ابن ماهان صاحب الشرطة

قضى سلمان نصف ساعة ظنَّها عدة ساعات لفرط قلقه وهو يراجع ما مرَّ به تلك الليلة من الغرائب، ثم سمع ضوضاء بباب القاعة فعلم أن الهرش قدم فتحفز للقائه، وإذا بالهرش قد دخل مسرعًا وفي أثره شاب جميل الصورة عليه قباء وسراويل وقلنسوة، وقد نبت عارضاه وبان عذاره، يلوح أنه من الرقيق الأبيض، فوقف الغلام بالباب وأسرع الهرش إلى سلمان، وكان قد وقف له فحياه وابتدره قائلًا: «أبطأتُ عليك مرغمًا؛ فإن حامد (وأشار إلى الغلام) له حاجة عند صاحب الشرطة وأبى إلا أن أصطحبه الليلة إليه، فهل تأتي معنا؟»

قال: «إنما جئت عملًا بإشارتك فقد ألححت عليَّ بالرجوع. فإذا كنت لا ترى أن أذهب معك رجعت.»

فقطع الهرش كلامه قائلًا: «بل أنا شديد الرغبة في الذهاب برغم أننا في آخر الليل. هيا بنا فإن الركائب مُعَدة.» ثم التفت إلى الغلام وقال: «نحن ذاهبون مع الملفان سعدون إلى صاحب الشرطة، وسأوصيه بأن يخرطك في سلك الشاكرية؛ فذلك خير لك من أن تكون عيارًا.»

ففهم سلمان أن الهرش وعد الغلام بإدخاله في ذلك السلك، وتبيَّنه عن قرب فرأى فيه ذكاءً وأَنَفة، فضلًا عن الجمال، ولم يستغرب ذلك؛ فقد كان بين الرقيق المجلوب إلى بغداد أو المولودين فيها جماعة من أجمل خلق الله وأذكاهم ينخرطون في الجندية أو الحراسة، أو ينتظمون مع الشاكرية الذين يتولون نقل المراسلات في قصر الخليفة. فخرج الهرش وقد أمسك بيد سلمان احتفاءً به، وفي خاطره أن يسأله عما لديه من الأخبار ولكنه استنكف من التعجيل.

فلما خرجا من القاعة ركب سلمان بغلته وامتطى الهرش فرسه ومشى في ركابيهما عياران، وركب الغلام حمارًا وسار في أثرهما وهو يستغرب ما يراه من احتفاء الهرش بذلك الملفان. وكان كل همه أن يوفَّق إلى الالتحاق بالشاكرية عملًا بإشارة مولاه؛ فقد رُبي في كنفه ولم يكن يعرف وليًّا سواه. وكان يُخلص في طاعته لِما كان يلقاه من عطفه عليه، وكان الهرش يعامله معاملة الأب لابنه، وقد عُني بتعليمه وتثقيفه على غير ما تعوَّد العيارون.

ولم يكن منزل صاحب الشرطة بعيدًا عن قاعة العيارين فما عتموا أن وصلوا إليه، فترجلوا بجانب باب كبير غلب النعاس على حارسَيه، فلما سمعا قرقعة اللجم نهضا فرأيا الهرش فوسَّعا، فدخل الهرش والملفان سعدون إلى جانبه يتوكأ على عكازه، ومشى أحد الحراس بين يديهما بالمصباح في رواقٍ مستطيل إلى قاعة عليها ستر مسدول. وعلى بابها حاجب خفَّ إلى استقبال الهرش مُرحبًا، فابتدره قائلًا: «هل مولاك هنا؟»

قال: «أظنكم على موعدٍ من لقائه؛ لأني لا أعلم أنه يسهر إلى مثل هذه الساعة.»

فلم يُجبه الهرش وظل سائرًا حتى رفع الستر وأشار إلى الملفان سعدون أن يدخل، وأومأ إلى حامد أن يمكث في الرواق ريثما يستقدمه، أما الحاجب فأعلن قدوم الزائرين بقوله: «إن الهرش داخل يا مولاي.»

