الفصل الأول

نظرية المعرفة التاريخية

(١) مبدأ المعرفة

كان القرن السابع عشر هو عصر المذاهب الفلسفية الكبرى؛ فقد وقف معظم فلاسفة هذه المذاهب موقفًا نقديًّا من فلاسفة الماضي رافضين الدخول معهم في حوارٍ حقيقي؛ إذ يبدو أن الثقة بالمعرفة الجديدة جعلت كلًّا من الفلاسفة والعلماء على السواء يقلِّلون من شأن المعرفة القديمة. أضِفْ إلى هذا أن المذاهب العقلية التي سادَتْ في هذا القرن لم تملك القدرة على فهم المادة التاريخية بحيث يمكن القول بأنه عصر لا تاريخي، وباختفاء الوعي التاريخي لدى فلاسفة هذا القرن بدأ الصدع في الفكر الحديث؛ انهارت المعرفة القديمة، وأُقيمَتْ مذاهب فكرية عقلية شامخة، بينما نجد المهتمين بالتاريخ بعيدين عن فكرة المذهب ورافضين لها. هكذا بدأ هذا الصراع الكبير بين المعرفة التاريخية والمعرفة المذهبية، وهو يدلُّ على عجز هذه المذاهب الجديدة عن استيعاب المعرفة التاريخية أو الإحساس بها في تفرُّدها ونوعيتها وحيويتها. ومع ذلك فإن ميدان التاريخ يتسع ويمتدُّ ويزداد ثراء، وتنمو المعرفة التاريخية وتبقى كالظلِّ المصاحب للفكر المذهبي الذي يسير في طريقِه ويتوصَّل إلى معارف جديدة ويبني مذاهب شامخة.

ومع مجيء القرن الثامن عشر تأتي دلالة محاولة فيكو في علمه الجديد عن الطبيعة المشتركة للأمم؛ فهو في جوهره محاولة لوضع مذهب تاريخي شامخ، لا هو مجرد تصنيف تأريخي، ولا هو مجرد إدراج للمعرفة التاريخية تحت التاريخ الديني المقدس، وإنما يريد أن يقدم صورة تاريخ مثالي خالد تسير طبقًا له تواريخ كل الأمم في الزمان، ومهمة هذا المسار أن يعرف الشعوب في أصولها وتقدمها وازدهارها وسقوطها، وأن يتتبع المسار التاريخي من البربرية إلى الحضارة، والمهم أنه ينظر إلى التاريخ على أنه هو تاريخ الإنسان وتاريخ عقلنا البشري، وبهذا يعرف الضرورة التاريخية التي بمقتضاها كان من المحتم أن يحدث شيء في الماضي ومن المحتم أن يحدث شيء في الحاضر والمستقبل، وقبل أن نتحدث عن طبيعة المعرفة التاريخية عند فيكو نود أن نقف أولًا عند تصوره للمعرفة بوجه عام.

وضع فيكو مبدأ جديدًا للمعرفة لمعارضة النزعة العقلية الديكارتية وأتباعها الذين نظروا إلى التاريخ كمجموعة من الحقائق المضطربة وسلسلة من الحكايات السخيفة، وهاجم الأسس الثلاثة التي استند إليها ديكارت؛ فقد عارض الكوجيتو الشهير كمبدأ لليقين، ورأى أن الفعل الإنساني لا الوعي الذاتي هو مبدأ اليقين في علم التاريخ، ونقد أدلة وجود الله التي تستند إلى معرفةٍ أوليةٍ سابقةٍ على التجربة وعدَّ هذا تطاولًا على الذات الإلهية، كما عارض اليقين الرياضي كمعيارٍ للوضوح والبداهة وبالتالي كمعيارٍ للحقيقة.١ ومن هذه المعارضة للنزعة العقلية قدم فيكو نظرية في المعرفة تقوم على مذهبه في الحقيقة، وهي أن الحق والفعل مترادفان Verum et Factum Convertuntur فالشرط الضروري لمعرفة أي شيءٍ معرفةً حقيقيةً هو أن يكون العارف قد صنعه بنفسه ويكون لديه اليقين بهذا المعنى لا بالمعنى الديكارتي «اخلقوا الحقيقة التي تريدون معرفتها. أما أنا فسوف أقوم أثناء التعرُّف على الحقيقة بصنعها بطريقةٍ لا تدع مجالًا للشك فيها ما دمت أنا الذي أنتجتُها بنفسي.»٢ ومعنى هذا أننا بإزاء موقفٍ مختلفٍ عن موقف الفلسفة الديكارتية تمام الاختلاف؛ إذ إن التاريخ يتألَّف من أعمالٍ تصلح أن تكون موضوعًا للمعرفة البشرية أكثر من أي موضوعٍ سواه؛ فالمعرفة إذن مرادفةٌ للصنع، والإنسان يعرف حقائق الأشياء عندما يُشارك في صنعها بنفسِه بحيث تصبح قابلةً للمعرفة؛ فالعقل يشارك بفاعليته في تكوين الأشياء، ومعنى هذا أن الحقيقة تبلغ مرتبة اليقين عندما يرويها مَن صنعَها بنفسه. السؤال الآن ما المقصود أن الحقيقة هي ذاتها الشيء الذي يتم فعله؟ حاول رسل أن يُجيب على هذا السؤال بقوله لو اختبرنا هذا المبدأ غير التقليدي عن كثب لاستخلصنا منه بعض النتائج الصحيحة كل الصحة على المستوى الإبستمولوجي (المعرفي)؛ ذلك لأن من الصحيح أن الفعل يمكن أن يساعدنا على تحسين معرفتنا، ولا جدال في أن أداء فعلٍ ما بطريقةٍ ذكيةٍ يزيد من فهم المرء له. وواضح أن هذا يحدث على أوضح نحوٍ ممكنٍ في ميدان الفعل أو الجهد البشري. إن فيكو لا يجعل من الإنسان مقياسًا للأشياء جميعًا بالمعنى السفسطائي، بل إن ما يؤكِّده هو العنصر الفعال الذي يُعيد تركيب الوقائع في عملية المعرفة، وهو شيء مختلف كل الاختلاف عن اتخاذ ما يبدو لكل شخصٍ معيارًا نهائيًّا. ومن جهةٍ أخرى فإن تأكيد الفاعلية يتعارَضُ بشدةٍ مع الأفكار الواضحة المتميزة عند العقليين. فعلى حين أن المذهب العقلي يتباعد عن الخيال على أساس أن هذا الأخير مصدرٌ للاضطراب والخلط، فإن فيكو على عكس ذلك يؤكِّد دوره في عملية الكشف، وهو يرى أننا قبل أن نصلَ إلى تصوراتٍ أو مفاهيم، نفكِّر في إطار مواقف أقرب إلى الغموض وانعدام التحدُّد.٣
ونلاحظ في نظرية فيكو للمعرفة جانبَيْن؛ الذاتية والموضوعية أو العقلانية والتجريبية، بمعنى أن هناك نوعًا من الجدل بين الفكر والواقع؛ فالإنسان يُوجِد تنظيماته الاجتماعية، ومن خلال تفكيره في هذه التنظيمات تنبثق تجارب جديدة بتنظيمات جديدة، فتأكيد الذات البشرية مسألةٌ أساسيةٌ لأنها هي الذات التي صنعَت التاريخ، وإذا كانَتْ صورة التاريخ هي التاريخ المثالي الأبدي فإن مادَّتَه من صنع الإنسان. التاريخ إذن إبداعٌ إنسانيٌّ خالصٌ؛ فقد خلق الله الطبيعة وترك للإنسان الحرية ليعيد صنع العالم التاريخي، بهذا المبدأ يؤكِّد فيكو — ربما لأول مرةٍ في تاريخ الفلسفة الغربية — مذهب صنع الإنسان لنفسه ويضعه داخل إطارٍ أشمل يُبيِّن بصورةٍ قبلية الحدود التي يمكن أن يتم فيها هذا الصنع، فهذه الحدود قد عيَّنَتها العناية الإلهية من قبل، كما تحدِّدها أيضًا حقيقة أن التنظيمات الاجتماعية وتطور المعرفة كلاهما عمليةٌ تبدأ بالإحساس (في الحالة الطبيعية) وتنتقل إلى الخيال (كما في الحالة الشعرية) وتنتهي إلى العقل (وهي الحالة البشرية) فالإنسان إذن ليس مجرد نتاج حتمي للطبيعة، ولكن له حرية صنع نفسه من خلال صنع التنظيمات وتجديدها. والنتائج المترتبة على مذهب فيكو في صنع الإنسان لنفسه بصورةٍ متجددةٍ هي تأكيد الجانب الذاتي والجانب الموضوعي أو الأبدي الذي يتم في إطاره هذا الصنع أو هذا الإبداع البشري المتجدد. وفهم الإنسان لذاته وهو يستعيد العملية التاريخية هو نوعٌ من صنع الذات، وبالرغم من الاختلافات الفردية بين الأفراد والنظم والمجتمعات، فإن العقلَ الذي يكمن وراءها عقلٌ مشترك يعبِّر عن طبيعةٍ بشريةٍ واحدةٍ مشتركة، ولولا ذلك ما استطاع عقل إنساني آخر من حضارة أخرى ومجتمع آخر أن يشارك فيه بالفهم أو أن يتواصل معه، فهناك طبيعة مشتركة وحس مشترك بين البشر. والبشر عندما يدرسون الظواهر التاريخية المختلفة من عادات وتقاليد ولغة وفن ودين وقانون وأساطير وشعر، فهُمْ في الواقع يُعيدون اكتشاف أنفسهم كما يتعرفون من جديدٍ على إمكانيات طبيعتهم البشرية المختلفة، وهذا نوعٌ من معرفة الذات بل هي في الحقيقة من صنع الذات، ولكن وحدة الطبيعة البشرية التي تسمح بالتواصل بين الأفراد والأمم كما تسمح للمؤرِّخ أن يتواصلَ مع الظواهر التاريخية المتنوعة، لا تعني أن الطبيعة البشرية الواحدة هي طبيعةٌ محددة للأبد؛ فالواقع أن فيكو يؤكِّد دائمًا أن الظواهر التاريخية قابلةٌ للتغير والتطوُّر والتنوع، وهذا يُفسح مجالًا للحرية الإنسانية كما يسمح بتفرُّد الأمم والأفراد وتميُّزهم، ويتضح هذا إذا نظرنا إلى موضوعات الشعر من حبٍّ وحزنٍ وفرح … إلخ التي هي موضوعات خالدة، لكن كل قصيدةٍ تعبِّر عن هذا المعنى تعبيرًا مختلفًا عن الأخرى فكل قصيدةٍ هي نوعية متفردة. فبالرغم من إيمان فيكو بوحدة الطبيعة البشرية فهو يؤكد إمكانية التغير والتجدد داخل كل دورة تاريخية، ودراسة التاريخ تعلِّم الجنس البشري كيف يصبح إنسانيًّا وذلك بأن يحيا من جديدٍ المراحل التي عبَرتْها البشرية حتى وصلَت المرحلة التي أمكن فيها القيام بدراسة التاريخ؛ فدراسة التاريخ هي عملٌ من الأعمال التي يصنع فيها العقل نفسه.٤

وخلاصة نظرية المعرفة عند فيكو أن العقل يعرف نفسه من خلال دراسة الأشكال التي يظهر فيها، فيظهر مثلًا في التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفن والقانون واللغة … إلخ، أي يتجلَّى في كل مظاهر الحضارة، وبهذا يعد فيكو أول من قدَّم نظرية تاريخية عن حقيقة التغير من خلال تفسيره للتاريخ باعتباره عملية عقلية منظمة خلَّاقة، فمن خلال التاريخ الذي يتألَّف من أحداث ووقائع ومؤسسات اجتماعية تعبِّر عن أحوال العقل يصبح هذا العقل نفسه موضوعًا للمعرفة، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية في الدراسات التاريخية؛ إذ كيف تكون الذات العارفة هي نفسها موضوعًا للمعرفة؟ أو بمعنًى آخر كيف يمكن لصانع العلم أن يكون هو نفسه موضوعًا للعلم؟ للإجابة على هذا لا بد أن نطرق مشكلةً أخرى شغلَت المفكرين والفلاسفة وتبلورَتْ في السؤال الآتي: هل التاريخ علم؟

