موكب ابن الفضل

في صباح اليوم التالي ركب ابن الفضل في موكبه وعليه الجُبَّة السوداء التي يقابل بها الخلفاء العباسيين، وامتطى سلمان بغلته وهو في قيافته المعهودة، وخرجا من الرصافة غربًا نحو الجسر حتى إذا قطعاه جاءا الطريق المؤدي إلى قصر الخلد فتجاوزاه إلى قصر المنصور، المعروف بباب الذهب حيث أقام الأمين بعد البيعة.

وكانت مدينة المنصور مستديرة الشكل حولها سور ضخم طوله عشرون ألف ذراع وعرض أساسه تسعون ذراعًا، ثم ينحط حتى يصير في أعلاه خمسًا وعشرين ذراعًا وارتفاعه ستون ذراعًا. وهو السور الأعظم، ويحيط به من الخارج فراغٌ عرضه مثل عرضه، وحول الفراغ المذكور سور آخر يقال له الفصيل، له أبراج عظام وعليه الشرفات المدورة وخارج الفصيل وحوله، كما يدور مسناة بالآجر والصاروج متقنة محكمة. وخارج المسناة وحولها خندق أُجريَ فيه الماء، ووراء الخندق طرق للمارة والباعة ووراءها الأرباض.

وفي داخل السور الأعظم سورٌ آخر أصغر منه، وبين السورين فراغ فيه أبنية لأهل الأسواق، يُنتَهى إلى كلٍّ من السورَين بطريقٍ مُرصَّف بالحجارة، فسور المدينة ثلاثة أسوار أعظمها أوسطها.

وللسور أبواب سُميت باسم المدن التي تتجه نحوها، وهي: باب خراسان، وباب الشام، وباب الكوفة، وباب البصرة. وكلٌّ منها مُؤلَّف من عدة أبواب عليها الأبراج ولها الشرفات والكِوَى. ولكل باب أربعة دهاليز عظام طول كل دهليز ثمانون ذراعًا كلها معقودة بالآجر والجص. فإذا دخل أحد في الدهليز الذي على الفصيل، أو السور الخارجي، وافى رحبة مفروشة بالصخر، ثم دهليز السور الأعظم وعليه بابان عظيمان من الحديد لا يُغلِق الواحدَ منهما إلا جماعةٌ من الرجال، وهما عظيما الارتفاع يدخل الفارس فيهما بالعَلَم، والرامح بالرمح الطويل من غير أن يُميل العلم أو يَثنيَ الرمح، فإذا مرَّ الراكب من دهليز السور الأعظم سار في رحبة إلى طاقات معقودة بالآجر والجص فيها كِوًى رومية مصنوعة صنعًا خاصًّا بحيث تدخل منها أشعة الشمس أو الضوء ولا يدخل منها المطر، وفيها منازل الغلمان.

وفوق كل بابٍ من أبواب السور الأعظم قبة معقودة عظيمة مُذهَّبة، حولها مجالس ومرتفعات يجلس فيها المرء فيشرف على ما دونه. ويصعد إلى هذه القباب على عقود مبنية بعضها بالجص والآجر وبعضها باللَّبِن، وقد جعل بعضها أعلى من بعض، بشكلٍ عجيبٍ رهيب.

