الفصل الثاني

أثر فيكو في الفكر الفلسفي الغربي

عرضْنا في البابَيْن السابقَيْن منهج فيكو وفلسفته معتمدين على النصوص الأصلية بصورةٍ أساسية، وبخاصة كما جاءت في كتابَيْه «العلم الجديد» و«السيرة الذاتية». وقد حاولْنا أن نقدِّم الجوانب الأساسية من فلسفته ابتداءً من عناصر العلم الجديد ومبادئه ومنهجه إلى ما استخلصه من قانونٍ لتطوُّر الأمم ومحاولة تطبيقه لهذا القانون على الأشكال المختلفة للتنظيمات الاجتماعية في تطوُّرها عبر العصور التاريخية. ثم تناولنا في الفصل السابق نظريةَ المعرفة التاريخية بالتقييم وإلقاء الضوء على جوانبها المختلفة، وعلينا الآن أن نعرض أثرَ هذه المعرفة التاريخية في الفكر الفلسفي الغربي وبخاصة لدى فلاسفة التاريخ اللاحقين لفيكو.

ويُلاحَظ مدى كثافة المادة التي قدَّمها فيكو لتدعيم آرائه ومدى غناها وامتداد جذورها في علوم وفنون وتنظيمات وأشكال مختلفة تؤلف ما نُسمِّيه اليوم باسم الحضارة البشرية. لقد كان العلم الجديد كما تركه فيكو أشبه بغابةٍ كثيفةٍ تنوَّعَت أشجارها وتشعَّبَت مسالكها وتعقَّدَت دروبها بحيث استعصى على معاصريه أن يهتدوا إلى سبل السير فيها؛ ولهذا كان من الطبيعي أن تمر سنوات طويلة وتتعاقب أجيال مختلفة قبل أن يفطن الباحثون إلى أهمية فيكو وعظمة اكتشافه الذي توصل إليه بعد أن ظل محجوبًا خلف تلك المادة الغزيرة التي لم يكن من السهل تبين خيوطها ومعالمها الأساسية. ولما كان اكتشاف فيكو على حقيقته قد استغرق زمنًا طويلًا واشترك فيه عدد لا يحصى من المؤرخين والفلاسفة وعلماء اللغة والاجتماع والأدب … إلخ، مما يصعب تتبُّعه بصورةٍ دقيقة، فسوف نكتفي في هذا الفصل ببيان مدى تأثيره على عددٍ من أصحاب الاتجاهات المتميزة في فلسفة التاريخ والاجتماع مع علمنا بأن البحث الوافي لتأثير فيكو على كل واحد من هؤلاء يحتاج إلى دراسة مستقلة، ومع إدراكنا في الوقت نفسه بأن محاولتنا لبيان هذا التأثير هو نوع من الاجتهاد؛ إذ لم يثبت من كل ما اطلعنا عليه أنه كان تأثيرًا مباشرًا ومؤكدًا اللهم إلا في الحالات النادرة التي اعترف فيها أصحابها بذلك اعترافًا صريحًا. وسوف نبدأ هذا العرض بالحديث عن تأثيره في وطنه الأصلي ثم نتتبع هذا التأثير على أبرز فلاسفة التاريخ الذين يُرجح معظم الباحثين أنهم قد اطلعوا على بعض كتاباته أو أعجبوا بها أو قدموها لقرائهم أو أخذوا منها قليلًا أو كثيرًا. وسوف نكتفي هنا بالكلام عن تأثير فيكو على كلٍّ من هردر وميشليه وكونت وماركس.

(١) فيكو في الفكر الإيطالي

لا نستطيع القول بأن تأثير فيكو في عصره كان تأثيرًا عميقًا؛ فقد عاش مجهولًا خارج إيطاليا حتى القرن التاسع عشر، كما لقي التجاهل في إيطاليا نفسها بحيث لم تتعدَّ شهرته حدود نابولي، بل لقد جحدَتْه بلدته ومسقط رأسه فتجاهله كل من أهدى لهم العلم الجديد، وكأنه كان يدفع الثمن الذي لا بد أن يدفعَه كل رائدٍ يسبق عصره.

ولا عجب أن يكون مثل هذا المفكر الذي كانت لديه ثروة زاخرة من الأفكار — عجز في نفس الوقت عن عرضها عرضًا واضحًا منسقًا — لا عجب أن يكون رائدًا لكثير من الآراء الجريئة التي قدمها بعض المفكرين المتأخرين الذين فاقوه شهرة. ففي القرن الذي تلا وفاته عبر مفكرون آخرون عن أفكار مشابهة لأفكاره تعبيرًا أفضل دون أن يذكره أحد؛ إذ جنى عليه غموض أفكاره وصعوبة أسلوبه وغزارة التفاصيل المرهقة التي حشد بها فلسفته؛ ولهذا لم يفطن معظم شرَّاحه إلى أصالة آرائه وتفردها حتى في عصره. وفي هذا المعنى كتب بول هازار يقول: «لو أن إيطاليا قد استمعت إليه، ولو أنها — كما حدث في عصر النهضة — كانت مرشدًا لأوروبا، أفما كان مصيرنا العقلي يمكن أن يكون مباينًا لحالته الراهنة؟ أجل لو كان الأمر كذلك لَما كان أجدادنا أهل القرن الثامن عشر قد صدقوا أن كل ما كان واضحًا كان حقًّا، ولَما كانوا صدقوا أن العقل الذي أتى متأخرًا، لم يصنع أكثر من أنه جفف نفسنا؛ فقد يكون من الممكن أنهم قد أسفوا على فراديسنا المفقودة، ولم يصدِّقوا أنه كان ينبغي أن تنار الأرض فوق سطحها، بل لآمنوا على الضد بأن إيضاح الأشياء آتٍ من أعماق الزمن، ولَما صدقوا بأننا كنا نتجه نحو مستقبلٍ أفضل، بل آمنوا على الضد بأن الدول كانت خاضعة لتغيراتٍ متعاقبةٍ تخرجها من البربرية إلى المدنية وتعيدها من المدنية إلى البربرية. وبالإجمال لو كان الأمر كذلك لَكانت جميع أفكارهم قد انقلبت كإدراكهم للعالم.» ويستطرد بول هازار قائلًا: «ينبغي الإعجاب بهذا البطل من أبطال الفكر، هذا العبقري المبتدع، هذا الرجل الذي كان من الممكن أن يمنح نهر العصر مجرًى جديدًا. عبثًا حاول فيكو أن يتجه إلى العلماء وإلى مواطنيه النابوليين، ولكن أوروبا بقيَت صمَّاء وأُولاها إيطاليا لم تسمع هذه الدعوة ولم تقبل إلا فيما بعد فقط. أما في آونتها فقد ظلَّت بلا صدًى؛ لأن هذا المجدِّد لم يكن له تلاميذ، ولأن فكره كان بلا عمل، بل إن عشيرته نفسها لم تكن لتستجيب له.»١
بدأ الاهتمام بفكر فيكو في إيطاليا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فكان كيوكو Cuoco أول المبشرين بفكره في الشمال الإيطالي بعد إخفاق الثورة في نابولي. وقد كانت نتيجة ذلك أن بدأت تظهر سلسلةٌ من طبعات «العلم الجديد». ويبدو أن تأثير هذا الكتاب قد تغلغل إلى وعي المثقفين، فأخذ رواد حركة البعث القومي الإيطالي يهتمون بأفكار فيكو اهتمامًا خاصًّا، وتحمَّس له الديمقراطيون تحمُّسًا شديدًا واعتبروه مؤرِّخ الشعب. وبعد اكتشاف أُمَّته أنه واحدٌ من أعظم المفكرين، أساء بعض المفسرين فَهْم مذهبه، واختلفت الآراء حول بعض أفكاره بين مؤيدٍ ومعارضٍ وخاصة فيما يتعلق بالأصول الوحشية للأمم الأممية، كما رأى البعض أن تطور المجتمع كما تصوره فيكو بفعل «الدياليكتيك»٢ أو الجدل الداخلي قد عرَّض البناء الكامل للفكر الكاثوليكي للخطر. أما البعض الآخر فقد رأى أن نظريته في أصل العقيدة نظرية تنتسب للوكريتوس ولا تمت بصلة للمسيحية، وأن تحليله لشخصية هوميروس والشخصيات البطولية الأخرى يمكن أن يكون مقدمة خطيرة لتحليل شخصية موسى والأنبياء وآباء الكنسية تحليلًا يتعارض مع مفهومها الديني.٣ وقد عانت أفكار فيكو من المبالغة التي بلغت أحيانًا حد التعسُّف في تفسيرها، فلم يستطع الفكر الإيطالي في زمانه أن يتحرَّر من النزعة العقلية السائدة ليفهم أفكاره ككل حي متكامل لا تستعبده الصيغ المجردة الجوفاء التي استعبدت العقليين. وقد بدأ الاهتمام الحقيقي بفلسفة فيكو على يد كروتشه Croce وجنتيله Gentile ونيكوليني Nicolini. وكان كروتشه صاحب الفضل الأكبر في إحياء فكره في العقد الأول من القرن العشرين، كما كان له الفضل في ذيوع شهرته خارج إيطاليا. نشر كروتشه كتابه عن فلسفة فيكو سنة ١٩١١م، وهي السنة التي نشر فيها سيرته الذاتية، وقام قبل ذلك بعمل ببلوجرافيا عنه استمرَّت من عام ١٩٠٤ إلى ١٩١٠م، وقد زعم كروتشه أن فيكو هو مكتشف «علم الإستاطيقا» قبل باومجارتن. وإذا كانت كلمة الإستاطيقا نفسها لم تَرِد على لسانه فقد نطقت بها آراؤه عن الشعر، وفكرته الرئيسية عن الطبيعة البشرية التي هي بالفطرة طبيعة شاعرية، وإيمانه العميق بأن أول شكلٍ من أشكال التفكير كما ظهر عند الإنسان البدائي كان هو التفكير بالصور الخيالية الشعرية. وقدَّم كروتشه العلم الجديد كفلسفةٍ للروح، فبعد أن هبط أفلاطون بالشعر وطرد الشعراء من جمهوريته، رفعه فيكو وجعله أساس الروح، بل جعله يمثِّل مرحلةً كاملةً من مراحل تطور البشرية.
لقد تحدثنا في فصل سابق عن سوء الحظ الذي لازم فيكو في حياته، ولكن سوء حظه لازمه مرة أخرى بعد مماته عندما اعتبره بعض المفكرين أحد المبشرين بالفاشية، وهذه جناية السياسة وزعمائها على المفكرين حين تتخذ من أفكارهم ستارًا تُخفي وراءه نزعات الطغيان وفساد الأنظمة وتجرِّد من سوء تفسير آرائهم سلاحًا للاستبداد وتبريرًا للظلم، وأغلب الظن أن هؤلاء لم يطَّلِعوا على الكتاب الأصلي واكتفوا بالاطِّلاع على مصادر ثانوية مما نتج عنه سوء فَهْم فلسفته؛ لذلك كان لا بد من تحقيق أعمال فيكو تحقيقًا علميًّا من واقع الأصول. وهذا ما فعله «نيكوليني» في إيطاليا ليمهد لدراسة فلسفته دراسة نزيهة بعيدة عن أي غرضٍ في توجيهها طبقًا للأهواء الشخصية، وهذا ما فعله أيضًا كلٌّ من الأستاذَيْن فيش Fisch وبرجين Bergin في ترجمتهما للعلم الجديد والسيرة الذاتية التي بذلا فيها جهدًا واضحًا وأضافا لكلٍّ منهما مقدمةً مستفيضة.

