الفصل الأول

قانون تطوُّر الأمم

يتناول هذا الفصل قانون تطوُّر الأمم الذي توَّج به فيكو كتابه الضخم «العلم الجديد» الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام ١٧٢٥م، ولكن بداية ظهور هذا القانون ترجع إلى ما قبل العلم الجديد بسنوات طويلة؛ فقد ظهر للمرة الأولى في الخطبة الافتتاحية التي ألقاها فيكو عام ١٧٠٨م ونُشرت في كتابٍ عام ١٧٠٩م تحت عنوان «مناهج الدراسة في عصرنا». وفي هذا الكتاب يعرض فيكو آراءه عن التربية، فيقول بوجود قانونٍ للتطوُّر النفسي يرتقي بفضله الفرد خلال سلسلة من المراحل تحدِّدها الطبيعة بصورةٍ ثابتة، هذه المراحل توازي سلسلةً أخرى ثابتةً من المراحل الحضارية اجتازها الجنس البشري خلال تطوُّره من الطفولة إلى الشباب ومن الحياة البدائية إلى حياة التمدُّن. ومعنى هذا أن الفرد الواحد يلخص في صورةٍ مصغرةٍ عملية تطوُّر النوع بأكمله. ويعتقد فيكو أن التربية ينبغي أن تقوم على هذا النظام الطبيعي للمراحل، ويدافع — قبل روسو — عن ضرورة أن تكون التربية مطابقةً للطبيعة. والواقع أن أهمية هذه الفكرة لا تقتصر على سبقها لفكرة التربية الطبيعية كما عرضها روسو في كتابه المعروف «إميل أو التربية»، وإنما تعود أهميتها إلى أن فيكو لم يقصرها على مجال التربية وحده وإنما تجاوزها إلى رؤيته الفلسفية للتاريخ، وهي الرؤية التي تفتحت زهورها وآتت ثمارها في العلم الجديد.

وبغض النظر عن آرائه التربوية التي تعتمد على إدراك نفسية الطفل (وتعد كما يقول بعض الباحثين رائدة علم نفس الطفل الذي أصبح علمًا مستقلًّا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر) فإن هذه الآراء تُلقي الضوء على نظريته في المعرفة التي تلخِّصها هذه العبارة اللاتينية Verum ipsum factum (الحق هو العمل نفسه) وهو المعيار المعرفي الذي وضعه فيكو عن قصدٍ في مقابل المعيار الديكارتي المعروف عن الحقيقة، وهي الأفكار الواضحة المتميزة.
ولعل هذه العبارة، كما يقول كروتشه، تحتوي على بذور نظريته المتكاملة في المعرفة، فنحن لا نحصل على المعرفة الحقة إلا إذا قام نفس الشخص بالتفكير والفعل معًا، والإنسان صانع تاريخه يمكنه أن يعرفه، كما أنه لا يعرفه إلا لأنه صانعه. وغني عن الذكر أن هذه الفكرة المحورية ترتكز عليها النزعة التاريخية Historicism١ التي يُعد فيكو أحد روَّادها، كما تعد العبارة — التي أشرنا إليها — بداية دفاع فيكو عن المنهج التأليفي أو البنائي وبداية هجومه على المنهج التحليلي الرياضي عند ديكارت وأتباعه وعلى الأفكار الفطرية الديكارتية التي انتقدها وذهب إلى أنها لا تكوِّن معرفتنا الحقيقية مهما كانت واضحة ومتميزة، كما أشرنا في الفصل الأول من الباب الأول من هذا البحث. وتوضح هذه العبارة أيضًا أننا لا نفهم فكرة إلا إذا صنعناها بأنفسنا؛ ومن ثم لا يفهم البشر تاريخهم إلا لأنهم هم صانعوه، أما الطبيعة فيعرفها الله وحده معرفة كاملة لأنه هو الذي خلقها.
من هنا نشأت فكرة قانون التطوُّر الذي كان في البداية قانونًا للتطوُّر النفسي في العملية التربوية، ثم اختمر في ذهن فيكو فأصبح قانونًا لتطوُّر الأمم بعد أن نمت هذه البذور الأولى وتفتَّحت في شكل نظرية متكاملة للمعرفة قدَّمها في كتابه «الحكمة الإيطالية القديمة» عام ١٧١٠م، وأشار لها في الفصلَيْن الأول والثالث من هذا الكتاب الذي عبَّر فيه عن نزعته الإنسانية. ولا عجب في هذا فهو فيلسوف التاريخ الإنساني الذي لم يصنعه الإنسان بعقله وحده بل بقلبه وحسه وعاطفته وعمله وواقعه البشري المتفرد المعقد.٢ وقد ظهرت فكرة العلم الجديد لأول مرةٍ في أحد فصول مؤلَّف فيكو «القانون العالمي» تحت اسم «محاولة عن العلم الجديد» وهو الذي صدر الجزء الأول منه عام ١٧٢٠م كما أشرنا من قبلُ في الفصل الأول من الباب الأول لهذا البحث، وأخيرًا ظهر العلم الجديد في طبعته الأولى ١٧٢٥م وأفرد فيكو الكتاب الرابع منه لقانون التطوُّر وهو ما سنعرض له الآن. اعتمد فيكو في هذا الجزء على القانون الروماني اعتمادًا كبيرًا وكتب باستفاضة في هذا الشأن (فقد كان يشغل منصب أستاذ للقانون الروماني بجامعة نابولي كما أشرنا من قبل)، ووصل اهتمامه بالقانون إلى حد القول بأن الفلسفة نشأت عن القانون بصفة عامة، على نحو ما سنرى في سياق هذا الفصل الذي سيكشف لنا أيضًا كيف سبق فيكو بعض فلاسفة التاريخ وعلماء الاجتماع في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر، ومنهم على سبيل المثال أوجست كونت في قانونه المعروف عن تطوُّر الشعوب (قانون الأحوال الثلاثة) وكيف مهَّد له.

انتهى فيكو من دراسته للحضارات القديمة — وخاصة اليونانية والرومانية وبعض الحضارات الشرقية — إلى قانونٍ يحكم تطور الشعوب؛ فالأمم في تطورها تتقدَّم وترتقي من الهمجية إلى الأديان، ثم تنتقل إلى الخضوع للقوانين والحكومات، حتى تصل إلى مرحلة التعامل الإنساني في حياةٍ اجتماعيةٍ منظمة. وكل الشعوب تمر بالتاريخ المثالي الأبدي في نشأتها وتطورها ونضجها ثم تدهورها وسقوطها.