فأطل ابن الفضل بموكبه على باب خراسان، وبجانبه الملفان سعدون على بغلته، فلما رآهما الحرس وسَّعوا إجلالًا لابن الوزير، فتقدما وهما راكبان والخدم في ركابهما، فدخلا من الدهليز إلى الفصيل أو السور الخارجي. ثم سمعوا قرقعة حوافر الجياد على الرحبة المفروشة بالصخر المؤدية إلى دهليز السور الأعظم، وكان البوابون لما علموا بقدوم ابن الفضل قد تعاونوا على فتح أحد البابَين العظيمَين، فسُمع لفتحه صرير هائل لثقل حديده وعُلوِّه، فدخلا بموكبهما فيه، حيث بدت العتبة العليا أعلى كثيرًا من رءوس الراكبين. وكان سعدون أثناء ذلك ينظر إلى ما وراء تلك الرحبة من الطاقات المعقودة، وإلى شكل كِوَاها الرومية وقد أطل منها الغلمان لمشاهدة الموكب، فلما خرجوا من الباب المذكور إلى الرحبة التي بينه وبين الطاقات، حوَّل سعدون بصره إلى القبة العظمى المعقودة فوق الباب وما يغشاها من الزينة المُذهَّبة ويتعلق بها من المجالس والمرتفعات المشرفة على كل ما حولها، وأخذ يتأمل فيما عليها من المصاعد المبنية بالجص بعضها فوق بعض، وقد امتلأت نفسه إعجابًا وعجبًا من عظمتها ورهبتها.

تجاوز موكب ابن الفضل تلك الطاقات ودخل إلى بابٍ آخر غير أبواب السور المذكور ورقوا منه إلى الرحبة الكبرى في منتصف المدينة، وكان قصر المنصور في وسط الرحبة، يُسمُّونه قصر الذهب نسبةً إلى بابه المُذهَّب، وبجانب القصر المسجد الجامع المعروف بجامع المنصور. ومشى الموكب في الرحبة مسافةً كبيرة في خلاءٍ لا بناء فيه حتى أقبل على القصر والجامع وسط الرحبة، وحولهما فناء ليس به من الأبنية غير دار من جهة الشارع المؤدي إلى باب الشام يقيم بها الحراس، وسقيفتين ممتدتين على عُمُدٍ مبنية بالآجر والجص، يجلس في إحداهما صاحب الشرطة وفي الأخرى صاحب الحرس. وكانت حول الرحبة منازل بناها لأبناء العم الأصاغر ولمن يقربهم من خدمه وعبيده، وأبنية لبيت المال، وخزانة السلاح، وديوان الرسائل، وديوان الخراج، وديوان الخاتم، وديوان الجند، وغيرها. وبين الطاقات مسالك ودروب أعدَّها المنصور لقواده ومواليه.

وكان ابن الفضل كلما أقبل على بابٍ وقف له حُرَّاسه، فلما دخل الرحبة الكبرى لفت انتباهَه الصهيل والحمحمة والنهيق وغير ذلك من أصوات الدواب؛ لأن الرحبة كانت غاصَّة بالخيل والبغال والحمير فضلًا عما أُدخل منها إلى الإصطبلات، ومعها العبيد والخدم في انتظار من جاءوا عليها من الأمراء والقواد لتهنئة الأمين بالخلافة، أو جاءوا لغرضٍ آخر.

وكان سعدون (أو سلمان) ينظر إلى ذلك ويراقبه ولا يبتعد ببغلته عن ابن الفضل، حتى إذا دنوا من القصر تحوَّل ابن الفضل نحو السقيفة التي يقيم بها صاحب الشرطة لمقابلة ابن ماهان قبل الدخول على الخليفة، فأرسل بعض مَن في ركابه من الخدم ليتقدمه بالسؤال عنه في السقيفة، فعاد يقول إنه في حضرة أمير المؤمنين بعث إليه من بضع دقائق.

فلم يتعجب ابن الفضل لذلك، ولكنه كان يرجو أن يراه قبل دخوله على الأمين ليتفق معه على تقديم الملفان سعدون إليه، ولكنه لم يرَ بُدًّا من النزول عن جواده، فنزل ونزل سعدون عن بغلته، ومشيا إلى باب القصر فوقف لهما الحُراس وهم ينظرون إلى الملفان ويستغربون شكله وقيافته ومشيه بعكازه والدواة في منطقته، وما زال يمشي بجانب ابن الفضل حتى بلغا باب القصر الداخلي، مارَّين في الباحة بجماعاتٍ من القادمين على الخليفة فيهم الأمراء والقواد والشعراء وغيرهم من الوفود.