وقبل أن نتعرَّض لتأثير أفكار فيكو في الفكر الأوروبي خارج إيطاليا نود أن نقول إن فكره وفلسفته يمثِّلان منجمًا كبيرًا يمكن أن يجد فيه الباحثون ألوانًا مختلفةً من المعرفة، كما يمكنهم أن يجدوا لديه أسس أفكار متباينة واتجاهات متنوعة. لقد قدَّم فيكو أفكارًا رائدة طُوِّرت فيما بعدُ وأصبحت مذاهب كاملة. وأثار مذهبه قضايا وثيقة الصلة بمشاكل ما زالت موضع نقاشٍ بين المفكِّرين ولم تُحسم حتى يومنا هذا، ومن ذلك مشكلة الجدل القائم حول طبيعة الدراسات الإنسانية بصفةٍ عامة، وطبيعة الدراسات التاريخية بصفةٍ خاصة، والكثير من القضايا المتعلقة بالمناهج التاريخية والاجتماعية. فهناك مثلًا مَن يؤكد تأثيره على المثالية الألمانية، والوضعية الفرنسية، وروَّاد الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والتراث الماركسي، بجانب أثره على الأبحاث الفيلولوجية، وعلى علماء القانون وفقهائه. واهتمامه بالبنية الحضارية في دراسة التاريخ يعدُّ جانبًا اهتمَّت به الفلسفة البنيوية الحديثة، كما كانت له آراء جديدة في القانون الطبيعي والتشريع وعلم اللغة المقارن والأدب والأساطير والإثنولوجيا.

وعلى الرغم من أن فيكو لم يُكتشف خارج إيطاليا إلا بعد ما يقرب من قرنٍ من وفاته، وعلى الرغم من إنكار الكثير من الفلاسفة معرفتهم بفلسفته، فقد كشف كلٌّ من Fisch وBergin النقاب عن معرفة العديد من المفكرين بكتاب «العلم الجديد» واقتناء بعضهم له أثناء زيارتهم لإيطاليا — إذ كانت هذه الأخيرة قِبْلة المثقفين في ذلك الزمان — أو عن طريق الإهداء. وسنعرض في هذا الفصل أثر فيكو على بعض المفكرين الغربيين، ومن الطبيعي أن نبدأ بالمفكرين الألمان الذين كانوا أول من اكتشفه، كما كانت لغتهم هي أول لغة يُنقل إليها كتابه الأساسي عن العلم الجديد.

(٢) فيكو في الفكر الألماني

كان هامان٤ (١٧٣٠–١٧٨٨م) أول مفكر ألماني اكتشف فيكو أثناء بحثه في الاقتصاد السياسي عام ١٧٧٧م؛ فقد وجد في أحد الكتب الإيطالية إشارةً إلى العلم الجديد وظن أنه سيجد في هذا الكتاب ما يبحث عنه في موضوع الاقتصاد، فسعى للحصول على نسخةٍ من فلورنسا، وأثناء تناوله للكتاب وجد أن فقه اللغة هو الطابع الغالب عليه، وقد عبَّر عن هذا في أحد رسائله لتلميذه هردر (١٧٤٤–١٨٠٣م) مؤكدًا أنه لم يجد ضالَّته المنشودة في الاقتصاد بل وجد فقه لغة.
وقد كان جوته — شاعر ألمانيا الأكبر — من الشخصيات الألمانية التي تعرَّفت على الكتاب في وقت مبكر أيضًا حيث أهدى له أحد الأصدقاء الإيطاليين «العلم الجديد» أثناء زيارته لنابولي في مارس ١٧٨٧م ولكنه لم يبذل جهدًا حقيقيًّا في قراءته، وقد كتب عن فيكو سطورًا لا تدل على أنه عرفه على حقيقته أو بذل جهدًا في الاطِّلاع على الكتاب؛ إذ وصفه بأنه مؤلف عميق لا يُسبر غوره، وأن رجال القانون في إيطاليا يرجعون إليه بحماسٍ شديدٍ ويعتبرونه أباهم الأكبر. ويبدو أن جوته قد ألقى نظرة خاطفة على الكتاب الذي قدَّمه له أصدقاؤه الإيطاليون كأنه كنزٌ ثمينٌ وسجَّل رأيه — في يومياته بتاريخ ٥ مارس ١٧٨٧م من رحلته في إيطاليا — في قوله: «لقد رأيت أنه يحتوي تكهُّنات عن الخير والعدل الذي سوف يتحقَّق أو ينبغي أن يتحقَّق، وهي تكهنات تقوم على تأمل جاد للحياة والتراث، وإنه لمن حسن حظ شعبه أن له أبًا كبيرًا مثله.» وعاد جوته بالكتاب إلى ألمانيا وأعاره عام ١٧٩٢م لياكوبي الذي حرص على الحصول على مؤلفات فيكو الأخرى، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنه اطلع على كتاب فيكو عن «الحكمة الإيطالية القديمة» فوجد فيه فقرة اعتبرها إرهاصًا لفلسفة كانط في المعرفة وسبقًا في الاهتمام بالجانب القبلي للمعرفة. وقد ترجم ف. أ. فيبر W. E. Weber العلم الجديد إلى اللغة الألمانية عام ١٨٢٢م وطبع مرة أخرى في ميونخ عام ١٩٢٤م.

هذا بالإضافة إلى أن هردر رحل إلى إيطاليا عام ١٧٨٩م ومكث في نابولي ثمانية أيام حصَّل خلالها مادة فلسفته التاريخية — فجمع من الوثائق ما أفاده في إثبات الوقائع التاريخية — أكثر من المادة التي حصَّلها من زيارته لروما التي استغرقَتْ ما يقرب من ثلاثة أو أربعة شهور. ولنا عند هردر وقفةٌ فمن المرجح أنه قد عرف فيكو قبل الشروع في كتابة مؤلَّفه «أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس البشري» الذي بدأ في كتابته عام ١٧٨٤م وصدر ١٧٩١م، ولكنه لم يذكر فيكو صراحة إلا في كتابه «رسائل عن تنمية النهوض بالنزعة الإنسانية» الذي كتبه فيما بين عامَيْ ١٧٩٣ و١٧٩٧م وقد كتب هردر فلسفته التاريخية في كتابَيْن صدر الأول عام ١٧٧٤م تحت عنوان «فلسفة أخرى للتاريخ» وقدم فيه صورة عقلية لفَهْم فلسفة التاريخ متجنبًا الوثائق التاريخية، وصدر الكتاب الآخر عام ١٧٩١م تحت عنوان «أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس البشري» حاول فيه أن يقدِّم فلسفة التاريخ على أساسٍ علميٍّ معتمدًا على الوثائق والوقائع التاريخية.