هذه الدورة التاريخية التي تمر بها كل أمةٍ تتعاقب في مراحل ثلاث، وهذه المراحل الثلاث هي القانون الذي انتهى إليه فيكو واستقاه من التاريخ المصري القديم كما اعترف بذلك في أكثر من موضع؛ بل إنه اعتبر هذا القانون — الذي وضعه المصريون لشرح تاريخ العالم قبلهم — بديهية من بديهيات العقل التي يجب التسليم بها منذ البداية، فكانت المسلَّمة رقم ٢٨ ومجمل هذه المسلَّمة أن تاريخ البشرية يمر بثلاث مراحل رئيسية هي المرحلة الإلهية، والمرحلة البطولية ثم المرحلة البشرية.

فالمرحلة الإلهية تتصف بالتأليه واعتبار كل ما في العالم ملكًا للآلهة، والحكومة نفسها إلهية لها إرادة آمرة ناهية، وهي تختار من يمثلها على الأرض وكان الحكم الاستبدادي فيها بيد الكهنة الذين يمثِّلون رجال الدين ويدَّعون أنهم يحكمون بمقتضى قوانين إلهية يتلقَّوْنها عن طريق النبوءات والتكهنات، وفي هذا العصر الإلهي سيطرت الخرافة والأساطير على الفكر، وساد الخوف الذي كان الدافع الأول للإنسان لتصوره للآلهة عن طريق المخيلة، وكانت اللغة في هذا العصر لغةً رمزيةً سريةً كاللغة الهيروغليفية.

أما المرحلة البطولية فهي مرحلة أنصاف الآلهة من البشر الذين يزعمون أنهم ينحدرون من أصلٍ إلهيٍّ ليُنظر إليهم نظرة التقديس والتأليه. وقد سُمي عصرهم بعصر الأبطال، وكان هؤلاء الأبطال هم آباء الأسر الذين لهم الحق المطلق على أفراد أسرهم كحق الحياة والموت وحق البيع والشراء. وقد خَطَت البشرية في هذا العصر البطولي خطوة إلى الأمام فتحرَّرت من استعباد الآلهة وانتقلت إلى استعباد الإنسان لغيره من بني جنسه. أما اللغة فكانت لغةً شعريةً تتغنى بالبطولة والشجاعة التي اتسم بها العصر كله.

وأخيرًا تأتي المرحلة البشرية فنجد المساواة في الحقوق أمام القانون وحصول كل إنسانٍ على حقوقه الطبيعية المشروعة في ظل حكوماتٍ ديمقراطيةٍ شعبيةٍ حقَّقت المساواة بين طبقة النبلاء وطبقة العامة واعترفَتْ بحق هذه الطبقة الأخيرة في المشاركة في نظام الحكم، وكانت اللغة في هذا العصر الأخير لغةً شعبيةً غلب عليها النثر.

ذلك باختصارٍ هو قانون تطور الأمم. ولقد قام فيكو بالتدليل على صدقه في كل ما يتعلَّق بحياة الشعوب والطبائع الثلاث التي تسودها وما يتبعها من عادات ثلاث، وبفضل هذه العادات تلاحظ ثلاثة أنواع مختلفة من القانون الطبيعي للأمم وما يتبع هذا القانون من تنظيم المراحل المدنية، فكانت الحكومات الثلاث وما يقابلها من لغات ثلاث، وتشكلت ثلاثة أنواع من الرموز، كما كانت هناك ثلاثة أنواع من التشريع والسلطة والعقل والأحكام.

وسوف نتتبع الآن بالتفصيل تطبيق فيكو لقانون التطوُّر على كل هذه المجالات.

(١) أنواع الطبائع الثلاثة

لا بد أن نذكر في البداية أن كلمة Nature عند فيكو تدل على معناها الأصلي في اللغة اللاتينية وهو المعنى الحيوي المتعلق بالأصل والميلاد والنشأة، وقد كانت الطبيعة الأولى دينيةً تتمثل في الشعراء اللاهوتيين الذين كانوا هم الحكماء الأوائل للأمم الأممية. هذه الطبيعة تزداد قوة في مرحلة ضعف التفكير العقلي وينشط فيها الخيال، وهي في الوقت نفسه طبيعة شعرية، وقد تأسَّست الأمم الأممية في هذه المرحلة على الدين وعبادة الآلهة التي خلقَتْها الأممُ بنفسها. أما الطبيعة الثانية فهي بطولية، حيث اعتقد الأبطال أنهم من أصلٍ إلهيٍّ وأنهم يتلقَّون النبوءات من الآلهة، وجعلوا أنفسهم نبلاء مسيطرين على العمالقة العاقلين الذين دفعهم البرد القارص للبحث عن النجاة في أماكن مسكونة فلجئوا إلى النبلاء الذين عاملوهم معاملة العبيد. وأما الطبيعة الثالثة فهي بشرية أو إنسانية وتتميَّز بالعقل والتواضع والشعور بالواجب ومعرفة قوانين الوعي والضمير.٣

وتولَّدت من هذه الطبائع «أنواع العادات الثلاث»؛ كانت العادات الأولى ممتزجةً بالدين والتقوى، وكانت العادات الثانية منفعلةً غضوبًا تتمثل في عادات البطل سريع الغضب مثل أخيل، وأما العادات الثالثة فتتسم بالإحساس بالواجب ويتعلَّمها كل فردٍ بدافعٍ من شعوره بالواجب الاجتماعي.

ومن هذه العادات تشكلت «أنواع القانون الطبيعي الثلاثة»؛ فالقانون الأول ديني إذ لم تكن هناك وسيلةٌ لترويض البشرية الأولى في حالة توحشها إلا الدين؛ ولهذا كانت الآلهة في هذه المرحلة هي التي تقود الشعوب، وكانت القوانين تبعًا لذلك قوانين إلهية. والقانون الثاني بطولي وهو قانون القوة التي يتسلَّح بها الأبطال، ولكن الدين يحكم هذا القانون بطريق النبوءات الإلهية حيث لا مجال لقوانين بشرية. أما القانون الثالث فهو إنساني نشأ عن تطوُّر العقل البشري. ومن القانون الطبيعي للأمم — الذي وضعَتْه العناية الإلهية بصورةٍ طبيعيةٍ من خلال العادات والأعراف البشرية — نشأت كل النظم الاجتماعية وتكوَّنت الحياة المدنية في الشعوب الأولى فكانت «الأنواع الثلاثة من الحكومات».

