأن مثلي خليقة أن تَدفن نفسها حية، ويا ليتني مت منذ عشر سنوات ولم أكابد ما كابدتُه من مرارة القهر والذل، أنتِ تعلمين يا دنانير حالي في بيت جعفر.» وغصَّت بِريقها وأطرقت، فتناولتْ دنانير الحديث نيابةً عنها وقالت لزينب: «نعم يا سيدتي، إني أعلم الناس بما كانت عليه في أيام عزها، وأذكر في عيد النحر من بعض السنين أن مولاتي عبادة هذه كانت في بيت ابنها الوزير وعلى رأسها ٤٠٠ جارية!»

فقطعت عبادة كلامها قائلة: «وكنت مع ذلك أَعُد ولدي عاقًّا، وقد مرت عليَّ في محنتي هذه أيامٌ لا أجد جلدَي شاتَين أفترش واحدًا وألتحف الآخر، على أني لم أكترث لهذا كله اكتراثي للأمر الذي جئتكم لأجله الليلة، وأظنني ثقلت على مولاتي أم حبيبة.»

وكانت زينب قد أحبت عبادة واحترمتها، ونسيت ما يكسوها من الأثواب البالية — على عادة الناس في الحكم على جلسائهم لأول وهلة، فإنهم يُقدِّرونهم أولًا بما يَظهر من لباسهم وحِلاهم، فإذا اختبروهم قدَّروهم بمواهبهم وقواهم — فخاطبتها باحترامٍ وقالت لها: «معاذ الله يا سيدتي، فإنكِ تنزلين عندنا على الرُّحب والسعة ولك كل ما تحتاجين إليه.» ثم التفتت إلى دنانير وقالت: «أعطيها كل ما تحتاج إليه!»

فوقفت عبادة وقبَّلت رأس زينب وقالت: «شكرًا لكِ على إحسانكِ يا سيدتي، ولكن الأمر الذي جئت به إليكِ أهم عندي مما تفضلتِ به وإن كنتُ لا أستحق هذا ولا ذاك.» فبادرت إليها دنانير قائلة: «قولي فإن لك كل ما تريدين، هذا ما أمرتْ به مولاتنا حفظها الله.»

قالت: «سألتني يا دنانير عن احتجابي كل هذه السنين عن بغداد … كيف أقيم في مدينةٍ أرى فيها جثة ولدي مُعلَّقة على جسورها وقد شطروا الجثة شطرين، صلبوا شطرًا على أحد الجسور والشطر الآخر على الجسر الثاني وعلقوا الرأس على الجسر الثالث ليراها المارة صباح مساء، ألم تبقَ جثة جعفر مُعلقةً على هذه الجسور سنتين وبعض السنة حتى عاد الرشيد من الري سنة ١٨٩ﻫ فأمر بإحراقها؟ وكأنه شعر بفظاعة الأمر فهجر بغداد من يومه وسكن الرقة وما زال فيها حتى خرج هذا العام إلى خراسان، وهَبِي أني رضيت المقام، فعيون الرقباء ساهرة وأمر الخليفة مُشدَّد بالنقمة على كل مَن يذكر البرامكة بخير، فكيف لو عرفوا بوجودي، ألا يُسرعون إلى تقطيعي إربًا إربًا. وما أنا بخائفة من الموت فإنه أيسر ما أقاسيه، ولكنني رغبت في الحياة من أجل هذه الفتاة.» وأشارت إلى رفيقتها وتحوَّلت الأنظار إليها.

فخجلت الفتاة وتورَّدت وجنتاها وتلألأت عيناها الدعجاوان وظهر فيهما الدمع وأطرقت، فاغتنمت دنانير هذه الفرصة وقالت: «كنتُ منذ دخولك علينا أفكر في هذه الفتاة الجميلة وأتفرَّس فيها فلم أعرفها.»

قالت: «إنها بنت الشقاء ونِتاج المصائب، وليس في بغداد مَن يعرف حقيقتها غيري، وقد كتمت أمرها عن كل إنسان خوفًا على حياتها، وإنما أردت البقاء على قيد الحياة لأجلها. وهذه أول مرة أبوح باسمها فهل أقول ذلك وعليَّ الأمان؟»

فقالت دنانير: «لم يبقَ داعٍ للحذر بعد ما شاهدتِه من انعطاف سيدتي الحبيبة إليك، ومن ذا يسمع حديثك ولا يشعر بشعورك؟ قولي لا تخافي واطلبي ما تحتاجين إليه فإنك نائلة ما تريدين.»