لسنا بصدد عرض أو تقييمٍ لأفكار هردر التاريخية، ولكننا سنعرض لتلك الأفكار التي يمكن أن يكون قد تأثَّر فيها بأفكار فيكو. مما لا شك فيه أننا لمحنا عند فيكو الرؤية الأنثروبولوجية في تناوله للتاريخ من خلال البحث في أصل الجنس البشري وتطور تنظيماته وعاداته وتقاليده ومعتقداته وتشريعاته … إلخ، وقد استقى هذه الأصول مما خلفته الشعوب من تراث شعبي وأساطير، وهي المادة التاريخية التي توفَّرت في عصره، ولكن الدراسات الأنثروبولوجية تطوَّرت بعد ذلك وتشعَّبت فكانت مادة خصبة قدم هردر من خلالها أنواعًا جديدةً من البحوث الأنثروبولوجية بعد أن استفاد من الدراسات الغزيرة والمتنوعة التي توفَّرت في عصره عن أثر البيئة الجغرافية على السلوك والعادات البشرية وأثرها أيضًا على مراحل النمو والتطوُّر الإنساني وبالتالي نمو الحضارة وتطورها. وتناول كلٌّ من فيكو وهردر ما يسمى الآن بمشكلة الحضارة الإنسانية ابتداءً من الأشكال التعبيرية الأولى للمجتمعات البشرية القديمة كاللغة والأسطورة والفنون، وهي مشكلة الأصول التاريخية أو بمعنى آخر مشكلة أصول تكوين المجتمع المدني، فلا بد من العودة إلى هذه الأصول لمحاولة فَهْم العقول البدائية للبشر الأولين، ولا بد من التعرُّف على التنظيمات المختلفة التي أسَّسها الإنسان الأول والتي انتقل بفضلها من حالة البربرية والتوحُّش إلى مرحلة الإنسانية التي هي هدف التطوُّر التاريخي.

وقد رأينا كيف تناول فيكو الأصول التاريخية وأرجع أشكال التعبير المختلفة إلى أصولها الحسية عند الأمم القديمة، وكيف كشف عن اشتقاقات الكلمات من أصولٍ حسيةٍ في حياة البشر الأولين.٥ ونسأل الآن كيف تناول هردر هذه الأصول التاريخية؟ لقد اهتم اهتمامًا خاصًّا باللغة وهي أول شكل من أشكال التعبير البشري وقدم أبحاثًا في أصل اللغة الألمانية — مثلما قدم فيكو أبحاثًا في اللغة اللاتينية ووجه دعوة لكل الشعوب لعمل أبحاث في أصل لغاتها للكشف عن أصولها التاريخية — وأسفرت أبحاث هردر عن تأكيد نتيجة سبق لفيكو أن أكدها وهي أن الشعر هو اللغة الأم التي سبقت النثر، لقد عبَّر الإنسان الأول عن احتياجاته اليومية بشكلٍ شاعري تلقائي فنشأت الأغاني الشعبية للشعوب القديمة وهي — كما يرى هردر — أول شكلٍ من أشكال التعبير اللغوي. ويرى أن هنالك أيضًا شكلًا آخر من أشكال التعبير الأولى وهو الأسطورة؛ فقد كانت الشعوب القديمة تتحدث بالشعر وتفكر بالأساطير، ولم تكن الأساطير حكاياتٍ خرافيةً يقول بها الإنسان الأول، بل كانت الأسطورة رمزًا يعكس الحياة العقلية والاجتماعية لهؤلاء البشر، فكل الشعوب البدائية في محاولتها لفهم العالم رسمت صورةً للكون على هيئة أساطير اصطبغت بلونٍ من ألوان اللاهوت. يترتَّب على هذا أن العصور التاريخية الأولى لا تفهم بالتحليل العقلي بل بالتعاطف الوجداني، ولا تفهم بالتحليل المنطقي بل بالحدس، ولا بد للمؤرخ أن يكون فنانًا يتمتَّع بالحس التاريخي والخيال الخصب والبصيرة النفاذة ليلتمس طريقه إلى الحياة الداخلية لهذه الشعوب القديمة التي لم تصل بعدُ إلى مرحلة النمو العقلي؛ لذا حذر هردر — كما سبق وحذَّر فيكو — المؤرخين من الحكم على العصور التاريخية المبكرة على أساس ثقافة عصرهم، وحثهم على ما سمَّاه بالتعاطُف مع هذه العصور ومشاركتهم أفكارهم البدائية مشاركة وجدانية: «ادخل في صميم العصر وفي جغرافيته وتاريخه كله واشعر بأنك تعيش فيه حقًّا.»٦
وعلى الرغم من انتماء كلٍّ من فيكو وهردر إلى عصر التنوير — هذا العصر الذي سادَت فيه النزعة العقلية التي بلغت حد إخضاع النصوص الدينية للنقد العقلي — إلا أنهما رفضا النظر إلى الإنسان من جانبٍ واحد أو من حيث هو مَلَكة واحدة وهي العقل. ففي مقابل هذا العقل توجد مَلَكة أخرى لا تقلُّ عنه أهميةً وهي الخيال، بل والأبعد من ذلك تأكيدهما أن نشأة التنظيمات البشرية كانت بمَلَكة الخيال وحده، وقبل أن تتطوَّر المَلَكة العقلية. لقد عبَّر الإنسان الأول عن نفسه من خلال انفعالاته وعواطفه لا عن طريق التفكير العقلي المنطقي: «بما أن العقل المجرد قد أدَّى وحده إلى مغامرات فاشلة كثيرة، أو لا يحسن أن ندعوَ إلى نجدته الخيالَ والشعورَ والدافعَ إلى العمل حتى نشرك الإنسان كله بعد أن قصرت حركةُ الاستنارة مواردَه على مَلَكةٍ واحدة؟ إن الإبداع الشعري والفني لا يأتي وحده من أركان النفس المظلمة.»٧

هناك جانب آخر يرجَّح أن يكون هردر قد تأثَّر فيه بأفكار فيكو، وهو أن كليهما يقول بالنظرية الدورية في التاريخ. يرى فيكو أن التاريخ يتطوَّر من خلال مراحل ثلاث: المرحلة الإلهية، المرحلة البطولية ثم المرحلة البشرية، كما شرحنا ذلك بالتفصيل في قانون تطور الأمم. ويرى هردر أن التطوُّر التاريخيَّ يمرُّ بمراحل أربع هي نفس المراحل التي يمرُّ بها تطور الفرد وهي: الطفولة، والشباب، والرجولة وأخيرًا الشيخوخة، وهذه المراحل الأربع تتتابع بشكلٍ دوريٍّ متصل، فكل دورة منها تُفضي إلى الأخرى، أي أن التطوُّر لا يسير في خطٍّ مستقيم، بل في خطٍّ دائري، وهناك تشابه في بعض المراحل التاريخية المتماثلة إلا أنه ليس تشابهًا مطلقًا لأن كل مرحلةٍ لها طابعها المتفرد. ويسير التطوُّر التاريخي دائمًا نحو التقدم رغم ما تمر به الدورات التاريخية من فترات ضعفٍ وانحلالٍ وسقوط، ولكنها تعود لتبدأ من جديدٍ بصورةٍ أكثر تقدمًا؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه. نلحظ هنا الفارق بين نظرة كلٍّ من فيكو وهردر للدورة التاريخية؛ فالدورة عند هردر دورة حيوية على غرار الدورة العضوية، وهو يشبه التطوُّر التاريخي بصورة من الحياة النباتية مثل حياة الشجرة التي تنبت ثم تشب ثم تترعرع ثم تذبل، والدورة لا تنتهي بالانحلال وإنما تبدأ من جديد، فعادة تتساقط البذور من الشجرة عند ضعفها وتبدأ دورة الحياة النباتية من جديد. وهكذا تتوالى الدورات التاريخية عند هردر، بينما لا نرى هذه النظرة الحيوية عند فيكو بما تتسم به هذه النظرة من ضعف. فليس صحيحًا لأن الدورة التاريخية تشبه الدورة العضوية النباتية لاختلاف طبيعة كلٍّ منهما من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى لأن هذا التشبيه يناقض ما قال به هردر عن تقدُّم التاريخ، فمن الطبيعي عندما تتساقط بذور الشجرة عند ضعفها وتبدأ دورة الحياة النباتية من جديد، من الطبيعي أن تعود هذه الدورة كما كانَتْ تمامًا وليس فيها جديد لأنها تبدأ من نفس النقطة الأولى وتنتهي إلى نفس النهاية، فالدورة النباتية تعود كما هي ولا تأتي بجديد، وهذا يُناقض تمامًا الدورةَ التاريخيةَ التي لا تبدأ من نفس البداية ولكن من نقطةٍ أكثر تقدمًا، فهناك تجدد بصفة دائمة في مجال التاريخ.

