ميمونة وابن الفضل

خرج سلمان من القصر المأموني بعد أن بدَّل ثيابه، وركب بغلته وسار إلى قصر الفضل بن الربيع. والقصر يومئذٍ في الرصافة بالجانب الشرقي من بغداد يُشرف على سوق الميدان، وكان في الأصل إقطاعًا أقطعه الرشيد لعباد بن الخصيب، فصار كله للفضل بن الربيع يقيم به مع أهله، وهو على مسافة بعيدة من القصر المأموني وإن كان كلاهما على الجانب الشرقي من بغداد. فقطع سلمان المخرم حتى دخل طريق الميدان، وهو يبتدئ من سوق الثلاثاء وينتهي بالشماسية ويُعرف هناك بطريق الخضير. وكانت تُحمل إليه المصنوعات الصينية وغيرها من الأواني الثمينة وتباع فيه.

فلما وصل إلى باب القصر عند الغروب، وجد ابن الفضل في انتظاره وقد أوصى الحرس بأن يُدخلوه إليه، فلم يمهله الحارس حتى يترجل بل سارع إليه فابتدره قائلًا: «الملفان سعدون؟» فقال: «نعم.»

قال: «إن مولانا في انتظارك … اتبعني.»

فترجل سلمان ومشى في طريق الحديقة يضرب الأرض بعكازه ويتباطأ في مشيته مُطرقًا متمتمًا كأنه يتلو آية أو يقرأ تعويذة، وأسرع حارس آخر فسبقهما وأنبأ ابن الفضل بقدومه. فقطعا البستان حتى وصلا إلى باب القصر الداخلي فإذا بابن الفضل قد خرج لملاقاته والترحيب به، وصافحه ومشى بجانبه حتى اتصلا من الدهليز إلى قاعةٍ استطرقا منها إلى غرفة لا يدخلها غير ابن الفضل وبعض خاصَّته، وفيها سرير بجانبه كرسيان، وفي أرضها بساط ثمين، وفي إحدى زواياها منارة عليها عدة شموع أناروها فجلس ابن الفضل على السرير ودعا سلمان إلى الجلوس على كرسيٍّ بجانبه قائلًا: «مرحبًا بالملفان سعدون.»

فجلس سلمان وما زال يتمتم وقد ألصق ذراعه بجنبه كأنه يتأبط شيئًا يحرص عليه، فلما استقر به الجلوس أخرج من تحت إبطه منديلًا من الحرير فيه كتاب هو درج من الرق قديم العهد تَخرَّق من بعض جوانبه، وتمهَّل في حل الصُّرة وأخرج الدرج مبالغة في الحرص عليه، ووضعه في حجره فبانت من خلال الخروق كتابة بحرف لا يقرؤه الإنس ولا الجان. ثم رفع رأسه كأنه فرغ من القراءة أو التعزيم، ومسح وجهه من جبهته إلى لحيته، والتفت إلى ابن الفضل وأخذ يُثني عليه لحسن وفادته فأجابه: «لقد أتيتَ أهلًا ونزلت سهلًا.» وبشَّ له يستأنس به استعدادًا لما ينوي كشفه له من أسرار.

فابتسم الملفان وقال: «لقد بالغت في إكرامي أيها الوزير.»

فغلب على وهمه أن الملفان إنما يدعوه وزيرًا لِما تبين له من علم الغيب في مستقبله، لكنه تجاهل وأحب أن يحقق ظنه فقال: «إنك تدعوني وزيرًا والوزير أبي.»

فقال: «إن ابن الوزير وزير يا سيدي، مُرْ بما تشاء.»

قال: «دعوتني وزيرًا وأنا أدعوك رئيس المنجمين في دار أمير المؤمنين.» فأدرك سلمان أنه يَعِده بهذا المنصب وهو يستطيعه لعظم نفوذ أبيه ورِضى الأمين عنهما؛ فأحب أن يثبته في وعده، فقال: «بورك في ابن الفضل؛ فإنه يقول ويفعل، وأنا سامع مطيع.»

فأطرق ابن الفضل وأعمل فكرته ثم قال: «دعوتك لأُسِرَّ إليك أمرًا أنا شديد الحرص على كتمانه وطيد الأمل في الحصول عليه.»

قال: «أما ما يشير إليه مولاي فهو سرٌّ عن كل الناس إلا عليَّ؛ فالملفان سعدون لا يُقال له ذلك.»

فاستغرب ابن الفضل دعواه وأحبَّ أن يمتحنه فقال: «وهل تعلم سري؟»

وكان سلمان قد سمع بعض خدم القصر المأموني يذكرون حب ابن الفضل لميمونة، كما سمعه من عبادة عندما كانت تقصُّه على دنانير، وكان الخدم يومئذٍ من أكثر الناس اطِّلاعًا على أسرار مواليهم؛ لأنهم كانوا لا يحذرون التكلم أمامهم استخفافًا بهم؛ فقال: «أظنني أعرف سِرَّك إلا إذا كنت تعني غير حبك لتلك الفتاة التي تظنُّ نفسها مجهولة النسب.»

فدُهش ابن الفضل عندما فاجأه بهذا التصريح وبانت الدهشة في وجهه، وسهل عليه أن يكاشفه بما يُكنُّه ضميره فقال: «أما وقد علمت سري فلا أُخفي عليك أني أحب تلك الفتاة حبًّا مبرحًا، أحبها من كل قلبي، وأتعشقها بكل جوارحي!» قال ذلك ودلائل الحب ظاهرة في وجهه، فأبرقت عيناه واحمرَّ وجهه.