(٢) علم التاريخ

هل التاريخ علم؟ سؤال أثار الكثير من الجدل واختلفت حوله آراء الفلاسفة على مر العصور بين مؤيِّدٍ ومعارض، والبعض يرى أنه ليس بعلمٍ بل هو دربٌ من دروب الفن. فهناك علاقة جَدلية بين الفن والتاريخ باعتبار الأول مصدرًا هامًّا من مصادر المعرفة التاريخية، ويُساعد المؤرِّخَ على كشف الحالة الوجدانية للعصور التاريخية المختلفة، فمِمَّا لا شك فيه أن الأشكال التعبيرية المتنوعة للإبداع الفني تُعين المؤرخ على إعادة تصوير الماضي وبَعْث روحه من جديد، خاصة بعد أن اتسع مفهوم التاريخ فلم يعد مقصورًا على سِيَر الأبطال والمعارك الحربية، بل يشمل الجوانب الحضارية المختلفة والمتعددة للإنجازات البشرية؛ وبالتالي تعدَّدَت مصادر المعرفة التاريخية فلجأ المؤرخ إلى أشكال الإبداع الفني المتنوعة ليجد مادة تاريخية خصبة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الإنسان هو الموضوع المشترك بين الفن والتاريخ باعتباره مبدعًا للفن وأيضًا صانعًا لأحداث التاريخ، مما جعل رجال الأدب يذهبون إلى أن التاريخ سواء أكان علمًا أو غير علم فهو بلا ريب فنٌّ من الفنون، وأن العلم بالغًا ما بلغ لا يُعطينا من التاريخ سوى العظام اليابسة، وأنه لا مندوحة من خيال الشاعر إذا أُريد نشر تلك العظام وبعث الحياة فيها.٥ وعلى العكس من هذا الرأي يرى بيري أن التاريخ قد عانى من كونه جزءًا من الأدب بينما التاريخ علم لا أكثر ولا أقل، وأن وقائعه يمكن أن تدرس موضوعيًّا كوقائع الجيولوجيا والفلك، أي أن تدرس على أنها أشياء خارج الذات؛ إذ لا يتسنَّى قيام علمٍ على أساس ذاتي، والوقائع التاريخية يمكن أن تُجمع وتُصنَّف وتُفسَّر كما هو الحال في أي علم. والسؤال الآن: إذا كان التاريخ علمًا فمن أي أنواع العلوم يعتبر التاريخ؟ إنه ليس كالفلك علم معاينة مباشرة، ولا الكيمياء علم تجربة واختبار، ولكنه علم نقد وتحقيق وأقرب العلوم الطبيعية شبهًا به الجيولوجيا؛ فكما أن الجيولوجي يدرس الأرض كما هي الآن ليعرف كيف صارت إلى حالتها الحاضرة، فكذلك المؤرِّخ يدرس الآثار المتخلفة عن الماضي ليفسِّر بواسطتها وبقدر إمكانه ظاهرة الحاضر. وكما أن الجيولوجي يجد مادته الأساسية في نفايات الطبيعة ليُثبت التطوُّرات الجيولوجية، فكذلك المؤرِّخ يعتمد في معرفة الوقائع الماضية على آثار ماديةٍ أو سجلاتٍ أو تقاليد سلمت مصادفة أو اتفاقًا من عوادي الزمن. هذه الآثار والسجلات والتقاليد هي الحقائق المحسوسة الحاضرة التي ينصبُّ عليها عمل المؤرخ، وهي مادة علمه وليست قيِّمةً وهامَّةً لذاتها ولكن لمجرد دلالتها على الوقائع الماضية.٦

هكذا اختلفت الآراء حول ماهية التاريخ؛ هل هو فرعٌ من فروع العلم؟ أم هو فرعٌ من فروع الأدب؟ وظل السؤال والجدل حوله قائمًا حتى كان القرن الثامن عشر وأحرزَت العلوم الطبيعية تقدمًا كبيرًا وانعكس المنهج التجريبي على الدراسات التاريخية، ولكن هناك فريق من الباحثين عارض هذا المنهج ورأى أن التاريخ فرعٌ خاصٌّ من فروع المعرفة؛ وبالتالي فمنهجه يختلف تمامًا عن منهج العلوم الطبيعية، فهذا الأخير عالم تسوده الحتمية والإستاتيكية بينما التاريخ هو عالم الحرية والحركة والديناميكية. ولا يتسع المجال هنا لتتبُّع آراء المفكرين والفلاسفة عن علم التاريخ، ولكن ما يهمنا في هذا البحث: هل أراد فيكو للتاريخ أن يكون علمًا على نسق العلوم الطبيعية؟ وإلى أي حدٍّ استطاع أن يحقِّق هذا؟ نعم، أراد فيكو أن يجعل من العلم الجديد علمًا بشريًّا على نمط العلوم الطبيعية، وعالج الظواهر البشرية معالجةً علميةً عندما تناول الوثائق التاريخية بالتحليل والنقد، وكأنه أراد للعلم الجديد أن يؤكد فكرتَيْن أساسيتَيْن؛ الأولى: أن معرفتنا لعالم الظواهر البشرية يمكن أن تكون دقيقةً وعلميةً تمامًا كمعرفتنا لظواهر العالم الطبيعي؛ الثانية: أنه علم بشري يقوم على المعرفة التجريبية السابقة لما هو بشري مما يجعل منتجاته أكثر قابلية للفهم والتعقُّل من أي علمٍ طبيعي.

هاتان الفكرتان تبدوان متعارضتَيْن؛ لذا اختُلفت الآراء حول تفسيرهما فذهب بعض الباحثين إلى اعتبار أن قيمة فيكو الحقيقية تكمن في افتراض أن معرفتنا للشئون البشرية من الممكن استنتاجها علميًّا مما نتج عن ذلك التفسير الوضعي لمذهبه مع تجاهُل هؤلاء الباحثين قيام «العلم الجديد» على المعرفة السابقة أي معرفة الماضي باعتباره ظاهرةً لن تتكرَّر ولن تخضع للتجربة، وذهب فريقٌ آخر من الباحثين إلى اعتبار أن قيمة مذهب فيكو تكمن في إدراكه دور المعرفة السابقة في بناء معرفتنا بالشئون البشرية وكان ذلك هو التفسير المثالي. وكلا التفسيرَيْن أخذا على فيكو قوله إنه من الممكن أن يكون الإنسان موضوعًا للعلم التجريبي، وقبل أن نكشف عن هذا التعارض، لا بد أن نعرض لمفهوم العلم عند فيكو لا سيما أنه يأخذ مفهوم العلم عن أرسطو فيردِّد قوله بأن العلم يتعلَّق بما هو كليٌّ عام وضروري أبدي، كما يؤكد أن العلم الجديد يتضمَّن تطبيق مفهوم الكلية والضرورة. وقد عرض في المسلَّمات من الخامسة إلى الخامسة عشرة من أصول العلم الجديد؛ عرض الجوانب الأساسية لمفهوم الإنسان ككائنٍ تاريخيٍّ اجتماعي، وهي تجعلنا ننظر لعالم الأمم من ناحية الفكرة الأبدية التي يقوم عليها مصداقًا لما يقوم عليه العلم الأرسطي؛ لذا يرى فيكو أن إخفاق المؤرِّخين الأوائل في أعمالهم يرجع لعدم اعتمادِهِم على التصوُّر الفلسفي الصحيح للإنسان، وأنهم لو كانوا فعلوا هذا لسبقوه في اكتشاف العلم الجديد. وأكد فيكو علمية التاريخ في إطلاق لفظ العلم على أهم مؤلَّفاته وكرَّره في الطبعات الثلاث للكتاب.

السؤال الآن ما دور المعرفة التجريبية السابقة (أي المعرفة بالماضي) في العلم البشري؟ من المعروف أن الماضي لا يمكن أن يكون موضوعًا تجريبيًّا مثل الموضوعات التي تتناولها العلوم التجريبية، فهل معنى هذا أن معرفة الماضي — أي المعرفة التاريخية — يستحيل أن تكون معرفة علمية كما تصوَّر بعض شرَّاح فيكو؟ ثم كيف تصور فيكو أن المعرفة بالأحداث السابقة يمكن أن تكون علمًا؟ لا بد من الإشارة إلى أن العلم الجديد يعتمد على نوعٍ محددٍ من الصنع البشري، وأن معرفتنا بهذا الصنع تنطوي على المعرفة بتحوُّلات العقل — كما أشرنا من قبل — وهي معرفةٌ يحقِّقها الإنسان عن طريق نوعٍ من التأمُّل الذاتي. وإذا كان فيكو قد أخذ على الفلاسفة السابقين أنهم اهتموا بدراسة العالم الطبيعي على الرغم من أن معرفة هذا العالم لا تتيسَّر إلا لله وحده لأنه هو الذي خلقه، فقد أخذ عليهم كذلك أنهم أهملوا دراسة العالم الإنساني الذي يستطيع البشر أن يعرفوه لأنهم هم الذين صنعوه، ولا بد أن نقف الآن عند ما يقصده بالصنع البشري الذي يمكن أن يؤخذ على معنيَيْن؛ فالبشر يصنعون تاريخهم من خلال أنشطة وتنظيمات وقوانين … إلى آخر ما يكوِّن مضمون عالمهم التاريخي، أما المعنى الثاني فيقصد به أن المؤرخين من البشر هم الذين يضعون تقريراتٍ تاريخيةً عن الماضي، ومن الواضح أننا إذا تحدَّثْنا عن الصنع في العلوم الطبيعية فلا بد أن يكون بالمعنى الثاني الذي يُشبه عمل المؤرِّخ؛ لأن العالِم في العلوم الطبيعية لا يخلق الظواهر الطبيعية نفسها، وإنما يوجد مفاهيم العلم ونظرياته ومناهجه، وهكذا نصل إلى ما أكَّده فيكو من قبل وهو استحالة معرفة العالَم الطبيعي لأن الله هو الذي خلقه على حين أن معرفة العالَم البشري ممكنة؛ لأن الإنسان هو الذي صنع محتوياته؛ ولهذا يستطيع البشر أن يفهموا العالم الذي صنعوه بأنفسهم لأن المبادئ التي قام عليها يمكن إعادة اكتشافها في داخل العقل البشري، أي في نطاق التحولات التي تعرض لعقل من يتأمل ذلك التاريخ الماضي، ولكن ماذا يقصد فيكو بهذه التحولات؟ إنها تتمثَّل أولًا في المبادئ الثلاثة الأساسية التي يقوم عليها تنظيم أي مجتمعٍ بشريٍّ وهي الدين والزواج ودفن الموتى، وثانيًا في سلسلة المراحل التي يمر بها تطوُّر العقل البشري من الخيال والشعر إلى مرحلة التفكير العقلي، وهذا التتابع ضروريٌّ في نشأة كل مرحلة من سابقتها ونشأة المرحلة التابعة لها. والإلمام بهذه التحولات يساعدنا على معرفة الضرورة في التاريخ البشري؛ فالمعرفة التي يُتيحها العلم الجديد تقوم على المعرفة السابقة لهذه التحولات في تطورها التاريخي.

هنا يجب أن نذكر نقطة ثالثة لا تقل أهمية عمَّا سبق، وهي أننا نتعرف على هذه التحولات عن طريق التأمل الذاتي،٧ وهو منهج فيكو في دراسة التاريخ ويعتمد على الاستبطان كشكلٍ من أشكال التفكير، ولكن الاستبطان عنده ليس بالمعنى المفهوم في التحليل النفسي، وإنما هو استبطانٌ للذات التاريخية، أي عملية إعادة بناء نقدي للفكر الماضي، ولكي يتأتَّى هذا لا بد من الاستعانة بعلم اللغة للوصول إلى اليقين ثم تحويل هذا اليقين إلى حقائق ومعرفة عن طريق التفكير الفلسفي.٨ هكذا نرى أن إعادة البناء التاريخي هي بمثابة اكتشاف لتحولات العقل البشري التي لا بد للمؤرِّخ أن يتمثَّلها ليُعيد بناء موضوع المعرفة بإعادة اكتشاف الذات التاريخية، فهناك تواصلٌ بين الحاضر والماضي يصنعه المؤرِّخ بخياله الخلاق. والمؤرِّخ عندما يُعيد بناء الماضي، أي يقدِّم تقريرًا تاريخيًّا عنه، هو في الواقع يمارس نوعًا من معرفة ذاته التاريخية كبشرٍ أو كإنسانٍ أثناء تعرُّفه على ما صنعَتْه ذواتٌ بشرية أخرى في الماضي. وليس معنى هذا أن المسألة أصبحَتْ مسألة ذاتية، بل معناه أن ذات المؤرخ تحاول أن تفهم أسباب تطور الطبيعة البشرية ومراحل تطورها على نحو ما توجد هذه الطبيعة فينا وبقدر ما نستطيع فهمها. وفهمنا لتطوُّر الطبيعة البشرية أو بالأحرى لضرورة تطورها على نحوٍ معينٍ نتيجة لظروف وأسباب محددة هو جزءٌ مما هو بشري، كما جاء في المسلَّمتَيْن رقم ١٤ و١٥ وفيهما يؤكد فيكو نشأة التنظيمات الاجتماعية نشأةً طبيعيةً فطرية، وأن طبيعة هذه التنظيمات وخصائصها ترجع إلى أسلوب نشأتها ومولدها وزمن هذه النشأة وظروفها. وينتهي فيكو إلى أن ما يصنع الطبيعة البشرية هو سيرها بصورةٍ ضروريةٍ في مراحل تطور محددة عبَرَتْها كل أمة، وعندما يستعيد المؤرِّخ هذه المراحل يستعيد القانون الضروري الذي كوَّن الطبيعة البشرية نفسها، وإعادة بنائه للأحداث السابقة ومعرفته بها ليست معرفةً ذاتيةً لأنه يتعرَّف على الطبيعة البشرية نفسها التي هو جزء منها ويملك القدرة على فهمها، وهو في النهاية يعرف القوانين الضرورية التي كان لا بد أن يمر بها تطور الطبيعة البشرية، أي أنه في النهاية يعرف ما سمَّاه فيكو بالتاريخ المثالي الأبدي الذي يعبر عن مبادئ تطور الأمم في نشأتها وتطورها ونضجها ثم تدهورها وسقوطها. وهذا التاريخ هو بمثابة نسق نظري أو نظرية للمعرفة التاريخية، ولكن ما ماهية هذه النظرية؟ هل هي نظرية استقرائية على طريقة بيكون؟ أم هي نظرية استنباطية على طريقة ديكارت؟ وما هو مضمون هذه النظرية من الناحية الاجتماعية والتاريخية؟ هذا هو الذي سنعرض له الآن.