ويطبق هردر قانون التطوُّر على تاريخ الحضارات، فيرى أن الشعوب الشرقية القديمة تمثل طفولة الجنس البشري فهم رُحَّل لا يعرفون الاستقرار ولا القانون، ويحترفون الرعي وتسود بينهم السلطة الأبوية والاستبدادية، وتمثل الحضارة المصرية القديمة مرحلة الشباب وقد تميزت بالاستقرار والخضوع للقوانين واحتراف السكان للزراعة، وعاش الفينيقيون في نفس المستوى الحضاري من حيث الانتظام في العمل في البحار، وتواصل البشرية تقدمها وتأتي المرحلة الثالثة من التطوُّر وهي مرحلة الرجولة والنضج الحضاري ويمثلها العصر اليوناني الذي يرتقي بالفكر والحضارة الإنسانية مُعبرًا عنها في فنون تمثلت في ثلاث كلمات: الحياة والإيحاء والحركة. فالفن اليوناني يتطور مع الحياة ويتميز بالحركة لأنه فنٌّ يعبر عن حياة كلها أمل وحرية، ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي الشيخوخة وتمثلها الحضارة الرومانية حيث استبدَّ الحكام وحقَّقوا انتصارات زائفة واستعبدوا الشعوب المهزومة وانغمسوا في مظاهر الترف إلى أن انهارت وسقطت الإمبراطورية الرومانية، بهذا انتهت دورة من التطوُّر وقام على أنقاضها عالم جديد. وبدأت دورة حياة تبدأ المرحلة الأولى منها من الغزوات البربرية الجرمانية للإمبراطورية الرومانية، ولم تتقدم المعرفة الإنسانية في هذه المرحلة ولكن هردر يعلي من شأنها ويرى أن بفضلها سادت بعض الفضائل مثل الشجاعة والقوة ويقظة الضمير. وتمثل القرون الوسطى الأوروبية المرحلة الثانية وفيها ساد الدين المسيحي وتحول المجتمع إلى مجتمع إقطاعي زراعي، وكانت البطولة والحروب هي الصفات المميزة لهذه المرحلة ويعدها مرحلة إنسانية حية تتميز بالقوة والحركة وتمهد لمرحلة ثالثة هي فترة الإصلاح الديني، وهي الفترة التي ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والفنون والآداب — على حد تعبير هردر — ويمثل القرن الثامن عشر المرحلة الرابعة من مراحل التطوُّر وهي الشيخوخة، وفي هذه المرحلة الأخيرة سادت الروح المادية والروح الاستعمارية وعدم احترام القيم الإنسانية؛ فقد تحولت بعض الدول الأوروبية — مثل فرنسا — إلى دول استعمارية، وتحول الرقُّ من استعبادٍ للأفراد إلى استعبادٍ للشعوب٨ وهذا موقف مناقض لعصر التنوير الذي ينتسب إليه هردر، فبينما يرى فلاسفة التنوير أن القرن الثامن عشر هو عصر ازدهار وتقدم لا محدود، يرى هردر أنه عصر أفول وتدهور للحضارة، ولكن ليست هذه هي آخر مراحل التطوُّر فالشيخوخة تبشِّر دائمًا بالأمل في ميلاد جديد لأن الدورات التاريخية دائمة التجدد.
وهناك جانب أخير يرجَّح أن يكون هردر قد تأثر فيه بأفكار فيكو؛ فقد اتفق كلاهما في القول بالعناية الإلهية، ووصف فيكو علمه الجديد بأنه «لاهوت عقلي مدني في العناية الإلهية» كما شرحنا ذلك من قبل في الفصول السابقة وبيَّنا أن العناية الإلهية تتدخَّل تدخُّلًا غير مباشر في مسيرة الأمم الأممية. ومع أن أقوال هردر عن العناية الإلهية تفتقر بوجه عام إلى الاتساق وتختلف من كتاب إلى آخر، فيمكننا أن نقول بوجه عام إنه يرى أن الله موجود في الطبيعة والتاريخ، وأن الله — الذي يريد دائمًا خير الجنس البشري — نظم التاريخ تنظيمًا دقيقًا، وأن التاريخ البشري وكذلك التاريخ الطبيعي مظهران على وجود الله «إن الله الذي أبحث عنه في التاريخ لا بد أن يكون هو الله نفسه الموجود في الطبيعة؛ لأن الإنسان ليس إلا جزءًا صغيرًا من الكل، وتاريخه كتاريخ الدودة نسج من النسيج الذي يعيش فيه.»٩ لقد وضع الإنسان في مقابل الطبيعة، فإذا كان نيوتن استطاع أن يكتشف قوانين العالم الطبيعي فإن العالم الإنساني يحتاج إلى من يكتشفه أيضًا، ويبدو هنا أن هردر أسند لنفسه نفس المهمة التي أعلن فيكو أنه سيقوم بها وهي اكتشاف عالم التاريخ، وإذا كان بيكون قد وجه الاهتمام للطبيعة الكونية فإنه أخذ على عاتقه اكتشاف الطبيعة البشرية، وإذا تأمَّلْنا كلام هردر نجده يقوم بنفس المهمة وإن استبدل باسم بيكون اسم نيوتن، وبذلك ينقل فكرة التطوُّر الخاضع للقوانين الطبيعية إلى مجال التاريخ الذي يتصوره في صورة «تاريخ طبيعي للقوى والأفعال والدوافع البشرية حسب المكان أو الزمان.»١٠
وحد هردر بين العناية الإلهية والتقدُّم في التاريخ؛ فهي عناية مباطنة للتاريخ ولكنها لا تسيره لأنه يخضع لقوانين حتمية مثله في ذلك مثل العالم الطبيعي، ويعمِّق هردر فكرة التقدم المألوفة في عصر التنوير تعميقًا جدليًّا ويُبيِّن تناقض التطوُّر الاجتماعي مؤكدًا قيمةَ كل عصرٍ تاريخي في ذاته وقيمة إنجازاته الحضارية المتفردة، وتحقيق الإنسانية هو النتيجة التي تتمخض عن هذا التطوُّر الذي يخضع لقوانين ضرورية؛ إذ تنمو هذه الإنسانية عبر التاريخ لتحقيق الغاية النهائية منه وهي إنسانية الجنس البشري، وتتمثَّل في صورةٍ واقعيةٍ تاريخيةٍ في زيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة وتطور التقنية والعلوم والفنون، وتحرر الإنسان من بعض أشكال الحكم التي تعوق النمو الحر لطاقاته وملكاته الأساسية. هنا يبدو الأمر مختلفًا عمَّا ذهب إليه فيكو، فعلى الرغم من قوله بالعناية الإلهية في التاريخ، وعلى الرغم من أن هذه الفكرة يشوبها الغموض، إلا أنه لم يجعلها غاية التاريخ. وقد فرَّق بين عناية متعالية على التاريخ عند الأمم الأممية، وعناية مباطنة للتاريخ كما في التواريخ المقدسة؛ لذلك استبعد التاريخ المقدس من دائرة بحثه ولا يمكن أن يعد من أصحاب التاريخ الكنسي كبوسويه وأوغسطين، وربما كان استبعاده للتاريخ المقدس ليؤكد بحرية كاملة وبعيدًا عن سلطة الكنيسة مبدأه الأساسي وهو أن الإنسان يصنع التاريخ وفي أثناء صنعه له يصنع إنسانيته ويؤكدها؛ فالإنسان هو موضوع التاريخ وهدفه. هذه الفكرة المحورية لا نجدها عند هردر، ومع ذلك لا نريد الآن أن نقطع برأي عن موقفه من العناية الإلهية لعدم اتساق أفكاره في هذه المسألة؛ إذ يتردد في كتاباته بين التأليه ووحدة الوجود والقول بأن الألوهية لا تعدو أن تكون إلا التقنين الذي يسير الطبيعة والتاريخ. وفي النهاية نقول إن هذه بعض الأفكار الرئيسية لفلسفة هردر التاريخية دون الإفراط في التفاصيل لأنها ليست مجال بحثنا، وقد عرضنا فقط لتلك الأفكار التي بدَتْ لنا مشابهةً إلى حدٍّ كبيرٍ لأفكار فيكو، وعلى الرغم من إنكار هردر معرفته بفيكو إلا بعد عشرين عامًا من وضعه لفلسفته التاريخية، إلا أن الأستاذَيْن Bergin & Fisch١١ يؤكدان معرفته له قبل الشروع في كتابة مؤلَّفه «أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس البشري». وعلى الرغم من تأثُّر هردر بفكر وفلسفة فيكو فما زال هذا التأثُّر يفتقر حتى الآن إلى الدليل المادي، ومع ذلك فإننا نجد الدليل الفكري في آرائه في التاريخ التي تطابقت وتشابهت إلى حدٍّ بعيدٍ مع فلسفة فيكو الذي سبقه على الطريق الذي تصور هردر أنه لم يسبقه أحدٌ في السير عليه.