كانت الحكومات الأولى دينية إذ اعتقد البشر أن كل شيءٍ يحكمه الآلهة، وكانت النبوءات والتكهنات هي التنظيمات الأولى في العصور القديمة، أما الحكومات الثانية فكانت بطولية أو أرستقراطية تغلب عليها القوة، هذه الحكومات ميزت بين النبلاء الذين انحدروا من أصلٍ إلهيٍّ ولهم كل الحقوق المدنية المكفولة للطبقات الحاكمة، وبين العامة الذين يعتبرون من أصلٍ متوحشٍ لا يُسمح لهم بالاستمتاع بالحرية الطبيعية، ثم أصبحت الحكومات الثالثة حكوماتٍ بشريةً تميزت بالمساواة في العقل، الذي هو الميزة الطبيعية للإنسان؛ ولهذا أصبح الجميع متساوين أمام القانون.٤

ويقابل هذه الحكومات «الأنواع الثلاثة من اللغات»؛ فقد كانت اللغةُ من النوع الأول لغةً دينية، وهي لغة صامتة خرساء، أي لغة مقدسة تصاحب المرحلة الدينية الأولى وتتم بها الطقوس ويُطلقون عليها اللغة السرية المقدسة. وقد تمثل هذا النوع من اللغات عند المصريين القدماء في اللغة الهيروغليفية. أما اللغة من النوع الثاني فكانت هي اللغة الرمزية التي قامت على الصور والاستعارات، وهي لغة الشعارات البطولية التي عاشت في ظل النظم العسكرية. وأخيرًا يأتي النوع الثالث من اللغات وهي لغة الحديث المنطوق الذي تستعمله كل الشعوب الآن كما هي لغة الرسائل والحياة اليومية.

ويصاحب هذه اللغات «الأنواع الثلاثة من الحروف» Character فقد كانت الحروف الأولى رموزًا دينية مقدسة استعملَتْها كل الشعوب في بداية تاريخها؛ إذ كان الناس يُفكِّرون بمفاهيم عامة أو كليات خيالية أمْلَتْها بالفطرة طبيعةُ العقل البشري التي تميل إلى كل ما فيه وحدةٌ واطِّراد. ولما كان البشر في تلك الفترة من حياتهم عاجزين عن التجريد المنطقي؛ فقد وصلوا إلى تلك الكليات الشعرية عن طريق التخيُّل، وقد ردوا المفاهيم الكلية الشعرية إلى أنواعٍ تخصُّ كل جنسٍ مثلما يردون لجوبيتر كل ما يتعلق بالنبوءات، ولجونو (هيرا زوجة زيوس عند الإغريق) كل ما يتعلَّق بأمور الزواج … وهكذا. أما النوع الثاني من الحروف أو الرموز فهي الحروف أو الرموز البطولية، وهي كذلك كليات متخيلة ردوا إليها الأنواع المختلفة للأشياء البطولية، مثلما نسبوا لأخيل كل أفعال الشجاعة، ولأوديسيوس كل حيل البشر في المهارة والبراعة والمكر. وقد أصبحت هذه الأجناس الخيالية — بعد أن تعلم العقل البشري كيف يجرد الأشكال والخصائص من الموضوعات — أجناسًا عقلية مهدت الطريق للفلاسفة وللتفكير الفلسفي. وأخيرًا اخترعت الحروف الشعبية التي سارَتْ جنبًا إلى جنب مع اللغات الشعبية، وكانت هذه اللغات الشعبية تتألَّف من كلمات، والكلمات نفسها أجناس عامة للجزئيات التي استعملَتْها اللغات البطولية في المرحلة السابقة. ويقدم فيكو مثلًا على ذلك من هذه الجملة «إن الدم يغلي في قلبي The blood boils in my heart» مثل هذه العبارة التي كانت تنتمي للعصر البطولي تحولت في العصر الشعبي إلى عبارةٍ مباشرةٍ فأصبحت «إنني أشعر بالغضب I am angry» هكذا تطوَّرت اللغة، ومع التطوُّر أصبحت للعامة السيطرة على اللغات والحروف. وهذه السيطرة اقتضَتْ من الشعوب الحرة أن تكون سيدة قوانينها؛ لأنهم يفرضون القوانين التي يريدون أن يُجبروا الأقوياء على مراعاتها، وهذه السيادة على الحروف واللغات الشعبية تتضمَّن — بحكم الحياة المدنية — سبق الحكومات الشعبية الحرة على الملكيات.٥
تبع هذا «أنواع ثلاثة من التشريع»؛ فقد كان النوع الأول حكمةً إلهيةً أو علمًا ينصبُّ على فهم الأسرار الإلهية التي تعبِّر عنها نبوءات الكهنة، وكان الحكماء الذين يفهمون هذه النبوءات هم الشعراء اللاهوتيون — وهم أنفسهم أول حكماء العالم الأممي القديم — وكانوا يُسمَّون العارفين بالأسرار mystai وقد ترجمها الشاعر الروماني هوراس بالمترجمين عن الآلهة أو المفسِّرين لأقوالهم. هكذا كان المعنى الأول للترجمة (أو التفسير والشرح) وهو interpretari متصلًا بذلك التشريع القديم وهو فعل اشتقَّ — في رأي فيكو — من فعلٍ آخر هو interpatrari أي الدخول في مجتمع الآباء؛ إذ كان الآلهة يُسمَّون في ذلك الحين بالآباء. كان هذا النوع من التشريع لا يقيس العدالة إلَّا بمقياس الطقوس الإلهية المهيبة؛ ومِن ثَمَّ احتفظ الرومان بنوعٍ من التبجيل لمواد التشريع actus legitimi أو الأفعال التشريعية، كما احتفظوا في قوانينهم بتعبيراتٍ توحي بتبجيل الطقوس الدينية مثل iustae nuptiae للزيجات الشرعية iustum testamentum أو الوصية الشرعية.
أما النوع الثاني فهو التشريع البطولي الذي كان يلتزم الحيطة في استخدام كلماتٍ معينة. وتمثله حكمة أوديسيوس الذي كان يحصل على كل ما يطلبه وفي الوقت نفسه يراعي الدقة في استخدام كلماته، وكذلك قامت شهرة المشرعين الرومان على ما يُسمَّى Cavere أي على عنايتهم الشديدة في صياغة الكلمات صياغة دقيقة، ولم يكن تعبيرهم عن الالتزام بالقوانين respondere إلا نوعًا من التحذير لعملائهم بألَّا يُقدموا قضاياهم إلى ساحة القضاء إلا في صيغةٍ دقيقةٍ تستوجب الشروع في تنفيذها؛ بحيث لا يستطيع القاضي أن يؤجِّلها أو يسحبها. وقد حذا أساتذة القانون — في عودة العصور البربرية — حذو الرومان في اللجوء إلى الحيطة الشديدة والعناية الدقيقة بصيغهم القانونية للعقود والوصايا والدعاوي.
وأما النوع الثالث والأخير فهو التشريع البشري الذي ينظر إلى صدق الوقائع نفسها ثم يكيف القاعدة القانونية بما يتطابق معها حتى تتحقَّق المساواة بين الناس. وهذا النوع من التشريع تُراعيه الحكومات الشعبية والحكومات الملكية على السواء، وذلك كله مصداقًا لمسلَّمات فيكو السابقة (رقم ٩-١١١-١١٣) التي أوردها في عناصر العلم الجديد من أن الشعوب في حالة نقص المعرفة إنما تبحث عمَّا هو يقيني يُرضي إرادتها ومشاعرها، أما في حالة الاستنارة والعلم فإنها تبحث عمَّا هو حق؛ فاليقين Certum تستنده سلطة آلهة أو أبطال؛ لهذا كان الناس ملزمين بتنفيذه، أما الحق فهو يستضيء بنور العقل؛ لذلك كان الحق Verum عند المشرعين يساوي العدل.