وكان الأمين كريمًا جوادًا، يُغدق على الجند رغبةً في استنصارهم لما يعلمه من حرج مركزه؛ ولذلك أعطاهم رزق ٢٤ شهرًا يوم مبايعته، ففرحوا وفرح معهم أهل بغداد كافة؛ لأن هذه الأموال تُنفق في المدينة فيدفع الجند منها ما عليهم ويبتاعون ما يحتاجون إليه من الآنية أو الطعام أو اللباس؛ فلا غرو إذا سُرَّ البغداديون بتبديل الخلفاء بعد أن جرت العادة بأن يأمروا بمثل هذا العطاء عند مبايعتهم.

وعرف ابنَ الفضل كثيرون من الواقفين هناك فخفَّ بعضهم لتحيته، وتزلف إليه آخرون؛ لأنه ابن الوزير، والوزير يومئذٍ صاحب الحَل والعَقد. فسأل بعضهم عن سبب وقوفهم هناك فقالوا: «إن الخليفة في شاغلٍ مع صاحب الشرطة بعد أن جاءه هذا الرسول.» وأشار إلى رجل واقف في بعض جوانب الباحة؛ فعرف ابن الفضل أنه من موالي أبيه، وكان الرجل قد رأى ابن الفضل مارًّا فلم يجرؤ على مبادأته بالحديث، فلما رآه ينظر إليه ويبتسم هرول نحوه وقبَّل يده فقال له: «ما وراءك؟ وما الذي جاء بك؟»

قال: «أرسلني مولاي الوزير برسالةٍ إلى أمير المؤمنين.»

قال: «وأين أبي الآن؟»

قال: «قريب من بغداد، وقد أرسلني لأُبشِّر بقدومه.»

قال: «وهل جئت بكتابٍ منه؟»

قال: «جئت بكتابٍ دفعته إلى أمير المؤمنين، ولعله السبب في تأخير الإذن للناس كما ترى، وإنما دخل عليه صاحب الشرطة.»

فاشتد ميل ابن الفضل للدخول على الأمين وإن لم يؤذن لسواه فيفاخر أهل البلاط بدالته على صاحب الخلافة، فظل ماشيًا وابن سعدون بجانبه حتى أقبل على باب القصر والحرس الشاكرية وقوف بالأسلحة، فتأدَّبوا عند مشاهدته، ثم خرج الحاجب لملاقاته وتلطَّف في الترحيب به وفي غنة صوته وملامح وجهه شبه اعتذار عن عدم إدخاله؛ فأدرك ابن الفضل غرضه فابتدره قائلًا: «استأذِن أميرَ المؤمنين في دخولي ودخول رفيقي هذا.» وأشار إلى سعدون.

فتردَّد الحاجب حينًا ولم يجسر على التصريح بأن أمير المؤمنين لا يأذن لأحد، ثم غلب عليه الخوف فدخل على الأمين، وظل ابن الفضل في انتظاره والناس ينظرون إليه ويتوقعون أن يُرَد طلبه فيفشل ما أراده من التقدُّم عليهم جميعًا. أما هو فكان يتوقع الإذن له، رعايةً لمنزلة أبيه. وبعد هُنيهة عاد الحاجب وهو يبتسم وقال: «ادخل إذا شئت.»

فدخل إلى مكان تُخلع فيه الأحذية فخلع حذاءه، وفعل سلمان مثل فعله، وتقدَّم بعض الخدم فتناولوا الحذاءين ووضعوهما على أماكن مُعَدة لذلك. ومشيا على الأبسطة المفروشة في الدهليز، وتطرقا من قاعةٍ إلى قاعةٍ والحاجب يمشي بين يديهما حتى وصلا إلى مجلس الأمين، وكان على بابه ستر من الديباج المطرَّز فتقدم الحاجب وأزاح الستر وصاح: «مولاي ابن الفضل ورفيقه بالباب.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