فضحك وهز رأسه وقال: «إن الحب سلطان. أأنت تحبها؟»

فقال: «نعم أحبها، فهل تحبني هي؟»

قال: «لا أدري، لو كانت معنا الآن لعرفت مكنونات قلبها، غير أن ذلك يحتاج إلى مندل.»

قال: «هب أنها لا تحبني، بل يظهر لي أنها لا تحبني الآن، فما الحيلة؟ إني إنما دعوتك لأستعين بك على ذلك؛ فما قولك؟»

فتناول سلمان الدرج من حجره وفتحه وأخذ يُقلبه بين يديه ويتظاهر بأنه يقرأ شيئًا منه ويعيد القراءة ويُطرِق، ثم يرفع بصره إلى السقف ويعيده إلى الكتاب، ثم ينظر إلى وجه ابن الفضل ويتفرَّس فيه، وأخيرًا أطرق ويده على لحيته كأنه يفكر ويأسف، ثم قال: «إن حبيبتك انتقلت من مكانها.»

فأجفل ابن الفضل وقال: «أين كانت وأين صارت؟»

قال: «ألم تكن في المدائن؟» قال: «بلى.»

قال: «ليست هناك الآن.» قال: «وأين هي؟ أين ذهبت؟»

فقال: «إني أعلم أنها خرجت من المدائن، ولا أدري أين تقيم الآن. إن ذلك يحتاج إلى بحث.»

قال: «لعلها في الطريق الآن؟» قال ذلك لاعتقاده أنها لو كانت في مكانٍ معين لَمَا خفي ذلك على علم الملفان سعدون.

فقال سلمان: «ربما كانت في الطريق، ولكن هذا ليس بأمر ذي بال. هب أنها في السماء أو في الأرض أو ما بينهما؛ فهي لا تنجو من يدي.»

فأبرقت أسرة الفضل واطمأنَّ خاطره وقال: «جزاك الله خيرًا. افعل ما بدا لك ولا تبخل بالإنفاق على إتمام هذا العمل؛ فإني أبذل ما أملكه في سبيل الحصول عليها، إنما أريد أن آخذها بشرع الله؛ لأني أحبها حبًّا صادقًا ولا أدري ما الذي يحملها على مجافاتي.»

فابتسم سلمان وقال مُستخفًّا: «أظنك تدري السبب؛ إن عداوة الآباء تتصل بالبنين.»

فازداد ابن الفضل استغرابًا لكشف هذا السر وقال: «صدقت، ذلك هو السبب، ولكنها لو علمت خطر حبي لها وأني سأُنسيها ما فعله أبي بأبيها لرضيَت.»

قال: «علمتْ ذلك ولم ترضَ، ولكن هذا لا يهمنا فإنها سترضى. إن هذا القلم يجعل الصخر ماءً والماء صخرًا، أفلا يُليِّن قلب فتاة؟» وأشار إلى دواة مغروسة في منطقته.

قال: «افعل ما تراه ولا تسل عما تبذله في هذا السبيل.»

فنظر إليه شزرًا وقال: «ألم تكن حاضرًا بالأمس عند صاحب الشرطة؟ إنكم لا تزالون تُهينون الأصدقاء، ولكنكم تعودتم عِشرة المتملقين والمتزلفين؛ فلا لوم عليكم!»

فابتدره ابن الفضل معتذرًا وقال: «عفوًا يا سيدي، فإني أقبل منك هذا الجميل، وأرجو أن تقبل وساطتي مع صاحب الشرطة في أن تكون رئيس المنجمين عند أمير المؤمنين. وإننا إذ نفعل ذلك فإنما نؤدي خدمة عظمى للخليفة؛ لأن وجود مثلك في بلاطه نعمة من نعم الله. فماذا أنت فاعل الآن؟»

قال: «دعني أبحث عن مقرها، وسأكتب لك كتابًا إذا استطعت توصيله على ما سأصف لك أتتك مذعنة مطيعة.»

فلم يتمالك ابن الفضل عن النهوض بَغتةً وقال: «أصحيح ما تقول؟ إني لا أعرف كيف أشكرك. ومتى تكتب هذا الكتاب؟»

قال: «أكتبه متى انتهيت من بحثي، لا تضجر، ولا تستعجل.»

قال: «افعل ما يتراءى لك إلا أمرًا واحدًا أرجو منك أن تطيعني فيه.»

قال: «وما هو؟» قال: «أن تبيت عندي الليلة وتصحبني غدًا إلى دار الخلافة فأقدمك إلى أمير المؤمنين ليجعلك رئيس المنجمين.»

قال: «الأمر لك، ولكنني لا أبيت عندك وإنما آتيك غدًا إذا شئت.»

قال: «بل تبيت عندي؛ فإن القصر واسع تختار منه مخدعًا لا يزعجك فيه أحد، وقد أرسلت إلى صاحب الشرطة أن يُوافيَنا غدًا إلى قصر الخلافة في مدينة المنصور؛ لأن دار الخلافة انتقلت بعد مبايعة الأمين من قصر الخلد الذي نعرفه خارج باب خراسان إلى داخل المدينة.» قال ذلك وصفَّق فدخل غلامه فقال له: «أَعِدَّ لنا المائدة للعشاء، وقُل لقَيِّم الدار أن يُعِدَّ لنا مخدعًا ليبيت فيه الملفان.» قال ذلك مصممًا؛ فلما رأى تصميمه خاف أن يخالفه فيفسد عليه تدبيره، فأطاع وبعد هنيهة نهض للعشاء، ثم بات ليلته هناك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