ويتبع التشريع بأنواعه الثلاثة بأنواعٍ ثلاثة من السلطة؛ فالسلطة الدينية مستمدةٌ من الحكومات الإلهية التي سادَتْ في عصر الأسر حيث سيطر الاعتقاد بأن الملكية هي ملكية الآلهة؛ والسلطة البطولية تعتمد على قوانين لها جلالُها، وقد ساد هذا في عصر الأرستقراطيات البطولية التي تجسَّدت فيها السلطة في المجالس التشريعية الحاكمة؛ أما السلطة البشرية فتعتمد على ثقة الشعوب في أصحاب الخبرة وذوي البصيرة، وقد ساد هذا في عصر الديمقراطية الشعبية عندما أصبحت سلطة مجلس الشيوخ بمثابة حارسٍ للقوانين، وأصبح الشعب هو المشرِّع الحقيقي للقوانين، واقتصرت سلطة المجلس على إصدار هذه القوانين وصياغتها في صورةٍ رسمية.

ثم يقول فيكو «بثلاثة أنواع من العقل»؛ فالعقل الإلهي لا يعرف عنه البشرُ سوى ما كشفه لهم الإله. ومن البشر من استطاع أن يتوصَّل للعقل الإلهي بالمناجاة الداخلية، ثم كانت المناجاة الخارجية عن طريق الرسل، وكانت النبوءات والتكهنات لدى الأمم بمثابة رسائل دينية آتية من الآلهة، ثم يأتي العقل البطولي الذي تُعبر عنه مجالس الشيوخ البطولية التي كانت تحدِّد الأسس العقلية التي تقوم عليها الدولة. وهذه الأسس كما حدَّدها المشرِّع أولبيان Ulpian٦ ليست معروفة لكل البشر، وإنما هي مقصورة على فئةٍ قليلةٍ خبيرةٍ بشئون الحكم لتحديد ما هو ضروريٌّ لحفظ الجنس البشري. وأخيرًا نجد العقل الطبيعي في عصر الحرية الشعبية وتطور الملكيات، وهو العصر الذي أصبح فيه المواطن يُشارك في الثروة العامة، وأصبحت المنافع الشخصية قليلةً وتحوَّلت إلى المساواة بالآخرين، أي أن تطابُقَ المصلحة الشخصية مع المصلحة العامَّة (وهو ما يسمى بالمساواة الطبيعية) قد ساعد على تطوُّر المجتمعات الأولى من الفظاظة البدائية إلى التمدُّن.
ويذكر فيكو أن هذه الأنواع الثلاثة من العقل يمكن أن تكون أساسًا لتاريخ القانون الروماني طبقًا لمسلَّمته الأساسية التي تقول: «إن الحكومات يجب أن تطابق طبيعة المحكومين.» ويفسر فيكو طبقًا لهذه المسلَّمة الأسباب الكامنة وراء تطبيق التشريع القديم لقانون الألواح الاثني عشر٧ بكل الصرامة المعروفة عنه، وكيف اتجهت القوانين الرومانية من الصرامة إلى الرفق واللين ثم إلى المساواة الطبيعية. كما يفسِّر فيكو هذه الصرامة التي يتميز بها القانون الروماني بأنها ترجع إلى عاداتٍ تولَّدت عن طبيعة النبلاء، وأن هذه العادات نفسها نشأَتْ عنها أشكال الدولة التي طبقت القانون بدورها تطبيقًا صارمًا.

ففي العصور الوحشية المتطرِّفة التي مرَّتْ بها البشرية الأولى، وعندما كان الدين هو الوسيلة الوحيدة القادرة على ترويض البشر، دبرت العناية الإلهية أن يعيشوا في ظل الحكومات الدينية وأن تقدس القوانين، مما أدى إلى اعتبار هذه القوانين أسرارًا خفية عن جماهير الناس. وقد كانت القوانين في حكومات الآباء بطبيعة الحال من هذا النوع، وكانَتْ تصونها طقوسٌ مقدسةٌ تتكلَّم بلغة خرساء. وكانت هذه الطقوس بدورها ضرورية لعقول البشر البسيطة في ذلك الحين من أجل تبادُل المنافع بينهم — باستعمال إشارات صامتة — ثم جاءَت الحكومات البشرية للدول الأرستقراطية وكان من الطبيعي أن تواصل تطبيق العادات الدينية وأن تحافظ على الطابع الديني والسري للقوانين؛ لأن هذا الطابع السري هو روح الحكومات الأرستقراطية وحياتها.