(٣) فيكو في الفكر الفرنسي

لو اتجهنا الآن للفكر الفرنسي لَوجدنا تأثير فيكو على اثنين من أعلام الفكر الفرنسي وهما المؤرخ الكبير ميشليه، مؤرخ الثورة الفرنسية، ومؤسس الفلسفة الوضعية أوجست كونت (١٧٩٨–١٨٥٧م) وقبل أن نتعرَّض لهما بالتفصيل، نود ألَّا نغفل ما يُرجِّحه بعض الباحثين من تأثُّر فيلسوف «روح القوانين» مونتسكيو (١٦٨٩–١٧٥٩م) وفيلسوف العودة للطبيعة روسو (١٧١٢–١٧٧٨م) بفيلسوفنا الإيطالي، وإن كان كلاهما لم يذكره صراحةً في كتاباته؛ فقد زار الأول إيطاليا عام ١٧٢٨م وكان كتاب روح القوانين لا زال يتخلَّق في عقله ولم يرَ النور بعد، وفي البندقية أخبره صديقه أنطونيو كونتي بأهمية كتاب فيكو وأهم أفكاره الرئيسية وحثه على اقتناء نسخة من الكتاب. وحصل مونتسكيو بالفعل على نسخةٍ من الطبعة الأولى للعلم الجديد وما زالت هذه النسخة موجودةً في مكتبة La Bréde. ولعل التشابه الكبير بين مبادئه وأفكار فيكو في خضوع المجتمع المدني لقوانين قد أقنعت بعض الباحثين أنه لا بد قد اطلع على الكتاب، خاصةً في محاولته إخضاع العلوم الإنسانية لقانونٍ محكمٍ في كتابه «روح القوانين»، فضلًا عن أن اهتمامه بالبيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية وما تشمله من عاداتٍ وتقاليد، وتنظيماتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ ودينٍ وقانونٍ وأخلاق، كعوامل مؤثرةٍ في نشأة المجتمعات البشرية، دعا بعض الباحثين للاعتقاد بأن مونتسكيو قد اطَّلع ولو بصورةٍ عابرةٍ على العلم الجديد.

أما عن روسو فقد عمل في إيطاليا بين منتصف عام ١٧٤٣م ومنتصف عام ١٧٤٤م لمدة ثمانية عشر شهرًا سكرتيرًا للسفارة الفرنسية في البندقية، وكانت في ذلك الوقت أكبر سوقٍ تجاري للكتاب في إيطاليا، ومن المرجَّح أن روسو حصل على نسخةٍ من الطبعة الثالثة للعلم الجديد التي ظهرت في فترة وجوده في إيطاليا، وهي أيضًا الفترة التي وضع فيها التصور الكامل لخطة كتابه الهام «التنظيمات السياسية». وفي عام ١٧٤٩م بدأ بحثه عن أصل اللغات، وفي الأجزاء الستة الأولى منه أعاد الأفكار الرئيسية لنظرية فيكو في أصل اللغات الصامتة والهيروغليفية، وسبق الشعر للنثر، وأن اللغة المتخيلة أسبق في الوجود من اللغة المجردة النقية، ومن المرجح أن تكون فكرته الرئيسية عن أصل اللغة كمفتاح للمجتمع المدني مأخوذة من فيكو بالرغم من عدم الإشارة إليه في أي موضع. وإذا اتجهنا إلى ميشليه (١٧٩٨–١٨٧٤م) المؤرخ الفرنسي الشهير وجدناه على النقيض يعترف في مقدمة كتابه «تاريخ فرنسا» بفضل الفيلسوف الإيطالي ويقول: «ليس لي أستاذٌ غير فيكو.» لقد اكتشفه ميشليه في يناير ١٨٢٤م أثناء قراءته لأحد الكتب المترجمة ووجد فيه جزءًا عن فيكو شجعه على معرفة المزيد عنه، وفي يوليو من العام نفسه تعلَّم ميشليه الإيطالية ليطلع على النص الأصلي. أعجب ميشليه بالفكرة الرئيسية عند فيكو ألا وهي أن الطبيعة البشرية تصنع نفسها بنفسها وتحمَّس لها فجعلها محور تفسيره لتاريخ فرنسا؛ فهذه الفكرة تتضمَّن أن الحضارة بما تشمله من أدبٍ وفن ودين وقانون واقتصاد وسياسة هي نتاج جماعي للإنسانية، وأن تطور التاريخ والاجتماع ليس إلا سجلًّا لمحاولة البشر للخروج من حالة التوحش الأولى إلى الحالة الإنسانية؛ فالتاريخ ليس إلا سجلًّا للصراع اللامتناهي للإنسان ضد الطبيعة، والروح ضد المادة، والحرية ضد الهمجية، هذه النظرة للتاريخ كصراع الحرية ضد الهمجية يتطابق فيها ميشليه مع تصور فيكو للإنسان كصانع لتاريخه وأصبحت هي الفكرة السائدة في مؤلَّفه الكبير «تاريخ فرنسا». وفي عام ١٨٢٤م ترجم ميشليه «مختارات من العلم الجديد»، وأُعيدَ طبع هذه الترجمة عام ١٨٣٥م ومعها ترجمة لسيرة فيكو الذاتية وبعض من أعماله الأخرى وخطاباته، فاهتم الفكر الفرنسي بأفكاره وحاز إعجاب الأدباء والمفكرين من أمثال شاتو بريان وكوزان في منتصف القرن التاسع عشر. وقد كتب روبرت فلنت عام ١٨٤٤م عن هذه الترجمة فقال: «لا يوجد مكان خارج إيطاليا دُرس فيه فيكو بتعاطفٍ مثلما حدث في فرنسا، وهو يدين بالشهرة التي يتمتَّع بها في أوروبا لكتاب ميشليه «مختارات من العلم الجديد» فقد حاول في ترجمته أن يستشفَّ بتعاطفٍ وإخلاصٍ روح مؤلفه وجوهره، ونجح في هذا إلى حد أن أصبحت الترجمة الفرنسية أكثر تشويقًا وفائدةً من النص الأصلي، فكانت الترجمة نفسها عملًا عبقريًّا.»