(٣) التاريخ المثالي الأبدي

أثار التاريخ المثالي الأبدي العديد من المشكلات وفُسر تفسيرات مختلفة. فما المقصود به على وجه التحديد؟ هل يقصد به الطابع النظري للتاريخ والأساس الفلسفي الذي يرتكز عليه؟ وهل يعني هذا أنه استنبطه من الواقع التاريخي بجوانبه المختلفة؟ أم أنه قد بدأ ببناء هذا التاريخ المثالي بناءً نظريًّا أو قبليًّا — إذا شئنا استخدام تعبير كانط — ثم حاول بعد ذلك أن يُطبِّقه على الواقع؟ ويزيد الأمر صعوبة أن فيكو يؤيد منذ البداية المنهج الاستقرائي الذي اتبعه بيكون ودعا إليه، فكيف نوفِّق بين تأييده للمنهج الاستقرائي وبين التاريخ المثالي الذي يوحي لأول وهلةٍ أنه ذو طابعٍ نظري أو استنباطي، وهل جمع فيكو بين المنهجَيْن معًا بحيث يتكاملان في رؤيته العلمية للتاريخ؟

علينا الآن أن نبدأ مناقشتنا لهذه المسائل فنبين أن فيكو أكد الطابع النظري لعلمه الجديد، وأنه أراد أن يجعل التاريخ المثالي الأبدي جزءًا لا يتجزأ من هذا العلم. ويتضح الجانب النظري في «العلم الجديد» عندما نلقي نظرةً على مسلَّماته وخاصة مسلَّمة رقم ٢٢ التي قسمت فيها المسلَّمات العامة إلى مجموعتَيْن؛ فالمجموعة الأولى من ٥ إلى ١٥ تتناول النظريات الفلسفية. ولو راجعنا هذه المسلَّمات لوجدنا أنها تنظر لعالم الأمم نظرةً فكريةً مثالية تعتمد على مفهوم العلم كما أخذه فيكو عن أرسطو، وهو أنه علمٌ يتعلق بما هو كلي وأبدي؛ والمجموعة الثانية تضم المسلَّمات من ١٦ إلى ٢٢ وهي مسلَّمات تمدنا بأسس الحق واليقين على حد تعبير فيكو، وتساعدنا على أن نرى هذا العالم في الواقع بعد أن درسناه بالفكر. وفي هذا محاولة لتطبيق المنهج الاستقرائي الذي استخدمه بيكون ونقله من الظواهر الطبيعية إلى التنظيمات البشرية. ويؤكِّد هذا ما يقوله فيكو نفسه عند مناقشته للعلاقة بين قضايا الفلسفة وقضايا فقه اللغة؛ فالقضايا الأخيرة تُساعدنا على أن نرى في الواقع المنظمات التي تأملناها من قبل تأملًا فكريًّا وفقًا لمنهج بيكون في التفلسف وهو الذي يعبر عنه في هذه العبارة «فكِّر وانظر.» وإشارة فيكو إلى هذه العبارة تدل على أنه يؤكد الجانب النظري من منهج بيكون الاستقرائي، بجانب أنها لا تُنكر الطابع النظري الاستنباطي للتاريخ المثالي الأبدي، غير أن هذا التاريخ يظل أمرًا غامضًا لم يتضح بعد بدرجة كافية، فهل يقصد فيكو من فكرة عالم الأمم — كما جاءت في العبارة السابقة — أن يشير إلى نظرياته العامة عن الطبيعة التاريخية والاجتماعية للإنسان، أم أراد أن يشير إلى قوانين تاريخية اجتماعية استقرأها من الواقع التاريخي؟ ويظل الأمر محيِّرًا فهل نفهم من إشارة فيكو إلى فكرة عالم الأمم أنه يبدأ بتحديد الجانب النظري أو القبلي الذي يضم مبادئ التاريخ وقوانينه ونظام حركته ثم يؤيدها بالنظر في الواقع، أم أنه يفعل العكس فيستخلص القوانين التاريخية والاجتماعية التي تتحكَّم في حركة مسار التاريخ من النظر في الواقع نفسه؟ وباختصارٍ هل هو استنباطيٌّ أم استقرائيٌّ؟ لا بد أن نرجع إلى مفهوم فيكو عن المنهج لكي نحاول أن نحسم هذه المسألة ونشير إلى هذه العبارة «إن علمنا الجديد في بحثه عن طبائع التنظيمات البشرية ينطلق من التحليل الدقيق للأفكار البشرية عن الضروريات البشرية أو منافع الحياة الاجتماعية، وهما المنبعان الدائمان للقانون الطبيعي للأمم الأممية، بهذا يكون علمنا في جانبه الثاني المهم هو تاريخ الأفكار البشرية.»٩
ومع أن فيكو لم يبيِّن على وجه التحديد إن كان التحليل الذي يقصده هو التحليل الاستقرائي أو الاستنباطي لكن يبدو أنه يقصد المعنى الثاني عندما يؤكد — في فقرة تالية للفقرة السابقة — ما يُسمِّيه أسلوب النقد الميتافيزيقي الذي يقدِّمُه علمه الجديد: «لكي نحدِّد أزمان وأماكن مثل هذا التاريخ — أي متى وأين نشأت هذه الأفكار البشرية — لا بد أن نُثبت جغرافيتها وتاريخها، وبذلك نضفي عليه اليقين عن طريق ما يمكن أن يسمى بالتاريخ والجغرافيا الميتافيزيقية. إن علمنا الجديد يقدِّم نوعًا من النقد الميتافيزيقي يتناول به مؤسسي الشعوب الأولى الذين سبقوا الكتابة التاريخية بألف سنةٍ على الأقل، والمعيار الذي يستخدمه نقدنا هو المعيار الذي علمته العناية الإلهية، وهو معيار مشترك بين كل الأمم، وهو الحس المشترك بين جميع أفراد الجنس البشري.»١٠ إن فكرة النقد الميتافيزيقي فكرة لا غنى عنها في منهج فيكو، فهذا النقد هو الذي يتناول الظروف أو الشروط التي تحدِّد نظام تطور الأفكار البشرية، ولعله قد أوضح هذا في تقديمه لفكرة الكتاب، ونكتفي بأن نذكر منها هذا الجزء «يمكننا أن نشير إلى أننا في هذا الكتاب نلجأ إلى منهج نقدي كان مفتقدًا فيما سبق لكي يساعدنا على بحث حقيقة مؤسسي هذه الأمم الأممية، وبهذا تأخذ الفلسفة على عاتقها دراسة فقه اللغة بدقة (المقصود بفقه اللغة هو نظرية عن جميع التنظيمات التي تعتمد على الاختيار البشري مثل جميع تواريخ لغات وعادات البشر في الحرب والسلام) وقد كانَت الفلسفة تفزع من تناول فقه اللغة بهذه الطريقة وذلك لغموض الأسباب وتنوع النتائج تنوعًا لا نهائيًّا، وبهذا تردُّه إلى شكلٍ من أشكال العلم عن طريق اكتشافها فيه خطة تاريخ مثالي أبدي مر به في الزمان تاريخ جميع الأمم، فبفضل المبادئ الجديدة لعلم الأساطير التي كشفنا عنها في هذا الكتاب فاعتبرناها نتائج لمبادئ جديدة للشعر (التي كشفنا عنها هنا أيضًا) بيَّنا أن الأساطير كانت تواريخ حقيقية وموثوقًا بها عن عادات وتقاليد أقدم شعوب اليونان. في المقام الأول كانَتْ أساطير الآلهة تواريخ للأزمان التي اعتقد فيها بشرٌ من البشرية الأممية الموغلة في الهمجية؛ أن جميع التنظيمات الضرورية للجنس البشري كانت عبارة عن آلهة، وأصحاب هذا الشعر كانوا هم البشر الأوائل الذين أسَّسوا الأمم الأممية عن طريق أساطير الآلهة، وهنا وبواسطة مبادئ هذا النقد الجديد أمكننا أن نتأمَّل الأزمنة المحددة والظروف الخاصة التي شعر البشر بضرورتها ومنفعتها وخصوصًا أولئك البشر الأوائل من العالم الأممي.»

وواضح من هذا النص أن فيكو يقدم منهجًا نقديًّا جديدًا يحول فقه اللغة — بالمعنى الواسع الذي وضحه في النص — إلى علم، فهذا النقد الجديد يكتشف الأسباب والنتائج التي كانت غامضة ولم تستطع الفلسفة من قبل أن تكشف عنها، كما أن هذا النقد سيضع هذه الأسباب والنتائج في صورة تاريخ مثالي أبدي مرَّت به خلال الزمان تواريخ جميع الأمم، أي أن الفلسفة ستجعل من فقه اللغة علمًا عندما تزوِّده بمعرفة أسباب التغير التاريخي في شكل تاريخ مثالي خالد، والجزء الثاني من النص يقدم أمثلة من تطبيق هذا النقد الميتافيزيقي الذي اكتشف فيكو بفضله مبادئ علم الأساطير بحيث أوضح أن أساطير الآلهة قد نتجت عن أسلوبٍ في التفكير جعل البشر يُصوِّرون أفكارهم عن الضرورات والمنافع البشرية في صورةٍ إلهية، كما أوضح أن هذه الأساطير عن الآلهة والأبطال لم تكن في الواقع إلا تواريخ حقيقية عن الأبطال أنفسهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهي شواهد تاريخية تعبِّر عن القانون الطبيعي للأمم.

والخلاصة أن فقه اللغة يصبح علميًّا عندما تفسر الشواهد التاريخية على ضوء نظريات عامة عن مبادئ وأسباب هذه الشواهد، وفي نفس الوقت تتضمَّن هذه النظريات التسليم بأن هذه الشواهد نفسها هي نتاج كائن تاريخي واجتماعي معين، وتعبير عن أفكاره وتصوراته عن الضرورات والحاجات والمنافع، أي تعبير عن طبيعةٍ بشريةٍ مشتركةٍ بين أفراد الجنس البشري وخاضعة لقوانين ومبادئ محددة بلورها في التاريخ المثالي الأبدي.١١

وعلى الرغم من أن نصوص فيكو لا تسمح لنا ببيان موقف محدد يمكن أن نصفه بأنه استنباطي من ناحية أو استقرائي من ناحية أخرى، فيمكن أن نقول إن التاريخ المثالي الأبدي هو نظرية عن الأسباب المحددة لأنواعٍ محددةٍ من الظواهر البشرية، إنها من ناحية نتيجة تفكير فلسفي أو عقلاني بدأ بتقديم الأصول والمسلَّمات والمبادئ ثم نظر في تاريخ البشر الفعلي لتفسيره على ضوئها، ولكنها من ناحيةٍ أخرى لا تُهمل النظر في الشواهد التاريخية والاجتماعية ولا تبتعد عن الظواهر العينية بكل ما فيها من تنوعٍ وثراء وتطور. والواقع أننا لا ننصف فيكو إذا وصفنا هذا التاريخ بأنه تاريخ فكري أو نظري مستنبط على الطريقة الديكارتية التحليلية أو الهندسية، أو وصفناه من ناحية أخرى بأنه استقرائي قائم على فحص لغوي — بالمعنى الواسع لهذه الكلمات كما ذكرنا من قبل وبقدر ما أتاحت ظروف تطور العلم في عصر فيكو — وذلك طبقًا لمنهج بيكون، وهناك باحثون يؤيدون الرأي الأول مؤكدين أن هذا التاريخ المثالي الفكري هو بناء نظري قبلي تأثر فيه بديكارت على الرغم مما صرح به من معارضته لنظرية المعرفة عند ديكارت ولأفكاره الواضحة المتميزة. وهنالك باحثون آخرون يؤكدون أنه اعتمد على منهج بيكون ونقله — كما قلنا — من الظواهر الطبيعية إلى الظواهر البشرية وإن كان قد أكد الجانب النظري في الاستقراء ربما أكثر مما فعل بيكون نفسه. ويكفي أن نتذكَّر أن فيكو قدم لعلمه الجديد مجموعةً من المسلَّمات التي حلَّلناها في الفصول السابقة فكان بذلك ديكارتيًّا أو هندسيًّا بغير شكٍّ. كما يكفي أيضًا أن نرجع إلى النصوص العديدة التي تكشف عن طبيعة نظرية المعرفة عنده وتؤكد باستمرارٍ أن الإنسان لا يعرف إلا ما يصنع وأن الواقع الفعلي للتاريخ البشري لا يغيب عنه لحظة واحدة. إن حسم هذه المسألة أمرٌ عسير، ويكفي أن نستشهد أخيرًا بالنص المشهور الذي ذكره في المنهج عندما قارن بين علم الهندسة وعلم التاريخ وبيَّن فيه أن الهندسة أيضًا يمكن أن تكون علمًا إنشائيًّا خلاقًا، وأن هندسته للتاريخ البشري في صورة التاريخ المثالي الأبدي أكثر واقعيةً من علم الهندسة لأننا نتعامل مع أمورٍ بشريةٍ أكثر واقعية من النقط والخطوط والسطوح والأشكال. «يصوِّر علمنا الجديد التاريخ المثالي الأبدي عبر الزمان، وهو الذي تسير بمقتضاه تواريخ كل الشعوب، نشأتها ثم تطورها ونضوجها وتدهورها وأخيرًا سقوطها.» والمبدأ الأول الثابت يفترض أن الإنسان بالتأكيد هو الذي صنع عالم الأمم، والتاريخ يكون أكثر يقينًا عندما يرويه صانع الأحداث نفسها، وهكذا ينطبق على هذا العلم ما ينطبق على علم الهندسة — وهو أنه يقوم على أساس ما وضعه من مبادئ — ولكن التاريخ بمفهوم العلم الجديد أكثر واقعية من علم الهندسة لأن التنظيمات الاجتماعية والأحداث الإنسانية أكثر واقعية من النقط والخطوط والسطوح والأشكال، وهذا يقوم على نظرية فيكو في المعرفة الخلَّاقة التي تقوم على الخلق والإيجاد والصنع لا المعرفة التي تقوم على التحليل والنظر، ولعل بيان المضمون الاجتماعي والتاريخي للتاريخ المثالي الأبدي أن يكون أهم بكثيرٍ من الإدلاء برأيٍ نهائيٍّ في موقف فيكو الذي يتسم بنوعٍ من الازدواجية.