ومعنى هذا أن طبقة الحكومات الأرستقراطية كان يهمها أن تحافظ على سرية القوانين وقداستها حتى تضمن ولاء العامة لهذه القوانين التي تكون جزءًا كبيرًا من السلطة المدنية. ولما جاء عصر الحكومات الشعبية — وهو عصر المساواة الطبيعية أو المساواة المدنية — تطوَّرت اللغات والآداب الشعبية التي تفوَّقت فيها جماهير الناس جنبًا إلى جنبٍ مع تطور الحكومات. وقد دُوِّنت القوانين بهذه اللغات الشعبية التي جرَّدتها من السرية التي كانت لها قديمًا وجعلت عامًّا ما كان سريًّا. وقد أثر هذا على التنظيمات المدنية في ظل الحكومات الملكية التي حرص فيها الملوك على تنفيذ القوانين على أساس المساواة الطبيعية، وبهذا جعلوا الأقوياء والضعفاء متساوين أمام القانون، وهو أمر لم يكن من الممكن أن تطبِّقه غير الحكومات المدنية، على حين أن المساواة المدنية أو مبررات قيام الدولة لم يكن ليفهمها سوى عددٍ قليلٍ من الحكماء الذين لديهم خبرة بفن الحكم وإدارة شئون الدولة.٨

ثم كانت «الأنواع الثلاثة من الأحكام»؛ كانت الأحكام دينيةً في المرحلة الأسرية؛ إذ كانت السلطة المدنية لا يحكمها قانون، فكان آباء الأسر يلجئون إلى الآلهة لتُساعدهم على حل بعض القضايا. وكانت الحلول تصل إليهم على صورة نبوءات ينساق بها الكهنة أو الكاهنات المقدسات في المعابد، وبذلك كانت الأحكام الأولى إلهيةً يحافظ عليها الآلهة لأن التنظيمات الأولى كانت دينية؛ ولذلك أيضًا يُعاقَب من يعتدي عليها من قبل الآلهة. وهذا هو السبب الذي جعل الإغريق يعتبرون المجرمين خارجين على الآلهة فيعاقبونهم عقابًا قاسيًا ويزعمون أنه عقابٌ إلهي، وهو الذي جعل الحروب البطولية كذلك حروبًا من أجل الدين. وقد كان القانون الروماني يعامل العبيد كأشياء لا حياة فيها لا كبشرٍ لأنهم اعتبروهم بلا آلهة. وقد سادَتْ هذه الأحكام الدينية طوال الفترة البربرية لكل الشعوب ثم استمرَّت لفترةٍ طويلةٍ في الحكومات البطولية. ونأتي بعد ذلك إلى الأحكام العادية المستمدة من القوانين الإلهية، وهي أحكام تتميز بالدقة الشديدة في الصياغة اللفظية إلى حد أن من يسقط فصلة أو كلمة من صيغة الدعوى تسقط قضيته، كما عبر عن ذلك التشريع الروماني القديم، وقد كانت هذه هي مرحلة الأرستقراطية البطولية التي أطلق فيها الأبطال ألقاب الآلهة على أنفسهم لاعتقادِهم أنهم من أصل إلهي، وأخيرًا نصل إلى الأحكام الإنسانية التي كان الحاكم فيها يصدق الوقائع التي تساندها القوانين كما تلائم أوامر الضمير، وكان هذا بفضل الحكومات الشعبية وكرم الملوك الذين كانوا يُفاخرون دائمًا بأنهم في أحكامهم فوق القوانين، وأنهم لا يخضعون لأحدٍ إلا لله ولضميرهم، وما يزال بعض هذه الأحكام يطبق في العصور الحديثة.

هكذا نجد أن فيكو يؤكد الدورات الثلاث للتاريخ بأن هناك ثلاث مراحل من العصور التاريخية، وهي العصور الإلهية والبطولية والبشرية التي يُقابلها ثلاث مراحل تشريعية، وأن هذه القوانين أو التشريعات بدأَتْ بالقوانين الإلهية ثم البطولية وكانت تتميَّز بالصرامة الشديدة. ثم بدأت هذه الصرامة تخفُّ وطأتها مع تطور العصور التاريخية لتلائم التطوُّر الذي لحق بالتقاليد والحكومات مثلما حدث لقانون الألواح الاثني عشر عندما خفَّف المشرعون من حدته في مرحلة المساواة الطبيعية أي المرحلة البشرية؛ حيث تطوَّرت العادات وتغيرت التقاليد البشرية في كل عصرٍ إلى أن وصلت للمرحلة البشرية التي بدأت مع الحريات الشعبية، وكان هذا هو القانون الطبيعي للأمم الذي علمته العناية الإلهية للشعوب.