ولعل أهم اتجاه ظهرت فيه أفكار فيكو واضحة وخاصة فيما يتعلق بقانون تطور الأمم هو الاتجاه الوضعي الذي يمثله أوجست كونت (١٧٩٨–١٨٥٧م)، فإذا كان فيكو يمثل عقل عصر النهضة المتأخر فهو أيضًا يعدُّ رائدًا لمفكري القرن التاسع عشر، لقد كان أثره عميقًا على المدرسة الوضعية الفرنسية بزعامة أوجست كونت الذي اعترف في أحد خطاباته لجون ستيوارت مل أنه قرأ فيكو ورأى في بعض مسلَّماته — على حد قوله — خطوة أولى نحو التطوُّر الحقيقي للمجتمع، وأن أفكاره أيدت رأيًا كان قد أبداه في كتابه «الفلسفة الوضعية»، بل واعترف بتفوُّقه على كوندورسيه. ورأى كونت أن القيمة الحقيقية لفلسفة فيكو تكمن في الفهم العميق الصحيح — في معظم الأحيان — للفلسفة التاريخية للغة، ومنذ ذلك الحين أصبح كتاب فيكو من الكتب التي يتناولها الوضعيون بالدراسة. ولسنا بصدد عرضٍ لفلسفة أوجست كونت الوضعية ولكننا سنُلقي الضوء على الجوانب المشابهة لفلسفة فيكو التاريخية وهي الأفكار الخاصة بقانون الأحوال الثلاثة لتطوُّر المجتمعات، فكلاهما استخلص قانونًا من ثلاث مراحل لتفسير التغيرات التاريخية. تنقسم فلسفة كونت إلى قسمين؛ القسم الأول خاصٌّ بدراسة قوانين حركة المجتمعات البشرية وهو ما يُسمِّيه بالديناميك الاجتماعي Social Dynamics الذي يكشف عن تقدم الإنسانية وتطورها؛ ويتناول القسم الثاني دراسة المجتمعات البشرية في حالة استقرارها وثباتها في فترة معينة من تاريخها وهو ما يُطلق عليه الإستاتيكا الاجتماعية Social Statics وسنلقي الضوء على القسم الأول لما وجدنا فيه من تشابهٍ كبيرٍ بين ما يتناولُه كونت في هذا القسم وبين ما انتهى إليه فيكو من دراسة أصول المجتمعات البشرية القديمة؛ فقد انتهى هذا الأخير إلى قانون يحكم تطور المرحلة البطولية وأخيرًا المرحلة البشرية، وهذا يذكرنا بقانون الأحوال الثلاثة الشهير لأوجست كونت. ومن المعروف أن هذا القانون الأخير يبدأ بالمرحلة اللاهوتية ثم المرحلة الميتافيزيقية وأخيرًا المرحلة العلمية، ولما كان كونت قد اطَّلع على «العلم الجديد» كما ثبت ذلك من خطابه لجون ستيوارت مل، فمن المرجح أن يكون قد تأثر بفيلسوفنا كما يتضح ذلك من القسم الأول من فلسفة كونت الذي يتناول البحوث الديناميكية الاجتماعية التي تدور حول نظريتَيْن أساسيتَيْن هما: نظريته في قانون الأحوال الثلاثة، ونظريته في تقدُّم الإنسانية؛ فقد انتهت دراسته للديناميك الاجتماعي إلى الكشف عن قانون عام يحكم تطور المجتمعات وهو قانون من أحوالٍ ثلاثةٍ يتتبَّع تطور العقل البشري في إدراكِه لفروع المعرفة؛ الحالة الأولى هي الحالة اللاهوتية أي المرحلة الدينية التي اعتمد فيها الإنسان على تفسير الظواهر تفسيرًا غيبيًّا ونسبتها إلى قوًى خارجيةٍ كالآلهة؛ والحالة الثانية هي الحالة الميتافيزيقية التي تطور فيها العقل إلى مرحلةٍ أرقى من الأولى وفسر الظواهر بنسبتها إلى معانٍ مجردة أو قوًى ميتافيزيقية لا يقوى على إثباتها؛ وأخيرًا الحالة الثالثة وهي المرحلة العلمية التي تطوَّر فيها العقل تطورًا علميًّا في تفسيره للظواهر ونسبتها إلى القوانين التي تحكمها والأسباب المباشرة التي تؤثر فيها، ولقد شبه كونت تطور العقل البشري بالتطوُّر العضوي للفرد، فالمرحلة اللاهوتية أو الدينية تمثل مرحلة الطفولة، والمرحلة الميتافيزيقية تمثل مرحلة الشباب. أما المرحلة العلمية أو الوضعية وهي آخر مراحل التطوُّر فتمثل مرحلة الرجولة والنضج.
ويستدل كونت على صحة قانونه بالرجوع إلى تاريخ العلوم من ناحيةٍ وتاريخ الإنسانية من ناحيةٍ أخرى متمثلًا في تاريخ الفنون والنظم والقانون والسياسة والأخلاق وتاريخ الحضارة بوجهٍ عام، فكل تطورٍ عقلي لا بد أن يتبعه تطور في جميع الأنشطة البشرية، كما أن كل تطورٍ في الحياة الاجتماعية لا بد أن يُصاحبَه تطوُّر عقلي. وهكذا يكون التطوُّر أو التقدم كما يعنيه كونت متجهًا إلى هدف معين، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف لا بد أن يخضع هذا التقدم لقوانين. فانتقال الإنسانية من مرحلة إلى مرحلة لا بد أن يكون تقدمًا نحو ما هو أفضل، ويتضح هذا التقدم في مظهرين: تقدم في الحالة الاجتماعية وهو ما يسميه بالتقدم المادي، وتقدم في الطبيعة البشرية وهو ما يسميه بالتقدم العقلي؛ أي أن التقدم لا بد أن يسير على مستويين؛ تقدم مادي يصاحبه ارتقاء في المعايير العقلية والأخلاقية والجمالية وما إليها من المعنويات التي لا غنى عنها في الحياة الاجتماعية، وإذا كان التقدم يسير في خطٍّ مطردٍ فإنه يتخلَّلُه الكثير من الصعاب وتعترضه الأزمات، ولكن لا بد من التدخُّل الإنسانيِّ لتحقيق تقدمٍ أسرع ليعجل بمجيء مرحلةٍ من المراحل كان لا بد لها أن تأتيَ حتى ولو لم يتدخَّل الإنسان.١٢
وكما درس كونت الحياة البشرية في حركتها الديناميكية فقد عرض أيضًا لدراسة حالتها الإستاتيكية وهي القسم الثاني من فلسفته الذي تناول فيه دراسة المجتمعات الإنسانية في حالة استقرارها باعتبارها ثابتةً في فترةٍ معينةٍ من تاريخها. وشملت دراسته الجوانب السياسية والاقتصادية والأخلاقية والدينية، والهدف من هذه الدراسة هو الوقوف على القوانين التي تحكم تماسك هذه المجتمعات، والنقطة الأساسية التي بدأ منها هي حقيقةٌ هامة، وهي أن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بالفطرة؛ لذلك نقد نظريات التعاقد الاجتماعي، فحالة الاجتماع هي الحالة الطبيعية الأولى للإنسان. والمهم في هذا السياق أن كونت أكَّد أن الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بالفطرة، وهذا ما سبق أن أكده فيكو تأكيدًا واضحًا في «العلم الجديد»، ويكفي أن نرجع للمسلَّمة رقم ٨ التي تنص على أن «الجنس البشري كان منذ بدايته الأولى يحيا حياةً اجتماعيةً؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته.» ومنهج كونت في دراسة المجتمع البشري هو المنهج العلمي التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والتجربة ثم يتبع المنهج المقارن والمنهج التاريخي. والملاحظة الاجتماعية ليست كالملاحظة العلمية مقصورة على الإدراك والوصف المباشر، ولكن هناك دراسة العادات والتقاليد والآثار ومظاهر التراث الأخرى، وتحليل ومقارنة اللغات والوثائق والسجلات التاريخية، ودراسة التشريعات والنظم السياسية والاقتصادية وما إليها، فلا شك أن هذه المصادر تقدِّم مواد غنية نافعة تساعد على الكشف العلمي. وتقوم التجربة على دراسة ظاهرتَيْن متشابهتَيْن في كل الأحوال ومختلفتَيْن في حالةٍ واحدةٍ لاستنتاج أثر هذه الحالة التي تسبَّبَت في اختلاف الظاهرتَيْن ومدى تأثيرها في الظواهر الأخرى. ثم يتبع كونت المنهج المقارن الذي يقوم على مقارنة المجتمعات البشرية بعضها ببعض لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف بينها، وقد تكون المقارنة في نطاق المجتمع الواحد وقد تتخذ المقارنة صورةً أعمَّ وأشملَ وهي مقارنة جميع المجتمعات البشرية ككلٍّ بالإنسانية ذاتها في مرحلةٍ أخرى للوقوف على مبلغ التقدُّم الذي تخطوه الإنسانية في كل طورٍ من أطوار تقدُّمها. ويعتبر كونت المنهج التاريخي هو آخر حجرٍ في بناء المنهج الوضعي، ويُسمِّيه بالمنهج السامي أي المنهج الذي يكشف عن القوانين الأساسية التي تحكم التطوُّر الاجتماعي للجنس البشري باعتبار أن هذا الجنس وحدةٌ واحدةٌ تنتقل من مرحلةٍ إلى أخرى أرقى منها.١٣ ومن الواضح أن منهج كونت في دراسة المجتمع البشري ليس بالمنهج الجديد؛ فقد سبقه فيكو إلى هذا المنهج بأكثر من قرنٍ من الزمان عندما أعلن من البداية أنه ينتهج المنهج العلمي التجريبي على غرار منهج بيكون، واستخدم أيضًا كل الوثائق والسجلات التي خلفتها الأمم القديمة واعتمد على فقه اللغة للكشف عن حياة المجتمعات الأولى من تطوُّر الاشتقاقات اللغوية في عصرٍ لو تتوفَّر فيه المادة التاريخية الكافية ولم يتقدَّم علم الآثار ليكشف عن حضاراتٍ في طي النسيان، فلا عذر إذن لفلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر الذين وجدوا في متناول يدهم التاريخ الحقيقي للحضارات التي اكتشفها علم الآثار. وإذا كان كونت قد زعم أنه استخدم المنهج المقارن فإنه منهجٌ مقارن بالاسم فقط لا بالفعل؛ لأنه صنَّف الشعوب ورتبها من البسيطة إلى الأكثر تقدمًا، وكونت مثله مثل فلاسفة عصره الذين حاولوا بأساليب عديدةٍ إثبات ضرورة التقدُّم في التاريخ بتصنيف الشعوب بشكل عقلاني، فجاءت فكرة التقدم لديه مستنبطة من العقل الديكارتي لا بالاستناد إلى التاريخ الحي؛ فقد أكد في أكثر من موضع أن التاريخ بلا أحداث فالتاريخ الكامل ليس به أسماء ولا شخصيات ولا أحداث ولا أماكن ولا تواريخ، وأن السجلات التاريخية كشاهد على مسار الأحداث بين الشعوب والأمم لا تثبت مبدأ التقدم، وأقرَّ بحقيقة المبدأ الأكبر للتقدُّم وأنه لم يكن ولن يكون أبدًا في تواريخ فعلية لشعوب منفردة، وهذه النتيجة التي انتهى إليها كونت عكس ما انتهى إليه فيكو الذي كان أكثر واقعيةً في نظرته لتفرُّد الشعوب والحضارات واهتمامه بالخصائص النوعية لكل حضارةٍ ولكل أمةٍ على حدة.