تنطوي نظرية التاريخ المثالي على التأكيد بأن الإنسان محدد من الناحيتين؛ الاجتماعية والتاريخية، فلا بد أن يكون هذا التاريخ الأبدي ذا بعدَيْن؛ البعد التجريبي الذي يتضمن نظام العلاقات الاجتماعية التي يشترط وجودها في أي عصر تاريخي؛ والبعد النظري الذي يتضمن نظرية القوانين التاريخية التي يقوم عليها تطور ذلك المضمون التجريبي. بهذا لا يفصل فيكو الجانب التجريبي عن الجانب الميتافيزيقي، ومع أن هذه مسألة شائكة وغامضة فقد يمكن أن نوضحها قليلًا إذا رجعنا إلى تلخيص فيكو نفسه لمضمون التاريخ المثالي الأبدي كما قدمه في الكتاب الرابع تحت عنوان مسار الأمم، حيث نجده يقدم المقولات الميتافيزيقية أو الشروط والمبادئ غير التجريبية التي يقوم عليها هذا المسار. وهو يبدأ بذكر النظريات التاريخية عن الطبائع الثلاث التي تمر بمقتضاها كلُّ أمةٍ بثلاث مراحل متميزة من التطوُّر: «سوف نرى أن الأمم تتطوَّر وفقًا لهذا التقسيم (أي إلى عصور الآلهة والأبطال والبشر) عن طريق تسلسل ثابت ومتصل للأسباب والنتائج موجود عند كل أمة من خلال ثلاثة أنواع من الطبيعة البشرية وما يتبعها من عادات ثلاث، وبفضل هذه العادات نلاحظ ثلاثة أنواع مختلفة من القانون الطبيعي للأمم وما يتبع هذا القانون من تنظيم المراحل المدنية، فكانت الحكومات الثلاث وما يقابلها من لغات ثلاث، وتشكلت ثلاثة أنواع من الرموز، كما كانت هناك ثلاثة أنواع من التشريع والسلطة والعقل والأحكام.»١٢ إذا تأملنا هذا النص وجدنا أن فيكو يميز بين نموذجَيْن أو نظامَيْن مختلفَيْن؛ فهو في العبارة الأولى من النص يُشير إلى نظامٍ تكشَّف عنه ثلاثة أنواع من الطبيعة البشرية المتحققة في تواريخ كل الأمم، وهذا النظام بطبيعة الحال هو نظام تاريخي أو تطوري genetic ويصفه فيكو بأنه نظامٌ سببيٌّ أو علِّيٌّ يؤكد شرطًا ميتافيزيقيًّا وهو أن الماضي البشري محددٌ بشروطٍ تاريخية. وإذا تأملنا بقية الفقرة السابقة وجدنا أن فيكو يشير إلى جانبين من نظامٍ ذي طبيعة مختلفة عن النظام السابق، فهناك سلسلة من العلاقات الاجتماعية القائمة بين أنواع مختلفة من التنظيمات في أي مجتمع، وهنا يؤكد الأساس الميتافيزيقي لنظريته عن الشروط الاجتماعية التي تُحدد وجود الإنسان؛ فالعادات والتقاليد التي يمارسها البشر هي الأصل في التنظيمات الاجتماعية، وهذه الممارسات تكشف عن نوعٍ معينٍ من القانون الطبيعي، ومن طبيعة هذا القانون أن يتحدَّد عن طريق الحس المشترك، أي عن طريق الضرورة والمنفعة التي يحس بها البشر. وهكذا يتوسَّع فيكو في النظرية التي عرضها في الأصول فيذهب مثلًا إلى أن طبيعة الدولة نتيجة مترتبة على طبيعة القانون الطبيعي. كما أن مفهومه عن التنظيمات البشرية يتسع فيستوعب أبعادًا جديدة من التنظيم البشري بحيث يشمل اللغة والكتابة والتشريع والسلطة والأحكام والعقل.
أما الجانب الثاني من هذا النظام فهو يؤكد أن أنواع التنظيمات البشرية المختلفة لا بد أن تنشأ عن الطبيعة البشرية، وهو في هذا السياق يُشير إلى تحوُّلات العقل البشري، أي إلى أعم وأهم خصائص العقل البشري في أي مرحلةٍ من مراحل تطوره. وهذا هو ما أكده في المسلَّمتَيْن ١٤ و١٥ من وجود تفاعل ضروري بين هذه التحولات وبين التنظيمات البشرية، والنظرية التي قدَّمها فيكو في المسلَّمات السابقة تقول ببساطةٍ إن الطبيعة البشرية تتكوَّن من أشكال أساسية من التفكير والشعور، وهذه الأشكال حاضرةٌ أو متمثلة في كل تنظيمٍ داخل أي مجتمع تاريخي أو في أي تنظيم بشري. وهكذا تؤثر الطبيعة البشرية على طبيعة التنظيمات وتلونها بلونها، فمنها تنشأ أنواع معينة من العادات، ومن هذه تنشأ أنواع معينة من القانون الطبيعي، ومن هذه تنشأ أنواع معينة من الدول المدنية … إلخ. هكذا حاول فيكو أن يضمِّن تاريخه المثالي الأبدي الأسس الميتافيزيقية والفلسفية العامة والمضمون التجريبي للاجتماع البشري. فمهمة النظرية الميتافيزيقية في علمه هي تنظيم مادة التاريخ المثالي الأبدي؛ ومن ثم تنظيم مادة التاريخ الواقعي كله بحيث نستطيع أن نقول إنه تصور الجانب النظري تصورًا قبليًّا وفعالًا في نفس الوقت، على نحو ما نتصوَّر الأسس والشروط المعرفية في فلسفة كانط الميتافيزيقية، فإذا كانت هذه الأسس والشروط قبليةً وفعالةً في نفس الوقت (إذ لا قيمة لها إلا إذا طُبِّقت بالفعل على الواقع) فإن نظرية فيكو الميتافيزيقية تقوم بدورٍ فعلي وتوجِّه التاريخ الفعلي وتنظم التجربة الإنسانية، وتطبيقاته في العلم الجديد تشهد على هذا. ويكفي أن نتأمَّل بعض الفقرات الخاصة بالطبيعة الشعرية للبشر الأولين، فقد كانت هذه الطبيعة شعرية خلاقة تصورت الأشياء المادية في صورة حيَّة بل جسَّدَتْها على هيئة آلهة. لقد كانت طبيعة قاسية ووحشية، ولكن البشر في هذه المرحلة كانوا يشعرون بخوفٍ رهيبٍ من الآلهة التي خلقها البشر بأنفسهم. وترتب على هذا أن العادات الأولى كانت كلها ممتزجة بالدين والتقوى كما كان القانون الطبيعي الأول قانونًا إلهيًّا مقدسًا لأن البشر اعتقدوا أن حياتهم وحياة كل تنظيماتهم تعتمد على الآلهة لأنهم تصوروا كل شيءٍ في صورة إله أو في صورة شيءٍ أوجده إله. أضِف إلى هذا أن الحكومات الأولى كانت إلهية مقدسة أو ثيوقراطية يخضع كل شيء فيها لحكم الآلهة. لقد كان هذا العصر هو عصر التنبؤات وهي أول تنظيمات بشرية معروفة في التاريخ. ولا حاجة بنا أن نُعيد ما ذكره فيكو عن لغة هذا العصر ولا عن نوع التشريع الذي ساد فيه، ولا عن نوع السلطات التي حكمت فيه والأحكام١٣ … إلخ.
هذا العرض يلقي الضوء على مفهوم فيكو عن التاريخ المثالي الأبدي؛ إذ يبيِّن كيف ينظم مضمون محدد (وهو العالم الشعري للإنسان الأول) وفقًا لنظرية اجتماعية صورية تستجيب هي نفسها لمطالب ميتافيزيقية معينة، وهذا المضمون ينظم وفقًا للنموذجين اللذين ميزناهما من قبل، فهو أولًا ينظم وفقًا لنظريات العلاقات الاجتماعية المحددة (الإيمان بأن الآلهة تتمثَّل في كل شيءٍ نتجت عنه تنظيمات اجتماعية معينة تمثلت في اللغة والتشريع ونظام الحكم … إلخ) إن النظام اللاهوتي للحكم عند الإنسان في هذه المرحلة الشعرية يعتمد على تصوره للقانون الطبيعي، وتصوره للقانون الطبيعي يحدِّده عاداته وهذه بدورها تتحدد برؤيته الأساسية للعالم. أضف إلى هذا كله أن شبكة التنظيمات البشرية بمعناها الواسع تتأثَّر بالطبيعة البشرية، فملكات التخيُّل لهذا الإنسان — وهي ملكات بعيدة عن العقلانية — هي الشرط الذي يحدد عادات هذا الإنسان ودينه ومعتقداته، كما تحدد أيضًا لغته وتصوُّره للعدل ولنظامه القانوني بوجه عام، وهي تحقق هذا كله عن طريق سلسلة من العلاقات بطريقةٍ تؤكد أن مكونات العالم البشري مستمدةٌ من طبيعة البشر الذين صنعوا هذا العالم، فإذا تغير البشر وفقًا لتصور فيكو عن تطور الإنسان التاريخي وتغيره فإن مضمون العالم الإنساني — لا بنيته — لا بد أن يتغير تبعًا لذلك. وهكذا يؤكد فيكو من كل ما سبق أن هناك نوعًا من الوحدة التي تؤلِّف بين التنظيمات البشرية في أي مجتمعٍ تاريخي، ولكنها ليست وحدة منطقية تصورية، بل وحدة تقوم على ملكات البشر الذين صنعوا هذه التنظيمات وأساليب تفكيرهم أو بمعنى آخر تقوم على وحدة الطبيعة البشرية، والدليل على أن هذه الوحدة ليست نظريةً عقليةً خالصةً وإنما هي وحدة طبيعية واقعية هو تطور التنظيمات البشرية عبر مراحل مختلفة، وبعض هذه التنظيمات يظل قائمًا في مرحلةٍ تاليةٍ كان التطوُّر يقتضي اختفاءها. ففي ظل الحكم الإقطاعي تبقى بعض صور الحكم الأرستقراطي، وفي ظل حكم الآباء في العصر الديني تبقى بعض صور الطبيعة الوحشية التي كانت تغلب على هؤلاء الآباء قبل انتقالهم إلى المرحلة الدينية، وفي ظل الحكومات الأرستقراطية بقي لآباء الأسر نفس السلطة المطلقة التي كانوا يتمتَّعون بها في الحالة الطبيعية الأولى، وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه عن أن فيكو كانت لديه بصيرةٌ صادقةٌ بالواقع ولم تستعبده سلطة النظريات. صحيح أنه يتمسَّك بالبناء النظري بوجهٍ عامٍّ ويطبِّقه على الواقع ويحاول أن يبيِّن على الدوام أن تاريخه المثالي الأبدي تاريخٌ حقيقي؛ فالواقع الفعلي نفسه لا يغيب عنه لحظةً واحدة، كما أنه لا يتردد عن تأكيد اختلاف هذا الواقع الفعلي في مرحلة معينة عن مقتضيات البناء النظري.١٤

ومعنى هذا أن مذهبه يتسع في وقتٍ واحدٍ للضرورة النظرية وللإمكان الواقعي التاريخي، فهناك قوانين تحدد نظام تطور الطبيعة البشرية ومبادئها، ولكن الطبيعة البشرية نفسها تتحرَّك عبر التاريخ حركة قد تخرج من حينٍ إلى آخر، ومن مرحلةٍ إلى أخرى عن ذلك النسق النظري، بل إنه قد فطن إلى هذه الحقيقة وعبَّر عنها في إحدى مسلَّماته «العادات الفطرية لا تتغيَّر كلها دفعةً واحدة ولكن تدريجيًّا وتستغرق فتراتٍ طويلةً من الزمن.» وهذا كله يدعونا أخيرًا إلى القول بأن النظر والعمل يتفاعلان في فلسفة فيكو بحيث تبقى مشكلة الازدواجية التي أشرنا إليها مرارًا مشكلة قائمة ولا يمكن حسمها لحساب النظر وحده أو العمل وحده. ولعل هذه الازدواجية نفسها أن تكون دليلًا على صدق نظرته وعمق إحساسه بالواقع التاريخي الذي لا يكف عن التغيُّر والتطوُّر. فهو واقع يخضع لقوانين وشروط محددة دون أن يستجيب لها بطريقةٍ حسابيةٍ وحتميةٍ خالصة.