هذه العصور التاريخية هي النظام الأبدي الثابت الدائم الذي يجري عليه تعاقب التنظيمات البشرية الاجتماعية، ويستدلُّ فيكو على هذه العصور بمزيدٍ من البراهين الأرستقراطية البطولية ليثبت تطور التاريخ في الزمان؛ فقد تطوَّرت النظم الأرستقراطية من ضرورة «حماية حدود الحقول» لوضع حدٍّ للفوضى في المرحلة الوحشية، فتحددت حدود الحقوق بالاتفاق بين البشر، وكان هذا الاتفاق موضع احترامٍ في زمن لم تكن فيه قوة مسلحة وبالتالي لم تكن هناك سلطة قانون مدني، وتطوَّرت الأمور بعد ذلك فبُدئ في ظل الحكومات الدينية بوضع حدود للأسر ثم العشائر ثم الشعوب والأمم، وعاش العمالقة حياة مستقلة كل منهم مع زوجته وأولاده في كهفه الخاص، لا يتدخَّل أحدهم في شئون الآخر ويقتلون بوحشية أي فردٍ يقتحم حدود الآخر، واستمرَّت هذه العادة وظهرت واضحةً في الحكومات البطولية التي تم فيها الاستيلاء على الأراضي أو انتزاعها حتى توقف الاختلاط بالعشائر البدائية الأخرى فتحددت حدود الشعوب. وفي المدن البطولية أصبحت الأراضي خاضعةً لسيادة الأبطال حيث كان لهم الحقُّ في استقطاع أراضٍ معفاة تمامًا من الديون والضرائب (وهذا ما يُسمَّى quiritary ownership) وبالإضافة إلى هذا النوع من الملكية وضع الأبطال أيديهم على أراضٍ زعموا أنها وصلت إليهم عن طريق الآلهة (وهو ما يسمَّى بالملكية المدنية civil ownership) وسوف نتناول بالتفصيل أنواع الملكية الثلاثة التي سادَتْ في المدن البطولية أثناء عرضنا للسياسة الشعرية في الفصل التالي.
ويواصل فيكو سرد براهينه على العصور التاريخية من خلال تطوُّر الخصائص البطولية، فبعد أن قام الأبطال بحماية الحدود ثم الحقول والأملاك كان لا بد من حماية التنظيمات البطولية لضمان بقاء نظم الحكم البطولية، وتعد حماية التنظيمات خاصية طبيعية في الحكومات الأرستقراطية التي كانت ترغب في المحافظة على الإرث والثروة داخل طبقة النبلاء لتكسب هذه الطبقة مزيدًا من القوة. وعندما بدأ الجنس البشري الاستقرار في كل مكان، ونتيجة لدخول العامة من الشعب في علاقات زواج فيما بينهم، تسرَّبت الثروة من بيوت النبلاء وأصبح للعامة حق إبرام عقود الزواج وممارسة طقوسه بعدما كانوا يعاملون كالعبيد المجرَّدين من أمثال هذه الحقوق.٩ وفازت العامة بحقوقها من النبلاء كحق ملكية الحقول التي منحها النبلاء إياهم بمقتضى قانون الألواح الاثني عشر، ولكن لم تتجاوز ملكيتهم لهذه الحقول ملكية المحاصيل الزراعية (ويسمى هذا النوع من الملكية bonitary ownership) وهذا ما سوف نعرضه بالتفصيل في السياسة الشعرية من الفصل التالي. غير أن العامَّة ظلوا غرباء ليس لهم حقُّ المواطنة وليس لهم حقُّ توريث أرضهم لعشائرهم ولا حقُّ الزواج من طبقة النبلاء. وبقي هذا هو حالهم في المدن البطولية ثم تغير هذا الحال بعدما حصل العامة على كافَّة حقوقهم المدنية في عصر الحريات الشعبية وأصبحوا على قَدَم المساواة مع النبلاء.

وأخيرًا نأتي إلى «حماية القوانين» التي كانت خاصية تميز الأرستقراطية البطولية. والواقع أنها بدأت منذ العصور الدينية التي سادتها القوانين الإلهية المقدسة أو السرية — التي كانت تُقام لها احتفالات مقدسة وطقوس خاصة — إلى أن جاءت الأرستقراطية البطولية فاشتدت الصرامة في حماية القوانين — مثل حماية الرومان لقانون الألواح الاثني عشر — وأصبحت هي الوسيلة الوحيدة لضمان خضوع العامة لطبقة الأشراف. هكذا احتفظ النبلاء كما رأينا بسرية القوانين، ويُثبت فيكو رأيه بشواهد من التاريخ الروماني حيث كان علم تفسير القوانين مقصورًا على أعضاء مجلس الشيوخ الذي يتكوَّن من طبقة النبلاء في الحكومات الأرستقراطية البطولية، وكان النبلاء يقومون بدور الكهنة في المحافظة على سرية القوانين وقدسيتها لأنها الفئة القليلة الخبيرة بفن الحكم، كما أوضحنا ذلك في كلامنا عن العقل البطولي، ثم جاءت الحكومات الشعبية وشاركت العامة في وضع القوانين.

ويذكر فيكو أدلةً أخرى تُثبت المسار الطبيعي لحياة الشعوب ومروره بالمراحل التاريخية الثلاث. وطبقًا لمسلَّمة فيكو التي تنص على أن العادات الفطرية لا تتغير كلها دفعةً واحدةً ولكن تتغير بالتدريج وتستغرق فتراتٍ طويلةً من الزمن (مسلَّمة ٧١)، فإنه لا توجد حدودٌ فاصلة بين المراحل التاريخية الثلاث ولكن هناك امتزاج طبيعي بينها، فنجد في كل مرحلةٍ أثرًا للمرحلة التي سبقتها، والدليل على هذا أن الآباء عندما انتقلوا من حياة التوحش الأولى إلى الحياة البشرية احتفظوا في ظل الحكومات الدينية بقدرٍ كبيرٍ من وحشيتهم وقسوتهم. ولما تكوَّنت الحكومات الأرستقراطية الأولى بقيت السلطات الفردية في أيدي آباء الأسر على النحو الذي كانت عليه في الحالة الطبيعية السابقة، وهكذا نشأت نظم الحكم الأرستقراطية الأولى محتفظة بقدرٍ كبيرٍ من السلطات الأسرية، وعندما تحولت هذه الحكومات الأرستقراطية إلى حكوماتٍ شعبيةٍ تصوَّرَت الشعوب أن الحكام هم الذين يحمونهم وتركَتْ لهم مقاليد الحكم، وهكذا كانت الحكومات الشعبية بطبيعتها حكومات حرة تُديرها قلةٌ من الأرستقراطية، ثم تطور الأمر فاستغلَّ هؤلاء الحكام سلطاتهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، وكان حرص الشعوب الحرة على مصالحها ومنافعها الخاصة دافعًا لها على أن تترك حريتها الشعبية نهبًا لطموح أولئك الحكام، فنشأت الخلافات والفتن والحروب الأهلية التي دمَّرَت الأمم الحرة وعجلت بقيام نظم الحكم الملكية.١٠

ثم يتابع فيكو نشأة الحكم الملكي (وهو أفضل أشكال الحكم في رأيه) ويتصور أن هناك قانونًا ملكيًّا دائمًا ينشأ بصورةٍ طبيعيةٍ بحيث تستقر الأمم في ظل الحكم الملكي، هذا الشكل الملكي عرفَتْه الشعوب الرومانية وتعرَّفت فيه على شخص أوغسطس مؤسس النظام الملكي الروماني.