من هذه اللمحة السريعة عن فلسفة كونت في تطور المجتمعات البشرية نجد أن فكرة قانون الأحوال الثلاثة الذي يزعم كونت أنه من اكتشافه هي فكرة ليست بالجديدة؛ فقد سبقه فيكو بقانون تطور الأمم وهو القانون الذي يفسر التغيرات التاريخية، وإن كان أكثر منه حسًّا بالتاريخ عندما فسر المجتمعات البشرية كمجتمعاتٍ متفردة جزئية، بينما عرض كونت للإنسانية بوصفها كلًّا لا يتجزَّأ فلم يستطع أن يتخلَّص من تأثير العقلانية الديكارتية، وكان أميل إلى التعميم والتجريد في تناولِه للإنسانية ككلٍّ بدلًا من تناول ظواهر حضارية نوعية ومتنوعة كما فعل فيكو من قبله، والواقع أنه ليس هناك إنسانية بل مجتمعات إنسانية أي مجتمعات جزئية مختلفة، وهكذا تصور كونت التاريخ تصورًا مجردًا ووصفه بأنه تصورٌ علمي ووضعي، ودافع عن فكرة التقدم في التاريخ الإنساني شأنه شأن فلاسفة عصر التنوير، أي التقدم الذي يسير في خطٍّ مستقيم لأنه تصوره تصورًا عقليًّا قبل كل شيء.

(٤) فيكو في التراث الماركسي

تكلمنا في الفصول السابقة عن المبدأ الأساسي في نظرية المعرفة عند فيكو وهو أن البشر لا يعرفون إلا ما يصنعون، وأن الإنسان كائنٌ تاريخي لأنه صانع هذا التاريخ. وقد تحدثنا في الفصل السابق بشيء من التفصيل عن نظرية المعرفة، ونود أن نشير هنا إشارةً موجزة عن تأثيرها على التراث الماركسي ولا سيما أن كارل ماركس قد أشار إلى أهمية فيكو في أحد هوامش الجزء الأول من «رأس المال» فكتب يقول: «لقد أثار داروين اهتمامنا بتاريخ التكنولوجيا الطبيعية أي بتطور أعضاء النباتات والحيوانات باعتبارها أدوات منتجة تحافظ على حياة هذه الكائنات، ألا يستحق تاريخ الأعضاء المنتجة للإنسان في المجتمع — أي هذه الأعضاء التي هي الأساس المادي لكل نوعٍ من أنواع التنظيم الاجتماعي — ألا تستحق هي أيضًا مثل هذا القدر من الاهتمام؟ ولما كان أساس التمييز بين التاريخ البشري والتاريخ الطبيعي كما يقول فيكو هو أن الأول من صنع الإنسان على حين أن الثاني ليس كذلك، ألا تكون كتابة تاريخ التكنولوجيا البشرية أسهل بكثيرٍ من كتابة تاريخ التكنولوجية الطبيعية، وأن التقنية عندما تكشف عن تعامل الإنسان مع الطبيعة وعن الأنشطة الإنتاجية التي تحفظ عليه حياته، إنما تكشف في نفس الوقت عن علاقاته الاجتماعية والتصورات الذهنية التي تنبثق عنها.»١٤ وقد أكد بول لافاش — زوج ابنة ماركس في كتابه «الحتمية الاقتصادية والمنهج التاريخي عند كارل ماركس» (عام ١٩٠٧م) — أكد أن مفهوم ماركس عن التاريخ مستمد من نظرية فيكو عن المعرفة. كما أكد الماركسي الإيطالي أنطونيو لابريولا — وهو أحد الذين كانوا يراسلون إنجلز — في مقالاته عن التصوُّر المادي للتاريخ: «إن فيكو هو أحد روَّاد التصور المادي للتاريخ.»

وقبل أن نتعرض للحديث عن أثر فيكو على الماركسية، نود أن نقصر حديثنا على الجوانب التي يبدو فيها أثر فيكو واضحًا وتتلخَّص في ثلاث أفكار رئيسية؛ الفكرة الأولى هي أن البشر هم صانعو التاريخ؛ والثانية هي تأكيد فيكو أهمية التنظيم الاقتصادي وجعله أساس التنظيم السياسي؛ والثالثة هي تأكيد دور الصراع الطبقي في تطور التاريخ. وإذا كانت المادية التاريخية قد انطلقت من عكس الدياليكتيك الهيجلي، إلا أنها ارتكزَتْ على نظرية المعرفة عند فيكو ومحورها الأساسي «أن الإنسان هو صانع التاريخ لأنه لا يعرف إلا ما يصنع.» وهذه العبارة التي تحوي بذور فلسفة العمل أو الفعل كانت تأكيدًا للفكرة الجوهرية التي انطلقت منها المادية التاريخية وبلغ كلٌّ من ماركس وإنجلز بهذه الفكرة مرحلة النضج، فقال ماركس (١٨١٨–١٨٨٣م): «إن مفتاح كل تاريخ للمجتمع هو النمو التاريخي للعمل.» لأن ماهية الإنسان لا تتحقق إلا بالعمل، كما يؤكد ماركس «أن البشر يصنعون تاريخهم الخاص باتباع كل واحد منهم الغايات التي يرغب في تحقيقها بصورة واعية، ونتيجة هذه الإرادات العديدة التي تعمل في اتجاهات مختلفة، وكذلك نتيجة آثارها على العالم الخارجي هي التي تشكل التاريخ.»