فتنهَّدت وهي تُصلح نقابها على رأسها وقالت: «إن هذه الفتاة ربيبة التعاسة، إنها بنت الوزير المقتول … ابني جعفر.»

فبُغتت دنانير وأعادت نظرها إلى الفتاة لعلها تتذكرها، ثم قالت: «لا أذكر أني أعرفها.»

فقالت: «نعم، إنك لا تعرفينها؛ لأنها وُلدت بعد خروجك من بيتنا إلى بيت مولانا المأمون. وكان هذا من حُسن حظك؛ لأن البيت الذي كان مقصد السائلين ومقر الوافدين وملاذ الخائفين أصبح بلاءً على أهله؛ فغدا ذكرهم تعسًا على الأقرباء والمريدين.» وغلب عليها البكاء فسكتت ريثما تسترجع رشدها، ثم قالت: «إن حفيدتي هذه وُلدت بعد خروجك، ولما نُكب أبوها كانت لا تزال صغيرة، واتفق أنها كانت قد خرجت ذلك اليوم مع إحدى الجواري إلى بعض ضِياعنا في ضواحي بغداد، فلما صادر الرشيد ضِياعنا فرَّت بها جاريتها إلى قريةٍ بعيدة عن أعيُن الرقباء، وظلت هناك حتى علمتُ بأمرها فاحتضنتُها وخرجتُ بها هائمة على وجهي بعيدًا عن بغداد، وأقمنا بالمدائن عند جماعةٍ لا يعرفوننا وإنما آوَوْنا إكرامًا لوجه الله؛ فقضيت هناك عدة أعوام في مأمن من وشاية الواشين. وسخَّر لنا الله رجلًا لا نعرفه، فكان أحنَّ علينا من الوالد وأشفقَ من الأخ، وكان يقيم ببيتٍ مجاور لمنزلنا في المدائن. وهو غريب لا نعرف أصله ولا فصله، ولكن العناية ساقته إلينا من حيث لا ندري، فكان يتردد علينا ينظر حوائجنا ويأتينا بما نحتاج إليه عفوًا لا يلتمس على ذلك أجرًا ولا شكورًا. وقضى هذه الأعوام في إعالتنا ونحن لا نعرف من هو؛ فخيل إلينا أنه رسول من السماء بعثه الله رحمةً منه بنا.»

وكانت دنانير في أثناء الحديث ترمي ببصرها إلى الفتاة إعجابًا بجمالها، فلما بلغت جدتها إلى ذكر ذلك الرجل تشاغلت الفتاة بإصلاح خمارها لتُخفي ما كاد يبدو في مُحيَّاها من الاحمرار. ولو انتبهت دنانير إلى تورُّد وجنتيها لأدركت ما تُكنُّه جوارحها وتحاول إخفاءه، ولكنها كانت في شاغلٍ عنها بغرابة الحديث.

فلما بلغت في حديثها إلى ذكر ذلك الغريب غلب الإعجاب به على دنانير فقالت: «إن الدنيا لا تخلو من المحسنين، وقد سمعنا عن مثل هذه الشمائل في البرامكة ولم نعهد مثلها في سواهم. ألم تعرفي من هو ذلك المحسن؟»

قالت: «لم نعرف من هو، ولكن يظهر أنه فارسي الأصل، وقد جاء المدائن منذ بضعة أعوام وهو يتكتم أمره، فإذا دخل أغلق بابه وقضى يومًا أو بضعة أيام لا يراه أحد، حتى كثرت أحاديث الناس بشأنه؛ فمِن قائل إنه يشتغل بالكيمياء، وقائل إنه ساحر، وزعم آخرون أنه من كبار أهل الثروة وقد جمع ثروته من كنز عثر عليه في منزله؛ لأنه يقيم ببيت مبني على أنقاض إيوان سابور الذي كان الخليفة المنصور يقيم به قبل بناء بغداد.»

فقالت دنانير: «وما اسمه؟»

قالت: «يُسمُّونه بهزاد الجند يسابوري.»

فتذكرت زينب طبيبهم الخراساني، لأنها تظنه يقيم بالمدائن، فقالت: «لعل طبيبنا يعرفه؛ لأنه يتردد على المدائن، فإذا أتى الليلة سألناه عنه.»