وعلى الرغم مما أصاب هذا القانون من سوء الفهم، فإن المشرعين الرومان قد فهموه فهمًا صحيحًا. ويكفي أن Pomponius١١ قد وصفه وصفًا دقيقًا في هذه العبارة الموجزة «لقد تأسست الملكيات عندما فرضتها التنظيمات نفسها.» هذا القانون الملكي الطبيعي الدائم يقوم على أساس المنفعة الطبيعية الدائمة، ولما كان الناس في الحكومات الشعبية الحرة يسعَوْن لتحقيق مصالحهم الخاصة حتى ولو كان في ذلك دماء شعوبهم، فلا بد أن يبرز رجل واحد يُنقذهم من هذا الدمار ويقبض على كل المصالح في يده بقوة السلاح، ويترك لرعاياه حرية السعي وراء شئونهم الخاصة على ألَّا يتدخَّلوا في السياسة العامة. ويعطي فيكو بعض الأمثلة لهذا من حوليات تاسيتوس على ما حدث بعد موت أوغسطس وبعض القياصرة الذين جاءوا بعده؛ فقد تباكى الناس على الحريات المفقودة، وشكوا من غربتهم في بلادهم. ويعتقد فيكو أن الحكومات الملكية حكومات حرة، وأن الناس تقف في صف ملوكها مما يجعل الحكم شعبيًّا؛ فالقوانين التي يصدرها الملوك تحقِّق المساواة بين الرعايا، والنظم الملكية تؤمن الناس على حياتهم وتخلصهم من اضطهاد المتسلِّطين والطامعين في السلطة. هذا فضلًا عن أن الملوك يحرصون على إرضاء شعوبهم وتحقيق ضروريات حياتهم والتمتُّع بحرياتهم الطبيعية. وأخيرًا فإن الملوك يسخون سخاءً عظيمًا على كل مَن يستحق التكريم من رعاياهم. ومن هذا كله ينتهي فيكو إلى أن شكل الحكم الملكي هو أنسب أشكال الحكم للطبيعة البشرية وأقربها إلى العقل الإنساني المتطور.١٢
ويستطرد فيكو في سرد أدلةٍ أخرى تُثبت المسار الطبيعي لحياة الشعوب كالعقوبات والحروب ونظام الأعداد؛ فالعقوبات في عصر الأسر كانت تتمثل في وحشية السيكلوب، واستمرت في ظل الحكومات الأرستقراطية مثل قوانين إسبرطة التي حكم عليها كلٌّ من أفلاطون وأرسطو بالوحشية والقسوة، وأخيرًا خفَّت العقوبات فصارت معتدلة في ظل الحكومات الشعبية لأنها بطبيعتها حكومات تميل إلى التعاطف الإنساني وحلَّت الرحمة محل القسوة. ولقد كانت الحروب البربرية للعصور البطولية تعني دمار المدن المهزومة واستسلام العدو ليصبح قطيعًا أو جماعات من العمال المتناثرين في الأرض الزراعية لغرس حقول الشعوب المنتصرة١٣ إلى أن جاءت الحكومات الشعبية فسلبت المهزومين القانون الذي ساد حياة الأمم البطولية بحرمانهم من تنظيماتهم المدنية مثل الاحتفال بطقوس الزواج والسلطة الأبوية وحق الملكية والوراثة … إلخ وأخيرًا جاء الحكم الملكي وتضاءل القانون البطولي الذي طبق في الدولة المحتلة لأن الملوك أرادوا أن يجعلوا رعاياهم جميعًا متساوين أمام القانون، وكان هدف النظم الملكية هو جعل العالم مدينةً واحدةً وهذا ما حاوله الإسكندر الأكبر. على سبيل المثال.

أما عن نظام الأعداد التي هي أبسط الأشكال التجريدية، فإنها تُطابق في نظام تركيبها نظام التنظيمات الاجتماعية البشرية. لقد بدأت الحكومات بحكم الفرد في الأسرة، ثم كان حكم فئة قليلة من الأفراد في الحكومات الأرستقراطية البطولية، ثم كان حكم الأغلبية أو الكل في الحكومات الشعبية وأخيرًا رجعت الملكيات المدنية مرةً أخرى إلى حكم الفرد. ولا يمكن حسب طبيعة نظام الأعداد تصوُّر نظام أنسب في ترتيبه من النظام الذي يبدأ بالواحد، فالقليل، فالكثير ثم ينتهي بالكل بحيث تحتفظ القلة والكثرة والكل — كلٌّ حسب طبيعته — بمبدأ الواحد، وذلك على نحو ما بيَّن أرسطو أن الأعداد تتكوَّن من وحدات غير منقسمة وأننا بعد أن نتجاوز الكل لا بد أن نبدأ من جديدٍ بالواحد.

وهكذا فإن البشرية تنحصر بين الملكيات الأسرية والملكيات المدنية.١٤ وقد حاول فيكو أن يبرز خصائص التنظيمات الاجتماعية وكيف تدرجت من الوحشية والقسوة إلى الرقَّة والاعتدال، وبذلك يُثبت المسار الطبيعي الذي قطعَتْه كل الأمم الأممية. وهو يؤكد أن التنظيمات الاجتماعية تتابعَتْ بهذا الترتيب؛ الحكومات الدينية، فالحكومات البطولية، فالحكومات الشعبية الحرة ثم الملكيات. ويعتمد فيكو في كل هذه التنظيمات على التشريع والقانون إلى حد أنه جعله الأساس الذي نشأَتْ منه الفلسفة كما ذكرنا من قبل. فمن حكمة صولون التي نصح بها الأثينيين «اعرف نفسك.» نشأت نظم الحكم الشعبية، ومن هذه النظم نشأت القوانين ومن القوانين نشأت الفلسفة.
وربما يرى البعض في هذا حجةً على ما قاله بوليبيوس١٥ من أنه إذا وُجد الفلاسفة في العالم فلن تكون هناك حاجةٌ إلى الأديان. ويُعارض فيكو هذا الرأي ويقول: إنه لو لم توجد الأديان ومن ثم نظم الحكم الشعبية لما وُجد الفلاسفة في هذا العالم، ولو لم تهدِ العنايةُ الإلهية البشر إلى تأسيس نُظُمهم الإنسانية لما عرفوا شيئًا عن العلم أو الفضيلة؛ ففي العصور البشرية التي نشأَتْ فيها نظم الحكم الشعبية ومن بعدها الملكيات نشأ الالتزام بالقانون بضمان التعهدات اللفظية التي تحوَّلت فيما بعدُ إلى عقودٍ واتفاقياتٍ ذات صيغ مكتوبة.
وينتهي فيكو في هذا المجال إلى أن الإنسان بطبيعتِه لا يخرج عن أن يكون عقلًا وجسدًا ولغة، واللغة تتوسَّط العقل والجسد، وهكذا الأمر بالنسبة لما هو عدل؛ فقد بدأ اليقين في العصور الصامتة مع الجسد وذلك حين كان الإنسان يؤكِّد شيئًا عن طريق الإيماءات والإشارات في العصور الصامتة، وبعد أن اختُرعت اللغات المنطوقة تأكدت أفكار الحق بصيغ لغوية ملفوظة. وأخيرًا وبعد أن تطور العقل البشري تطورًا تامًّا عبَّر عن أفكاره عن الحق والعدل كما حدَّدها العقل نفسه بعد تعمُّق الظروف التفصيلية المحيطة بالوقائع المختلفة فتطوَّرت الأفكار نفسها مع تطور العقل.١٦