إن نموذج التطوُّر الذي حدد به فيكو مسار التاريخ ووصفه في نظريته عن التاريخ المثالي الأبدي هو نموذج تخطيط ثلاثي للتطوُّر، فهو يميِّز بين ثلاثة عصور تعبر عن تاريخ كل أمة أو بين ثلاث طبائع بشرية تحدد هذا التقسيم بحيث يتطور كل نوع من أنواع التنظيمات في ثلاث مراحل عضوية متتالية. ويصف فيكو كل واحد من هذه المراحل بمجموعة من الصفات الأساسية التي تميزها؛ فالطبيعة الأولى شعرية أو خلَّاقة أو إلهية لأنها طبيعة يقوم فيها الخيال بدور رئيسي ويعتمد على رؤية دينية إلى العالم تؤثر على جميع التنظيمات القائمة فيه. أما الطبيعة الثانية فهي بطولية لأنها تعترف بالقوة وتمجدها وتقيم عليها كل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية. وأخيرًا تأتي الطبيعة الثالثة وهي الطبيعة الإنسانية لأن أصحابها يملكون قدرةً على التفكير العقلي في الأشياء وفهم طبيعتها الحقيقية. ويتطابق مع هذا التقسيم الثلاثي للطبائع تقسيم ثلاثي آخر للعصور الشعرية والبطولية والإنسانية، وكل عصر من هذه العصور يمثل نسقًا من التنظيمات يتطور تطورًا حتميًّا نتيجة للطبيعة البشرية الملازمة لها. وأخيرًا فإن كل تنظيم بمفرده في داخل هذه العصور يتطور بدوره تطورًا يعبر عن خصائص الطبيعة البشرية في كل مرحلة.

ونكتفي بتقديم مثل واحد يعبر عن تصور فيكو لهذا التخطيط الثلاثي من خلال التاريخ المثالي للقانون الطبيعي؛ فالقانون الأول كان قانونًا إلهيًّا لإيمان البشر بأنهم يعتمدون على الآلهة كما تعتمد عليها كل التنظيمات؛ وذلك لأنهم تصوَّروا كل شيءٍ في صورة إلهٍ أو تصوَّروا أنه من صنع إله. ثم يأتي بعد ذلك القانون البطولي الذي كان قانون القوة التي يتحكَّم فيها الدين ويضعها في داخل حدود لا تتعدَّاها حيث تعجز القوانين البشرية عن التحكُّم فيها؛ فقد كان الدين في هذه المرحلة هو الوسيلة الوحيدة لترويض الطبيعة الوحشية للبشر الأوائل لتعويض عجزهم عن التفكير العقلي. وأخيرًا تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة القانون الإنساني الذي يمليه العقل المتطور الناضج. هكذا نرى أن طبيعة القانون تتحدد بطبيعة الإنسان، فهي في المرحلتَيْن الأوليَيْن طبيعة تتسم بعجز العقل، ولكنها تتطوَّر إلى مرحلةٍ ثالثة يتم فيها تطور هذا العقل تطورًا كاملًا، وبذلك يتغيَّر تصور البشر للقانون الطبيعي مع تغيُّر طبيعتهم. ويتناول فيكو تاريخ القانون الصارم الذي ساد العصرَيْن الأول والثاني والفرق بينه وبين القانون الرحيم الذي ساد العصر الثالث، ثم يزيد الفرق بين هذه القوانين الثلاثة وضوحًا فيميز بين قانون يستند إلى السلطة وينفذ بناءً على ما فيه من يقين، وبين قانون تمليه المنفعة الخالصة في كل حال. وينبغي أن نلاحظ هنا أن التفرقة التي يقيمها فيكو بين هذه الأنواع المختلفة من القانون تقوم على طبيعة التفكير البشري وتطوره من الإحساس والخيال إلى العقل؛ فالقانون الصارم هو قانون البشر الذين يفتقرون إلى القدرة على التفكير العقلي في طبيعة الأشياء وفي أنفسهم وفي المجتمع والقانون … إلخ؛ ولهذا فإنهم يعجزون عن تطبيق القانون على ضوء الفهم الحقيقي لطبيعة الأشياء التي يتعلق بها هذا القانون، إنهم يطبقون القانون تطبيقًا حرفيًّا ولهذا فهو قانون قاسٍ ولكنه يقيني، وما دام يفتقر إلى فهم طبيعة القانون فهو لا يطبق إلا عن طريق السلطة التي تدعمه وتفرضه، وهذه السلطة بدورها تعتمد على رؤية دينية أو عقيدة لاهوتية نبعت منها فكرة السلطة نفسها. وهكذا نرى أنه نتاج طبيعة بشرية لم يكتمل فيها تطور العقل. فإذا نظرنا إلى القانون في المرحلة الأخيرة وهو قانون يتصف بالرحمة والإنصاف والعدالة وجدنا أنه يعبر عن الطبيعة البشرية التي اكتمل فيها نمو العقل بحيث أصبح قادرًا على فهم طبائع الأشياء، ولم يكن من الممكن أن يبلغ الإنسان مرحلة العقل إلا في مجتمع اكتمل تطوره التاريخي.

وكل هذا يؤكد أن تطور القانون — كتطور غيره من الأنظمة — يعتمد على مبادئ تطور الطبيعة البشرية نفسها، فهذه الطبيعة تنتقل من مرحلة تغلب فيها مَلَكة الإحساس والتخيل إلى مرحلة تالية تستطيع فيها أن تفهم حاجاتها ومطالبها وأن توجد التنظيمات التي تشبع هذه المطالب والحاجات. وهكذا فإن المبادئ التي توجِّه التاريخ هي نفس المبادئ التي توجِّه تطور الطبيعة البشرية، وهذا المثل الذي قدمناه عن تطور القانون يلخص في الواقع نظرية فيكو العلمية عن التاريخ المثالي الأبدي. وقد يبدو أن المبادئ التي تُسيِّر الطبيعة البشرية هي مبادئ لم تُستمد من حركة التاريخ نفسه وإنما فرضها فيكو على التاريخ. وحجة الشرَّاح الذين يذهبون إلى هذا الرأي هو أنه إذا كان تاريخ التنظيمات البشرية يتحدَّد بتطوُّر الطبيعة البشرية، فإن هذه الطبيعة لا يمكن هي نفسها أن تتحدد تاريخيًّا ولا بد أن يحدِّدها مبدأ ميتافيزيقي متعالٍ على التاريخ، ومعنى هذا أن فيكو قد وضع هذه المبادئ أو اكتشفها قبل أن يحاول فهم التاريخ نفسه في حركته الواقعية. وهذا التفسير قد أغرى هؤلاء الشرَّاح بأن يشبِّهوا نظرية فيكو عن السببية التاريخية بفكرة هيجل عن «دهاء العقل» التي تعتبر أن تطور التاريخ والنظم التاريخية يقوم على ضرورة ميتافيزيقية بحتة، أي على مبدأ متعالٍ يوجه التاريخ من خارجه. وعلى الرغم من التشابُه بين تطوُّر الإنسان نحو العقل عند فيكو وتطور العقل عند هيجل، فإن المبادئ التي تحدِّد تطورَ الطبيعة البشرية عند فيكو هي مبادئ ذات طبيعةٍ تاريخيةٍ اجتماعية. إن هذه الطبيعة البشرية تتطوَّر تتطوُّرًا عضويًّا — وفق النموذج الذي قدمناه — من خلال السياق التاريخي والاجتماعي الذي تتم فيه أفعال البشر. ولا بد من القول بأن التطوُّر التاريخي الاجتماعي لتطوُّر العقل عند فيكو مختلف كل الاختلاف عن تصور هيجل الذي لا شك أنه تصورٌ ميتافيزيقيٌّ متعالٍ على التاريخ. ويكفي أن نقول إن الدور الذي يقوم به العقل مختلف تمام الاختلاف عند فيكو عنه عند هيجل، فالعقل المطلق عند هيجل يتطوَّر — كما هو معروف — تطورًا ذاتيًّا نحو الوعي بذاته، أما عند فيكو فهو يتطور إلى حدٍّ معينٍ ويتعرَّض للانتكاس والانحراف عن مساره بحيث يرجع إلى عصر البربرية التي ينتهي إليها «التاريخ المثالي الأبدي» ويعود إلى أساليب التفكير الشعرية أو الخيالية التي مر بها في مرحلةٍ سابقةٍ على مرحلة التفكير العقلي. ولو آمن فيكو أن التاريخ هو نتيجة التطوُّر الذاتي للعقل — كما ذهب هيجل — لكانت عملية التطوُّر بلا نهاية؛ فالعقل عنده لا يتطور إلا داخل ظروفٍ تاريخيةٍ اجتماعيةٍ محددة يكون مشروطًا بها، والدليل على هذا أنه في المرحلة البربرية لا ينتكس لأساليب التفكير السابقة — التي كان قد تجاوزها إلى مرحلة التعقُّل والفهم — وإنما تنتكس معه تلك التنظيمات الاجتماعية التي عبَّرت عن مرحلة النضج العقلي (من قانون وسياسة واقتصاد … إلخ).

نستخلص من هذا أن فيكو لم يتصوَّر العقل كماهية مستقلة، ولم ينسب له أي قدرة ذاتية على التطوُّر، ولم يجعله سببًا من أسباب التطوُّر التاريخي، إن العلة الأساسية للتغير الاجتماعي أو التطوُّر التاريخي عنده هي الطبيعة البشرية نفسها كما تتطور في ظروف تاريخية واجتماعية محددة، وهذه الطبيعة البشرية التي ينشأ عنها كل شيء لا توجد منعزلة عن شبكة التنظيمات البشرية التي أوجدتها، فهي ليست شيئًا متعاليًا على عادات البشر وقوانينهم. والبشر أنفسهم في مرحلة معينة هم التعبير الحي عنها وتاريخهم هو تاريخها. والخلاصة أن نظرية فيكو عن الطبائع الثلاث التي تحدد التاريخ المثالي الأبدي لأي أمة ليست نظرية غير تاريخية ولا مبدأ متعاليًا على التاريخ تستنبط منه مبادئ التغير التاريخي. إنه في الحقيقة مبدأ تاريخي يعبر عن نظريته عن التطوُّر التاريخي للتنظيمات البشرية. وفيكو نفسه يؤكد هذا في الفقرة التي مهد بها للتلخيص الذي قدمه عن التاريخ المثالي الأبدي — والتي ذكرناها من قبل — «… سوف نرى أن الأمم تتطوَّر وفقًا لهذا التقسيم (أي إلى عصور الآلهة والأبطال والبشر) عن طريق تسلسل ثابت ومتصل للأسباب والنتائج موجود عند كل أمة من خلال ثلاثة أنواع من الطبيعة البشرية.» وواضح من هذه العبارة أنه يوحد بين التطوُّر العِلِّي لأي أمةٍ وبين التطوُّر الثلاثي للطبيعة البشرية، وهذا يستبعد تمامًا أن تكون الطبيعة البشرية بمعزلٍ عن التسلسل المتصل للأسباب والنتائج.١٥

ولعل كل ما ذكرناه من قبل عن الطبيعة البشرية يؤكد أنها تتفاعل مع التنظيمات التي تعبر عن مرحلة معينة بحيث إن هذه التنظيمات تعكس أسلوبها في التفكير والاعتقاد والتقييم، ثم تعود هذه التنظيمات نفسها فتؤثر على الطبيعة البشرية بحيث تنتقل إلى مرحلةٍ جديدةٍ تعبِّر عنها مرة أخرى بتنظيمات جديدة … وهكذا. ولو تأمَّلْنا عددًا من المسلَّمات التي يضع فيها فيكو المبادئ التطوُّرية للتاريخ المثالي الأبدي، ابتداءً من مسلَّمة رقم ٦٤ إلى مسلَّمة رقم ٦٨ لوجدناه يقول فيها صراحةً: «إن نظام الأفكار يجب أن يتبع نظام التنظيمات، لقد كان هذا هو النظام الذي سارَتْ عليه التنظيمات البشرية: فهي تبدأ بالغابات ثم الأكواخ ثم القرى وبعد ذلك تأتي المدن وأخيرًا نصل إلى الأكاديميات.»

  • «إن طبيعة الشعوب تكون في البداية فظةً ثم تكون قاسيةً ثم تميل إلى الرحمة والرقَّة وأخيرًا تتفكَّك وتتحلَّل.»

  • «إن البشر يشعرون في البداية بالضرورة ثم يبحثون عن المنفعة، ثم يميلون إلى الراحة وبعد ذلك يستمتعون باللذات وينغمسون — إلى حد الفساد — في الترف وأخيرًا يستولي عليهم الجنون ويفقدون جوهرهم.»