أما عن الفكرة الثانية وهي تأكيد أهمية التنظيم الاقتصادي كأساس للسلطة السياسية، فقد أكد فيكو أن المجتمعات البشرية بمعناها التام لا تنشأ إلا بظهور طبقة العبيد، فينقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة النبلاء ملاك الأرض؛ وطبقة العبيد الذين يحرثون الأرض ويفلحونها، ويتحوَّل المجتمع الأسري إلى مجتمع إقطاعي. وبعد فترة طويلة من الزمن يبدأ تمرد العبيد على النبلاء للمطالبة بالمساواة معهم في الحقوق المدنية مما اضطر النبلاء إلى توحيد صفوفهم لمواجهة ثورة العبيد فنشأت الحكومات الأرستقراطية التي كانت أول شكلٍ من أشكال الحكم في العالم.١٥ هكذا جعل فيكو النظام الاقتصادي أساسًا للنظام السياسي، وهي نفس النتيجة التي توصَّل إليها كلٌّ من ماركس وإنجلز من أن التاريخ محكومٌ على الدوام بقوانين خفية، وهذه القوانين تكون في آخر المطاف قوانين اقتصادية وهو ما يقود إلى حتميةٍ تاريخية. وإذا كان فيكو قد تصوَّر العملية التاريخية بأسرها في صورة نمو عضوي يسير إلى التفكك والتحلل ثم يعود إلى النمو من جديدٍ بحيث تكون كل الجوانب الحضارية في كل مرحلةٍ من هذه المراحل — كالعادات والأخلاق والقانون والحكومة واللغة والفن والعلم والدين والفلسفة — ذات شكلٍ وخصائص مختلفة عن شكلها وخصائصها في المرحلة السابقة عليها، فإن ماركس وإنجلز جاءا ليميزا بين أنواع النشاط البشري من أنشطةٍ أوليةٍ وأخرى ثانوية أو بالتعبير الماركسي بين البناء التحتي والبناء الفوقي. ولكي يصنع الإنسان تاريخه لا بد من توافر المأكل والمشرب والملبس والمأوى، هذه هي الأنشطة الأولية — البناء التحتي — وتتضمَّن علاقة مادية اجتماعية مزدوجة، فأساليب الإنتاج تتميز بأسلوبٍ معينٍ من التعاون أو بمرحلةٍ اجتماعيةٍ معينة، ويستحوذ كل جيلٍ على النظام الإنتاجي الذي اكتسبه من الجيل السابق عليه ويستخدمه كمادةٍ خام تصلح لإنتاجٍ من نوعٍ جديد؛ فأساليب الإنتاج تربط بين مراحل التاريخ المختلفة وتشكل تاريخ البشرية، وعلاقة البشر بوسائل الإنتاج شرط كل علاقاتهم الأخرى، فهي تنعكس في وعيهم وتفكيرهم ولغتهم وتكوين نظمهم السياسية والقانونية والأخلاقية والدينية. وهذه الأنشطة الثانوية — البناء الفوقي — ليس لها تاريخ مستقل خاص بها ولا تُفهم بمعزل عن الأنشطة الأولية لأنها انعكاس وتفسير وتبرير لهذه الأخيرة وربما تكون في بعض الأحيان محاولة لإخفائها وحجبها. وهكذا فإن جوهر المادية التاريخية يقوم على أن التاريخ الاقتصادي هو المجرى الأساسي العميق في نهر التاريخ، ولا بد من سبر أغوار هذا المجرى ودراسته دراسة متعمقة لكي نفهم تياراته السطحية ومده وجزره فهمًا كافيًا. ويكفي الإشارة إلى هذه العبارة من بيان الحزب الشيوعي (عام ١٨٤٨م): «إذا نظرنا إلى عصرٍ من عصور التاريخ رأينا أن الأسلوب السائد في الإنتاج الاقتصادي والتبادل وما يترتب عليه من تنظيم اجتماعي هو الأساس الذي يقوم عليه ويفسر بواسطته التاريخ السياسي والعقلي لهذا العصر.»
وواضح من هذا أن الماركسية تجاوزَتْ مفهوم فيكو عن النظام الاقتصادي، ولكنها في رأي بعض الشرَّاح الماركسيين قد سارت خطواتٍ بعيدةً في نفس الاتجاه الذي قطع فيه فيكو شوطًا طويلًا، وإذا كان فيكو قد أكد أن النظام الاقتصادي هو أساس النظام السياسي، فإن الماركسية قد توسَّعت في هذه الفكرة بغير شكٍّ وجعلت البنية الفوقية بأسرها لا السياسة وحدها انعكاسًا للبنية التحتية أو البنية الاقتصادية، ومع ذلك يمكننا أن نقول إن فيكو نظر إلى التاريخ نظرةً أكثر شمولًا وعمقًا لتناوله التاريخ البشري من كل جوانبه الحضارية من اقتصاد وسياسة وفن ودين وقانون … إلخ، وأعطى لكل جانبٍ من هذه الجوانب نفس القدر من الأهمية حيث تتفاعل مجتمعةً لتصنع التاريخ البشري، بينما تناولت الماركسية التاريخ من بُعدٍ واحدٍ وهو البعد الاقتصادي وكأنه المؤثِّر الوحيد في تطور التاريخ فجعلت التطوُّر السياسي والقانوني والفلسفي والأدبي يرتكز على التطوُّر الاقتصادي. وعلى الرغم من أن إنجلز أكد ردًّا على خصوم الماركسية أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في تطوُّر التاريخ ولكنه أهم العوامل، وأن العناصر المختلفة التي تتكوَّن منها البنية الفوقية لها أثرها في الصراع التاريخي وأحيانًا تكون لها الغلبة في شكل هذا الصراع، ويقصد بهذه العناصر المظاهر السياسية لصراع الطبقات ونتائجه، وهذه هي الفكرة الثالثة التي كان لفيكو السبقُ فيها، فقد قدَّم أعمق تحليلٍ للصراع الطبقي قبل الماركسية، وظهر هذا الصراع عندما بدأ العبيد في التمرُّد فكانت ثورتهم ضد الأبطال ويستمر صراع النبلاء والعامة فقد أقسم النبلاء على العداء الأبدي للعامة، ويتابع فيكو مراحل هذا الصراع بتفاصيله حتى يحصل العامة على كافة حقوقهم المدنية والسياسية وتتحوَّل نظم الحكم من الأرستقراطية الإقطاعية إلى نظمٍ ديموقراطية شعبية حرة.١٦ وجاءت الماركسية فيما بعد لتؤكد أن تاريخ كل مجتمعٍ هو تاريخ الصراع بين الطبقات، فكان من أهم الأفكار التي يتضمنها القسم الأول من البيان الشيوعي تأكيد أن الصراع الطبقي هو لب التاريخ البشري، وأن الدولة نظامٌ يعبِّر عن إرادة الطبقة المسيطرة اقتصاديًّا، وهكذا كانت الفكرة الأساسية التي وردت في مقدمة بيان الحزب الشيوعي التي وضعها إنجلز: «إن التاريخ البشري — منذ انحلال المجتمع الطبقي البدائي الذي تملك فيه الجماعة الأرض ملكية مشتركة — عبارة عن تاريخ منازعات بين الطبقات، أي بين الطبقات التي تستغل غيرها والطبقات التي تكون موضع الاستغلال أو بين الحاكم والمحكومين، وتاريخ صراع الطبقات سلسلة من عمليات التطوُّر وفيها أدركنا اليوم مرحلة لن يكون في وسع الطبقات التي تنوء تحت نير الاستغلال، وهي البروليتاريا، أن تحرِّر نفسها من سيطرة الطبقات التي تحكمها وتستغلها وهي البرجوازية دون أن تحرر في الوقت نفسه وبصفة نهائية المجتمع بوجه عام من جميع ألوان الاستغلال والظلم، والفوارق والمنازعات بين الطبقات.»١٧ وقد صدق كروتشه عندما قال في كتابه عن فلسفة فيكو إن ماركس وسوريل قد طوَّرا فكرة فيكو عن صراع الطبقات وتجدُّد شباب المجتمع عن طريق العودة إلى الحالة البدائية للعقل وإلى البربرية الجديدة. بهذا نكون قد حاولنا أن نجتهد في بيان أثر فيكو على أصحاب الاتجاهات الكبرى في فلسفة التاريخ والاجتماع، ونقول اجتهدنا مع علمنا بأن مثل هذا الموضوع يحتاج إلى دراساتٍ أوفى وأعمق، وبحوثٍ مستقلة تخرج بنا عن حدود هذا البحث، وكل ما نرجوه أن نكون قد وُفِّقنا على طريق البحث المتعمق لفلسفة فيكو المتشعبة الجوانب، وأن يكون هذا البحث بدايةَ بحوثٍ مقبلة تُضاف بإذن الله إلى المكتبة العربية.
١  بول هازار، الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، ترجمة د. محمد غلاب، ج١، ص٤٧–٤٩.
٢  على الرغم من أن فيكو لم يذكر كلمة الدياليكتيك، إلَّا أن أفكاره عن تطور المجتمع البشري بفعل الصراعات الداخلية تمثل بشكل أو بآخر نوعًا من الدياليكتيك. وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل بعض المفكرين يعتبرونه مبشرًا بالفكر الألماني، بل ربما يكون هذا أيضًا هو سبب استقبال الإيطاليين للنزعة الدياليكتيكية الهيجيلية وكأنها نابعةٌ من داخلهم.
٣  كما يري Bergin & Fisch في مقدمتهما للسيرة الذاتية لفيكو. انظر Vico; Autobiography; p. 63.
٤  هامان Hamman مفكِّر صوفيٌّ نشأ في عصرٍ عقلانيٍّ ويُطلق عليه اسم «ساحر الشمال» وكان خصمًا لعصر التنوير وفلسفة كانط والنزعة العقلانية بوجهٍ عام.
٥  انظر المنطق الشعري (الفصل الثاني، الباب الثاني من هذا البحث).
٦  إيمري نف، المؤرخون وروح الشعر، ترجمة د. توفيق إسكندر، ص٣١.
٧  المرجع السابق، ص٥٤.
٨  د. عبد العزيز عزت، فلسفة التاريخ، ص٢٧٢–٢٧٨.
٩  كتاب الأفكار، ج١، فصل ١٤، ص٢٤٤ (عن معجم الفلاسفة، برلين، ١٩٨٣م، ص٣٨٦).
١٠  المرجع السابق، ج١، فصل ١٤ (المصدر السابق).
١١  في دراسةٍ دقيقةٍ قاما بها في مقدمة ترجمة سيرة فيكو الذاتية، وتتبعا فيها رحلة الكتاب أي «العلم الجديد» في معظم الدول الأوروبية من خلال رسائل غير منشورة متبادلة بين كبار المفكرين.
١٢  د. مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، ص٢٣٩–٢٤٢.
١٣  المرجع السابق، ص٢٣٥–٢٣٨، ٢٣٩.
١٤  ماركس، كارل، رأس المال، الطبعة الشعبية، برلين وموسكو عام ١٩٢٢م، ج١، ٣٨٩ هامش ٨٩ (Bergin & Fisch عن السيرة الذاتية لفيكو ص١٠٥).
١٥  انظر شرحنا بالتفصيل في الاقتصاد الشعري والسياسة الشعرية (انظر الفصل الثاني من الباب الثاني من هذا البحث).
١٦  تفاصيل هذا الصراع في السياسة الشعرية (الفصل الثاني من الباب الثاني من هذا البحث).
١٧  د. راشد البراوي، المذاهب الاشتراكية المعاصرة، ص٤٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١