كان هذا هو القانون الذي يحكم تطوُّر الشعوب والأمم والذي استخلصه فيكو من دراساته للبدايات الأولى للحضارتَيْن اليونانية والرومانية. وسنفرد الفصل التالي لهذه الدراسات لنرى كيف نشأ التاريخ البشري وكيف تطور، وكيف كانت النشأة التاريخية نشأةً شعريةً سمَّاها فيكو الحكمة الشعرية. وإذا كان لنا أن نعقِّب في هذا الموضع بكلمةٍ قصيرةٍ عن قانون تطور الأمم فإننا نقول إن فيكو قد اعتمد على القانون الروماني اعتمادًا كبيرًا كما رأينا، واستشهد بالكثير من نصوصِه وموادِّه خاصة في نظام الملكية والوراثة وتحديد الوريث في الوصية … إلخ، وتابع بالتفصيل تطور القوانين، ولقد بالغ فيكو مبالغةً شديدةً في الاستشهاد بالقانون الروماني إلى الحد الذي يستحيل معه متابعة أفكاره ما لم يكن الباحث على درايةٍ كاملةٍ بالتاريخ الروماني وإلمامٍ وافٍ بالقانون الروماني أيضًا، بل إن اهتمام فيكو بالقانون الروماني قد بلغ حدًّا أبعد من هذا في محاولته البحث عن قوانين مشابهة لهذا القانون — كقانون الألواح الاثني عشر — في بعض الحضارات الأخرى مثال ألمانيا وفرنسا.

لهذه الأسباب لا يستطيع الباحث أن يضع يده بسهولةٍ على قانون تطوُّر الأمم؛ إذ يتحتم عليه أن يستخلصه من ثنايا التفاصيل الكثيرة التي تكاد تضيع فيها المعالم الرئيسية لفلسفة فيكو في التاريخ. وقد حاولنا في هذا الفصل أن نستخلص قانون تطور الإنسانية في التاريخ من شوائب التفاصيل التي علقت به واستبعاد الكثير من الحواشي التي لا تمسُّ الأفكار الأساسية للعلم الجديد، وسنعود بإذن الله إلى هذه المسألة وغيرها من المسائل في خاتمة البحث.

١  من أعلام هذه النزعة التاريخية سافيني Savigny  وإيشهورن Eichhorn  ورانكه Ranke.
٢  Vico; On the study Methods of our time; p. XXVII–XXXIII.
٣  Vico; New Science; p. 285-286.
٤  Ibid; p. 289-290.
٥  Ibid; p. 292-293.
٦  Ulpian مشرِّع روماني وُلد ما بين نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الميلادي — شغل منصب القضاء في عهد سيفيروس ألكسندر — وتميز بكتاباته الوفيرة في القانون.
٧  قانون الألواح الاثني عشر هو أول تدوينٍ للقانون الروماني (بين سنتَيْ ٤٥١ و٤٥٠ أي منتصف القرن الخامس ق.م.) عن طريق حكومة الاثني عشر. عرضت هذه القوانين في الفوروم (ساحة مناقشة أمور الدولة من حربٍ وقوانين وسياسة) ثم انمحت هذه الألواح أو ضاعت أثناء هجوم الغاليين عام ٣٨٧ق.م. وهي تُعد أساسًا لقاعدة القانون الروماني الذي اعتمد في تطوره بعد ذلك على شروح المشرِّعين المتأخِّرين لهذه الألواح والتعليق عليها. وهذه الألواح الاثنا عشر لم تكن قد فصلت بعد بين القوانين المدنية والجنائية والقضائية، وقد وضع هذا القانون نتيجة لثورة العامة في سبيل المساواة بالأشراف. ويرى العالم الإيطالي Pais أن قانون الألواح الاثني عشر ليس عملًا تشريعيًّا وضع دفعةً واحدة في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وإنما هو في الواقع ثمرةٌ لتصور العرف الروماني القديم خلال القرنَيْن الخامس والرابع ق.م. وأنه ليس إلا مجموعة من هذه القواعد العرفية المتطورة وُضعت في أواخر القرن الرابع ق.م. فالعُرف كان هو القاعدة الأساسية في وَضْع القانون، أما التشريع فكان هو الاستثناء.
٨  Vico; New Science; p. 301–303.
٩  Ibid; p. 319.
١٠  Ibid; p. 332.
١١  مشرِّع روماني من القرن الثاني الميلادي. من آثاره كتاب عن تاريخ علم القانون لم تبقَ منه سوى أجزاءٍ قليلة وردت في مجموعة القانون المدني الروماني.
١٢  Vico; N. S; p. 333-334.
١٣  حاول فقهاء الرومان تبرير نشأة الرق بقانون الحروب، وهذه حقيقةٌ تاريخيةٌ ثابتةٌ وهي أن الرق نشأ مع قيام الحروب، فكان المنتصر في البداية يقتل عدوه بدلًا من استرقاقه لعدم تفكيره في الانتفاع به واستخدامه. ولما تطور الإنسان وكف عن الترحال واستوطن أرضًا معينة قام بزراعتها شعر بالحاجة إلى استخدام الأَسْرى في الزراعة والرعي بدلًا من قتلهم.
١٤  Vico; N. S; p. 335.
١٥  Polybius مؤرِّخ هلليني للحروب البونية عاش من حوالي ٢٠٠ إلى ١٢٠ق.م. بقيَتْ أربع كتبٍ من كتبه عن تاريخ العالم.
١٦  Vico; N, S; p. 346–347.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١