ومن هذه النصوص يتبين بصورة واضحة أن الطبيعة البشرية تتطور في إطار السياق التاريخي والاجتماعي وفي داخل التنظيمات الاجتماعية والسياسية … إلخ التي يوجد فيها البشر أو بالأحرى التي أوجدوها تعبيرًا عن طبيعتهم المتطورة. فكل مرحلة من المراحل التي أشار إليها النص هي شرط ضروري للمرحلة التالية لها؛ لأن البشر يكتسبون فيها قدرات أو استعدادات معينة تصبح بدورها شرطًا لقيام تنظيماتهم في المرحلة التالية، ومن المستحيل أن تتطوَّر الطبيعة البشرية بمعزلٍ عن هذه التنظيمات، ومجمل القول أن نموذج التطوُّر الذي قدمه فيكو في صورة التاريخ المثالي الأبدي هو في الواقع نظرية علمية تاريخية عن سلسلةٍ محددةٍ من الشروط التي تقوم على أساسها التنظيمات التي لا حياة للإنسان إلا في ظلِّها ولا حياة له بغيرها. ففي ظلِّ هذه التنظيمات يمكنه أن ينمي ملكاتِه وقدراتِه الاجتماعيةَ التي تكوِّن طبيعته البشرية وتحدِّد طبيعة تطوره التاريخي.

ننتهي من هذا إلى أن التاريخ المثالي الأبدي الذي قدَّمه فيكو كنظريةٍ علميةٍ في المعرفة التاريخية، يتضمَّن البناء النظري الميتافيزيقي والمضمون التجريبي معًا، وأن تصوُّره للبناء النظري تصورًا قبليًّا وفعالًا في نفس الوقت؛ يُشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الشروط القبلية للمعرفة عند كانط؛ لهذا نبَّه «ياكوبي» في كتابه عن الأمور الإلهية والكشف عنها (عام ١٨١١م) إلى سبق فيكو لكانط في القول بالمبادئ القبلية في المعرفة، وكتب يقول: «إن لُبَّ الفلسفة الكانطية هي الحقيقة التي تقول إننا لا نفهم الشيء إلا بقدرِ ما نستحضر وجوده أمامنا في الفكر أو بقدر ما نُوجِده في الفهم. وقبل كانط بزمنٍ طويلٍ وفي بداية القرن الثامن عشر كتب فيكو في نابولي يقول إننا في الهندسة نُبرهن لأننا نُوجد أو نُبدع، وقبل أن نُبرهن على شيءٍ في الفيزياء لا بد كذلك أن نكون قادرين على الخلق والإبداع، وهكذا فإن الذين يُحاولون إثبات وجود الله بطريقةٍ قبليةٍ يجب أن يوجَّه إليهم تهمة التطفُّل والتطاول، إن وضوح الحقيقة الميتافيزيقية يشبه وضوح النور الذي لا نعرفه إلا عن طريق الأشياء المعتمة لأننا لا نرى النور نفسه وإنما نرى الأشياء التي تعكسه، إن الأشياء المادية معتمة ولها شكل وحدود وفيها نرى ضوء الحقيقة الميتافيزيقية.»

إن المبدأ الذي تقوم عليه نظرية فيكو في المعرفة يقترب من المبدأ الذي تقوم عليه فلسفة كانط النظرية التي عبَّر عنها في مقدمة نقد العقل الخالص بقوله: «عندئذٍ أشرق شعاعٌ من الضوء على جميع دارسي الطبيعة؛ إذ فهموا أن العقل لا يدرك (في الأشياء) إلا ما أنتجه هو وفق خطة من وضعه، وأنه لا بد له أن يشق الطريق أولًا بمبادئ أحكامه حسب قوانين ثابتة ثم يضطر الطبيعة اضطرارًا أن تجيب عن أسئلته، وأن عليه ألَّا يدع الطبيعة تسوقه وكأنها تسحبه وراءها بالحبال؛ إذ لولا ذلك لاستحال على الملاحظات العرضية التي لا تتم وفق خطة سابقة مدبرة أن تنتظم في قانون ضروري يسعى إليه العقل ويتطلبه، ولا بد للعقل أن يتقدَّم إلى الطبيعة وهو يضع في إحدى يديه مبادئه التي يمكنها وحدها أن تجعل من الظواهر المتواترة قوانين صادقة، كما يضع في اليد الأخرى التجربة التي صاغها طبقًا لتلك المبادئ العقلية. حقًّا أن عليه أن يتقدَّم من الطبيعة لكي يتعلَّم منها، ولكنه وهو يفعل ذلك لا يكون شأنه شأن التلميذ الذي يُصغي لكل ما يشاء المعلم أن يمليَه عليه، وإنما يكون مثل القاضي الذي يُرغِم الشهود على الجواب عن الأسئلة التي يطرحها عليهم.»١٦

هنا نستطيع أن نقول إنه إذا كان كانط قد قدم نقدًا للعقل الخالص ونقدًا للعقل العملي، فإن فيكو قدَّم نقدًا للعقل التاريخي. لقد أراد كانط أن يصل — في مجال المعرفة — إلى مبادئ قبلية تصور أنها ثابتة ونهائية ومقولات مطلقة لا تتغير، بينما نجد القبلي عند فيكو كامنًا في التاريخ ويتحقق شيئًا فشيئًا مع تطور الوعي الإنساني وانتقاله من حالة الطبيعة إلى الحالة الإنسانية، فالقبلي عنده ليس نسقًا لأنه يعمل في مجال التاريخ الذي هو بطبعه مجال التغير والصيرورة والحركة الدائمة، ولكن هل القول بهذا التشابه يعني أننا نجد عند فيكو مجرد نموذج مثالي أبدي يوجه التاريخ بحيث يكون بلغة كانط هو الشرط القبلي للتاريخ؟ أم أن هذا النموذج الأبدي مجسدٌ في التاريخ بشكل واقعي حي؟ إننا لا بد أن نتصوَّره من الزاويتَيْن معًا بحيث يكون الأبدي شرطًا مسبقًا للفعل البشري في التاريخ ويكون التاريخ تجسيدًا حيًّا للأبدي أو للنموذج المثالي الذي حدَّده فيكو. الطبيعة الإنسانية إذن التي هي عِلَّة التطوُّر التاريخي ليست جوهرًا ثابتًا مطلقًا بل طبيعة متغيرة ومتطورة. وكما تضمن التاريخ المثالي الأبدي في داخله فهو لا يعلو على الواقع المتغير. وقد رأينا كيف أن فيكو اختبر صدق مبادئه الضرورية على ضوء الواقع التاريخي، وكما رأينا أن التاريخ الحقيقي للتنظيمات البشرية هو نشأتها من تحوُّلات العقل البشري. ومن تطوُّر هذه التنظيمات يكون هناك دائمًا مجالٌ للإبداع والابتكار والتغير، فعندما تنهار هذه التنظيمات في آخر مرحلةٍ من مراحل تطورها تعود لتبدأ من جديد، ولكنها لا تعود أبدًا بنفس الطريقة. والتاريخ لا يُعيد نفسه ولا يتحرك بشكل دائري منتظم وإنما يتحرك بشكل حلزوني لولبي. والدورات التاريخية تأتي دائمًا بالجديد فتظهر الحروب والثورات من حينٍ لآخر في التاريخ، ولكن كل حرب مخالفة لما قبلها، وكل ثورة فيها الجديد طبقًا لما تعلمته البشرية من الماضي. والتطوُّر التاريخي عند فيكو ليس دائمًا تطورًا إلى الأمام. وقد عرضنا في الباب الثاني نصوص فيكو الأصلية عن عودة مسار الأمم، ورأينا أن هناك عصور انهيار وتدهور في مسار التاريخ يعقبها عصور ازدهارٍ من جديد؛ فالبشرية التي تتردَّى في هاوية البربرية، لا تسقط في نفس البربرية الحسية الأولى بل في بربريةٍ يمكن أن توصف بأنها بربريةٌ عقليةٌ يكون فيها العقل قد فقد مضمونه الحي وأصبح شكلًا أجوف. وهذه فكرة مختلفة عن فكرة التقدم كما سادَتْ في عصر التنوير وهو نفس العصر الذي ينتمي إليه فيكو وإن اختلفت نظرته إلى التقدم عن نظرة فلاسفة هذا العصر. ولكي نوضح هذا التباين لا بد أن نلقي الضوء على نشأة هذه الفكرة — فكرة التقدم — في نهاية القرن السابع عشر حتى سادَت وانتشرَت بين الأغلبية العظمى من فلاسفة القرن الثامن عشر، ولا بد أن نعرف هل كان لدى فيكو تقدُّم تاريخي بمفهوم ذلك العصر؟

(٤) فيكو وفكرة التقدم

في أواخر القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر أخذ الفكر الحديث يؤكِّد ثقته بالأسس العقلية والمنهجية التي عمل على إرسائها خلال القرنَيْن السادس عشر والسابع عشر، وتزايد وعيه باختلافه عن الفكر القديم، وبقوته وسلطته في مواجهة القيم التي ظلَّت حية عبر القرون، وارتفعت الأنساق الفلسفية والرياضية التي تطمح للكمال، وراح كل فيلسوف يبني مذهبًا يزيح المذهب السابق عليه ليحتل مكانه، وشعر أقطاب العلم الجديد الشامل بتفوق معرفتهم على معرفة القرون السابقة وباختلاف تصورهم للعلم عن التصور المسيحي والمدرسي له. وهكذا أصبحنا إزاء فكر جديد وعلم جديد يؤكد اختلاف العقل عن الوحي والعلم عن الإيمان. ويبدأ الشك في الوقوف من التصورات المسيحية بوجه عام موقف النقد كما فعل من قبل في مواجهة العلم المدرسي. ويظهر الاعتزاز بالتقدم والتطوُّر، ويصبح الشك الذي مارسه ديكارت من قبل كتمرين على العودة لليقين والإيمان مرانًا مستمرًّا وعملًا دائبًا يفضح كل ما هو عرضة للشك. وتتعدَّد طرق البحث الدائب، فبجانب الشكاك والنقاد نجد المؤمنين بالعلم وبالتقدم إيمانًا ربما بلغ حد الجنون، فقد بدأت فكرة التقدم في الازدهار من نهاية القرن السابع عشر عندما أعلن فونتنل Fontenelle (١٦٥٧–١٧٥٧م) أنه لا نهاية للتطوُّر البشري.
كل هذه الاتجاهات المتعددة اندرجت تحت عنوان «التنوير»، وهي الصياغة الاجتماعية للنور الفطري الذي تحدث عنه ديكارت وإسبينوزا من قبل، لقد ظل النور الفطري في القرن السابع عشر منهجًا للمعرفة وأصبح في القرن الثامن عشر ثورة اجتماعية بعد أن أصبح الفكر موجهًا للواقع، وطالب فلاسفة النور الفطري بحق الفكر، وطالب فلاسفة التنوير بحق الفكر في توجيه الواقع، وبأن يعيشوا في عالم يحكمه الفكر.١٧ وكانت السمات الأساسية للتنوير هي الاعتزاز بالمعرفة، والإيمان بالعقل، والأمل في القادم الجديد، هذا هو الرباط الذي كان يوحد ذلك العصر على الرغم مما ساده من تنوع مجالات المعرفة، فقد ازدحم عصر التنوير بالمتطلعين إلى المعرفة، نذكر منهم على سبيل المثال «ليبنتز» الذي أخذ يسعى في نهمٍ شديدٍ إلى المعرفة الموسوعية ولا يقلُّ عنه «بيير بايل» الفيلسوف الناقد، كذلك جون لوك الطبيب والفيلسوف والمربي والمفكر السياسي، فهو واحد من هؤلاء الموسوعيين أصحاب الجوانب الكثيرة المتعددة. إنهم جميعًا قد حاولوا بدرجات متفاوتة من التوفيق أن يوحِّدوا أشتات معارفهم، ولا يقل عنهم فولتير الذي جمع بين الأدب والفلسفة والتاريخ، وكما تنوعت المعرفة ازداد تنوع العلوم الجزئية وتخصصها خاصة العلوم الطبيعية، لقد نهض الفلك في القرن السابع عشر وبجانبه الفيزياء والميكانيكا والكيمياء، وراح العقل يعزل الأشياء ويحلِّلها ويستخلص تصوراتها المجردة، وإلى جانب الفكر التحليلي سادت روح النقد العصر كله وكثرت محاولات إبراز المتناقضات التي حفلت بها المعرفة القديمة والجديدة.

وينمو في هذا العصر — عصر التنوير — وعي متفائل بالتقدم، سعيد بالمعارف الجديدة المتنامية، ولعل هذا الوعي السعيد المعتز بما توصل إليه من علم ومعرفة، المستبشر بمستقبل الإنسانية العاقلة العالمة، هو أهم ما يميز عصر التنوير، لقد أحس فيه الإنسان بأنه بلغ سن الرشد وجاوز المرحلة التي كانت تفرض فيها الوصاية عليه، وشعر هذا الإنسان بأنه يحيا في عصر يفوق سائر العصور السابقة بما فيه من أنوار.