فقالت: «ما أظن أحدًا يعرفه، ومهما يكن من أمره فإنه جدير بكل ثناء، فعسى الله أن يُقدرنا على مكافأته. ولكن الأقدار لا تصفو لأحد، أو لعلها عملت على مطاردتنا منذ أفل نجمنا، فهي لا تدعنا نتنسم الراحة حتى تخلق لنا بلاءً جديدًا.»

فقالت دنانير: «وكيف ذلك؟»

قالت: «ما كدنا نظن الناس نسونا وأغفلوا أمرنا حتى رأيناهم عادوا إلى النكاية بنا.»

قالت دنانير: «ومن هؤلاء الذين أرادوا النكاية بكم؟»

•••

فالتفتت عبادة إلى حفيدتها ثم حوَّلت وجهها عنها، فاحمرَّ وجه الفتاة. وأدركت دنانير أن الحديث يتعلق بها، وظنت أن أم جعفر تتحاشى التصريح بذلك أمامها، فأحبت أن تشغل الفتاة بشيءٍ يصرف انتباهها عن الحديث فقالت لها: «أظننا أبطأنا عليكما بالعشاء، فهل تأمر مولاتي بأن تتناول الطعام؟»

ففهمت عبادة غرضها من هذه الدعوة فقالت: «إني لا أشعر بالجوع الآن، ولكن أظن أن ميمونة في حاجة إلى الطعام الآن.»

فلم يفت الفتاة الغرض من ذلك وسكتت، فنهضت دنانير وهي تقول لمولاتها أم حبيبة: «هلمي يا مولاتي إلى المائدة مع هذه الضيفة الكريمة.» فأطاعتها كعادتها وخرجت الفتاتان للطعام وقد استأنست ميمونة ببنت المأمون وأحبتها لجمالها وذكائها. وكفى بالإحسان باعثًا على المحبة، فقد قيل: «أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهم.»

أما دنانير فرافقت الفتاتين إلى حيث أمرت الخدم بإعداد الطعام وعادت إلى عبادة وقد اشتدَّ شوقها لسماع الحديث.

وكانت عبادة جالسة مُطرِقة، فدخلت دنانير وأغلقت باب القاعة وراءها وجلست إلى أم جعفر تهشُّ لها وتُرحب بها وقد سرَّها أن تُواسيَها وتخدمها قيامًا بما تشعر به من فضلها عليها، فضلًا عما تبعث عليه حالها من الشفقة لما أصابها من الذل بعد ذلك العز. والإقرار بالإحسان فرض يَسُر أهلَ الفضل أن يأتوه وأن يكرموا صاحبه إلا طائفة من الناس ساءت سريرتهم وسفلت طباعهم وصغرت نفوسهم؛ فهؤلاء يُنكرون فضل الفضلاء وقد تحملهم الكبرياء على إيقاع الأذى بالمحسنين إليهم، ولا سيما الذين وُلدوا في الفاقة وخفْض العيش ثم ساعدتهم الأقدار على الارتقاء؛ فإن أنفسهم الأمَّارة بالسوء ربما سوَّلت لهم قتل مَن يُحسن إليهم. أما دنانير فكانت كبيرة النفس صافية السريرة؛ فسرَّها أن تخدم مولاتها اعترافًا بفضلها. فلما خلت إليها تنهَّدت عبادة تنهدًا عميقًا، ونظرت إلى دنانير والدمع يتلألأ في عينيها وقالت: «آه يا دنانير! إن النظر إليك يُذكرني أيام عزي، وإني لأشكرك على ما لقيتُه من مواساتكِ وتلطفكِ في حين أن أقرب الناس إلينا نسُونا أو تناسَونا. ولكن ما لنا وذاك، إن الأمر الذي جاء بي إليكم الليلة لَجِدُّ خطير.»

فقطعت دنانير كلامها ووضعت يدها على كتفيها وهي تنظر إليها مبتسمةً وتقول: «قولي ما عندك يا سيدتي، إنكِ صاحبة الأمر وعلينا الطاعة.»

فتنهدت وقالت: «أنتِ طبعًا تعرفين الفضل بن الربيع.»

فلما سمعت دنانير الاسم أدركت عِظَم الأمر لعلمها أن هذا الوزير هو الذي عظَّم ذنب جعفر لدى الرشيد حتى قتله وتولى هو الوزارة مكانه، فقالت: «نعم يا سيدتي أعرفه، فما خطبه بعد الذي أتاه؟»

قالت: «ليس الخطب خطبه الآن، وإنما نشكو من ابنه!»