فدخل سلمان وهو فيما وصفناه من قيافته الملفانية بعد أن نزع حذاءه وترك عكازه بجانب الباب، فرأى ابن ماهان في صدر القاعة على وسادة وبجانبه رجلان مال أحدهما عليه كأنه يقصُّ عليه حديثًا مهمًّا؛ فعرَفه سلمان أنه سلام صاحب البريد جاء ليُسِرَّ إليه خبر موت الرشيد، وكان ابن ماهان يتطاول بعنقه لسماعه وقد بدت الدهشة في عينيه.

وكان الرجل الآخر شابًّا في نحو الخامسة والعشرين من عمره، جميل الطلعة حسن البزة، وجهه مُشرَّب حُمرة، ويتلألأ في عينيه ماء الشبيبة، وعليه ثوب ثمين وحول قلنسوته عمامة مزركشة، وقد تربَّع وأخفى قدميه تحت سراويل من الخز الثمين. وقد تضوعت القاعة من طِيبه. ولم يكن هذا الشاب أقل إصغاءً لحديث صاحب البريد من ابن ماهان؛ فعرف سلمان أنه ابن الفضل بن الربيع، ولم يكن أحد من هؤلاء يعرف الملفان سعدون إلا بما سمعوه عنه من الهرش.

وكان ابن ماهان شيخًا تقدمت به السنون ولكن مطامعه ما زالت في إبانها، وله لحية واسعة يُخضِّبها بالحناء، وقد تغضن جبينه واتضحت الشيخوخة في وجهه، ولكن الكبرياء والغرور ما زالا ظاهرَين في جلسته ولفتته وأسلوب خطابه. وقد زاده كبرًا ما اختُصَّ به من الدالة على رجال الدولة لسبقه في خدمتها منذ أيام المنصور. فإنه لما تُوفِّي هذا الخليفة سنة ١٥٨ﻫ، وأبى عيسى بن موسى أن يُبايع لابنه المهدي، كان ابن ماهان حاضرًا فوضع يده على قبضة حسامه وقال له: «والله لتبايعنَّ أو لأضربنَّ عنقك.» فبايع فارتفعت منزلة ابن ماهان لدى الخلفاء العباسيين من ذلك الحين. وتولى عرش الخلافة في أيامه أربعة خلفاء آخرهم الرشيد. وكان قد حسد البرامكة ووالى الفضل بن الربيع واتفقا على معاداة الفرس ومن قال بقولهم؛ ولذا قرَّبه الأمين وجعله صاحب شرطته فأصبح همُّه تأييد سلطانه.

وكان شديد القلق على مستقبل الخلافة بعد سفر الرشيد، وكاشَف الهرش بذلك فأخبره بمقدرة الملفان سعدون على استطلاع الغيب ووعده بأن يأتيه به في تلك الليلة؛ فلبث ابن ماهان في انتظاره على مثل الجمر، فجاءه صاحب البريد أثناء ذلك وأسرَّ إليه نعي الرشيد وجلسا يتباحثان فيما عساه أن يحدث من التغيير. أما ابن الفضل فكان يتردَّد على ابن ماهان ويُجالسه بلا كلفة، فاشترك في سماع الخبر. فلما سمع ابن ماهان الحاجب ينبئه بقدوم الهرش التفت نحو الباب فرآه داخلًا وسلمان إلى جانبه، فرحب بهما واصطنع ضحكة يتلاطف بها كما يفعل بعض المتغطرسين إذا أحب التظاهر بالتواضع.

•••

لم يحفل سلمان (أو الملفان سعدون) بما بدا؛ فظل داخلًا وسلم، ثم قال الهرش: «هذا الملفان سعدون قد جاء معي.»

فابتسم ابن ماهان وهو يمشط لحيته بأنامله ولم يتزحزح من مكانه وقال: «مرحبًا بالملفان العالم المنجم.» وأومأ إليهما أن يجلسا، ثم التفت إلى صاحب البريد وقال: «قد كنتُ في قلق لاستطلاع الخبر الذي قصصتَه عليَّ فأحببت أن أستعين على كشفه بعلم هذا المنجم، ولم يعد بنا حاجة إلى ذلك الآن.» ثم اعتدل في جلسته وقال: «ولكني سُررت بلقائه، لَعلِّي أحتاج إليه في فرصةٍ أخرى.»