والإيمان بالنزعة العقلية من أهم ما يميز عصر التنوير، ولعل تمجيد العقل لم يبلغ عند أيِّ مفكرٍ من مفكِّري هذا العصر مثل ما بلغه عند الفيلسوف الألماني كرستيان فولف (١٦٧٩–١٧٥٤م) الذي يرى أن الإنسان لم يتلقَّ من الله شيئًا أروع من العقل، ويستحق الإنسان أن يُسمى إنسانًا بقدر ما تزداد قدرته على استخدام قواه العقلية. ويتفوَّق «عقل العصر» ونقصد به فولتير على معاصره الألماني في تمجيد العقل وتحرير الوعي، ويتغنَّى في كتبه بتقدُّم العلم والفن، ولكن مع ذلك لا يغيب عنه أن السعادة بالتقدُّم مجاورة للشقاء والآلام التي تسببها حروب العصر واضطراباته «إن الفضل في هذا التقدم كله يرجع لبعض المفكرين والعباقرة المنتشرين بأعدادهم القليلة في مختلف أنحاء أوروبا، وقد ظلوا مجهولين زمنًا طويلًا وكثيرًا ما لاحقهم الاضطهاد. لقد أضاءوا العصر بأنوارهم وعزوه عن آلامه في الوقت الذي كانت فيه الحروب تخربه.» إن السعادة بالمعرفة التي يحسها العقل قد مازجها الشعور بالتناقض والتمزق والشك، يقول فولتير في قاموسه الفلسفي تحت مادة التناقض: «كلما أمعن الإنسان النظر في العالم أدرك أنه مليءٌ بالمتناقضات والغرائب، إن العالم لا يتركب إلا من متناقضاتٍ ومن الضروري تخليصه منها.» إن تمجيد العقل والتفاؤل بالتقدم على كل لسان، ومع ذلك تسري نغمة حزينة خاصة حين يتعرض هذا العقل للقيم التقليدية والحقائق الكبرى. يقول فولتير في قاموسه السابق الذكر تحت مادة الروح: «إنني أومن بوجود كائن عاقل، وأومن بوجود الله، أما في كل ما عدا ذلك فإنني أتعثر في الظلام، أسلم اليوم بفكرة، وأشك فيها في الغد، وأنكرها بعد الغد، وفي كل يومٍ أتعرض للخطأ والضلال، ولقد صارحني جميع الفلاسفة الأمناء بأن حالهم في ذلك لا تختلف عن حالي.»

وعلى الرغم من إيمان فولتير بالتقدم اللامحدود لمستقبل البشرية، إلا أننا نجد عنده أيضًا ما يشير إلى انحراف مسار التقدم عندما اعتقد أن المصادفة تتحكَّم في الأحداث حين لا تكون خاضعة بوعي للعقل الإنساني، وعنصر المصادفة واضح في التشريع «إن كل القوانين تقريبًا قد وُضعت لمواجهة حاجات عابرة، كالأدوية التي تستعمل عشوائيًّا فتشفي أحد المرضى وتقتل آخرين.» وتبعًا لهذه النظرية، كان من المستطاع انحراف تقدم الإنسانية في أي لحظة واتباعها طريقًا مختلفًا، ولكن بغض النظر عن أي طريقٍ ستتبعه فإن طبيعة العقل الإنساني كفيلةٌ بأن تحقق تقدمًا في الحضارة. ويكشف بيري عن طبيعة التقدم عند فولتير فيقول إن قارئ «المقال» وعصر لويس الرابع عشر «ربما شعر بعد قراءته للكتابين بهشاشة التقدم وعشوائيته. فلو صح القول بأن المصادفة تتحكَّم في الأحداث، أو أن أحداثًا عارضةً هي التي تتحكَّم في نهوض الإمبراطوريات وسقوطها وتعاقب الأديان وثورات الدول ومعظم التحولات الكبرى في التاريخ؛ فهل يكون هناك أيُّ أساسٍ مفحم للاعتقاد بأن العقل الإنساني — وهو الذي نسب إليه فولتير تقدم الحضارة — سيسود في المدى الطويل؟ لقد انتظمَتِ الحضارة هنا وهناك فكانت هناك عصورٌ من التقدُّم السريع، ولكن كيف نستطيع الاطمئنان إلى أن هذه الأحداث ذاتها ليسَتْ عابرةً أيضًا بعد أن جاء التدهور في أعقاب الازدهار، والنكوص في أعقاب التقدم؟ فهل يُستطاع القول بأن التاريخ مؤيدٌ للقول بنهوض العقل إلى درجة تحول دون قيام المصادفة بتهديد إرادته؟ وهل يزيد مثل هذا الاستدلال عن مجرد أملٍ لا تؤيده وقائع التجارب الماضية، إنه مجرد خاطر يتمشَّى مع روح التنوير.»١٨
لقد احتشد العصر بالعديد من فلاسفة التقدُّم أمثال «تورجو» الذي حاول تتبُّع مصير الجنس البشري على ضوء فكرة التقدم، واتفق مع فولتير في تصورهما للتقدم التدريجي للبشرية نحو حالة من التنور والمعقولية، وكذلك كوندورسيه الذي وضع تصميمًا لتاريخ الحضارة على ضوء فكرة التقدم وألَّف «صورة تاريخية لتقدم العقل البشري» وأكد حدوث تقدمٍ غير محدود وموثوق به في التنور وفي المجتمع، وعمد إلى التفكير في طبيعته واستبصار اتجاهه وتحديد هدفه، وأصرَّ على الكتابة عن التوقعات المنتظرة في المستقبل البعيد، ومضى يُثبت أن حركة التقدم لن تعود للوراء قط ما دامت الأرض تشغل مكانتها الحالية في نظام الكون؛ فالتقدم ليس مشروطًا بأية شروط سوى بقاء الأرض، فلن يحدث أي نكوصٍ إلى الهمجية.١٩ هذا بالإضافة إلى ظهور الموسوعة الفرنسية عام ١٧٥٠م تحت إشراف ديدرو ودالمبير فجمعت بين دفتيها مفكرين وكتابًا يمجِّدون العقل وينظرون إلى التقدُّم في المعرفة كمسلَّمة بديهية، فقامَت الموسوعة بتجميع المعرفة الجديدة ومحاربة المعرفة القديمة ورفع رايات التقدُّم والإيمان بالعقل الشامل.
والجدير بالذكر أن هذه النظرة المتفائلة التي سادَتْ عصر التنوير تمركزَتْ في المجتمع الفرنسي، وتغنَّى بها فلاسفة التنوير الفرنسيون إبَّان حكم الملك لويس الرابع عشر حيث الحياة الرغيدة والاستغراق في الترف. ومع ذلك ارتفعَتْ بعض الأصوات المحتجَّة على فكرة التقدم العقلي؛ فرجال الدين كالعهد بهم لا يُخفون سخطهم على العقل، وقد رأينا «باسكال» لا يعترف بسلطته، كما سمعنا لوثر يحكم عليه حكمه القاسي «إن العقل الذي أصابه مسٌّ من الشيطان يؤذي الأمور الإلهية أعظم الأذى، وكلما ازداد حظه من العلم والبراعة ازداد ضرره.»٢٠ هذا بينما نجد الأقلية مثل كانط يبحثون عن حدود المعرفة ويحاولون تعيينها بالدراسة الهادئة لملكات العقل وطاقاته والتوفيق بين هذه الملكات والطاقات. وحاول روسو أن يثبت حدوث نكوص في التاريخ عندما أعلن أنه «تتعرض أرواحنا للفساد في نفس الوقت الذي تتقدم فيه علومنا وفنوننا تجاه الكمال.» والواقع أن قلةً ضئيلةً من المجتمع الفرنسي هي التي استفادَتْ من تقدُّم المعرفة وازدياد سيطرة الإنسان على الطبيعة، وكشف روسو عن التباين بين فخامة قصور فرنسا وترف المنعمين وتنور أولئك الذين أتيحت لهم فرصة التعليم، وبين ما تُعانيه كتل الفلاحين من جهالة. فلو صح أن هذه الحالة هي ثمرة الحضارة والتقدم فهل تكون هناك أية قيمة لهذا التقدم؟ إن ما يُدعى بالتقدم مرادف بلا جدال للنكوص.
هذا بينما لم يتحمس الفكر الإنجليزي لفكرة التقدم ربما لاستقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية والرغبة في الحفاظ على هذا الاستقرار، مما جعل المفكرين حذرين في الأخذ بالتقدم، فتجد هيوم يؤكد أن العلم يجب أن يمر بمراحل مختلفة من الطفولة والنضج ثم الكهولة والشيخوخة، وأن يشارك الإنسان في كل هذه الأطوار، وتزدهر العلوم والفنون من حينٍ لآخر ثم تتعرض مرة أخرى للذبول. وإن كانت هذه الحجج لم تحل دون اعترافه بتفوق الحضارة الحديثة على القديمة.٢١

وعلى الرغم من كل المحاذير والتحفُّظات والانتقادات التي أبداها البعض لفكرة التقدم فإن الاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى التي تمَّت في القرنَيْن السابع عشر والثامن عشر جعلت الثقة في قدرات العقل البشري ثقةً مطلقةً لا رجوع فيها؛ فهذا التقدم العلمي الهائل جعل الفلاسفة ينظرون إلى فكرة التقدم كضرورةٍ حتميةٍ في التاريخ، وتخيَّلوا أن بوسعهم أن يحقِّقوا تقدمًا لا نهائيًّا في الحضارة؛ وبالتالي بدءوا التخلِّي عن فكرة الفساد والتدهور. وتمخَّض عن هذا التقدم تاريخ تخميني افتراضي — ساد في القرن الثامن عشر — يبحث من خلال العقل عن القوانين الطبيعية للتطوُّر وتقدم الجنس البشري ككل. واعتقد مفكرو ذلك العصر أن التقدُّم ليس شيئًا عرضيًّا ولكنه ضرورة تاريخية. إنه تقدُّم لا يعتمد، كما عند أوجست كونت، على سجلات الأحداث الفعلية في التاريخ ولكن على استعمال العقل، ولا يُفهم إلا من خلال التفكير الديكارتي، وتحولت فكرة التقدم في القرن التاسع عشر إلى نظرية في التطوُّر الاجتماعي، ونظرية في فلسفة التاريخ.

إن مفهومَ التقدُّم في عصر التنوير، كما نجده عند تورجو وكوندورسيه وفولتير وزعماء الثورة الفرنسية وسان سيمون وكونت وغيرهم، مفهومٌ لا نجده عند فيكو؛ فالتقدم لديهم تقدم علمي يسير في خط مستقيم حاولوا إثباته بطريقةٍ استنباطية عقلية ورياضية، وهو تقدُّم تنتهي فيه الحروب ويسود السلام. مثل هذه النظرة المتفائلة لفكرة التقدم لا نجدها عند فيكو، وليس التقدم عنده كما هو عند هيجل في تقدُّم الوعي بالحرية أو في وعي الفكرة بذاتها، وليس كما عند ماركس تقدمًا نحو مجتمع اشتراكي تذوب فيه الطبقات، وليس كما عند آدم سميث تقدمًا نحو نتائج سعيدة تحقِّق الانسجام للأفراد عن طريق نشاطهم وتنافسهم وتحقيقهم لغاياتهم الخاصة، وليس كذلك من نوع التقدُّم الذي نجده عند اليوتوبيين المثاليين أو الاشتراكيين المثاليين في القرن التاسع عشر، إن التقدُّم بكل هذه المعاني السابقة ليس موجودًا عند فيلسوفنا. ولكن مما لا شك فيه أن مشكلة التقدم كانت من أكثر المشاكل التي تناولها بالدراسة العميقة واهتم بالظروف التي تسبِّب التقدم العقلي في التاريخ البشري، كما اهتم أيضًا بالظروف التي تنحدر به نحو الفساد. فلم يتغنَّ فيكو بفكرة التقدم بل تناولها بالبحث من خلال التاريخ الحي للأمم، وكان أعمق وأكثر أصالةً من فكرة التقدم كما جاءت في عصر التنوير وفي القرن التاسع عشر. ويتمثَّل هذا في مبدأَيْن أساسيَّين؛ المبدأ الأول أن مفهوم التقدم عند الفلاسفة السابقين هو تقدُّم يسير في خطٍّ واحدٍ في الزمان. ولمحاولة إثبات ضرورة التقدُّم قاموا بتصنيف الشعوب بشكلٍ عقلاني، فلم يكن لديهم إدراكٌ للتنوع والاختلاف بين الشعوب والأحداث بل وضعوا كل شيءٍ في خطٍّ أحادي لإثبات ضرورةِ التقدُّم نحو جنسٍ بشريٍّ مستنير. فهذا التنوع والاختلاف لم يظهر في أعمال كوندورسيه وكونت وسبنسر وغيرهم ممن قاموا ببناء نظريات تطورية على أساس فكرة التقدم. بينما نجد الأمر مختلفًا عند فيكو الذي ركز على هذا التنوع. فقد بحث في التاريخ الفعلي للشعوب وكانت مادة دراسته هي التاريخ الحي. ولم يتناول البشرية كوحدة واحدة بل تناول شعوبًا وحضارات مختلفة كما نجد في اللوحة التاريخية وأحداثها وأماكنها وتواريخها مثل العبرانيين والكلدانيين والمصريين والإغريق والرومان وغيرهم، ولم يحصر الجنس البشري في مبدأ الوحدة كما فعل فلاسفة عصر التنوير، ولم ينظر للتقدم كضرورة تاريخية يفرضها تقدم العقل ولكنه أيضًا لم ينظر للتاريخ وكأنه خاضع للمصادفة أو الاتفاق العشوائي مثلما قال بعد ذلك رانكه في القرن التاسع عشر. كما أنه لم يقلل من شأن الأحداث ولم يستنكر التعددية، بل بحث من خلال الدارسة المقارنة للسجلات التاريخية والأحداث عن تعميمات علمية. ولا شك أنه وجد لكل شعب شخصيته وفرديته. ومن الدراسة الدقيقة للعديد من تواريخ الشعوب نجد خطًّا مشتركًا للتغير التاريخي من النشأة إلى التطوُّر والتقدم ثم التدهور والسقوط في نزعة بربرية جديدة. تاريخ فيكو إذن ليس أحاديًّا ولا يسير في خط واحد؛ لأن تعدُّد الشعوب هو الأساس الذي قام عليه قانون التطوُّر عنده، هنا يتضح عمق نظرة فيكو في الطبيعة البشرية من رؤيته لتواريخ العديد من الشعوب، فغالبًا ما نرى السقوط والانهيار كما نرى التقدُّم والتطوُّر، والتاريخ الفعلي يُثبت لنا أن الحضارة الإنسانية لا تسير في خطٍّ مستقيم، بل هناك ثغرات وعثرات تسقط فيها البشرية. وهناك عصور تتدهور فيها الحضارة وتسقط ثم تعود لتبدأ من جديد؛ فالتدهور والانهيار مرحلة من مراحل التطوُّر التاريخي، والعناصر العقلية التي سبَّبَت التقدم في البداية هي نفسها التي تسبِّب التدهور.٢٢