قالت: «وماذا صنع ابنه؟»

قالت: «لا أدري كيف بلغه خبر ميمونة ولا أعلم أين رآها حتى فُتن بجمالها، أو لعله لم يُفتن بها وإنما أراد النكاية بنا، فبعث إليَّ منذ بضعة أسابيع قهرمانة دار أبيه يُوسِّطها في خطبة ميمونة لنفسه، وقد تلطفَت القهرمانة في الطلب ووعدتنا خيرًا. فماطلته لأني أخاف إذا رفضتُ طلبه بتاتًا أن يُؤذيَنا، فلم يرجع عن طلبه وبالغ في المحاسنة وكرَّر الوعد بما ينويه لنا من الخير إكرامًا لميمونة لأنه مفتون بها. وقد أكدت لنا القهرمانة أنه يحب الفتاة حبًّا مبرحًا، وأنه لا يريد لنا إلا السعادة إذا أجبتُه إلى بغيته. فاعتذرتُ من الإجابة أعذارًا مختلفة، وتقدمتُ إليها أن تساعدني في دفعه فوعدتني، وظلت أيامًا لم ترجع إلينا. فظننتها أفلحتْ واطمأنَّ قلبي، فلما كان مساء الأمس جاءتني بنبأ ذهب بصوابي وقطع حبل رجائي!» قالت ذلك وشَرِقت بدموعها فسكتتْ واشتغلتْ بمسح عينيها.

وكانت دنانير تسمع حديثها وهي تتطاول نحوها بعنقها، فلما رأتها تبكي قالت: «خفِّفي عنكِ يا سيدتي. وماذا جرى بعد ذلك؟»

قالت: «جاءت القهرمانة هذه المرة تُهددني بالسوء إذا لم أُجب طلب ابن الفضل، وذكرتْ لي أنه أوصل أمري إلى علي بن ماهان صاحب الشرطة ووسَّطه في الخطبة، وأن عليًّا هذا يُلح عليَّ في إجابة الطلب على أن يضمن لي ما أريده من الخير، فإذا لم أفعل كانت العاقبة وخيمةً عليَّ وعلى ميمونة. فوعدتُ القهرمانة بأن أنظر في طلبها وأُجيبها. وأنتِ تعلمين موقفنا من هؤلاء ولا سيما الفضل بن الربيع الذي كان سبب قتْل ابني، فكيف أُزوِّج ابنة ابني من ابنه وأنا لا أطيق سماع اسمه؟» قالت ذلك وأطلقت لدموعها العِنان، فتفطر لها قلب دنانير وأدركت عظم ما يتهدَّد أم جعفر وحفيدتها لعلمها أن هؤلاء إذا قالوا فعلوا. فأطرقتْ وأعملتْ فكرتها حينًا ثم قالت: «لا أُنكِر على مولاتي ما قالته من كُرهها لذلك الرجل وابنه، ولكن …» ورفعت كتفيها وقلبت شفتيها وسكتت.

فقالت عبادة: «لا أستطيع قَبول زواج ابن الفضل بابنة جعفر. وهبي أني قَبِلت، فهل تظنين ميمونة تَقبل وهي تعرف أن الفضل بن الربيع أصل بلائنا ومصدر مصائبنا؟ كلا، هذا لا يكون.»

فقالت دنانير: «إذا كنتِ مُصرَّة على الرفض فأنا طوع إرادتك، وهذا القصر وأهله في خدمتك، فإذا شئتِ الإقامة به أقمتِ على الرحب والسعة. ولا أظن أحدًا يجسر على إخراجك منه. وقد أفرحني ما آنستُه من ارتياح مولاتي زينب إليك، وأنتِ تعلمين نفوذها عند أمير المؤمنين الرشيد، فمتى عاد وسَّطناها لديه وهو لا يردُّ لها طلبًا؛ فانعمي بالًا.»

فتنهدت عبادة وسكتت هُنيهة ثم قالت: «أخشى يا دنانير أن يكون في إقامتنا هنا بأس على أهل هذا القصر؛ لأن النحس ملازم لنا، فلا أحب أن يلحقكم شيء منه.»

فتأثرت دنانير من قولها وأخذت تُخفف عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