فأدرك الهرش أن صاحب الشرطة يحسب خبر صاحب البريد سرًّا عليهما، فنظر إلى الملفان سعدون نظرةً فهم مراده منها، فالتفت إلى ابن ماهان وقال: «أرى صاحب الشرطة في شاغلٍ مع صاحب البريد ومع مولانا ابن الفضل، وأخشى أن نكون قد ثقلنا بمجيئنا.»

فضحك والاهتمام بادٍ في عينيه وقال: «لا يُستغنى عن المنجمين في مثل هذه الحال، لا سيما إذا صدقوا في تنبُّئهم.» ثم وجه خطابه إلى سلمان وقال: «هل كُشف لك شيء يهمنا أمره يا ملفان؟»

فقال مُستخفًّا: «ربما كان ذلك.»

فتدخل الهرش وقال: «إن الخبر الذي تتسارُّون به كُشف لنا منذ ساعات!»

فتجاهل ابن ماهان وقال: «أيَّ خبر تعني؟»

فأشار الهرش إلى سلمان ففهم مراده فقال: «ليس موت الرشيد جديدًا عندي، ولا أقنع به وحده؛ فلو أني عملت المندل هذه الليلة لرأيت …»

فبُغت ابن ماهان ونظر إلى صاحب البريد كأنه يستعينه، فتصدى ابن الفضل للسؤال وقال: «وهل من خبرٍ غير موت الرشيد؟»

قال: «إن الرشيد رحمه الله كان مريضًا قبل سفره، وكنا كلنا نتوقع موته، لكن المندل كشف لي أمورًا إذا وعدتموني بكتمانها عن مولانا الأمين حتى يعرفها من غيري قلتها لكم.» قال ذلك وهو يرمي إلى أن يجعلهم يُفشونها؛ وكذلك يفعل أهل الدهاء إذا أحبُّوا نشر مأثرة لهم فإنهم يتظاهرون بكتمانها ويبالغون في الحذر من نشرها بغية إذاعتها.

فلما أحس ابن الفضل تكتُّمه ازداد رغبةً في الاطلاع على ما عنده وقال: «إذا كنت تعرف شيئًا جديرًا بالاهتمام فإن اطِّلاع مولانا الأمين عليه يدعو إلى رفع مقامك. وماذا عسى أن يكون لديك؟»

فقال: «اطلعت على سرٍّ يهمُّ ابنَ الفضل أكثر من غيره.» فزحف ابن الفضل نحوه وقال: «وما ذلك؟ وكيف يهم ابن الفضل خاصةً؟» قال ذلك وهو يظن أن الملفان لا يعرفه.

فقال سلمان: «إن الخبر يهمُّ ابنَ الفضل لأنه يمسُّ أباه الوزير؛ أي أباك.»

فعجب ابن الفضل لمعرفته إياه، ولكنه شُغل عن ذلك برغبته في الاطلاع على الخبر، ونظر إلى ابن ماهان فالتفت هذا إلى الملفان وقال: «أرى دعواك عريضة، فقل ما عندك لنرى؛ فإذا صدقت ضمنَّا لك التقرُّب من مولانا.»

فقال: «إن التقرُّب من أمير المؤمنين نعمة وما نحن إلا عبيده.»

فاستغرب قوله: «أمير المؤمنين.» فقال: «كيف تدعوه أمير المؤمنين وغاية علمنا أنه ولي العهد؛ فهب أن الرشيد مات، فهل تصير الخلافة إليه؟»

قال: «بل قد صارت له وحده وقُضي الأمر!»

فعلم إذ ذاك أنه يعرف شيئًا جديدًا فقال: «له وحده؟ وكيف ذلك؟»

فأشار بأصبعه إلى ابن الفضل وقال: «بسعي مولانا الفضل الوزير.»

فتطاولت أعناقهم لسماع الخبر، والهرش على رأسهم وابتدره قائلًا: «ذلك شيء جديد عليَّ فاقصُص علينا ما علمت.»

فاعتدل في مجلسه وأخذ يقصُّ عليهم ما سمعه من بهزاد وكأنه يقرأ في صحيفة بين يديه، والكل صامتون وقلوبهم تخفق دهشةً واستغرابًا، ولا سيما ابن الفضل؛ فإنه ازداد افتخارًا بما أتاه أبوه للأمين، وكان قد اطَّلع على مقدماتٍ من قبل، فلما سمع النتائج التي رواها سلمان تحقَّق صدقها، ودُهش ولم يتمالك أن دنا منه وربَّت على كتفه استحسانًا وإعجابًا وقال: «بورك فيك، إنك منجم عجيب!»