والمبدأ الثاني الذي يوضِّح الاختلاف بين مفهوم فيكو عن التقدُّم عنه عند فلاسفة التنوير هو أن التقدُّمَ هو غاية التاريخ عند هؤلاء الفلاسفة بحيث أصبح التقدُّم العلمي رمزًا ونموذجًا لتقدم الإنسانية وغاية للتاريخ. إننا لا نجد عند فيلسوفنا غايةً للتاريخ. ربما يُقال إن العناية الإلهية عنده هي غاية التاريخ، ولكننا نقول إن فكرة العناية الإلهية المتعالية التي توجه البشر في الأمم الأممية يمكن حذفها من فكره دون أن تتأثَّر مبادئه وأفكاره بهذا الحذف. وفي رأينا أن فكرة العناية الإلهية تنطوي على ازدواجية لا يمكن إنكارها، إن فيكو كمسيحي مؤمن يقول بالعناية الإلهية في التاريخ، ولكن ليس عنده رؤيةٌ لغاية التاريخ، فلا يمكن أن نتدخل في معرفة الخطة الإلهية في التاريخ لأن هذا يفوق العقل البشري، وهي فكرة لا يمكن البرهنة عليها ولكن لا بد أن نؤمن بها. صحيح أن العناية الإلهية تهدف دائمًا إلى خير الجنس البشري، إلا أن فيكو لم يحدد هذا الخير على أنه تقدم مستمر نحو الخير، فهناك عوائق في تقدم الحضارة، وهناك حروب ودمار وانهيار تتعرَّض له البشرية في مسارها التاريخي ثم تعود وتبدأ من جديد. ومن هنا نستطيع أن نقول إن مفهوم فيكو عن التقدم كان أعمقَ نظرًا وأكثرَ بصيرة بطبيعة الجنس البشري التي يتخلَّلها الصراع والتعارض. والأهم من هذا أنه جعل هذا الصراع هو القوة الديناميكية المحركة للتغير التاريخي، فهو أكثر فهمًا للطبيعة البشرية من فلاسفة عصر التنوير.

ويحاول بعض الباحثين أن يقابل فكرة العناية الإلهية عند فيكو بفكرة دهاء العقل عند هيجل واليد الخفية عند آدم سميث، ولكنها في الواقع تختلف عنهما. حقًّا أن العناية الإلهية تحفظ المجتمعات البشرية وتعمل على تطورها، ووسائلها في هذا هي فاعلية العواطف البشرية ورغبات ورذائل الجنس البشري التي تحولها إلى فضائل اجتماعية، وهذه هي المادة نفسها التي استخدمها هيجل عن طريق الفكرة لتصل إلى غاياتها أو نهايتها. فدهاء العقل عند هيجل هو الذي يوجه أفعال الأبطال دون أن يدروا إلى الهدف النهائي عندما تصل الفكرة إلى الوعي بذاتها. واليد الخفية عند آدم سميث تحقق الانسجام والنتائج السعيدة عن طريق نشاط الأفراد الذي يكون الدافع إليه هو العقل، غير أن رؤية فيكو للتاريخ مختلفة؛ فالبشر يحققون إراداتهم لا بالمناهج العقلية ولا بدافع عقلي، ولكن بدافعٍ من المنفعة والحاجة والطموح والرغبة في البقاء والأمان، والحاجة إلى الفهم والتعبير والاتصال والسيادة والطاعة والحب والكراهية والأنشطة الخلاقة التي أوجدت التوتر الاجتماعي الذي شكَّل حياتهم وأفكارهم وجعلهم يُبدعون أشكالًا جديدةً للحياة الاجتماعية.

التقدُّم عند فيكو إذن مرحلة متتابعة في حياة كل حضارةٍ مستقلة، إنه تقدُّمٌ يصل أحيانًا إلى أعلى قمم العظمة والقوة، وفي عصور أخرى ينحدر إلى فقدان التضامن البشري واغتراب الأفراد والجماعات وتفكُّك النسيج الاجتماعي والضعف والتحلُّل والكارثة. ومراحل هذا النظام تحدِّدها العناية الإلهية لكل مجتمعٍ أممي، لكن ليس هناك غايةٌ نهائيةٌ وليس هناك رؤيةٌ لمسيرة الجنس البشري كله إلى كمالٍ نهائي.٢٣ ومع ذلك كله نستطيع أن نقول إن نظرية التعاقب الدوري لمراحل التطوُّر عند فيكو لا تحول دون التقدم، على أن نفهم التقدم — كما ذكرنا من قبل — فهمًا مختلفًا عن فلاسفة التنوير؛ ذلك لأن الدورات التاريخية لا تعود بشكلٍ دائري بل تعود في شكلٍ حلزوني متقدم بحيث يمكن القول بأن إطلاق اسم النظرية الدورية على نظرية فيكو هي تسمية غير دقيقة؛ لأن مفهوم النظرية الدورية يعني أن يُعيد التاريخ نفسه وأن يبدأ من نفس البداية التي انطلق منها، ولكن الأمر مختلف عند فيلسوفنا؛ فالتاريخ لا يسير في خط دائري وإنما في شكل حلزوني صاعد بحيث تأتي كل دورة تاريخية بالجديد. ولا حاجة بنا إلى ذكر ما سبق أن فصلناه عن عودة مسار الأمم، ولكن يكفي الإشارة إلى هذا النص الذي ذكره فيكو عن عودة النظام الإقطاعي في العصور الوسطى الأوروبية. «كان من الطبيعي أن يعود المجتمع البشري إلى النظام الإقطاعي لما وجد فيه من منافع ومكاسب تتطلبها الحياة المدنية. عاد إقطاع العالم الأول — متخذًا بداية جديدة — من الإقطاعات الريفية التي انتشرت في كل الشعوب القديمة.»٢٤ ألا يكفي الاعتراف بالتقدُّم أن تكون المرحلة الإنسانية هي آخر مراحل التطوُّر التاريخي عند فيكو وهي مرحلةٌ مرتبطةٌ بتطور الوعي ونمو العقل؟ صحيحٌ أن هذه المرحلة — بعد أن تبلغ قمة النضج والتطوُّر والازدهار — تضعف وتضمحل وتسقط في البربرية مرة أخرى، ولكنها بربرية تأمل وفكر (حيث ما زالت السيطرة للفكر) تختلف كل الاختلاف عن البربرية الحسية الأولى، ولكن الفكر في هذه المرحلة فكر أجوف لم يعد قادرًا على الإبداع والابتكار. والسقوط لا يحمل في طياته إلا العزم على النهوض مرة أخرى من جديد من نقطة أكثر تقدمًا؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه بل يأتي دائمًا بالجديد، والبربرية المسيحية — على سبيل المثال — تختلف عن البربرية الوثنية الأولى.

هذه النظرة للتقدم إن دلت على شيء فإنما تدل على فهم عميق للطبيعة البشرية المتغيرة على الدوام، حقًّا أن كل الأمم تهدف إلى الوصول إلى حالة من الرفاهية وتحقيق سبل الراحة والسعادة لأفرادها، ولكن هل يتجه التاريخ بصفة دائمة في الاتجاه الصحيح لتحقيق هذا الهدف؟ إن التاريخ يحقِّق تقدمًا إذا سار في الاتجاه الصحيح الذي حدَّده له البشر. أما إذا ضلَّ الطريق وانحرف عن المسار فلا يكون هناك ثمة تقدم، بل تراجع وارتداد؛ فالتقدم إذن لا يمكن أن يستدل عليه استدلالًا عقليًّا لأنه يخضع لعوامل كثيرة. إننا لا ننكر ما حقَّقه التقدم العلمي والعقلي الهائل من إنجازات عظيمة أفادت الجنس البشري وحققت له الرفاهية ويسَّرت له سبل الراحة في جوانب كثيرة ومختلفة من حياته، ولكننا من جانب آخر لا نستطيع أن نُنكر صدق حدس فيكو في الطبيعة البشرية المتغيرة والمنطوية على الصراع، فلم تنتهِ الحروب من العالم ولم يَسُد السلام الدائم كما تصوَّر فلاسفة عصر التنوير، والواقع التاريخي يشهد بانفجار الحروب في مناطق متعددة من العالم، وموت آلاف بل ملايين الضحايا الأبرياء من ويلات الحروب. ومما لا شك فيه أنه لو قُدِّر لفلاسفة عصر التنوير أن يشهدوا ويلات الحربَيْن العالميتَيْن لكان لهم رأيٌ آخر ومفهومٌ آخر عن التقدم اللامحدود للبشرية.

ولهذا نستطيع أن نختتم حديثنا عن التقدم بالقول بأن مفهوم فيكو عنه كان أكثر عمقًا واقترابًا من الواقع التاريخي، ولو بُعث فيكو حيًّا في أيامنا هذه التي يسودها القلق على الجنس البشري من أخطار حرب نووية تهدِّده كل لحظة فلربما وصف هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها اليوم بأنها مرحلة سقطت فيها البشرية العاقلة المتقدمة في بربرية عقلية جديدة. وربما نستطيع أن نقول أخيرًا إن فيكو قد نظر إلى مفهوم التقدم في التاريخ نظرةً جدليةً قبل اكتشاف قوانين التفكير الجدلي بوقت طويل؛ فقد رأى أن التقدم يمكن أن ينطوي على بذرة التخلف، كما أن الازدهار ينطوي على بذرة الفناء. ولعل هذا أن يكون دليلًا على حدس غامض بالروح الجدلية، ولكنه حدس صادق ينمُّ عن بصيرةٍ نافذةٍ بالواقع المتغير والمتطور على الدوام.

١  انظر موقف فيكو من الفلسفة الديكارتية، الفصل الأول، الباب الأول.
٢  Vico; On the study Methods of our time; p. XXXI.
٣  رسل، برتراند، حكمة الغرب، ترجمة د. فؤاد زكريا، ج٢، ص٩٧–٩٩.
٤  Rubinoff, Lionel; Vico and Verification of Historical Interpretation; in Vico and Contemporary Thought; p. 94–121.
٥  هرنشو، علم التاريخ، ترجمة عبد الحميد العبادي، ص٣-٤.
٦  المرجع السابق، ص١١-١٢.
٧  Pompa, Leon; Human Nature and the Concept of a Human Science; in Vico and Contemporary Thought; p. 94–121.
٨  انظر الجزء الخاص بالمنهج، الباب الأول.
٩  Vico; N. S; par. 347.
١٠  Ibid; par. 348.
١١  Pompa, Leon; A study of the New Science; p. 111–197.
١٢  Vico; N. S; par. 915.
١٣  انظر الفصل الأول، الباب الثاني من هذا البحث.
١٤  Pompa, Leon; Vico. A study of the New Science; p. 112–119.
١٥  Ibid; p. 120–125.
١٦  مقدمة الطبعة الثانية لنقد العقل الخالص ١٧٨٧م (عن ترجمة غير منشورة للدكتور عبد الغفار مكاوي).
١٧  د. حسن حنفي، قضايا معاصرة، ج٢، ص١٠١.
١٨  بيري، ج. ب. فكرة التقدم، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، ص١٣٧.
١٩  المرجع السابق، ص١٨١–١٨٤.
٢٠  لوثر، خطب المأدبة، طبعة ركلام، ص٧٩ (ترجمة عن الألمانية).
٢١  بيري، ج. ب. فكرة التقدم، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، ص١٦١–١٩١.
٢٢  Nisbet, Robert; Vico and the Idea of Progress; in Vico and Contemporary Thought; p. 235–240.
٢٣  Berlin, Isaiah; Vico and the Idea of the enlightenment; in Vico and Contemporary Thought; p. 262.
٢٤  انظر عودة مسار الأمم، الفصل الثاني، الباب الثاني من البحث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١