أما ابن ماهان فأمسك عن الإعجاب، وقال: «هل أنت واثق مما تقول؟»

فقال: «هذا ما كشفه لي المندل ولم أعهده يخدعني من قبل.»

فصغر صاحب البريد في عينَي نفسه واحتقر الخبر الذي جاء به فسكت، أما ابن ماهان فالتفت إلى الهرش وقال: «إذا صح ما جاءنا به الملفان فإن الأمر جد خطير، وإني أُبشره برياسة المنجمين في دار الخلافة، فاكتموا الآن ما سمعتم لنرى ما يكون.» وتناول من تحت وسادته صُرة من النقود دفعها إلى المنجم وقال: «هذا أجر طريقك وثمن البخور.»

فتباعد سلمان ويداه وراء ظهره مستنكرًا، ويد ابن ماهان ممدودة بالصُّرة، فالتفت إلى الهرش مستغربًا، فضحك هذا وتناول الصُّرة وأعادها إلى مكانها وقال: «إن منجمنا لا يتعاطى هذه الصناعة رغبةً في أجر، وإنما يبذل علمه في سبيل صداقتنا.»

فازداد الجميع إعجابًا به وقال صاحب الشرطة: «لا بأس، سينال أضعاف هذا بما أرجوه له من التقرُّب إلى الخليفة.»

وعند ذلك تحفز سلمان للوقوف وقال: «اعذرونا فقد أطلنا سهركم.»

فلم يتمالك ابن ماهان عن النهوض احترامًا له، وقد ذهب كبرياؤه وأحسَّ بافتقاره إلى علم الرجل، وذلك شأن الناس مع أهل المعرفة؛ فإنهم يبدءون باحترام الظواهر حتى تظهر المعرفة فتكون العاقبة لها، وقد تُجالس رجلًا لا تعجبك بزته فتحتقره، ثم يتكلم فإذا رأيت منه علمًا انقلب احتقارك احترامًا، وربما دخل عليك فلا تأبه له فإذا عرفت فضله خرجت لوداعه وزوَّدته بالثناء والإعجاب. كذلك فعل ابن ماهان بالملفان سعدون؛ فقد استقبله استقبالًا فاترًا ظنًّا منه أنه جاء يتزلف إليه، فلما رأى علمه وترفُّعه عن الإنعام احترمه ووقف لوداعه وشيَّعه إلى باب المجلس راجيًا إليه أن يأتيه في الغد.

ولما ودَّع ابن ماهان الهرش بالغ في الثناء عليه؛ لأنه كان وسيط معرفته بالمنجم؛ فتذكر الهرش غلامه حامدًا وكان لا يزال في انتظاره بالباب فقال: «إني لم أفعل ما يستحق الثناء وإن نعمتك متوالية علينا.» ثم نادى حامدًا وقدَّمه إلى ابن ماهان وقال له: «هذا غلام أضنُّ به، وأُحب أن يكون في رجال الشاكرية في قصر الخليفة، فرجائي منك أن تدخله في جملتهم.»

فتقدم الغلام وأكبَّ على يد ابن ماهان فقبَّلها ووقف متأدبًا، فقال له: «ادخل الآن إلى دار الغلمان وفي الغد تكون في جملة الشاكرية.» والتفت إلى الهرش وقال: «كن مطمئنًّا؛ فسيكون على ما تحب.» فأثنى وخرج.

أما ابن الفضل فكان أكثرهم إعجابا وارتياحا، وتوسَّم في الرجل نفعًا فرافقه حتى خرجا من الباب ولم يبقَ معهما غير الهرش فأسرَّ إليه بأنه يودُّ أن يكلفه أمرًا لا شأن للخلافة فيه، وألحَّ عليه أن يجيئه في فرصةٍ أخرى.

فأشار مطيعًا وخرج مع الهرش، ثم ودَّعه وركب بغلته وسار ولم يبقَ من الليل إلا القليل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